الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى مادة "رحم" ذات الدلالة المهمة فى المعجم العربى.
ويبدو من هذه الأدلة أن استعمال البسملة قد شاع بعد نزول الآية المشار إليها فى سورة الإسراء، وقد تكون البسملة مبنية من جزءين هما "بسم اللَّه" وهى العبارة التى ترد وحدها (الآية 41 من سورة هود) و"الرحمن الرحيم" وهى الآية الثالثة من الفاتحة، ولكن الأرجح أن الفاتحة نفسها وجميع صيغ البسملة قد نزلت بعد الآية المشار إليها فى سورة الإسراء. ويبدو من المحتمل كذلك أن البسملة لم تكن أصلًا من آيات الفاتحة، فعلماء المدينة والبصرة وسوريا لم يكونوا يعدونها كذلك، كما أن الفاتحة دون البسملة كانت تسمى سورة الحمد، وربما كان ذلك اسمها فعلًا قبل نزول البسملة. ولكن الذى لا شك فيه هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلوها فى مستهل قراءته لأى آيات قرآنية بعد أن نزلت، ولما كانت الكثير من هذه الآيات ترد فى سور نزلت فى أوقات متفاوتة، فلابد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلو البسملة قبل تلاوته آيات أوحى بها فى أوقات متفرقة. ومن ثم فإن البسملة لم تقتصر على فواتح السور إلا بعد أن اتخذت هذه السور رسمها النهائى فى المصحف.
(د) فواتح السور:
فى بداية تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم يوجد بعد البسملة حرف أو مجموعة من الحروف تسمى فواتح السور أو أوائل السور أو الحروف المقطعات، ويشار إليها فى اللغات الأوربية بتعبير "الحروف ذات الأسرار" وتنطق هذه الحروف على نحو ما تنطق حروف الأبجدية العربية، ولقد ظلت على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان مثار جدل وحيرة بين علماء المسلمين، فقد رأى بعضهم أنها اختصارات لكلمات أو عبارات، فقالوا إن "ألر" اختصار للفظ "الرحمن" و"حم" اختصار "للرحيم"، و"يس" اختصار لعبارة "يا سيد المرسلين" إلى آخر ما قالوا. ويروى عكرمة وآخرون عن ابن عباس قوله إن "الر" و"حم" و"نون" معًا تكوّن "الرحمن" (الاتقان،
جـ 3، ص 9) وقال البعض الآخر إن الحروف ليست اختصارات، وحاولوا تفسيرها بطرق مختلفة، فقالوا إنها أصوات يقصد منها تنبيه النبى صلى الله عليه وسلم أو اجتذاب أسماع من يستمعون إلى القرآن حتى ينصتوا ويحسنوا الإصغاء، وقال غيرهم إنها أسرار خفية ذات معان رمزية تقوم على القيمة العددية (بحساب الجُمل) للحروف العربية، وقال آخرون إنها فواصل بين السور، وذهب عدد من العلماء إلى أنها حروف عربية وحسب، تشهد أن التنزيل قد أوحى به بلغة القوم التى يعرفونها وهلم جرّا. ويروى السيوطى عن ابن عباس (عن طريق ابن اسحاق) أن جماعة من اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم إن الحروف تشير إلى عدد السنوات التى سيظل فيها المجتمع الإسلامى قائمًا، فعندما سمعوه يتلو "ألم"(1 + 30 + 40 = 71) قالوا إن العدد لن يتجاوز 71 سنة. وعندما سمعوه يتلو "ألمص"(1 + 30 + 40 + 60) قالوا إن المدة هى 131 سنة، وعندما سمعوا "ألر"(1 + 30 + 200) قالوا بل هى 231 سنة، ثم سمعوا "ألمر" فقالوا بل هى 271 سنة. وانتهى بهم الأمر إلى إنكار ذلك كله وإلى أن ثمة سرًا يكتنف هذه الحروف. وقد ناقش السيوطى هذه المسائل جميعًا إلى جانب غيرها من الاحتمالات وانتهى إلى أن فواتح السور رموز أو أسرار لا يعرف تأويلها إلا اللَّه. وقد أظهر علماء المسلمين المتأخرين ميلًا إلى تقبل هذا الرأى، ولو أن عددًا منهم (مثل هاشم أمير على) يقول إن جميع مجموعات الحروف لا بعضها فقط هى حروف نداء للنبى صلى الله عليه وسلم ويقول على ناصوح الطاهر إن القيمة العددية للحروف تمثل عدد الآيات فى "التقسيم الأصلى" للسور التى تتصدرها ومعظمها سور مكّية. وهو يستشهد بما استشهد السيوطى به، فيقول إن سورة الأعراف التى تتكون الآن من 305 آية والتى تبدأ بالحروف المص (1 + 30 + 40 + 90 = 161) كانت تتضمن 161 آية فقط، ثم يطبق هذا الأسلوب على مجموعات من السور حتى يتسنى له التوفيق بين أعداد آياتها والأرقام الموحى بها فى حروف الفواتح. ولكن هذا القول مردود عليه بأننا لا نجد سورة واحدة يبلغ عدد
آياتها العدد الذى توحى به أرقام الفواتح، ولا يتفق قول الطاهر مع الأساس الذى أقيمت عليه الطبعة المصرية المعتمدة. وتعتبر هذه النظرية نموذجًا ساطعًا للتخرصات التعسفية بشأن هذه الحروف أو الفواتح.
وقد تصدى عدد من الباحثين الغربيين للتحدى الذى تمثله تلك الفواتح فقدموا بعض الآراء التى تنم على التخبط والحيرة، إذ زعم الباحث الألمانى نولديكى Noldeke فى كتابه قصة القرآن (1860) إلى أن هذه الفواتح هى اختصارات لأسماء مدونى القرآن (ألم = الزبير، ألم = المغيرة، وحم = عبد الرحمن) ولكنه عدل عن هذا الرأى عندما قرأ دراسة عميقة، على إيجازها، للموضوع كتبها أ. لوث O.Lith بعنوان تفسير الطبرى بالألمانية عام 1881 م، وقال فيها إن الحروف رموز قدسية خاصة تشير إلى بعض الموضوعات التى تتناولها السور. وهكذا عدل نولديكى عن رأيه وعاد إلى القول بأن الحروف جزءٌ لا يتجزأ من التنزيل وإنها إشارات قدسية إلى كتاب اللَّه العظيم. وعندما وضع شفالى استعراضه للدراسات القرآنية حتى عام 1919 م أعرب عن رفضه لما قال به لوث، ورفضه أيضًا لنظرية نولديكى.
وحاول عدد آخر إحياء النظرية القائلة بأن الحروف تمثل اختصارات لكلمات أو عبارات، كان أهمهم هانز باور Hans Bauer الذى أضاف إلى ذلك قوله (1921 م) بأن الحروف ذات علاقة بترتيب سور القرآن دون أن يفصل القول فى ذلك. وأما حجته القائلة بأنها اختصارات فهى غير مقنعة، وقد تبعه أ. جوسنز E. Goossens فى عام 1923 حين قال إن الاختصارات قد تشير إلى بعض الأسماء القديمة للسور، ولكن أدلته كانت هى الأخرى واهية. وجاء من بعدهما موريس سيل Mirris Seale الذى ذهب إلى أن الفواتح ترمى إلى تذكير القارئ بمضمون السورة، وقال إنه يقبل تفسيرها بأنها اختصارات وإن كان يختلف فى الكلمات التى تشير إليها، والتفاوت بين هذه الآراء وتنوعها، بل والتضارب بينها، يدل على أنه من
العبث محاولة السير فى هذا الطريق، بسبب ما يتسم به من تعسف.
وقد حاول جيمس أ. بيلامى James A. Bellamy فى مقال نشره فى مجلة الدراسات العربية والشرقية عام 1973 م تقديم نظرية للاختصارات تحاول تفادى الطابع التعسفى الذى اتسمت به محاولات من سبقوه. وقد بدأ بيلامى بترديد ما قاله المفسرون الأوائل من أن الحروف التالية: ألر، ألم، ألمر، حم، ن [وهى التى توجد فى فواتح جميع السور ذات الحروف المقطعة باستثناء عشر فقط] تمثل اختصارًا للرحمن أو للرحيم أو لكليهما، ثم انتهى إلى القول بأن هذه الحروف تمثل اختصارًا للبسملة، وأن الحروف الأخرى تمثل اختصارًا لها كذلك. وقد اقتضاه ذلك القول بأن الحروف الأخرى هى صورة من صور حروف البسملة، وهو قول متعسف ولا يستند إلى حقائق نصية أو تاريخية.
إن أى حل للغز حروف الأسرار لابد أن يستند إلى نظرية معقولة تتفق مع الأدلة النصية جميعًا، ومن ثم فيجب أن تكون نقطة الانطلاق هى السياق الفعلى للحروف، وهو سياق يقدم إلينا مفاتيح مهمة لحل ذلك اللغز. وتقدم القائمة التالية رقم السورة، وموقعها لو تم ترتيب جميع السور (باستثناء الفاتحة) وفقًا لأطوالها فقط، والفواتح، والعبارة أو الجملة الأولى:
2 (2){الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} (البقرة)
3 (4){الم. . . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} (آل عمران)
7 (5){المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} (الأعراف)
10 (11){الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (يونس)
11 (10){الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} (هود)
12 (12){الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (يوسف)
13 (34){المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} (الرعد)
14 (33){الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} (إبراهيم)
15 (41){الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} (الحجر)
19 (29){كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} (مريم)
20 (17){طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} (طه)
26 (15){طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (الشعراء)
27 (25){طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} (النمل)
28 (16){طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (القصص)
29 (27){الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت)
30 (36){الم غُلِبَتِ الرُّومُ} (الروم)
31 (46){الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (لقمان)
32 (54){الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ} السجدة)
36 (40){يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. . . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} (يس)
38 (39){ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} (ص)
40 (23){حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (غافر)
41 (37){حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (فُصِّلت)
42 (35){حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الشورى)
43 (31){حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (الزخرف)
44 (55){حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (الدخان)
45 (47){حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الجاثية)
46 (42){حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الأحقاف)
50 (42){ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} (ق)
68 (62){ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم)
وتبرز فى هذه القائمة مسألتان على جانب من الأهمية، وقد أكدهما كل من شفالى وباور ولوث، وإن لم يلتفت إليهما أصحاب نظريات "الاختصارات"، الأولى هى علاقة فواتح السور بالترتيب النهائى لها فى القرآن، والثانية هى علاقتها الوثيقة بالآيات الافتتاحية وبكتاب اللَّه العزيز. فالملاحظ أن السور التى تشترك فى نفس الفواتح قريبة من بعضها البعض، رغم تفاوت أطوالها، ورغم أن ذلك يعنى عدم الالتزام بالترتيب حسب طول السورة. وقد يعنى ذلك أن السور التى تشترك فى الفواتح كانت قريبة من بعضها البعض فى وقت جمع القرآن، وأن النساخ أبدوا التردد فى فصلها بعضها عن البعض، وأرجح سبب لهذا التردد هو اعتبارهم أن الفواتح جزء من التنزيل، وأن ترتيبها على هذا النحو مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم. والملاحظ أيضًا أن الفواتح يتبعها على الفور، وفى جميع الأحوال تقريبًا، ما يشير بصورة ما إلى كتاب اللَّه المُنَزَّل، وذلك فى العادة صيغة تنزيل مميزة تذكر الكتاب أو القرآن (باستثناء سورتى العنكبوت والروم كما هو واضح). وإلى جانب ذلك كله، فإنه يوجد توافق إلى حد ما بين الصيغة المذكورة فى كل سورة تبدأ بالحروف نفسها، فالسور التى تبدأ بالفواتح (طسم) تشترك فى الصيغة نفسها، وثلاث سور من التى تبدأ بالفواتح (حم) تشترك كذلك فى نفس الصيغة، وأربع سور من التى تبدأ بحروف مفردة بالقسم (يس، وص، وق، ون).
وسواء كان لوث محقًا أم لا فى القول بأن العديد من الصيغ الافتتاحية تتضمن إشارات للفواتح، فهناك أدلة أخرى على أن هذه الفواتح جزء لا يتجزأ من التنزيل وأنها كانت تقرأ باعتبارها حروفا مفردة من البداية. وأحد هذه الأدلة هو أن معظم الفواتح حين تقرأ كحروف مفردة تمهد للسجع فى الآية الأولى، ورغم أن التوافق ليس
كاملًا فإن العلاقة الوثيقة بين أصوات الفواتح وكلمات السجع فى الآيات التالية لها لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة.
ومن الحقائق البارزة الأخرى، والتى لابد ألا نعتبرها من قبيل المصادفة، هو أن حروف الفواتح تمثل كل شكل من أشكال الكتابة للحروف الساكنة بالعربية، ولا يتكرر ذلك الشكل لأكثر من حرف واحد فقط. فلدينا حرف الياء الذى يكتب (يـ) بينما لا توجد الباء أو التاء أو الثاء. ولدينا الحاء (ح) بينما الجيم (ج) ولا الخاء (خ)، ولدينا الراء (ر) لا الزاى (ز)، ولدينا العين (ع) لا الغين (غ) ولدينا القاف (قـ) لا الفاء (ف) ولا الواو (و) ولدينا الكاف (كـ) لا الدال (د) ولا الذال (ذ) -إلى جانب الأشكال التى يمثل كل منها واحد فقط مثل الهمزة، واللام، والميم، والنون، والهاء. (ويجب أن نذكر أن حرف الواو بالخط الكوفى العربى كانت ترسم بنفس صورة القاف والفاء هكذا: فـ، وأن الدال كانا يرسمان مثل الكاف -هكذا: كـ، والاستثناء هو أن الحروف لم تكن تشبك فى أواخر الواو والدال والذال)، وأقرب التفاسير إلى المنطق، أى أقرب تفسير لاستعمال هذه الحروف الأربعة عشر فقط، ودون غيرها، هو أنها قد قصد بها تمثيل الأبجدية العربية. فإذا صح هذا الاستنتاج، ازدادت دلالة وأهمية معنى الآيات الافتتاحية التى تقول إن القرآن العظيم قد أنزل باعتباره "كتابًا مبينًا" بالعربية. وتشير آيات أخرى (النحل/ 103، والشعراء/ 195) إلى أن القرآن قد أنزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} . ويبدو أن عدم الإشارة فى الشروح والتفاسير الخاصة بالقراءات المختلفة إلى الصورة التى كانت تنطق بها أشكال الحروف الساكنة الأربعة عشر، دليل على وجود تراث شفاهى قوى يؤكد مكانة فواتح السور.
وما تزال هناك بعض الأسئلة التى لم تحظ بعد بإجابات شافية، ولكن الأدلة القائمة تدعم ما ذهب إليه لوث ونولديكى فى آرائه المتأخرة، وشفالى، وبِلْ، وألان جونز، من أن الفواتح جزء لا يتجزأ من النص القرآنى. وللفواتح