الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(4)
السيوطى، حسن المحاضرة (القاهرة 1229)، جزء 1 صفحة 325.
(5)
على باشا مبارك، الخطط الجديدة جزء 6 (بولاق 1305) صفحة 12.
حسين أحمد عيسى [س. بروكلمان C. Brockelmann]
قاف
قاف اسم سلسلة الجبال التى تحيط بالأرض، وتختلف آراء المسلمين المتأخرين حول شكل الأرض كما يتضح ذلك من كتابات القزوينى والدمشقى وأبن الوردى وغيرهم، وقد ظن العرب القدامى أن الأرض قرص مستدير مسطح كما كان يظن العبريون والإغريق فى زمان هوميروس وهيسيود وكما كان يظن الفيزيائيون الأيونيون، ويفصل جبل قاف عن قرص الأرض منطقة لا يستطيع الإنسان أن يجتازها.
هناك رأى آخر له علاقة بالآراء الإغريقية والإيرانية يقول إن الأرض محاطة بكتلة من الماء العطن الذى لا يمكن للإنسان أن يبحر فيه اسمه البحر المحيط أو الأوقيانوس يكتنفه كله أو جزء منه ظلام دامس ولا يعرف أحد أين تقع شواطئه، ويحيط الحائط الجبلى قاف بالأرض والمحيط إحاطة الخاتم.
يصف ياقوت والقزوينى وابن وردى قاف بأنه من الزمرد الأخضر وأن لون السماء الأخضر (والذى نراه أزرقا)
إنما هو انعكاس للون هذا الجبل، وهناك وصف آخر يقول إن الصخرة التى يرتكز عليها الجبل هى فقط التى من نوع من الزمرد وتسمى هذه الصخرة أيضًا الوتد لأن اللَّه خلقها دعامة للأرض، إذ إن هناك من يظن أن الأرض لا تستطيع أن تحمل نفسها، لهذا فإنها تحتاج إلى دعامة مثل هذه، وبدون جبل قاف، تظل الأرض تهتز بصفة دائمة ولا يستطيع مخلوق أن يعيش عليها كما ورد فى الترجمة الفارسية لتفسير الطبرى.
هناك أفكار أكثر تعقيدًا تتعلق "بحملة" الأرض، ففى البداية أخذت الأرض تهتز إلى الإمام وإلى الخلف بشكل غير منتظم، فخلق اللَّه عز وجل
ملكًا حملها على كتفيه وأمسك بها بيديه (يذكرنا هذا بأطلس حامل السماء)، ويقف هذا الملك على كتلة رباعية الزوايا من الياسنت الأخضر يحملها ثور عملاق يقف على حوت يعوم فى ماء، ويعطى ابن الوردى وصفا مشابها مؤكدا أن قاف يبوز من كتلة الياسنت المذكورة، ويذكر ابن الوردى وصفا آخر يتضمن عددًا أكبر من حملة الأرض (ولكن بدون الملائكة) مع بعض الاختلاف فى الترتيب، فالصخرة مثلا هى التى تحمل الثور. ويصف الفُرس المسلمون الحيوان الذى يحمل الأرض تاره على أنه ثور وتارة أخرى على أنه حيوان نصفه ثور ونصفه سمكة. وتتحدث الأساطير الشعبية فى بغداد عن الثور والسمكة اللذين يحملان الأرض، أما سكان شاطئ البحر الأحمر فالاعتقاد السائد عندهم أن الأرض تحملها ثيران ضخمة على ظهورها. ويطلق القزوينى على الثور والحوت الأسماء التى وردت فى الكتاب المقدس، ليفياثان Leviathan وبهموث Behemoth، مما يثبت بلا مجال للشك أن الفكرة الإسلامية عن هذا الموضوع مقتبسة مما ورد فى الكتاب المقدس، والتى تصل فى النهاية إلى قكرة اللاتكون Chaos Tradition البابلية.
ويؤكد رينو Reinaud على أن فكرة الثور الذى يحمل الأرض موجودة أيضًا فى الهند. ويمكننا أن نربط بين الصخرة التى ذكرناها والتى تعمل كدعامة للأرض والتى هى بداية جبل قاف وبين الصخرة التى تسمى شِتِيّا Shetiyya التى تعتبرها الأسطورة اليهودية مركز الأرض والتى أغرقها اللَّه عز وجل فى أعماق اللاتكون أو المحيط الأول وتعمل كدعامة للأرض.
وجدير بالذكر أن هناك حديثًا شريفًا ذكره القزوينى يذكر أن اللَّه عز وجل جعل الأرض تقف وحدها بدون رباط ولا دعامة.
وطبقا لفكرة واسعة الانتشار، فإن جبل قاف هو أصل جميع الجبال التى فى العالم، وتتصل هذه الجبال به عن طريق فروع وعروق تحت الأرض، فإذا
أراد اللَّه عز وجل أن يدمر أى منطقة، فإنه ببساطة يأمر أحد هذه الفروع أن يتحرك، وهذا يسبب زلزالًا. وهناك فكرة أخرى منتشرة أيضًا تقول إن الزلزال يحدث عندما يرتعش الثور الذى يحمل الأرض تحت ثقل حمله.
يعتبر جبل قاف، الذى لا يستطيع إنسان أن يصل إليه، نهاية العالم، لهذا يستعمل اسمه كرمز لذلك. ويشكل هذا الجبل الأسطورى الحد الفاصل بين العالم المرئى وغير المرئى. ولا يعرف أحد إلا اللَّه المخلوقات التى تعيش بعده، ويقول كثيرون إن المنطقة التى تقع خلف جبل قاف تنتمى للعالم الآخر. وأنها أرض بيضاء مثل الفضة يقطعها المسافر فى 40 يوما وأنها مُقام الملائكة، كما يقال أيضًا أن قاف والمنطقة التى تقع خلفه مُقام الجن، ويعرف قاف بصفة خاصة بأنه مقر الطائر الخرافى سيمورغ Simurgh، وهو نوع من النسور مثل عنقاء العرب، وقد اعتزل هذا الطائر، الذى كان موجودًا منذ بدء الخليقة، عمله كمستشار حكيم لملوك وأبطال الماضى، ويعيش فى جبل قاف عيشة الراهب القانع الراضى، لهذا يطلق على جبل قاف فى الشعر اسم "جبل الحكمة" و"جبل الرضى".
ويلعب جبل قاف دورًا فى حكايات الجن العربية، فقد ذكر فى ألف ليلة وليلة عدة مرات، ومن الغريب أن عددًا من مفسرى القرآن فسروا بداية سورة قاف على أنها اسم جبل قاف.
هناك مفهوم آخر أضيق وأكثر محلية، يقصد بجبل قاف ذلك الجزء من الهضبة الآسيوية التى تحد العالم الإسلامى من الشمال، وبخاصة القوزاق وجبالها فى شمال فارس.
لا شك فى أن المعالم الأساسية للفكرة الإسلامية عن جبل قاف سواء بمفهومها الواسع (الأسطورى) أو الضيق مقتبسة من الفرس. فعندهم نجد أن البرز Alburz (البرج Alburj)، وهو الهارا. برزياتى Hara-Berezaiti (الجبل العالى) الفارسى القديم هو فى الأصل ذلك الجبل الأسطورى الذى فى نهاية العالم والذى تقع فيه تصور
الآلهة مثل جبل أوليمبوس الهيلينى. ومن وصف الأفستان The Avestan، يمكن اعتبار هارا بِرِزياتى العمود الفقرى لنظام الجبال التى على الأرض، لأن جميع الجبال الأخرى نشأت منه عن طريق وصلات تحت الأرض، ويتخيلون هارا بِرزِياتى (الجبل العالى) سلسلة من الجبال لا تطوق الأرض جميعها فحسب، جل أيضًا بحيرة تسمى وروكاشا Wurakasha تقع أيضًا فى نهاية الأرض، ولكنها كما فى بُنْدِهِش Bundehesh، لا تحيط بها، وفى جغرافية هذا العمل البهلوى نجد اسم جبل قاف مذكورا، وبعد ذلك نجد البُرْز على الأرض ويتميز بالحائط الجبلى الذى يطوق عالم الحضارة الإيرانية من الشمال. لهذا نجد اسم البُرْز (البُرْس) يطلق الآن على جبل أو سلسلة من الجبال فى أماكن متعددة على حدود المنطقة المتحدثة بالإيرانية، وبالذات سلسلة الجبال التى تقع قمتها فى دَمَاوند Damawand. وقد ذكر ياقوت صراحة أن جبل قاف كان يطلق عليه قديما البُرْز.
ونجد عند الهنود فكرة قريبة الصلة بالكونيات الإيرانية، فقد ذكرت فى أعمالهم الأدبية، وبصفة خاصة البُرَانا Puranas. سلسلة الجبال الخرافية التى تسمى لوكالوكا التى تفصل العالم المرئى عن العالم غير المرئى والتى لا شئ بعدها إلا الظلام.
تقترب نظرة الماندانيين Mandaeans إلى حد كبير من نظرة المسلمين، فيعتقد الماندانيون أن المحيط يحيط بقرص الأرض إلا فى الشمال حيث يقطع المحيط جبل عظيم من أنقى أنواع الفيروز، وبعد هذا الجبل مباشرة، والذى يسبب انعكاسه ذلك اللون الأزرق للسماء، يمتد العالم الطاهر نحو الشمال.
كانت فكرة وجود سلسلة الجبال النهائية فى الشمال، كما نجدها فى النظرة المحلية لفكرة هارابيرزياتى - البُرْز Haraberezaiti - Alhurz وقاف (وبالذات فى الأسطورة الماندية) منتشرة بين الناس فى آسيا وبالذات بين أهل الشرق القدامى، وربما يعود أصلها إلى الكونيات البابلية التى تضع