المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - جـ ١٣

[محمد الخضر حسين]

فهرس الكتاب

- ‌(26)«الإرثُ الفِكريُّ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين»

- ‌المقدمة

- ‌السياسة القضائية

- ‌أسماء الصفات وأسماء الأعيان المشيرة إلى وصف

- ‌الحالة السياسية في تونس محاولة إدماج التونسيين في الجنسية الفرنسية

- ‌رسالة الإمام محمد الخضر حسين إلى الأستاذ محمد الصادق بسيس

- ‌رثاء الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتّور

- ‌تهنئة لمقام المشيخة الإسلامية

- ‌من شعر الإمام محمد الخضر حسين

- ‌تقريض كتاب "مرآة البراهين في مضار النشوق والتدخين

- ‌تقريض رسالة "إجمال القول في مضار الكحول

- ‌الحمد لله - هذه حياتي

- ‌من وثائق محمد الصالح المهيدي

- ‌من وثائق محمد الصالح المهيديالسيد محمد الخضر حسين

- ‌من وثائق محمد الصالح المهيديالشيخ الخضر حسين

- ‌من وثائق محمد الصالح المهيديالشيخ الخضر حسين

- ‌ كيف يقضي يومه بالقاهرة:

- ‌ اللغات التي يحسنها:

- ‌من وثائق محمد الصالح المهيدي

- ‌تلامذة جامع الزيتونة

- ‌ربع ساعة أمام المذياعالأدب التونسي في القرن الخامس مسامرة الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌العلامة التونسي الشهير الشيخ الخضر بن الحسين يسمى شيخاً على الأزهر الشريف

- ‌من وحي القلملمسة وفاء

- ‌شخصيات إسلاميةالإمام محمد الخضر حسين

- ‌الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح

- ‌مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه

- ‌هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام

- ‌صوت الحق

- ‌تزويد أحد الشبان التونسيين بموعظة

- ‌مِرْقاة العُلا

- ‌إجازة الإمام محمد الخضر حسين للعلامة الشيخ حامد التقي الدمشقي

- ‌الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌علم من أعلام الزيتونةالشيخ محمد الخضر حُسين من خلال آثاره العلمية

- ‌على هامش ذكرى الإمام الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌في ذكرى الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (1873 هـ -1958 م)

- ‌قال أمير شعراء تونس الشاذلي خزنة دار في تهْنِئَة الشيخ الخضر بن الحسين بمشيخَة الجامع الأزهر، ودخول العام الهجري الجديد

- ‌محمد الخضر بن الحسين التونسي

- ‌رثاء المنعم العلامة الشيخ محمد الخضر حسين نظم الشيخ المنعم على النيفر

- ‌تونس ملهمة الشعراء محمد الخضر حسين

- ‌رسائل محمّد الخضر حسين

- ‌مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها

- ‌حفلة الترحيب بالرئيس الجليل

- ‌حفلة تكريم رئيس الجمعية

- ‌تكريم أعضاء في جمعية الهداية الإسلامية

- ‌تقدير علمي

- ‌مذكرات شيخ الأزهر

- ‌من أعلام الاجتهاد الإسلامي الحديث

- ‌مقدمة عَلَّامة الشام محمد بهجة البيطار

- ‌محمد الخضر حسين لغوياً وناقداً أدبياً

- ‌الإمام محمد الخضر حسين

- ‌الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌الأخوَّة بين الإمامين محمد الخضر حسين ، ومحمد الطاهر بن عاشور

- ‌تدهور الفكر العربي

- ‌حكم عليه بالإعدام في تونس…فأصبح شيخاً للأزهر

- ‌الاجتهاد والفكر المستنير بالبلاد التونسية في القرن العشرين نماذج من المجتهدين التونسيين في القرن العشرين

- ‌رجل عظيم ويزيده عظماً وقدراً أنه يعرف قدر العظيم

- ‌القياس في اللغة العربية للأستاذ محمد الخضر حسين عضو مجمع اللغة العربية الملكي

- ‌الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌شهادة عن الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌الشيخ الخضر حسين منافح عن الإسلام والعروبة

- ‌العَلَّامة محمد الخضر الحسين

- ‌إفريقيا الشمالية حديث لرئيس جبهة الدفاع عنها

- ‌التعريف والنقد دراسات قي العربية وتاريخها تأليف محمد الخضر حسين

- ‌العلامة الشيخ محمد الخضر حسين الطولقي مشيخة الأزهر، وتأسيس أول مجلة بتونس

- ‌مقابلة فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌الإمام محمد الخضر حسين الجزائري حياته وآثاره

- ‌محمد الخضر بن الحسين

- ‌سلالة الشيخ علي بن عمر

- ‌العلامة محمد الخضر حسين التونسي

- ‌محمد الخضر بن حسين التونسي

- ‌القاديانية

- ‌أعلام مصر والعالم. . . لوديع فلسطين

- ‌تونسي ثائر في ثورة عبد الناصر

الفصل: ‌مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه

‌مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه

* محمد الخضر حسين، وعلي الورداني (1):

شاعت في هذا العهد فكرة تدوين الرحلات، وتنافس الكتاب في وصف الأقطار التي يزورونها، وفي تحليل أسباب الحضارات، وعوامل الترقي والنهوض إلى حيث العزّة والمجد والبحبوحة، والمغرب العربي من أكثر البلاد اتساعاً للرحّالة، وقد امتاز أبناؤه -من زمن بعيد- بالضرب في الأمصار، وتدوين الأخبار. . .

وقد اشتهر في هذا الميدان -فضلاً عمَّن أتينا على ذكرهم - محمد الخضر حسين، وعلي الورداني.

أما محمد الخضر حسين، فقد قام سنة 1906 م برحلة إلى الجزائر (2)، ووصف فيها المسالك والمعالم، وذكر الأدباء والعلماء الذين لقيهم، ودوّن ما كان بينه ويينهم من محاورات، وكان في ذلك كلّه كاتباً قديراً، تمتدّ عبارته امتداد متانة ورونق، وتترابط أجزاؤها ترابطاً وثيقاً، وكأني به من مدرسة عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، وهو في كتابته رجل العلم والفكر والدقّة،

(1) من كتاب: "تاريخ الأدب العربي في المغرب" لحنّا الفاخوري - في حديثه عن عهد النهضة الحديثة.

(2)

انظر كتاب: "الرحلات" للإمام محمد الخضر حسين.

ص: 228

تروقك آراؤه وملاحظاته، وتستهويك مساجلاته وتحليلاته، إنه يلاحق الفكرة، ويشبعها درساً، ويلاحق الموضوع، ولا يهن له عزم ولا قلم، يلفُّ موضوعه لفّاً، ويبسط فيه آراءه بسطاً أنيقاً ممتعاً، فلا تلهيه زخرفة ولا صنعة، ولا يُثقل كلامه تعقيد ولا إغراب، إنها السهولة في حلّة الرونق والجلال.

* مشروع كتاب تاريخ تونس (1):

نعم. إن الكاتب العام "روا" قد طلبني للمشاركة في تأليف كتاب في التاريخ التونسي مع جماعة من رجال العصر، (منهم: الشيخ محمد الخضر حسين)، توزعوا هذه الخدمة بينهم، وقد استجبت لهذا الطلب؛ لأني أرى أنه لا يوجد تاريخ لتونس على النمط الذي تعاطيناه، وأشعر بحاجة الناس إلى مثل هذ التأليف. وقد شرعنا فيه وكتبنا، ثم ركدت ريح هذا المشروع الجليل؛ لأنه عمل غير خالص، بل وراءه غاية أخرى رمى إليها هذا الداهية الهرم (برنار روا)، وللحرب التي دارت رحاها في 2 أوت (أغسطس) 1914 م بين فرنسا وألمانيا، وشاركت فيها غالب الأمم الأوربية، والدولة العثمانية، دخْلٌ في إيقاف هذا الأمر.

* كتاب "عَلَم الزيتونة الشيخ إبراهيم الرياحي"(2):

جاء في تقديم الكتاب للدكتور محمد اليعلاوي: "إن الشيخ إبراهيم الرياحي (ت 1366 هـ / 1950 م) علم من أعلام جامع الزيتونة، يحق لتونس

(1) من كتاب: "آثار الشيخ محمد النخلي" من كبار علماء وأدباء تونس - طبعة دار الغرب الإسلامي (ص 78 و 79).

(2)

من تأليف الاستاذ أحمد الحمدوني، وقدم له الدكتور محمد اليعلاوي - طبعة عام 1996 م تونس.

ص: 229

أن تفخر به كما افتخرت بالإمام ابن عرفة (ت 803 هـ / 1401 م) قبله، وبالشيخ الخضر بن الحسين (ت 1958) بعده.

أما ابن عرفة فقد أوفاه زميلنا الراحل سعد غراب رحمه الله ما يستحق من العناية والدّرس، فخصص له -علاوة على أطروحته الضخمة (نشرت بتونس سنة 1992) - ما لا يقل عن ثماني دراسات وتحقيقات، وكذلك الشيخ الخضر، فإنه حظي بدراسات تونسية؛ ككتّيب الأستاذ أبي القاسم محمد كرو (تونس 1973 م)، ومشرقية كثيرة، وكأن ارتقاعه إلى مشيخة الأزهر بين سنتي (1952 - 1954) جعل منه شخصية مشرقية ومغربية على السواء، ثم إن سهر حفيده الأخ الأستاذ علي الرّضا الحسيني على نشر آثاره، يزيدنا تعرّفاً بهذا العالم المشترك، وبإنتاجه المتنوع".

* كتاب "تاريخ المحاماة في تونس"(1) الأستاذ علي الرّضا الحسيني (التونسي):

يقول المؤلف في كتابه (ص 299): "لا أظن أنه يوجد محام تونسي بلغت تجربته في باب "التحقيق" ما بلغته تجربة الأستاذ علي الرضا الحسيني، أو الأستاذ علي الرضا التونسي، إن الأستاذ علي الرضا الحسيني التونسي، تونسي الأصل، ولئن هو يتعاطى الآن المحاماة بدمشق العاصمة السورية الشقيقة، فهو ابن أخ العالم التونسي المهاجر محمد الخضر حسين، وينتسب إلى عائلة الحسين بن علي بن عمر الشريف من عائلة العمري بنفطة بالجريد التونسي بعد النزوح من "طولقة" في الواحات الجزائرية.

ولئن اكتفى الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي بتحقيق آثار الشيخ

(1) للأستاذ المحامي الزميل محمد بن الأصفر، ويقع الكتاب في 413 صفحة، ويعتبر الكتاب موسوعة رائعة عن مهنة المحاماة والمحامين في تونس.

ص: 230

الخضر بن الحسين، فهو عمل كبير بحد ذاته، إذ قد بلغت آثار الشيخ 23 أثراً، وذلك فضلاً عن الرسائل، وعددها 15 رسالة. وقد توزعت على عدة اختصاصات: علوم القرآن - السيرة النبوية - التشريع الإسلامي - علم الكلام - التاريخ الإسلامي - اللغة العربية - الخواطر الإسلامية - الإصلاح - التراجم - الرحلات.

وإن تحقيق آثار الشيخ الخضر حسين متعددة المشارب دلَّت على "موسوعية" ثقافة الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي، وذلك ما يشرف سلك المحاماة.

ص: 231

الجزائر (1) موقعها - سكانها - حالتها قبيل الاحتلال الفرنسي - وكيف وقع الاحتلال

يتناول شمال إفريقية أربعةَ أقطار: طرابلس، فتونس، فالجزائر، وتسمى: المغرب الأوسط، فالمغرب الأقصى، ويسمى الآن باسم مدينة كانت العاصمة الثانية لسلطان المغرب الأقصى، وهي: مراكش.

* موقع الجزائر:

الجزائر واقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ويحدها شمالاً هذا البحر، وشرقاً المملكة التونسية، وغرباً المغرب الأقصى، وجنوباً الحد الذي يفصل بين صحراء الجزائر، وما يسمونه: إفريقية الفرنسية، وهو خط يمتد من أقصى جنوب طرابلس إلى جهة وادي "ريبودي أورو"، وقد وضع هذا الحد سنة 1909 م.

* سكانها وعددهم:

يسكن بلاد الجزائر تسعة ملايين نسمة، وينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1 -

المسلمون، وعددهم 8.100.000 ثمانية ملايين ومئة ألف.

2 -

الأوربيون، وعددهم 900.000، وكلهم من المسيحيين الذين

(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الخامس والسادس من المجلد الثاني والعشرين

الصادر في جمادى الأولى 1369 هـ. مع ملاحظة أن المعلومات في المقال عن الجزائر

عام 1949.

ص: 232

جاؤوا البلاد مستعمرين، أو موظفين، أو تجاراً، وأغلبهم من الفرنسيين، والإسبانيين، والإيطاليين.

3 -

اليهود، وعددهم نحو مئتي ألف 200.000.

وجميع الأوربيين واليهود مشمولون بالجنسية الفرنسية.

والسكان الأصليون بالجزائر هم من عنصر البربر، وبالفتح الإسلامي دخل بلاد الجزائر أقوام من صميم العرب، واختلطوا بالبربر، وأخذت الروح العربية تسري مع الروح الإسلامية في قبائل البربر، إلى أن خرج المعز الصنهاجي بتونس عن طاعة الخليفة الفاطمي بمصر، فأرسل الفاطمي القبائل العربية من بني هلال، وبني سليم، وغيرهم إلى إفريقية؛ لينتقموا من الدولة الصنهاجية، ففتكوا بالدولة الصنهاجية، واجتاحوا دولة الحماديين بالجزائر. ولا يعنينا أن نذكر في هذا المقام ما كان لهجوم هذه القبائل من آثار منكرة، وإنما يزيد أن نقول: قد كان لنزول هذه القبائل ببلاد البربر أثر كبير في تقوية العنصر العربي، وأخذ البلاد مظهراً عربياً راسخاً.

ثم نزح إلى الجزائر أيام الهجرة الأندلسية طوائفُ من عرب الأندلس، فازداد بهم العنصر العربي قوة.

واستوطن في العهد الذي صارت فيه الجزائر ولاية عثمانية طوائفُ من الأتراك، وردوها بصفة شخصية، أو لأعمال حكومية، ولم تلبث أُسَر هؤلاء الأتراك أن استعربوا في عاداتهم ولغتهم، واندمجوا في الأمة الجزائرية، فسكان الجزائر المسلمون: عرب، أو بربر، أو أتراك مستعربون.

* حالتها السياسية قبيل الاحتلال:

قامت في الجزائر بعد الفتح الإسلامي حكومات تختص بها؛ كحكومة

ص: 233

بني حماد في "بجاية"، وحكومة بني عبد الوادي في تلمسان، ويشملها في بعض العهود سلطان الدولة العبيدية "الفاطمية" بتونس، وكانت في بعض العهود مشمولة برعاية دولة الموحدين في المغرب الأقصى، إلى أن مدّ إليها الإسبان أيديهم سنة 1509 م، واستولوا على "وهران"، و"بجاية" وغيرها، ثم جاء عروج بن يعقوب بربروس، وأخوه خير الدين بربروس من الروملي، فطردوا الأسبان، وصارت منذ ذلك العهد تابعة للدولة العثمانية، وجرت في أحكامها مجرى الولاية العثمانية، وفي عهد السلطان أحمد خان الثالث أحست حكومة الجزائر بشيء من القوة، فنحَتْ نحو الاستقلال في الأحكام، وأصبحت صلتها بالدولة العثمانية اسمية.

وكان الوالي العام، وهو تركي يدعى: الباشا، أو الداي، وكانت الحكومة تتمتع باستقلال داخلي تحت السيادة الاسمية للخليفة العثماني، والأتراك بالجزائر هم الذين ينتخبون الوالي العام من أحد قدماء الجنود، ثم يرفعون تعيينهم له إلى السلطان بالآستانة، فيوافق على ذلك.

وتنقسم الجزائر إلى ثلاث مقاطعات: مقاطعة قُسَنطينة، ومقاطعة المديَّة، ومقاطعة وَهْران، وللوالي العام في كل مقاطعة نائب يدعى: الباي، وكل باي من هؤلاء يتصرف في مقاطعته تصرف المستقل، وتكاد علاقته بالوالي العام (الباشا) لا تتجاوز الجندية، ومال الجبايات المفروض على المقاطعة دفعُه للخزينة العامة.

* حالتها الثقافية:

لم يكن بالجزائر لذلك العهد معهد علمي؛ كجامع الزيتونة في تونس، أو جامع القرويين في فاس، ولا مدارس خاصة للتعليم، وإنما تدرس بها علوم

ص: 234

الدين والعربية وملحقاتها؛ من نحو: المنطق، والحساب، والفلك في المساجد، وزوايا (رياضيات) مشايخ الطرق، وهي منتشرة في طول البلاد وعرضها، وهذه الطرق لا تخلو من بدع ينكرها علماء الشريعة، ولكن زواياها قامت بتحفيظ القرآن الكريم، ودراسة العلوم الدينية والعربية في وقت لم يوجد فيه ما يقوم مقامها في ذلك القطر من المدارس والمعاهد العلمية.

وقد يرحل بعض طلاب العلم الجزائريين إلى الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو جامع القرويين، ثم يعودون إلى الجزائر، ويعلِّمون ما تلقوه في هذه الجامعات من علوم.

وقد اطلعنا على مؤلفات في العلوم الدينية أو العربية لجماعة من علماء ذلك العصر، فألفيناها تدل على اطلاع ورسوخ في العلم.

* كيف وقع احتلال فرنسا للجزائر؟

كان آخر الولاة الأتراك بالجزائر حسين باشا، تسلم ولايتها في 22 فبراير سنة 1818 م، وكان ذا شهامة وعزم، فأقبل على تنظيم الجندية، وتقوية الأسطول، وأخذ يُعِدُّ القوة ما استطاع، وفي عهده هجمت فرنسا على الجزائر، وتمّ لها احتلالها من بعد، أما الأمر الذي اتكأت عليه فرنسا في هذا الهجوم، فهو أنه كانت في الجزائر شركة تدعى: شركة باكري وبوشناق (اليهوديَّين)، وكان لهما معاملات جارية مع فرنسا، حتى صار للشركة على فرنسا من الديون سبعة ملايين من الفرنكات، وكان على هذه الشركة ديون كثيرة، بعضها لخزينة الحكومة الجزائرية، وبعضها لأفراد من التجار، فدفعت فرنسا لباكري وبوشناق من دَينهما المشار إليه 4.500.000، وأبقت 2.500.000 فرنك في خزينة الودائع إلى أن تنتهي قضية الشركة مع غرمائها، وأدرك حسين باشا من صنيع

ص: 235

فرنسا ضياعَ حق الخزينة الجزائرية، فبعث إلى ملك فرنسا رسالة في هذا الشأن، فلم يرد إليه الملك جواباً، وكانت فرنسا تترقب فرصة لوجود خلاف بينها وبين حكومة الجزائر؛ لتتذرع به إلى إعلان الحرب عليها.

قال (مسيو هنري فارو) في كتابه "التاريخ العام للجزائر" ما نصه:

كانت حكومة فرنسا قد عزمت على أن تضع حداً للقرصنة الجزائرية، وأرادت أن تغتنم فرصة مغيب أكبر السفن الحربية الجزائرية في الشرق؛ كي تجد دعوى تبرر إعلان الحرب على الجزائر، فأرسلت تعليمات خاصة إلى قنصلها تأمره بأن يغتنم أي فرصة لإيجاد الخلاف النهائي.

وكان حسين باشا يخاطب قنصل فرنسا (الجنرال دوفال) في شأن ما كتب به إلى ملك فرنسا من حق الخزينة الجزائرية في أموال (باكري وبوشناق)، فلا يجد عنده الجواب المرضي.

وفي أول يوم من شوال سنة 1243 هـ دخل القنصل (دوفال) على الباشا مهنئاً بعيد الفطر، فسأله عن عدم رد الملك جواباً عن رسالته، فأجابه (دوفال) في حدَّة: ليس من عادة الملك أن يتنازل لإجابة من هو دونه، فاغتاظ الباشا من هذه الإهانة الخارجة عن حدود اللياقة، وكانت في يده مروحة من ريش النعام، فصاح بالقنصل مشيراً بالمروحة:"أخرج من هنا"، ولمست أطرافُ المروحة وجه (دوفال)، فخرج القنصل، وأسرع بإخبار ملك فرنسا بما وقع، فجاءه الأمر بمغادرة الجزائر، فغادرها هو ومن معه من الفرنسيين المقيمين في الجزائر.

أجمعت فرنسا على محاربة الجزائر، وسيّرت جيشاً بقيادة الأميرال (دوبري) في 21 ذي الحجة سنة (1245 هـ، 19 يونيه سنة 1830 م)، ونزل

ص: 236

بمرسى قريبة من العاصمة تدعى: (سيدي فرج).

واتصل الخبر بحسين باشا، وتلقاهم بجيوش كانت عاقبتهم - بعد دفاع عنيف - الفشل، وتقدم الفرنسيون إلى العاصمة، فطلب الباشا الأمان لنفسه وأهله وجميع الأهالي، فأجابه قائد الجيوش الفرنسية على شروط تضمنتها معاهدة كتبها القائد الفرنسي، وأرسلها إلى الباشا للتوقيع عليها، ولم يسعه إلا التسليم، فوضع على المعاهدة توقيعه، ونص المعاهدة:

1 -

على الساعة العاشرة من صباح يوم 5 يوليه، يسلّم إلى الجند الفرنسي حصن القصبة، وسائر الحصون الأخرى التابعة للجزائر، ومرسى هذه المدينة.

2 -

يتعهد القائد العام للجند الإفرنسي نحو صاحب السمو داي الجزائر، بأن يترك له حريته، وكل ثروته الخاصة.

3 -

يستطيع الداي بكل حريته، أن يسافر صحبة عائلته وأمواله إلى المكان الذي يختاره، وما دام مستقراً في الجزائر، فإنه يكون تحت حماية القائد العام للجند الإفرنسي، وتقوم فرقة من الجند الإفرنسي على حراسته وحراسة عائلته.

4 -

كل الجنود الأتراك التابعين أوجاق الجزائر يتمتعون بنفس الحقوق المقررة في الفصول السابقة.

5 -

إقامة الشعائر الدينية المحمدية تكون حرّة، ولا يقع أي مساس بحرية السكان من مختلف الطبقات، ولا بدينهم، ولا بأملاكهم، ولا بتجارتهم وصناعتهم، وتحترم نساؤهم، والقائد العام يتعهد بذلك عهد الشرف.

6 -

يقع تبادل هذه الوثيقة ممضاة يوم 5 يونية قبل الساعة العاشرة

ص: 237

صباحاً، وفي الحال تتسلم الجنود الفرنسية القصبة، وقلاعاً أخرى.

وبعد أن استقرت العساكر بالعاصمة، انتقل حسين باشا وأتباعه إلى "نابلي"، ثم إلى "الإسكندرية"، ولما دخلها، احتفى به الخديوي محمد علي باشا، وتوفي هناك سنة 1254 هـ.

* نهوض الوطنيين لمحاربة فرنسا:

بعد احتلال فرنسا لعاصمة الجزائر، جرت بينها وبين الجزائريين حروب في مواطن خارج العاصمة، فأحياناً ينتصر الجزائريون، وأحياناً ينتصر الفرنسيون، وفي أثناء هذه الحروب تداعى العلماء والأعيان للنظر في اختيار شخص توفرت فيه شروط الإمارة؛ ليبايعوه، فيجمع كلمتهم، وينهض بهم إلى دفاع العدو عن أوطانهم، فأجمع رأيهم على بيعة السيد محيي الدين عبد القادر المختاري، وكان معروفاً بالعلم والصلاح، وكانت له زاوية (رباط) لطلبة العلم وقراءة القرآن، فجاؤوه، وعرضوا عليه البيعة، فقبل بيعتهم على الجهاد، وجرت بينه وبين حاكم "وهران" الجنرال (يوبه) حروب ظهر فيها إقدام ابنه الأمير عبد القادر، وحسن سياسته. وتقدم عند هذا العلماءُ ورؤساء القبائل إلى السيد محيي الدين، وألزموه بقبول بيعة الإمارة له، أو لولده عبد القادر، فوافق على أن تكون الإمارة لابنه عبد القادر، فبايعوه بذلك، وتمت البيعة في (3 رجب سنة 1248 هـ - 27 نوفمبر سنة 1832 م)، وكانت بلدة "معسكر" حاضرة الإمارة، فنهض الأمير لمحاربة الفرنسيين، واستمر في جهاده نحو 15 سنة، كانت له فيها انتصارات باهرة، وأخيراً قوي جانب فرنسا، وأحس الأمير بالضعف عن التمادي في الحرب، فجمع أولي الأمر من خاصته، وتداولوا الأمر بينهم، وقرروا التسليم للفرنسيين، وبعث الأمير إلى الجنرال

ص: 238

(لاموريس) حاكم ولاية "وهران" يخبره بقرار التسليم، وسار الأمير إلى العاصمة، وسلّم سيفه إلى (الدوك درمال) حاكم الجزائر في 22 ديسمبر 1847 م، وكانت عاقبته كما هو معروف في تاريخ حياته، أن صار إلى دمشق، وبقي بها إلى أن توفي ليلة (19 رجب سنة 1300 هـ - سنة 1883 م)، عن 76 عاماً رحمه الله، وجازاه عن جهاده خيراً-.

وتتابع بعد هذا نهوض الوطنيين في وجه فرنسا؛ كوقائع القبائل وأولاد سيدي الشيخ، والمقراني، وأبي زيان، وابن الحداد، وغيرهم، وتستمر هذه الحروب في عنف، ويؤول أمرها إلى تغلب الفرنسيين، وفي سنة 1848 م أعلن المجلس الوطني الفرنسي أن الجزائر أرض فرنسية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

محمّد الخضر حسين

ص: 239