الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تدهور الفكر العربي
* لم يكن كتاب "الشعر الجاهلي" يحتاج إلى قرع كل هذه الطبول.
* أخالف د. مؤنس في أهمية كتابي: "الإسلام وأصول الحكم"، و "الشعر الجاهلي"(1).
* الحقيقة ولو مرة
…
الفكر المصري لم يولد بعد:
قضية طرحتها مجلة "الهلال" تحت عنوان: (تدهور الفكر العربي). وقد طرحها الدكتور حسين مؤنس في عدد شهر يوليو 1977 م، وقد شارك في هذه القضية عدد من الكتاب، وأدلوا بآرائهم وتعليقاتهم، ومنهم: الأستاذ فتحي رضوان في بحث قيم (الحقيقة ولو كانت مرة - الفكر المصري لم يولد بعد) في مجلة "الهلال" العدد الصادر في سبتمبر 1977 م.
وقد تعرض الأستاذ فتحي رضوان بكثير من الجرأة لهذا الموضوع، ومما قاله:"فإنني أرى الفكر العربي لم يولد بعد". إن الأسماء التي ذكرها الدكتور حسين مؤنس، والتي نشر صور بعض أصحابها، هي أسماء مترجمين، وملخصين، وقصاصين، ورواة، ومفتشين، وأصحاب خواطر أدبية حيناً، وفلسفية حيناً، وجامعي شذرات تاريخية آناً، ومحللي شخصيات آناً ثانياً،
(1) مجلة "الهلال" المصرية، عدد سبتمبر 1977 م، الأستاذ فتحي رضوان.
ولكنهم جميعاً لا يندرجون تحت قسم: (المفكرين).
ويهمنا من هذا الحديث ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
يقول الأستاذ فتحي رضوان:
(ولقد درجنا أن نعدّ عدداً من الكتب كأنها معالم طريق التجديد، وفي مقدمتها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي".
والحق أنني أستأذن في أن أخالف الدكتور حسين مؤنس في إضفاء الخطر والأهمية على هذين الكتابين، لا لأني أخالف صاحبي الكتابين الشهيرين فيما أورداه في كتابيهما، فهو -في نهاية الأمر- ليس بالشيء الجسيم، وهو لا يدل على نزعة تجديد، ولا شجاعة رأي، لا أن يكون كل منهما بداية سلسلة من المقالات والدراسات والبحوث، تهدف إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات في مجالات الدين والأدب.
على أن مواطن الخسارة كان في مجافاة كل المؤلفين للمنهج العلمي، الذي افترض الناس أن الكتابين في حقيقة الأمر دعوة عملية إلى تطبيقه، فإن خلاصة كتاب "الإسلام وأصول الحكم": أن الخلافة ليست ركناً من أركان الإسلام، فالإسلام -كدين وعقيدة-، يمكن أن يقوم، وأن يؤدي المسلمون الفرائض التي فرضها الله عليهم؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج، دون أن يتعلق شيء من ذلك بقيام الخلافة، واختيار خليفة، وأن الخلافة ليست إلا صورة من صور الحكم اهتدى إليها المسلمون الأوائل عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المسلمين أصبحوا يكوِّنون شعباً متحداً، يشغل شبه الجزيرة العربية. وما يجتمع قوم في موقع من الأرض إلا احتاجوا إلى حكومة تدبر أمرهم، أياً
كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم، والمسلمون ليسوا بدعاً بين الناس.
وخلص من هذا إلى: أن رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كلها رسالة روحية، جاء ليدعو الناس إليها، وليبشر بأحكامها وأصولها، فإذا كان قد تولى شيئاً من شؤون الدنيا؛ كتولية الولاة، أو إرسال البعوث، أو توجيه السرايا، أو عقد المحالفات، أو فض الخصومات، أو الحكم في المنازعات، فذلك كله بقصد أداء الرسالة، لا لأنها من عمله أصلاً، ولا لأنها تدخل في جوهر دعوته، أو تكمل رسالته، ويمكن تصور حياته كلها خالصة للدعوة، ولتلقين أحكام الدين، وتثبيت المسلمين على محبته، وتفسير ما تمخض من آيات القرآن الكريم، وضرب الأمثلة؛ لتوضيح ما قصده رب العالمين.
ومثل هذا القول، لا يعد ضرباً من التجديد في الإسلام، وكان المسلمون جديرين بأن يسمعوه في هدوء وأناة، وأن يردوا عليه في رفق ولطف؛ ذلك لأن الخلافة فقد معناها منذ قرون، وقد سقطت كثير من دول المسلمين وشعوبهم في أيدي دول الغرب، يستأثرون بالحكم والسلطة فيها دون أهلها.
ولكن الذي هاج غضب المسلمين: أن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ظهر في وقت كان أمرهم جرحاً دامياً، فقد أسقط مصطفى كمال هذه الخلافة، بعد انتصار الأتراك بقيادته على اليونانيين الذين كان يؤيدهم ويحرضهم (لويد جورج) رئيس وزراء بريطانيا، وكانت هذه الانتصارات قد أرضت كبرياء المسلمين، وعوضتهم عما لحق بهم بعد هزيمة تركيا وألمانيا في حرب 1914 - 1918، وبعد انسلاخ دول العرب كلها من سلطان الخلفية العثماني، واقتسام الإنجليز والفرنسيين
…
وقد تقدم العلماء بنقد متسم بالوقار والرصانة لكتاب "الإسلام وأصول
الحكم "، وفي مقدمة هذه الدراسات: كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم " للشيخ محمد الخضر حسين، وهو من علماء تونس، وكان قد لجأ إلى مصر يطارده حكم بالموت من محاكم فرنسا العسكرية بتونس، فجاء كتابه أثراً علمياً جليل القدر، فقد خلا من كلمة جارحة يوجهها للمؤلف الشيخ علي عبد الرازق، أو عبارة نابية، بل قنع بتوجيه الكلام إليه، إما بلفظ: "المؤلف"، أو: "صاحب الكتاب".
وكان المأمول أن يرد الشيخ علي عبد الرازق على كتاب الشيخ الخضر حسين- رحمهما الله- بشيء يساويه عمقاً وشمولاً، ولكنه آثر الصمت، واختار العافية، ولا يستطيع أن يدعي أنه فعل ذلك إشفاقاً من شر خطير يناله؛ فقد وجه -وهو يودع العمامة والزيَّ الأزهري- إلى علماء الأزهر كلاماً عنيفاً، وهو يعلم أن هؤلاء الأزهريين قادرون على أن يؤلِّبوا عليه الرأي العام. ثم ماذا كان معه؟ اشتغل بالمحاماة الشرعية، واطمأن إليها، وكسب منها مالاً غير قليل -كما يقول بعض المتصلين به-، ثم شارك في السياسة، حتى اختير وزيرًا، وظفر بلقب الباشاوية، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أنه كان في وسعه أن يواصل نشر فكرته، وبث دعوته، وأن يخلق من كتابه حركة فكرية.
فإذا أضفينا إلى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" نعتاً من النعوت التي تجعله معلَماً من معالم الفكر المصري أو العربي، فنحن نصف الأشياء بأكثر مما تستحق، وإذا أردنا أن نضع اسم صاحب الكتاب في قائمة المجددين، وأبطال التحرير العقلي في بلادنا، فالتاريخ والحقيقة يأبيان ذلك ويرفضانه.
وقد حدث مثلُ ذلك تماماً مع الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر
الجاهلي"؛ فقد أصدر الدكتور طه هذا الكتاب.
ولسنا نريد هنا أن نتعقب هنا آراء الدكتور طه حسين، إنما نريد أن نقول: إن الذين طمعوا في أن يأتي من وراء هذا الكتاب -أياً كان نصيب صاحبه من الأمانة، وأياً كان نصيب الأفكار فيه من السلامة- حركةُ تجديد فيها أساليب النقد، ويعاد بفضلها النظر في مناهج البحث.
ولقد فتحت أبواب هذه الفرصة المجيدة واسعة أمام الدكتور طه حسين، فقد نهض للرد عليه علماء أفاضل، أحسنوا قراءة كتابه، واجتهدوا في الرد عليه بالحجة والبرهان، والنص والدليل، فترك لهم الميدان، ولاذ بالصمت كصاحبه وزميله الشيخ علي عبد الرازق.
كتب في الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" الأساتذة: محمد فريد وجدي، والشيخ محمد الخضر حسين، ومحمد لطفي جمعة، والدكتور كامل الغمراوي، كتباً هي حقاً من مفاخر الفن الأدبي العلمي، فلم تكن مهارة تتقزز لها النفس، ولا تطاولاً يضيق به الذوق، ولا تعالماً تنحط به معايير الحياة الأدبية.