الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقراد يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتّلطّخ بالثّلط «1» والأبوال؛ كما يخلق القمل من عرق الإنسان. وفى طبع القراد أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها؛ حتى إنّ أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الأرشية «2» وآلات السّقى، فتبيت الرجال عند البئر تنتظر مجىء الإبل، فيعرفون قربها من القراد بانبعاثه فى جوف الليل وسرعة حركته ومروره، فإذا رأوا ذلك منه تهيّئوا للعمل.
ويقول من اعتنى بالحيوان وتكلّم فى طبائعه: إنّ لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه.
وهم يضربون المثل بالقراد فى أشياء، فيقولون:«أسمع من قراد» ، و «ألزق «3» من قراد» ، وما هو إلا قراد ثفر «4» . وأنشد الجاحظ لبعض الشعراء فى القراد:
ألا يا عباد الله هل لقبيلة
…
إذا ظهرت فى الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هى تتهى
…
ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
***
وأمّا النّمل والذّرّ وما قيل فيهما
- قال الله عز وجل: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)
. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلا
فانطلق لحاجة فجاء من حاجته وقد أوقد رجل على قرية نمل إمّا فى شجرة وإمّا فى الأرض؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال:
«نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فعضّته نملة فقام إلى نمل كثير تحت الشجرة فقتلهنّ فقيل له: أفلا نملة واحدة» . وعنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النّمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحن الله فهلّا نملة واحدة» . وجاء فى الأثر: أنّ سليمان بن داود عليهما السلام خرج يستسقى، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن سقيك؛ فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا. فقال للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعاء غيركم.
وقال الجاحظ: وكان ثمامة يزعم أنّ النمل ضأن الذّرّ. قال: والذى عندى أنّ النمل والذرّ مثل الفأر والجرذ، والبقر والجواميس. قال: والذّرّ أجود فهما وأصغر جثّة.
وزعم ابن أبى الأشعث أنّ النمل لا يتزاوج ولا يتوالد ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شىء حقير فى الأرض فينمو حتى يصير بيظا «1» فيتكوّن منه.
والنمل من الحيوان المحتال فى طلب المعاش يتفرّق لذلك؛ فإذا وجد شيئا أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه. وكلّ واحد مجتهد فى إصلاح شأن العامّة
غير مختلس لشىء من الرزق دون صحبه. ويقال: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله فى طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر، فيتسلّق فى الحائط ويمشى على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقى نفسه عليه. وفى طبعه وعادته أن يحتكر فى زمن الصيف لزمن الشتاء. وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّندّى من مجاورة بطن الأرض، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها. وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر فى موضع القطمير من وسط الحبّة (وهو الموضع الذى يبتدئ منه النّبات) ؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافا؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعا، لأن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت. فالنمل من هذا الوجه فى غاية الحزم. فسبحان الملهم لا إله غيره.
وليس شىء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة.
والنّمل يشمّ ما ليس له ريح ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا. ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته. وفى ذلك يقول أبو العتاهية:
وإذا استوت للنّمل أجنحة
…
حتّى يطير فقد دنا عطبه
ومن أصناف النّمل صنف يسمّى «نمل الأسد» ؛ سمّى بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل. وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنه متولّد، وأن أباه أكل لحما، وأمّه أكلت نباتا، فنتج بينهما على هذه الصفة.
وقد وصفه الشعراء؛ فمن ذلك قول شاعر «1» :
غزاة يولّى الليث عنهنّ هاربا
…
وليست لها نبل حداد ولا عمد
قصار الخطا حمش القوائم ضمّر
…
مشمّرة لا تشتكى الأين والحرد «1»
وتعدو على الأقران فى حومة الوغى
…
نشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا ذكرت طيب الهياج تنّفست
…
تنفّس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان «2» تريد قضاضة
…
وتلك الصّعاليك الغرائب فى البلد «3»
وفيهنّ أجناس تشابهن صورة
…
وباينّ فى الهمّات واللون والجسد «4»
فمنهنّ كمت كالعناكيب أرجلا
…
وساع الخطا قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هى خلّدت
…
رأت ورد أحواض المنايا من الرّشد
وسود خفاف الجسم لو عضّت الصّفا
…
رأيت الصّفا من وقع أسنانها قدد «5»
يفدن علينا مفسدات جفاننا
…
وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وحىّ أناخوا فى المنازل باللّوى
…
فصاروا به بعد القطين قطينا
إذا اختلفوا فى الدار ظلّت كأنها
…
تبدّد فيها الريح بزر قطونا
إذا طرقوا قدرى مع الليل أصبحت
…
بواطنها مثل الظواهر جونا
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا «6»
…
كما مرّ مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفّا فى الديار كأنما
…
يجرّون خيطا فى التراب منينا «7»