الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهم موسى وهارون- عليهما السلام وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، منهم سليمان بن داود؛ ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا المملكة، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنبا عظيما؛ كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله تعالى عليهم، ونزع النبوّة والمملكة منهم، فأنكر بنو إسرائيل ذلك وقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ
قال أشمويل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً
، أى فضيلة وسعة فِي الْعِلْمِ
وذلك أنه كان أعلم بنى إسرائيل فى وقته. وقال الكلبىّ:
«فى العلم» بالحرب. وَالْجِسْمِ
يعنى بالطّول والقوّة؛ وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه؛ وإنما سمّى طالوت لطوله. وقال ابن كيسان: للجمال، وكان أجمل رجل فى بنى إسرائيل وأعلمهم وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
«1» .
قالوا: فما آية ذلك؟ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
«2» .
ذكر قصة التابوت وصفته وما قيل فيه
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله: قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار:
إنّ الله تعالى أهبط تابوتا على آدم حين أهبط آدم إلى الأرض، فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرّسل منهم، وآخر البيوت بيت محمد- صلى الله عليه وسلم وهو من ياقوتة حمراء، وإذا هو قائم يصلّى وعن يمينه الكهل المطيع،
مكتوب على جبينه: هذا أوّل من يتّبعه من أمّته «أبو بكر الصدّيق» وعن يساره «الفاروق» ، مكتوب على جبينه: قرن من حديد لا تأخذه فى الله لومة لائم؛ ومن ورائه ذو النّورين آخذ بحجزته «1» ، مكتوب على جبينه: بارّ من البررة. ومن بين يديه «علىّ بن أبى طالب» شاهر سيفه على عاتقه، مكتوب على جبينه: هذا أخوه وابن عمه المؤيّد بالنصر من عند الله. وحوله عمومته والخلفاء والنّقباء والكبكبة «2» الخضراء- وهم أنصار الله وأنصار رسوله- نور حوافر دوابّهم يوم القيامة مثل نور الشمس فى الدنيا.
وكان التابوت نحوا من ثلاثة أذرع فى ذراعين، وكان من عود الشّمشار «3» الذى تتّخذ منه الأمشاط، مموّها بالذهب، فكان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم- عليه السلام فلمّا مات كان عند إسماعيل، ثم كان عند قيذار بن إسماعيل، فتنازعه ولد إسحاق وقالوا: إنّ النبوّة قد صرفت عنكم، وليس لكم إلّا هذا النور الواحد، [يعنى نور محمد صلى الله عليه وسلم «4» ] فأعطنا التابوت. فكان قيذار يمتنع عليهم ويقول: إنه وصيّة لأبى، ولا أعطيه أحدا من العالمين.
قال: فذهب ذات يوم يفتح التابوت، فتعسّر عليه فتحه، فناداه مناد من السماء: مهلا يا قيذار، فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل، إنه وصيّة نبىّ،
لا يفتحه إلا نبىّ، فادفعه لابن عمّك يعقوب إسرائيل الله؛ فحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان وكان بها يعقوب- عليه السلام فلمّا قرب منه صرّ التابوت صرّة سمعها يعقوب، فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه. فقام يعقوب وأولاده جميعا إليه، فلمّا نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكيا وقال: يا قيذار، مالى أرادك متغيّرا وقوّتك ضعيفة، أرهقك عدوّ أم أتيت معصية بعد أبيك إسماعيل؟ قال: ما رهقنى عدوّ ولا أتيت معصية ولكن نقل من ظهرى نور محمد، فلذلك تغيّر لونى وضعف ركنى، قال: أفى بنات إسحاق؟ قال: لا، فى العربيّة الجرهميّة، وهى العامريّة، فقال يعقوب: بخ بخ! شرفا لمحمد، لم يكن الله- عز وجل ليجريه إلا فى العربيّات الطاهرات يا قيذار، وأنا مبشّرك ببشارة. قال: وما هى؟ قال: اعلم أن العامريّة قد ولدت لك البارحة غلاما. قال قيذار: وما علّمك يابن عمّى وأنت بأرض الشأم وهى بأرض الحرم؟
قال يعقوب: علمت ذلك لأنى رأيت أبواب السماء قد فتحت، ورأيت نورا كالقمر الممدود بين السماء والأرض، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة، فعلمت أنّ ذلك من أجل محمد- صلى الله عليه وسلم فسلم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله، فوجدها قد ولدت غلاما، فسمّاه «حملا» وفيه نور محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وكان التابوت فى بنى إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى- عليه السلام فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم تداوله أنبياء بنى إسرائيل إلى وقت أشمويل، وكان فيه ما ذكر الله تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
قال الثعلبىّ: واختلفوا فى السكينة ما هى؟ فقال علىّ بن أبى طالب: السكينة ريح خجوج «1» هفّافة لها رأسان [كرأس الهرّة «2» ] ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد:
رأس كرأس الهرّة، وذنب كذنب الهرّة وجناحان. وقال ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بنى إسرائيل: السكينة، رأس هرّة ميّتة كانت إذا صرخت فى التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.
وقال السّدّىّ عن أبى مالك عن ابن عبّاس: هى طست من ذهب من الجنة كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء. وقال بكّار بن عبد الله عن وهب: روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا فى شىء تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبى رباح:
هى ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال قتادة والكلبىّ: فعيلة من السكون أى طمأنينة من ربّكم، وفى أىّ مكان كان التابوت اطمأنّوا وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ.
قالوا: كان فيه عصا موسى ورضاض «3» الألواح، وذلك أنّ موسى لمّا ألقى الألواح تكسرت فوقع بعضها، وجمع ما بقى فجعله فى التابوت. وكان فيه أيضا لوحان من التوراة، وقفيز من المنّ الذى كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون وعصاه. وكان التابوت عند بنى إسرائيل؛ وكانوا إذا اختلفوا فى شىء تكلّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم يستفتحون «4» به على عدوّهم، فلمّا عصوا وأفسدوا سلّط الله- عز وجل عليهم العمالقة فاستلبوا التابوت كما تقدّم.