الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحمل واحدة منهنّ، وكلما أراد أن يحمل واحدة ثقلت عليه. فقال له عيسى: دعه فإنّ له أهلا يهلكون عليه. فجعلت نفس اليهودىّ تطلّع إلى المال ويكره أن يعصى عيسى ويعجز عن حمله. فانطلق مع عيسى، فبينما هما كذلك إذ مرّ بالمال ثلاثة نفر فأقاموا عليه. فقال اثنان منهما لصاحبهما: انطلق إلى أهل هذه القرية «1» فأتنا بطعام وشراب ودوابّ نحمل هذا المال عليها. فلمّا ذهب صاحبهما قال أحدهما للآخر:
هل لك أن نقتله إذا رجع ونقتسم المال فيما بيننا؟ قال نعم. وقال الذى ذهب فى نفسه: هو ذا أجعل فى الطعام سمّا فإذا أكلاه ماتا ويصير المال كله إلىّ، ففعل ذلك. فلمّا رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا. ومرّ عيسى عليه السلام بهم وهم موتى حوله، فقال: هكذا تصنع الدنيا بأهلها، فأحياهم بإذن الله عز وجل، فاعتبروا ومرّوا ولم يأخذوا من المال شيئا. فتطّلعت نفس اليهودىّ صاحب عيسى إلى المال فقال: أعطنى المال. فقال له عيسى: خذه فهو حظّك من الدنيا والآخرة. فلمّا ذهب اليهودىّ ليحمله خسف الله تعالى به الأرض، وانطلق عيسى عليه السلام.
ذكر خبر المائدة التى أنزلها الله عز وجل من السماء
قال وهب: وسأل بنو إسرائيل عيسى بن مريم عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء. قال الله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ «2»
وقرأ علىّ وعائشة وسعيد بن جبير ومجاهد رضى الله عنهم «هل تستطيع ربّك» (بالتاء المثناة من أعلاها ونصب الباء الموحدة فى ربك) واختاره الكسائىّ وأبو عبيد
على معنى هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأل ربك. قالوا: لأنّ الحوارييّن لم يكونوا شاكّين فى قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون «يستطيع ربّك» (بالياء المثناة من تحتها ورفع الباء) وقالوا: إنهم لم يشكّوا فى قدرة الله تعالى وإنما معناها هل ينزل أم لا، كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معى وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر فقالوا: غلط القوم وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام استعظاما لقولهم:«اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين» معناه أن تشكّوا فى قدرة الله أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان. وقيل: قال لهم:
اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم. قالوا: إنما سألنا لأنّا نريد أن نأكل منها فنستيقن قدرته وتطمئنّ وتسكن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله، ونكون عليها من الشاهدين، فنقرّ لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالرسالة والنبوّة.
وقيل: ونكون عليها من الشاهدين لك عند بنى إسرائيل إذا رجعنا إليهم. قال الكسائىّ: فأمرهم عيسى بصيام ثلاثين يوما وأنّ الله بعد ذلك يطعمهم وينزلها عليهم. فصاموا حتّى تمّ الأجل، فقام عيسى وصلّى وسأل الله تعالى وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «1»
. قال قوله: عِيداً
أى عائدة من الله علينا وحجة وبرهانا.
والعيد اسم لما أعدته وعاد إليك من كل شىء؛ ومنه قيل ليوم الفطر ويوم الأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقوله: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
. قال الثعلبىّ: يعنى لأهل زماننا ولمن يجىء من بعدنا. وقرأ زيد بن ثابت: «لأولانا وأخرانا «2» » .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: يعنى يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم. وَآيَةً مِنْكَ
دلالة وحجة. قال الله عز وجل مجيبا لعيسى عليه السلام: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
. وقرأ أهل الشام وقتادة وعاصم «منزّلها» بالتشديد لأنها نزلت مرّات، والتفعيل يدل على التكثير مرّة بعد مرّة. وقال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
أى يكفر بعد نزول المائدة فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ «1»
أى عالمى زمانهم. قال: فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
قال الثعلبىّ: واختلف العلماء فى المائدة، هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد:
ما نزلت مائدة، وهذا مثل ضرب. وقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، إنّ القوم لمّا سمعوا الشرط وقيل لهم: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
. استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. قال أبو إسحاق الثعلبىّ: والصواب أنها نزلت، لقوله عز وجل:
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
ولا يقع فى خبره الخلف ولتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وغيرهم من علماء الدين فى نزولها. قال كعب: أنزلت يوم الأحد، فلذلك أتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا فى صفتها وكيفية نزولها، فحكى الكسائىّ عن وهب قال: أنزل الله تعالى على عيسى مكتلا «2» فيه ثلاث سمكات مشويّات ليس لها شوك ولا قشر وثلاثة أرغفة، والملائكة تحملها حتى وضعوها بين يدى عيسى. قال: وقد قيل: إنّ المائدة كانت سفرة «3» من الأدم الأحمر، وكان فيها سمكة واحدة مشويّة وحولها الخضر
والبقول، وعند رأسها خلّ، وعند ذنبها ملح وخمسة أرغفة على كل منها زيتون، وخمس رمّانات وثمرات. وقال الثعلبىّ فى تفسيره: روى قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمّار بن ياسر عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما «1» » . وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، فقيل لهم: إنّها مقيمة لكم مالم تخونوا أو تخبئوا أو ترفعوا، فإن فعلتم ذلك عذّبتم. قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا. وقال إسحاق بن عبد الله: إنّ بعضهم سرق منها وقال:
لعلها لا تنزل أبدا، فرفعت ومسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما: إنّ عيسى بن مريم عليه السلام قال لبنى إسرائيل: «صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله تعالى ما شئتم يعطكم» . فصاموا ثلاثين يوما، فلمّا فرغوا قالوا: يا عيسى، إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما، وإنّا قد صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ففعل. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات «2» حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وروى عطاء بن السائب عن راذان وميسرة قالا: كانت المائدة اذا وضعت لبنى إسرائيل اختلف عليهم الأيدى من السماء بكل طعام إلّا اللحم. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم: أنزل على المائدة كل شىء إلّا الخبز واللحم. قال عطاء: أنزل عليها كل شىء إلا السمك واللحم. وقال عطيّة العوفى:
نزل من السماء سمكة فيها طعم كل شىء. وقال عمّار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبّه: أنزل الله تعالى
أقرصة من شعير وحيتانا. فقيل لوهب: ما كان ذلك يغنى عنهم؟ قال:
لا شىء، ولكنّ الله أضعف لهم البركة، فكان قوم يأكلون ويخرجون ويجىء الآخرون فيأكلون ويخرجون، حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال الكلبىّ ومقاتل: استجاب الله تعالى لعيسى عليه السلام فقال: إنى منزّلها عليكم كما سألتم، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا. فدعا شمعون الصّفا وكان أفضل الحواريّين فقال: هل معك طعام؟ قال:
نعم معى سمكتان وسبعة أرغفة. قال: قدّمها. فقطعهنّ عيسى عليه السلام قطعا صغارا ثم قال: اقعدوا فى روضة وترفّقوا رفاقا، كل وفقة عشرة. ثم قام عيسى عليه السلام ودعا الله تعالى فاستجاب الله له ونزّل فيها البركة، فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا. ثم قام عيسى فجعل يلقى فى كل رفقة ما حملت أصابعه، ثم قال: كلوا باسم الله، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله وفضل منه، والناس خمسة آلاف ونيّف. فقال الناس جميعا: نشهد أنك عبد الله ورسوله. ثم سألوه مرّة أخرى، فدعا الله تعالى، فأنزل الله خبزا وسمكا، خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها ما صنع فى المرّة الأولى. فلمّا رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدها، وقالوا لهم: ويحكم! إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله تعالى به الخير ثبّته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره. فمسخوا خنازير وليس فيهم صبىّ ولا امرأة. فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا.
وقال كعب: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيّة حيث كانوا كالمنّ والسّلوى لبنى إسرائيل. وقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبى رباح عن سلمان الفارسىّ قال: لمّا سأل الحواريّون عيسى
ابن مريم أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
الآية، وارزقنا عليها طعاما نأكله، وارزقنا وأنت خير الرازقين. فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهى تهوى منقضّة حتى سقطت بين أيديهم. فبكى عيسى وقال:«اللهمّ اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ومثلة «1» » والشهود ينظرون إليها، ينظرون الى شىء لم يروا مثله قطّ، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه. فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها.
فقال شمعون الصّفا رأس الحواريّين: أنت أولى بذلك منّا. فقام عيسى عليه السلام فتوضّأ وصلّى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيرا وكشف المنديل عنها وقال:
باسم الله خير الرازقين، فاذا هو بسمكة مشويّة ليس عليها فلوسا ولا شوك تسيل سيلا «2» من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خلّ، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكرّاث؛ وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثانى عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. قالوا: فلمّا استقرّت بين يدى عيسى قال شمعون رأس الحواريّين: أنت أولى يا روح الله، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى عليه السلام: ليس شىء مما ترون. ولكنّه شىء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله.
قال الحواريّون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى! فقال عيسى: يا سمكة احيى بإذن الله. فاضطربت السمكة وعادت عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها. فقال عيسى: ما لكم تسألون أشياء اذا أعطيتموها كرهتموها،
ما أخوفنى عليكم أن تعذّبوا! يا سمكة عودى كما كنت بإذن الله تعالى. فعادت السمكة مشويّة كما كانت. فقالوا: يا روح الله، كن أوّل من يأكل منها ثم نأكل نحن.
فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها. فدعا عيسى عليه السلام أهل الزّمانة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء. وفى رواية: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واذكروا اسم الله. فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان يتجشّأ «1» ، ثم نظر عيسى عليه السلام الى السمكة فاذا هى كهيئتها حين نزلت من السماء. ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم. فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صحّ، ولا مريض إلا برأ، ولا مبتلى إلّا عوفى، ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنيّا حتى مات؛ وندم الحواريّون ومن لم يأكل منها إذ لم يأكلوا منها. وكانت اذا نزلت اجتمع الفقراء والأغنياء والصغار والكبار والرجال والنساء فيزدحمون عليها.
فلمّا رأى عيسى ذلك جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى اذا فاء الفىء طارت صعدا وهم ينظرون الى ظلها حتى تتوارى عنهم. وكانت تنزل غبّا، تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة صالح. وأوحى الله عز وجل الى عيسى أن اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكّوا وشكّكوا الناس فيها وقالوا: أترون المائدة حقّا نزلت من السماء! فقال عيسى: هلكتم تجهزّوا لعذاب الله. فأوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام: إنى شرطت على المكذّبين شرطا أنّ من كفر بعد نزولها عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: «إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم