الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار الحواريّين الذين أرسلهم عيسى عليه السلام وما كان من أمرهم مع من أرسلوا اليه وخبر جرجيس
ذكر خبر أخبار الحواريّين
قال الكسائىّ قال وهب: وأصبح الحواريّون على أبواب المدائن التى بعثوا اليها، يتكلّم كل رجل منهم بلغة الأمة التى بعث اليها. فبعث الى أهل رومية رجلين من الحواريّين، وبعث إندراوس ولوقا الى أرض الحبشة، وبعث رجلا الى بابل، وبعث رجلا الى إفريقيّة، ورجلا الى أصحاب قرية الكهف، ورجلا الى بربر، ورجلين الى أنطاكية، ورجلا الى السّند والهند، وأقام شمعون مكانه وهو رأسهم، وأمروا أن يستظهروا به فيما يهمّهم.
ذكر خبر يوحنّا وبولس اللذين توجّها إلى إنطاكية
قال الكسائىّ: لمّا أصبح يوحنّا وبولس على باب إنطاكية دخلاها عند فتوح بابها، وملكها يومئذ مخلنطيس «1» بن مخلنطيس، وكان ظالما جبّارا متكبّرا، فلم يقدرا على الوصول اليه، وما أمكنهما أن يذكرا ما جاءا فيه مخافة أن يقتلا قبل أن يبلّغاه رسالة الله تعالى. فكانا كذلك مدّة، حتى شخص الملك من منزله الى مستنزه له فنادياه من بعيد بالإنذار. فلمّا سمع أصواتهما أرسل من يسمع مقالتهما فبلّغاه رسالة الله عز وجل؛ فأمر الملك بجلد كل منهما مائة جلدة وحلق رءوسهما حلق الشمامسة
ليمثّل بهما، ثم أمر بهما الى السجن ليخلدا فيه. فأوحى الله تعالى الى شمعون بخبرهما وأمره بالانتصار لهما. فخرج حتى بلغ أنطاكية فدخلها، وتلطّف حتى صحب خواصّ الملك وبطانته وأنسوا به وذكروه للملك. ثم طرق السجن ليلا، وكان له باب من حديد طوله خمسون ذراعا وعرضه ثلاثون، وكان اذا فتح صرصر حتى يسمع صريره أقصاهم وأدناهم. فأرسل الله تعالى ملكا فاقتلع الباب من موضعه فلم يسمع له صوت، وألقى الله عز وجل السّبات على أهل السجن وحرّاسه. فدخله شمعون، واجتمع بيوحنّا وبولس وبشّرهما عن الله بالثواب والخير وانصرف عنهما، وردّ الملك باب السجن الى موضعه. وكان شمعون يدخل مع الملك وأصحابه الى بيوت أصنامهم ويسجد لله ويبكى ويكثر العبادة وهم لا يشكّون أنه يعبد أصنامهم، فأحبّه الملك وقرّبه وسأله عن نسبه، فأخبره أنه من بنى إسرائيل وأنه بقيّة قوم انقرضوا، ولم يكن له من يأنس به فاعتمدتكم رغبة فى قربكم، وحرصا على إخائكم.
فقال الملك: قد قبلنا قولك وسوّدناك علينا، فأنت أفضلنا وسيّدنا. فلبث فيهم زمنا يصدرون عن رأيه. فلما تمكّن أمره من الملك قال له: أيها الملك، بلغنى أنك سجنت رجلين كانا قد جاءاك يدعوانك الى غير دينك والى عبادة إله غير إلهك، ويزعمان أنّ الله أرسلهما إليك، وعجبت كيف اجترأا عليك. فماذا قلت لهما وما قالا لك؟ وهل أجبتهما بما كان ينبغى لك من الجواب؟ وهل سألتهما حين عظّما لك ربهما أن يذكرا لك سائر عظمته، أو أحييا لك ميتا، أو غير ذلك مما تعرف به مصداق قولهما؟ قال الملك: لقد حال الغضب دون ما تقول. قال: فهل لك أن تدعوهما؟
قال نعم. فأحضرهما بين يديه، فقال لهما شمعون: أخبرانى من أرسلكما الى هذا الملك وقومه؟ قالا: أرسلنا الله الذى هو على كل شىء قدير. فقال شمعون: صفا لى عظمته. قالا: هى أعظم من أن تحصى. قال: فأخبرانى ماذا يبلغ من قدرته؟
قالا: إن شئت وصفنا لك ما نطيق وصفه، وصفته أعظم من طاقتنا، وإن شئت وصفنا لك ذلك فى كلمتين تكفيان من كلام كثير. قال: نعم، صفا وأوجزا.
قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فوضع شمعون يده على رأسه كالمنكر لما قالا، ثم أقبل عليهما وقال: إنى أسألكما أمرا فإن قدر إلهكما عليه آمنّا بكما.
قالا: سل. قال: هل يقدر أن يخلق خلقا ونحن ننظر اليه؟ قالا نعم. قال: اعلما ما تقولان! قالا: قد علمنا، فمتى شئت أريناك. فعندها خلا شمعون بالملك وقال:
أيها الملك، إنّ هذين الرجلين ليسا ببعيدين من أن يكون ربهما كما قالا، ولا أظنهما عرّضا أنفسهما للملك لمثل هذا الموقف إلا وعندهما ثقة من إلههما. وإنى أخشى أن يدعوا ربهما فيخلق خلقا ينظر اليه الناس فيمرض ذلك قلوبهم ويزهدون فى إلهك الذى تعبده ويذهبان بالصوب «1» والشرف. فهل لك أن تدعو إلهك فيخلق هذا الخلق الذى نريد أن نتمناه عليهما فيكون لك ولإلهك شرف هذا اليوم وصوبه؟.
قال له الملك: ليس دونك سرّ، إنّ هذا الإله الذى نعبد لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع ولا يحيى ولا يميت. فقال لهما شمعون: اعرضا علىّ بعض قدرة إلهكما فإن أجابكما وخلق الشىء على أعيننا ونحن ننظر اليه فقد صدقتما والقول قولكما.
واجتمع الناس لينظروا. فأوحى الله اليهما أن سلاه ماذا يريد، فإنى مسخّر لكما ما سألكما. قالا: قد أوحى الينا أنه فاعل ما تسألنا، فسلنا. وكان شمعون قد عهد فى المدينة غلاما مطموس الوجه لم يخلق له عينان، فأتى به فقال: ادعوا ربكما أن يخلق له عينين ونحن ننظر. قالا نعم. فأوقفاه بين أيديهما ودعوا الله وأعانهما شمعون سرّا، فأجابهم الله تعالى، فأخذ كل واحد منهما حثوة من تراب وعجنه وجعله كالبندقة، ووضعا البندقتين فى موضع العينين من وجه الغلام فانشقّ
لهما البصر، ثم صارت البندقتان عينين. فخاف الملك، فقال له شمعون: لا تخف إنّ عندى حيلة. قال له الملك: لعلّهما ساحران، أرنا ما لا يكون وما ليس بكائن.
قال شمعون: ليس هذا من السحر، ولكنى أخاف أن يأتى من إلههما ما يعجز حيلتنا. فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشقّ بصره، كما انشقّ بصر الأوّل، ففرح الملك وأصحابه بذلك. فقال شمعون: إنما صنع ما ترون إله اخترته لنفسى وهو الذى أظهر فلجكم «1» ، فاسجدوا لهذا الإله الذى أظفركم بعدوّكم لعلّه يعينكم على ما يكون بعد هذا. فقال الملك: كيف نسجد لغير إلهنا!. قال شمعون: ألم تخبرنى أنه لا يبصر ولا يسمع ولا يضرّ ولا ينفع، فما قدرته عليك إن سجدت لغيره! قال: صدقت. وسجد الملك وسجد قومه لسجوده. ثم قال شمعون ليوحنّا وبولس: إنّى أسألكما عن أمر، فإن قدر عليه إلهكما فالحجّة إذا لكما والقول قولكما. قالا: سل عمّا بدالك. قال: تسألان ربكما أن يحيى لنا ميّتا حتى يكلّمنا ويخبرنا ما خبره، ويعلمنا ما كان فيه وما لقى بعدنا. قالا: نعم، إنّ الذى سألت يسير على الله وهيّن عليه. فوضع شمعون يده على رأسه كالمعظم والمنكر لما قالا.
ثم خلا بالملك وقال: إنك قد رميت بأمر عظيم، وإنى أخاف إن أحيا إلههما الموتى أن يميل الناس اليهما. قال الملك: إنّا نرجو ألّا يأتيا بشىء إلا أتيت أنت بمثله.
قال شمعون: إنّى لا أغرّكم، إنّ إلهى لا يحيى الموتى، ولا أعلم فى الأرض من يقدر على ذلك. قال الملك: فهل تدعهما يدعاننا وندعهما، فإن أبيا قاتلناهما؟. قال شمعون: كيف نقاتل من لهما إله يحيى الموتى! ولكن أرجو أن أدعو الإله الذى صنع ما رأيتم فيعيننا على ما نريد. قال شمعون: هل يقدر إلهكما على أن يحيى الموتى؟ قالا نعم. قال الملك: إنّ عندنا ميّتا قد مات منذ سبعة أيام وهو ابن
دهقان مدينتنا، فدعا به الملك فأحضر فى نعش، وقد تغيّر لونه وأروح «1» ، فقال:
دونكما ادعوا أن يحييه إلهكما. فدعوا الله، فما لبث أن تفتّقت عنه أكفانه وردّ الله إليه روحه. فسألوه متى مات وماذا لقى. فقال: متّ منذ سبعة أيام، ثم عرضت على عملى فقذفت فى سبعة أودية من نار، وذكر ما فى الأودية من العذاب والحيّات وغير ذلك. قال: فلمّا صرت الى الوادى السابع خفّف عنّى العذاب. قالوا:
فمن أين خفّف عنك العذاب؟ قال: أحيانى الله وردّ علىّ روحى، فجاءنى شىء مثل الريح فدخل فى رأسى، فلمّا صار فى جسدى حييت، ثم قيل لى: انظر فوقك، فشخصت «2» ببصرى وفتحت أبواب السماء، فنظرت فإذا برجل شابّ حسن الوجه نحيف الجسم أبيض يخالطه حمرة متعلّق بالعرش يشفع لهؤلاء الرهط الثلاثة، يعنى عيسى بن مريم. فقال له الملك: أىّ رهط تعنى؟. قال: هذا الشيخ الأجلخ «3» ، وهذا الكهل الأنزع «4» ، وهذا الفتى الرّجل «5» . فما زالوا مجتهدين فى الدعاء حتى شفّعوا، والشافع لهم مصغ إليهم بإذنه كأنّه يسمع ما يقولون ثم يرفعه الى الله فيدعو به. فلما فرغ من كلامه قال: إنّى أحذّركم أيها القوم مثل ما كنت فيه، فإنه لا إله إلّا إله عيسى بن مريم وشمعون وبولس ويوحنّا. قال شمعون: اعتصمنا بالله وتوكّلنا عليه، ثم أخبر الملك بخبره وخبر أصحابه ودعاهم الى الله، فمنهم من آمن، ومنهم من تولّى. وكان الملك ممن آمن به فى عصبة يسيرة. وأرسل الله على من تولّى منهم صيحة من السماء فإذا هم خامدون.
قال: وكان قد نعى الى الدّهقان ابنه، وكان اسم الدّهقان حبيبا النجّار، ثم لم يلبث أن جاءته البشارة بحياة ابنه، ولم يكن له ولد غيره، وأخبر خبر الحواريّين،