الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خبر داود عليه السلام حين ابتلى بالخطيئة
قال الثعلبىّ- رحمه الله: اختلف العلماء فى سبب امتحان الله تعالى نبيّه داود- عليه السلام فقيل: إنه تمنّى يوما من الأيام على ربّه تعالى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو الذى كان يمتحنهم به، ويعطيه من الفضل نحو الذى أعطاهم. قال: وروى السّدّىّ والكلبىّ ومقاتل عن أشياخهم دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان داود- عليه السلام قسم الدهر ثلاثة أيام «1» : يوما يقضى فيه بين الناس، ويوما لعبادة ربّه، ويوما يخلو فيه بنسائه وأولاده وأشغاله؛ وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب- عليهم السلام فقال: يا ربّ إنّ الخير كلّه ذهب به آبائى الذين كانوا من قبلى. فأوحى الله تعالى إليه: أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها؛ ابتلى إبراهيم بالنّمرود وبذبح ابنه؛ وابتلى إسحاق بالذّبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف، وإنك لم تبتل بشىء من ذلك. فقال داود عليه السلام:
ربّ فابتلنى بمثل ما ابتليتهم وأعطنى مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله تعالى إليه:
إنك مبتلى فى شهر كذا فى يوم كذا فاحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذى وعده الله عز وجل دخل داود محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلّى ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان، تمثّل له فى صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن؛ فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها. وفى بعض الروايات:«ليدفعها إلى ابن له صغير» فلمّا أهوى إليها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها؛ فامتدّ إليها ليأخذها، فتنحّت، فتبعها فطارت حتى وقعت [فى كوّة «2» ] ، فذهب ليأخذها
فطارت من الكوّة؛ فنظر داود عليه السلام أين تقع فيبعث إليها من يصيدها؛ فأبصر امرأة فى بستان على شطّ بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبىّ. وقال السّدّىّ:
رآها تغتسل على سطح لها. وقال الكسائىّ: سقط الطائر على شجرة إلى جانب الحوض الذى تغتسل فيه نساء بنى إسرائيل. قالوا: فرأى داود امرأة من أجمل النساء خلقا، فعجب من حسنها، وحانت منها التفاتة، فأبصرت ظلّه، فنفضت شعرها فتغطّى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها؛ فسأل عنها، فقيل هى بتشابع بنت سالغ «1» ، امرأة أوريّا بن حنانا، وزوجها فى غزاة بالبلقاء «2» بعث مع يوآب «3» ابن صروية ابن أخت داود، فكتب داود إلى ابن أخته: أن أبعث أوريّا إلى موضع كذا وكذا، وقدّمه قبل التابوت؛ وكل من قدّم على التابوت لا يحلّ له أن يرجع وراءه [حتى يفتح الله على يديه «4» ] أو يستشهد، فبعثه أيوب وقدّمه، ففتح له، فكتب إلى داود بذلك؛ فكتب إليه أيضا: أن أبعثه إلى عدوّ كذا وكذا.
فبعثه، ففتح له؛ فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدوّ كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه؛ فقتل فى المرّة الثالثة. فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود- عليه السلام وهى أمّ سليمان عليه السلام.
وقال آخرون: كان سبب امتحانه أن نفسه حدّثته أن يطيق قطع يوم بغير مقارفة سوء.
وقد روى الثعلبىّ فى ذلك بسند [سعيد بن «1» ] مطر عن الحسن قال: إن داود- عليه السلام جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين الناس «2» ، ويوما لبنى إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه.
فلمّا كان يوم بنى إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود فى نفسه أنه سيطيق ذلك. فلمّا كان يوم عبادته غلّق أبوابه، وأمر ألّا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة الزّبور؛ فبينما هو يقرأ إذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن وقد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد، ولم تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتى أشرف على أمرأة تغتسل، فأعجبه خلقها؛ فلمّا رأت ظلّه فى الأرض جللّت نفسها بشعرها، فزاده ذلك إعجابا بها؛ وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه: أن سر إلى مكان كذا وكذا- مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع- ففعل، فأصيب.
فخطبها داود وتزوّجها.
وقال بعضهم فى سبب ذلك ما رواه أبو إسحاق بسنده عن قتادة عن الحسن قال: قال داود- عليه السلام لبنى إسرائيل حين ملك: والله لأعدلنّ بينكم.
ولم يستثن؛ فابتلى.
وقال أبو بكر الورّاق: كان سبب ذلك أن داود عليه السلام كان كثير العبادة، فأعجب بعمله وقال: هل فى الأرض أحد يعمل عملى؟ فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله عز وجل يقول: أعجبت بعبادتك والعجب
يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. فقال: يا ربّ كلنى إلى نفسى سنة. قال: إنها لكثيرة. قال: شهرا. قال: إنه لكثير. قال:
فأسبوعا. قال: إنه لكثير. قال: فيوما. قال: إنه لكثير. قال: فساعة.
قال: فشأنك بها. فوكّل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحرب ووضع الزبور بين يديه، فبينما هو فى نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه؛ وكان من أمر المرأة ما كان.
قالوا: فلمّا دخل داود عليه السلام بامرأة أوريّا لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله عز وجل ملكين فى صورة إنسيّين، يطلبان أن يدخلا عليه، فوجداه فى يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه؛ فتسوّرا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلّى إلّا وهما بين يديه جالسان، فذلك قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ «1»
أى تجر وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ «2»
أى وسط الطريق إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
كنى بالنّعاج عن النساء؛ والعرب تفعل ذلك. فَقالَ أَكْفِلْنِيها
. قال ابن عبّاس: أعطنيها. وقال ابن جبير عنه: تحوّل لى عنها. وقال أبو العالية: ضمّها إلىّ حتى أكفلها. وقال ابن كيسان: إجعلها كفلى، أى نصيبى. وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ «3»
، أى غلبنى. وقرأ عبيد بن عمير: وعازّنى، من المعازّاة، وهى المغالبة.
قال داود: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ
أى الشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ «1» .
وروى السّدّىّ أن أحدهما لما قال: إِنَّ هذا أَخِي
الآية، قال داود- عليه السلام للآخر: ما تقول؟ قال: إن لى تسعا وتسعين نعجة ولأخى هذا نعجة واحدة، وأنا أريد أن آخذها منه فأكمّل نعاجى مائة وهو كاره. قال داود: وهو كاره؟ قال نعم. قال: إذا لا ندعك وذلك، وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، يعنى طرف الأنف وأصل الجبهة. فقال: يا داود، أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريّاء إلا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قتل وتزوّجت امرأته. فنظر داود- عليه السلام فلم ير أحدا، فعرف ما قد وقع فيه؛ فذلك قوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ
أى أيقن أَنَّما فَتَنَّاهُ
أى ابتليناه. قال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنة داود النظر. قال الثعلبىّ: ولم يتعمد النظر إلى المرأة، ولكنه أعاد النظر اليها فصارت عليه «2» .
قال: فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير فى قصة امتحان الله تعالى داود عليه السلام. وقد روى عن علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنه- قال:
«من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص معتقدا صحته جلدته حدّين لعظيم ما ارتكب وجليل ما احتقب «3» من الوزر والإثم، يرمى من قد رفع الله محلّه وأنابه من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين» !.
وقال القائلون بتنزيه المرسلين فى هذه القصة: إن ذنب داود- عليه السلام إنما كان أنه تمنّى أن تكون له امرأة أوريّاء حلالا له، وحدّث نفسه بذلك، فاتفق
غزو أوريّاء وتقدّمه فى الحرب وهلاكه. فلمّا بلغه قتله لم يجزع عليه ولم يتوجّع له كما [كان «1» ] يجزع على غيره من جنده إذا هلك، [ووافق قتله مراده، ثم تزوّج امرأته فعاتبه الله على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت «2» ] فهى عظيمة عند الله تعالى.
وقال بعضهم: ذنب داود أن أوريّاء كان قد خطب تلك المرأة ووطّن نفسه عليها، فلما غاب فى غزاته خطبها داود، فتزوّجت منه لجلالته؛ فاغتمّ لذلك أوريّاء غمّا شديدا، فعاتبه الله تعالى على ذلك، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأوّل، وقد كانت عنده تسع وتسعون امرأة.
قالوا: فلما علم داود أنه ابتلى سجد فمكث أربعين ليلة ساجدا باكيا حتى نبت الزرع من دموعه، وأكلت الأرض من جبينه، وهو يقول فى سجوده: ربّ داود زل داود زلّة أبعد مما بين المشرق والمغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا فى الخلوف من بعده. فجاء جبريل- عليه السلام بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إن الله تعالى قد غفر لك الهمّ الذى هممت به.
فقال داود: عرفت أن الربّ قادر على أن يغفر لى، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: يا ربّ، دمى الذى عند داود؟
فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، ولئن شئت لأفعلنّ. قال نعم. فعرج جبريل- عليه السلام وسجد داود فمكث ما شاء الله، ثم نزل جبريل فقال:
قد سألت يا داود ربّك عن الذى أرسلتنى فيه فقال: قل لداود: إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لى دمك الذى عند داود؛ فيقول: هو لك يا ربّ، فيقول: فإن لك فى الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا.
وروى الثعلبىّ بسند رفعه إلى ابن عبّاس وكعب الأحبار ووهب بن منبّه، قالوا جميعا: إن داود- عليه السلام لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحوّلا عن صورتهما، فعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه.
وعلم داود أنه عنى به، فخرّ ساجدا أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب ولا يرفع رأسه إلّا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجدا، لا يرفع رأسه إلّا لحاجة لا بدّ منها ثم يعود، فسجد تمام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكى حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادى ربه- عز وجل ويسأله التوبة، ويدعو بدعاء «1» طويل ذكره الثعلبىّ، فى آخر كل كلمة منه:
سبحان خالق النور.
قال: فأتاه نداء: يا داود، أجائع أنت فتطعم، أظمآن أنت فتسقى، أمظلوم أنت فتنصر، ولم يجبه فى ذكر خطيئته بشىء. فصاح صيحة هاج منها ما حوله؛ ثم نادى: يا رب الذنب الذى أصبته. فنودى: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتى جاء جبريل- عليه السلام فرفعه.
قال وهب: إن داود- عليه السلام أتاه نداء: إنّى قد غفرت لك.
قال: يا رب، كيف وأنت لا تظلم أحدا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريّاء، فناده وأنا أسمعه نداءك، فتحلّل منه. فانطلق حتى أتى قبره وقد لبس المسوح، فجلس ثم نادى: يا أوريّاء. فقال: لبيّك، من هذا الذى قطع علىّ لذّتى وأيقظنى؟ قال:
أنا داود. قال: ما جاء بك يا نبىّ الله؟ قال: أسألك أن تجعلنى فى حلّ مما كان منّى إليك. قال: وما كان منك إلىّ؟ قال: عرّضتك للقتل. قال: عرّضتنى للجنّة،
فأنت فى حلّ. فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، ألم تعلم أنى حكم عدل لا أقضى بالغيب والتغرير «1» ! ألا أعلمته أنك قد تزوّجت امرأته!.
قال: فرجع إليه فناداه؛ فأجابه فقال: من هذا الذى قطع علىّ لذّتى؟ قال:
أنا داود. قال: يا نبىّ الله، أليس قد عفوت عنك! قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك لمكان امرأتك فتزوّجتها، فسكت ولم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام عند قبره وحثا «2» التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود ثم الويل لداود إذا نصبت الموازين القسط [ليوم القيامة «3» ] ، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين تقرّبه الزبانية مع الظالمين إلى النار، سبحان خالق النور.
قال: فأتاه نداء من السماء: يا داود، قد غفرت لك ذنبك، ورحمت بكاءك، واستجبت دعاءك، وأقلت عثرتك. قال: يا ربّ، كيف لى أن تعفو عنّى وصاحبى لم يعف عنّى؟ قال: يا داود، أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، ولم تسمع أذناه، فأقول له: رضيت عبدى؟ فيقول: يا ربّ، من أين لى هذا ولم يبلغه عملى؟
فأقول له: هذا عوض من عبدى «4» داود، فأستوهبك منه فيهبك لى. قال: يا رب، الآن قد عرفت أنك قد غفرت لى. فذلك قوله تعالى: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ «5» * فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ
، أى ذلك الذنب وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ «6»
أى وإنّ له بعد المغفرة عندنا يوم القيامة حسن مرجع.
قال الثعلبىّ ورفعه إلى وهب بن منبّه قال: إن داود- عليه السلام لما تاب الله تعالى عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقا له دمعة ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام، فجعل يوما للقضاء بين بنى إسرائيل، ويوما لنسائه، ويوما يسيح فى الفيافى والجبال والساحل، ويوما يخلو فى دار له فيها أربعة آلاف محراب؛ فيجتمع إليه الرّهبان، فينوح معهم على نفسه، ويساعدونه على ذلك. فإذا كان يوم سياحته يخرج فى الفيافى، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكى وتبكى معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار؛ ثم يجىء إلى الساحل فيبكى وتبكى معه الحيتان ودوّاب البحر والسباع وطير الماء، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم نوحه نادى مناد: إن اليوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده. قال: فيدخل الدار التى فيها المحاريب، فتبسط له فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها، ويجىء الرّهبان وهم أربعة آلاف، عليهم البرانس وفى أيديهم العصىّ، فيجلسون فى تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالنّوح والبكاء، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكى حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود مثل الفرخ يضطرب، فيجىء ابنه سليمان فيحمله، فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيّه، ثم يمسح بها وجهه ويقول: يا رب اغفر ما ترى. قال: فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.
وقال ثابت: ما شرب داود شرابا بعد المغفرة إلّا ونصفه ممزوج بدموع عينيه.
وعن الأوزاعىّ قال: بلغنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: