الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنيه.
*
القسم الرابع: يكتمون إيمانهم في أقوامهم، ولا يتمكنون من إظهاره
، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون، الذي يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان ملك نصارى الحبشة، وكان في الباطن مؤمناً، وغير هؤلاء كثير (1).
14 -
وقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} (2): أي الله عز وجل الذي يذكركم ويثني عليكم، وملائكته يدعون لكم، ويستغفرون لكم، وبسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال، والكفر، والمعاصي والذنوب إلى نور الهدى والإيمان، واليقين، والتوفيق، والعلم والعمل (3)، قال القرطبي رحمه الله:((ومعنى هذا التثبيت على الهداية، لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية)) (4).
15 -
(1) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، 2/ 72 - 76، بتصرف يسير.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:43.
(3)
انظر: جامع البيان، للطبري، 2/ 280، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 3/ 446، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص614.
(4)
الجامع لأحكام القرآن، 14/ 193.
(5)
سورة فاطر، الآيات: 19 - 22.
هذه أمثال ضربها الله عز وجل للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر، كما أن هذه الأشياء المذكورات المتباينة المختلفة لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى، فلا يستوي الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم، والضال والمهتدي، ولا أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا أموات القلوب وأحياؤها؛ فإن بين هذه الأشياء من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ينبغي أن يُتنافس في تحصيله من ضدّه، فليختر الحازم لنفسه ما هو أولى وأحق بالإيثار (1).
وقد جاء هذا التفسير عن السلف الصالح، فقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير قوله تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} ، قال:((هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية، يقول: وما يستوي الأعمى، والظلمات، والحرور، ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير، والنور، ولا الظل، والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة)) (2)، وقال قتادة: ((
…
خلقاً فُضِّل بعضه على بعض، فأما المؤمن فَعَبْدٌ حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعًبْدٌ ميت: ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل)) (3) فاتضح بذلك أن الأعمى عن دين الله لا يستوي هو والذي
(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 20/ 457، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 14/ 327، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 3/ 530، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص634.
(2)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 20/ 458.
(3)
المرجع السابق، 20/ 458.
قد أبصر دينه، وعلم وعمل، قال الله عز وجل:{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (1).
وقد قال الله عز وجل عن أصحاب الظلمات: {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ الله يُضْلله وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ} (2)،فهم صم عن سماع الحق، بكم عن النطق به، فلا ينطقون إلا بالباطل، في الظلمات منغمسون: ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والظلم، والعناد، والإعراض، والمعاصي، وهذا من إضلال الله إيَّاهم؛ فإنه المنفرد بالهداية والإضلال بحسب ما اقتضاه فضله، وحكمته، وعدله (3).
16 -
وقال الله عز وجل: {أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (4)، يقول تعالى: أفمن فسح الله قلبه، وشرح صدره لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته، فهو على نور من ربه، وعلى بصيرة مما هو عليه، ويقين بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك الأمر متَّبع، وعما نهاه الله عنه منتهٍ، وقد انشرح صدره للإسلام، فاتَّسع لتلقّي أحكام الله والعمل بها، منشرحاً قرير العين، كمن أقسى الله قلبه فأخلاه
(1) سورة الأنعام، الآية:122.
(2)
سورة الأنعام، الآية:39.
(3)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 11/ 350، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص218.
(4)
سورة الزمر، الآية:22.
من ذكره، وضيَّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب، فهو لا يلين لكتاب الله، ولا يتذكر آياته، ولا يطمئن بذكره؛ بل هو معرض عن ربه ملتفت إلى غيره، فهذا له الويل الشديد، والشر الكبير (1)، قال الله عز وجل:{فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (2).
17 -
كما كان الله عز وجل يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذلك أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، وسمّاه روحاً؛ لأن الروح يُحْيى به الجسد، والقرآن تَحْيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين؛ لِمَا فيه من الخير الكثير والعلم الغزير، وما كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن يدري ما شرائع الإيمان ومعالمه على التفصيل الذي شرع له في القرآن، ولكن جعل الله القرآن نوراً يرشد به، ويهدي من يشاء من
(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 21/ 277، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 15/ 236، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/ 51، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص668.
(2)
سورة الأنعام، الآية:125.
(3)
سورة الشورى، الآيتان: 52 - 53.
عباده، فيستضيئون بهذا القرآن في ظلمات الكفر، والشبهات، والضلال، والبدع، والشرك، والشهوات، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم (1)، كقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ} (2).
فهذا القرآن يعظ عن الأعمال الموجبة لسخط الله المقتضية لعقابه، ويحذر عنها ببيان آثارها ومفاسدها، وهو شفاء لِمَا في الصدور من أمراض الشهوات الصادرة عن [عدم](3) الانقياد للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني؛ فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة في الخير، والرهبة عن الشر (4)، وكقوله تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا} (5)، فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين بها، وأما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خساراً؛ لأن الحجة
(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 21/ 599 - 561، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 16/ 53 - 59، وتفسير البغوي، 4/ 132، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،
4/ 124، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، 2/ 87 - 88، والضوء المنير على التفسير، من كتب ابن القيم، جمع: علي الصالحي، 5/ 323.
(2)
سورة يونس، الآية:57.
(3)
زيادة يقتضيها السياق، أو الصادرة عن الانقياد للشرع.
(4)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص323.
(5)
سورة الإسراء، الآية:82.
تقوم عليهم به، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشُّبَه، والجهالات، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود الرديئة؛ لأنه مشتمل على العلم اليقين الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها، فمتى عمل به العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل (1)، كقوله عز وجل:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} (2)، فهو يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة، وهو شفاء لهم من الأسقام القلبية؛ لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب، وتشفي القلوب، أما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صمم عن استماعه وإعراض عنه، وهو عليهم عمى، فلا يبصرون به رشداً، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالاً؛ لأنهم إذا ردّوا الحق ازدادوا عمىً إلى عماهم، وغيّاً إلى غيهم، وينادون إلى الإيمان ويدعون إليه فلا يستجيبون، بمنزلة الذي يُنادى وهو في مكان بعيد لا يسمع داعياً، ولا يجيب منادياً، والمقصود أن الذين لا يؤمنون بالقرآن لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيراً، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم (3).
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص416.
(2)
سورة فصلت، الآية:44.
(3)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص697.
وفي قوله عز وجل في أول الآية: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} مال الإمام ابن جرير رحمه الله إلى أن الروح هنا هو القرآن الكريم، وجزم به الحافظ ابن كثير رحمه الله، والسعدي رحمه الله، وقيل: إن الروح هنا: النبوة، وقيل: الرحمة، وقيل: الوحي (1).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية: ((أي جعلنا ذلك الروح نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، فَسمَّى وحيه روحاً، لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح، التي هي الحياة الحقيقية، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فمن لم يحيَ به في الدنيا فهو ممن له جهنم، لا يموت فيها ولا يحيا، وأعظم حياة في الدور الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء أعظمهم نصيباً من هذه الحياة بهذه الروح، وسمّاه نوراً لِمَا يحصل به من استنارة القلوب، وإضاءتها، وكمال الروح بهاتين الصفتين: بالحياة، والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، فإن كان العبد مشاراً إليه: بالزهد، والفقه، والفضيلة؛ فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعله نوراً يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل، والبحث، والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من
(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 21/ 559، وتفسير البغوي، 4/ 132، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 16/ 53، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/ 124.
باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال)) (1).
وقد أمر الله عز وجل بالإيمان بهذا النور العظيم فقال: {فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (2).
ولا شك أن ما في الكتاب الكريم من الأحكام، والشرائع، والأخبار أنوار يهتدى بها في ظلمات الجهل؛ ولهذا سماه الله نوراً (3).
وقد كتب الله الفوز والفلاح لمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ونصره، واتَّبع النور الذي أُنزل معه، فقال عز وجل:{فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (4)، ومع هذا البيان الواضح، والنور الساطع فقد كذَّب المشركون واليهود النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فعزَّاه الله مُسلِّياً له (5) فقال:{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} (6)، وقال عز وجل:{وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} (7).
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية، 2/ 88.
(2)
سورة التغابن، الآية:8.
(3)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 23/ 419، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 18/ 132، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص803.
(4)
سورة الأعراف، الآية:157.
(5)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 7/ 450، 17/ 459، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 4/ 304، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 1/ 434، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص126.
(6)
سورة آل عمران، الآية:184.
(7)
سورة فاطر، الآية:25.
وقد ذم الله عز وجل من يجادل بالباطل بغير علم صحيح، ولا هدى، ولا كتاب منير يوضح الحق ويبينه، فلا عقل مرشد، ولا متبوع مهتدٍ، ولا حجة عقلية ولا نقلية، قال الله عز وجل:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} (1).
18 -
وقال الله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (2)، الله عز وجل الذي ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم آياتٍ واضحات، وحججاً دامغاتٍ، ودلائل باهراتٍ، وبراهين قاطعات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزله عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة، والشرك والكفر، والجهل، والآراء المتضادة، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى، وهذا من رحمته بعباده وإحسانه إليهم، فله الشكر والحمد والثناء الحسن، لا إله غيره ولا رب سواه (3)، وهذا كقوله سبحانه وتعالى:
(1) سورة الحج، الآية: 8، وسورة لقمان، الآية: 2، وانظر: تفسير السعدي، ص483، 598.
(2)
سورة الحديد، الآية:9.
(3)
انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 23/ 173، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 17/ 230، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/ 307، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص778.
(4)
سورة الطلاق، الآيتان: 10 - 11.
19 -
وفي قوله سبحانه: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} جاء عن الضحاك أن معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى هداهم بين أيديهم، وبأيمانهم كتبهم (2).
وقيل: {وَبِأَيْمَانِهِم} الباء بمعنى في: أي في أيمانهم، أو بمعنى عن: أي عن أيمانهم (3).
وقال أكثر المفسرين يعطي الله المؤمنين نوراً يوم القيامة على قدر أعمالهم، يمشون به على الصراط، ويُعطى المنافقون أيضاً نوراً خديعة لهم، كما قال سبحانه وتعالى:{يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (4).
(1) سورة الحديد، الآيات: 12 - 15.
(2)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 23/ 179، واختاره ابن جرير في هذا الموضع.
(3)
الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 17/ 235.
(4)
سورة النساء، الآية:142.