المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول في حكم الاستعاذة - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ٢

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل التاسع في سكتات الصلاة

- ‌المبحث الأول في سكوت الإمام لدعاء الاستفتاح

- ‌الفرع الأول في حكم الاستفتاح

- ‌الفرع الثاني في قول المصلي (وأنا أول المسلمين) إذا استفتح بحديث علي رضي الله عنه

- ‌الفرع الثالث في استحباب الاستفتاح للمأموم

- ‌الفرع الرابع في استفتاح المأموم فيما يجهر به الإمام

- ‌الفرع الخامس في الأفضل من صيغ الاستفتاح

- ‌الفرع السادس السنة الاستفتاح الإسرار به

- ‌الفرع السابع في مشروعية سجود السهو لترك الاستفتاح

- ‌الفرع الثامن في فوات الاستفتاح

- ‌المطلب الأول في فوات الاستفتاح إذا شرع بالتعوذ

- ‌المطلب الثاني في استفتاح المسبوق إذا أدرك الإمام قائمَا في غير الركعة الأولى

- ‌المبحث الثاني في استحباب سكتة لطيفة بين الفاتحة والتأمين

- ‌المبحث الثالث في سكوت الإمام بعد الفراغ من التأمين

- ‌المبحث الرابع في حكم السكتة بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع

- ‌الباب السادس القراءة في الصلاة

- ‌الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها

- ‌المبحث الأول في حكم الاستعاذة

- ‌المبحث الثاني في صفة الاستعاذه

- ‌المبحث الثالث في محل الاستعاذه

- ‌المبحث الرابع في الجهر بالاستعاذة

- ‌المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة

- ‌المبحث السادس في مشروعية البسملة في الصلاة

- ‌الفرع الأول في قرآنية البسملة

- ‌الفرع الثاني في قراءة البسملة في الصلاة

- ‌الفرع الثالث في الجهر بالبسملة

- ‌المبحث السابع في قراءة الفاتحة في الصلاة

- ‌الفرع الأول في حكم قراءتها

- ‌الفرع الثاني

- ‌الفرع الثالث

- ‌الفرع الرابع في تكرار الفاتحة في كل ركعة

- ‌الفرع الخامس في قراءة المأموم فاتحة الكتاب

- ‌الفرع السادس في شروط قراءة الفاتحة

- ‌المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة بتشديداتها

- ‌المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة

- ‌المسألة الثالثة في تنكيس القراءة

- ‌الفرع السابع في العجز عن قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن

- ‌المسألة الأولى إذا لم يحسن القراءة من القرآن مطلقًا

- ‌مطلب في تعين بدل القرآن بجمل معينة

- ‌المسألة الثانية في المصلي إذا لم يعرف إلا بعض الفاتحة فقط

- ‌المسألة الثالثة في المصلي إذا كان معه بعض الفاتحة وغيرها من القرآن

- ‌المسألة الرابعة في المصلي يعجز عن الفاتحة ويعرف غيرها من القرآن

- ‌المسألة الخامسة في مقدار ما يجزئ عن الفاتحة من القرءان

- ‌المسألة السادسة في اشتراط أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى

- ‌المسألة السابعة إذا عجز عن القرآن والذكر

- ‌الفرع الثامن في التأمين على دعاء الفاتحة

- ‌المسألة الأولى في معنى التأمين

- ‌المسألة الثانية في فضل التأمين

- ‌المسألة الثالثة في حكم التأمين

- ‌المطلب الأول في حكم التأمين خارج الصلاة

- ‌المطلب الثاني في التأمين داخل الصلاة

- ‌البند الأول في تأمين المنفرد والإمام

- ‌البند الثاني في تأمين المأموم

- ‌المقصد الأول في تأمين المأموم في السرية

- ‌المقصد الثاني في تأمين المأموم في الجهرية

- ‌الغصن الأول في تأمين المأموم على قراءة نفسه وعلى قراءة إمامه

- ‌الغصن الثاني في تأمين المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه

- ‌الغصن الثالث في تأمين المأموم إذا ترك إمامه التأمين

- ‌المسألة الرابعة في صفة التأمين

- ‌المطلب الأول في صفة تأمين الإمام

- ‌المطلب الثاني في صفة تأمين المأموم

- ‌المطلب الثالث في صفة تأمين المنفرد

- ‌المسألة الخامسة في موافقة المأموم للإمام في التأمين

- ‌المسألة السادسة في فوات التأمين

- ‌المسألة السابعة في حكم الزيادة على التأمين

- ‌الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بقراءة ما زاد على الفاتحة

- ‌المبحث الأول في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة للإمام والمنفرد

- ‌الشرط الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة

الفصل: ‌المبحث الأول في حكم الاستعاذة

‌الباب السادس القراءة في الصلاة

‌الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها

‌المبحث الأول في حكم الاستعاذة

المدخل إلى المسألة:

* التعوذ من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فتسقط بفوات القراءة، وتصح الصلاة بتركه.

* لو كان التعوذ من أجل الصلاة لجاء قبل الاستفتاح، ولم يرتبط بالقراءة.

* عموم قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب الاستعاذة للقراءة خارج الصلاة لم تجب في داخلها.

* الأمر بالاستعاذة للقراءة للاستحباب بدليل أنه لم يؤمر بها المسيء في صلاته.

* القول بوجوب الاستعاذة بالصلاة لم يُؤْثَرْ عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحدٍ من التابعين إلا عن عطاء، ولا عن المشهور من مذهب الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد ليست هي المذهب.

* لا يصح حديث في الاستعاذة بالصلاة إلا أن يعتبر بها أحد في المجموع.

[م-526] اختلف الفقهاء في حكم الاستعاذة في الصلاة:

فقيل: الاستعاذة سنة في الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو قول

ص: 115

أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والحنابلة

(1)

.

وقيل: واجبة مطلقًا، وبه قال عطاء والثوري، وابن حزم، ورواية عن أحمد، اختارها ابن بطة

(2)

.

قال ابن حزم: «فرض على كل مُصَلِّ أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»

(3)

.

وقيل: سنة للإمام والمنفرد دون المأموم، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن

(4)

.

وقيل: لا يتعوذ في الفريضة، ويتعوذ في قيام رمضان، وبه قال مالك، قال أصحابه: ويتعوذ بالنفل

(5)

.

وقيل: الاستعاذة تجب في العمر مرة واحدة، وهو أحد القولين عن ابن سيرين

(6)

.

(1)

. بدائع الصنائع (1/ 203)، تحفة الفقهاء (1/ 127)، المبسوط (1/ 13)، الحاوي الكبير (2/ 102)، المهذب للشيرازي (1/ 137)، المجموع (3/ 322)، نهاية المطلب (2/ 137)، فتح العزيز (3/ 304)، روضة الطالبين (1/ 240)، تحفة المحتاج (2/ 33)، مغني المحتاج (1/ 353)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: 46)، ورواية عبد الله (ص: 132)، الإقناع (1/ 115)، شرح منتهى الإرادات (1/ 187)، الكافي (1/ 245)، المغني (1/ 343)، الفروع (2/ 170)، المبدع (1/ 382)، الإنصاف (2/ 47).

(2)

. روى عبد الرزاق في المصنف (2574)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها

الأثر وسنده صحيح.

وروى ابن جريج عن عطاء أنه إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة الأولى.

روى عبد الرزاق في المصنف (2584) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فاستعذت بركعتين ثم أخرى، ثم أخرى، فأستعيذ لكل صلاة على السبع؟ قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن، قلت: صليت فبينا أنا أصلي جاءني إنسان لحاجة، فانصرفت إليه فقضى حاجته، ثم قمت أصلي مرة أخرى قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن. وسنده صحيح.

وانظر: المبسوط للسرخسي (1/ 13)، الفروع (2/ 170)، المبدع (1/ 382)، كشاف القناع (1/ 335)، تفسير الرازي (1/ 67)، تفسير القرطبي (1/ 86).

(3)

. المحلى، مسألة (363).

(4)

. تحفة الفقهاء (1/ 127)، بدائع الصنائع (1/ 202)، البحر الرائق (1/ 328)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (1/ 51).

(5)

. جاء في المدونة (1/ 162): «قال مالك: ولا يتعوذ الرجل في المكتوبة قبل القراءة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان» . وانظر: الذخيرة للقرافي (2/ 181)، تفسير القرطبي (1/ 86)، التاج والإكليل (2/ 252)، شرح الخرشي (1/ 289)، الشرح الكبير (1/ 251).

(6)

. تفسير الرازي (1/ 67)، غرائب القرآن للنيسابوري (1/ 15).

ص: 116

* دليل من قال: الاستعاذة سنة:

الدليل الأول:

قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم} [النحل: 98].

وجه الاستدلال:

أن الله أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، والمتيقن الندب، وإطلاقه يشمل داخل الصلاة وخارجها.

فإن قيل: ما الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب؟ فالجواب: أمور منها:

أحدها: الإجماع على أن الأمر للندب، قال الطبري في تفسيره:«وليس قوله {فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم} بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته، أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا»

(1)

.

ولم يعتبر السرخسي خلاف عطاء خارقًا للإجماع.

قال في المبسوط: «قال عطاء: الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وهو مخالف لإجماع السلف، فقد كانوا مجمعين على أنه سنة»

(2)

.

* وأجيب:

بأن دعوى الإجماع غير صحيحة، قال ابن الهمام:«وعن الثوري وعطاء وجوبه .... ويبعد منهما أن يبتدعا قولًا خارقًا للإجماع بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز»

(3)

.

وقد يجاب على إشكال ابن الهمام بأن الإجماع المحكي لعله من قبيل الإجماع السكوتي إن كان محفوظًا، وهو حجة على الصحيح، ويفيد الظن، وتجوز مخالفته لدليل راجح؛ لأن سكوت من سكت ليس قاطعًا بأن سكوته عن موافقة، ولا يعتبر سكوته بمنزلة الإقرار على صحة القول؛ لأن الإقرار الذي هو حجة هو إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما إقرار العالم فليس بحجة، والله أعلم.

(1)

. تفسير الطبري ط هجر (14/ 357).

(2)

. المبسوط للسرخسي (1/ 13).

(3)

. فتح القدير لابن الهمام (1/ 290).

ص: 117

ثانيها: أن الآية أمرت بالاستعاذة عند قراءة القرآن والأمر مطلق يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب القراءة نفسها خارج الصلاة وهي الغاية، لم تجب الاستعاذة وهي من التوابع، ولا يمكن التفريق بين الاستعاذة داخل الصلاة وبين خارجها في الحكم لإطلاق الآية، ولأن الحكمة من الاستعاذة دفع الوسوسة في القراءة، وذلك لا يوجب الاستعاذة.

وإذا لم يجب التعوذ من الشيطان عند دخول الخلاء، وعند إقبال الليل وانتشار الشياطين مع مظنة الضرر منهم، لم يجب التعوذ عند قراءة القرآن، وسائر الذكر لكون المسلم في هذه الحال أكمل منه في تلك الأحوال، وتعوذه طلب للكمال.

ولوكان التعوذ فرضًا للزم كُلَّ من قرأ القرآن ولو آية؛ لدخوله في مطلق الآية، وقد قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن الحكيم، ولم ينقل أنه تعوذ،

فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران:102]، ولم يتعوذ

(1)

.

(1)

. جاء ذلك من حديث ابن مسعود، وهو صحيح، ومن حديث ابن عباس وفيه ضعف.

أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فرواه أحمد (1/ 432) وأبو داود (2118)، والنسائي في الكبرى (10254) عن وكيع،

ورواه الشاشي في مسنده (710) من طريق عبيد الله بن موسى، كلاهما (وكيع، وعبيد الله) عن إسرائيل.

ورواه أحمد (1/ 393)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 178) عن عفان، قال: حدثنا شعبة، كلاهما (شعبة وإسرائيل بن يونس)، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة عن ابن مسعود، قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا .... } [الأحزاب:70،71].

وأخرجه أحمد (1/ 392) والنسائي في المجتبى (1404)، وفي الكبرى (1721، 5503) حدثنا محمد بن جعفر،

والدارمي (2248) قال: أخبرنا أبو الوليد وحجاج، =

ص: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وأخرجه أبو يعلى (5257) من طرق يحيى،

ورواه الطبراني في الكبير (10/ 98) ح 10080، والشاشي في مسنده (917) من طريق حماد بن سلمة،

والحاكم في المستدرك (2744) من طريق آدم بن أبي إياس، كلهم (محمد، وأبو الوليد، وحجاج، ويحيى، وحماد، وآدم) رووه عن شعبة.

وأخرجه أبو داود (2118)، وأبو يعلى (5233، 5257) من طريق سفيان الثوري، كلاهما (شعبة، والثوري) عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وحده، عن ابن مسعود.

والحديث صحيح، وما يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، فإن العلماء اعتبروها في حكم المتصلة، لأنه سمعها من آل بيته، وقد توبع تابعه أبو الأحوص.

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

فرواه أحمد (1/ 300)، والترمذي (2585)، والنسائي في الكبرى (11004)، وابن حبان (7470) من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان عند الحجر، وعنده محجن يضرب به الحجر، ويقلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران:102]، لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لَأَمَرَّتْ على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه، وليس له طعام غيره.

وأكثر أحاديث الأعمش عن مجاهد مدلسة، قال أبو حاتم الرازي كما في علل الحديث (2119): الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مُدَلَّس.

وقال نحو ذلك القطان وابن معين انظر الجرح والتعديل (1/ 241)، من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال رواية ابن طهمان (59).

وفي تاريخ الدوري عن ابن معين (2/ 235): «إنما سمع من مجاهد أربعة أحاديث أو خمسة» .

وقال ابن المديني كما في تهذيب التهذيب: «قال يعقوب بن شيبة في مسنده: ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات» .

وقد تبين فعلًا أن هذا الحديث قد سمعه الأعمش من أبي يحيى القتات.

فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (34144)، قال: حدثنا يحيى بن عيسى،

ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (1/ 338)، قال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا فضيل بن عياض، كلاهما (يحيى بن عيسى، وفضيل بن عياض)، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى أهل الأرض لأفسدت على الناس معايشهم.

وهذا وإن كان موقوفًا فإن له حكم الرفع إلا أن علته أبو يحيى القتات، وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه في أخرى. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حجر: لين الحديث.

ص: 119

ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين مقبلين في ثوبين أحمرين يتعثران، فقال: صدق الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15]، ولم يتعوذ، فكان ذلك صارفًا من الوجوب إلى الاستحباب

(1)

.

وقد يقال: إن الاستشهاد بآية أو آيتين من القرآن لا يأخذ حكم القرآن، كما لا تعطى كتب التفسير حكم القرآن، مع اشتمالها على آيات كثيرة منه، فهذا أولى أن لا يأخذ حكم القرآن، والله أعلم.

ومن الصوارف أيضًا، وهو قوي جدًّا، ما سوف أسوقه في الدليل التالي.

الدليل الثاني:

(ح-1319) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم

(1)

. الحديث رواه أحمد في المسند (5/ 354)، وابن أبي شيبة في المصنف (24729، 32189) وأبو داود (1109)، والترمذي (3774). والنسائي في المجتبى (1413، 1585). وفي الكبرى (1743، 1803)، وابن ماجه (3600)، والبزار (4406)، وابن خزيمة (1456، 1801، 1802)، وابن حبان (6038، 6039)، والحاكم (1059، 7396)، والبيهقي في السنن (3/ 309) و (6/ 273)، وفي الشعب (10504)، من طرق عن الحسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه به مرفوعًا.

ولم يروه عن بريدة إلا ابنه عبد الله، ولا عن عبد الله إلا الحسين بن واقد، والحسين بن واقد حسن الحديث إلا ما يتفرد به عن عبد الله بن بريدة، فقد تكلم في ذلك الإمام أحمد.

قال أحمد: «ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة» .

وقال عبد الله بن أحمد: «قال أبي: عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد: ما أنكرها، وأبو المنيب أيضًا، يقولون: كأنها من قبل هؤلاء» .

ص: 120

ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها

(1)

.

وجه الاستدلال:

أن حديث المسيء في صلاته اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ لها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، كما كان الناس يتكلمون في الصلاة، ثم حدث المنع بعد ذلك، وكما كان التطبيق مشروعًا حال الركوع، ثم نسخ، إنما يصح الاعتراض لو أن حديث أبي هريرة ذكر شيئًا من السنن، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين فهو من الواجبات المجمع عليها، ولم يذكر سنة واحدة، ولم يَأْتِ تشريع جديد يفيد وجوب الاستعاذة، والله أعلم.

الدليل الثالث:

(ح-1320) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي،

عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ.

[أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث

(1)

. البخاري (793) ومسلم (45 - 397).

ورواه البخاري (6251) ومسلم (46 - 397) من طريق عبد الله بن نمير،

ورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر

وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.

ص: 121

أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا]

(1)

.

الدليل الرابع:

(ح-1321) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.

وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.

قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر

(2)

.

[ضعيف]

(3)

.

الدليل الخامس:

(ح-1322) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن،

عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه، ونفثه، ونفخه.

قال: فهمزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر

(4)

.

وليس فيه أن ذلك في قراءة القرآن فضلًا عن الصلاة.

ورواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة به،

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه

(5)

.

(1)

. سبق تخريجه، انظر (ص: 24).

(2)

. المسند (4/ 85).

(3)

. سبق تخريجه، انظر (ح 1290).

(4)

. المصنف (29123).

(5)

. المستدرك (749)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 54)،.

ص: 122

[ضعيف مرفوعًا]

(1)

.

(1)

. الحديث ضعيف، وفيه ثلاث علل:

الأولى: لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من ابن مسعود، قاله يحيى بن معين. المراسيل لابن أبي حاتم (382)، الجرح والتعديل (1/ 131).

العلة الثانية: الاختلاف على ابن أبي شيبة في لفظه، أكان التعوذ في الحديث مطلقًا دون ذكر الصلاة والقرآن، أم كان التعوذ في الصلاة؟

فرواه عن ابن أبي شيبة مطلقًا كل من:

الإمام أحمد كما في المسند (1/ 404).

وعبد الله بن أحمد كما في زوائده على المسند (1/ 404).

وأبي يعلى الموصلي كما في المسند (4994)، ثلاثتهم عن ابن أبي شيبة به، ليس فيه ذكر للصلاة، وأن هذا الذكر خاص بالتعوذ المطلق من الشيطان.

وتابع هؤلاء: محمد بن عبد الله بن نمير كما في مسند أبي يعلى (5077).

وأبو سعيد الأشج كما في تفسير ابن أبي حاتم (5/ 1640).

وعلي بن المنذر كما في سنن ابن ماجه (808).

ويوسف بن عيسى المروزي كما في سنن ابن ماجه (472)، وصحيح ابن خزيمة (472).

ويحيى بن عبد الحميد الحماني كما في الدعاء للطبراني (1381)، كلهم رووه عن ابن فضيل بما يوافق رواية ابن أبي شيبة من رواية الإمام أحمد، وابنه وأبي يعلى الموصلي بإطلاق التعوذ.

وخالف كل هؤلاء محمد بن أيوب، فرواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل به، وزاد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه، فهمزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه الكبرياء.

رواه الحاكم في المستدرك (749)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 54)،، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة به.

فجعل الاستعاذة في الصلاة، ولست أدري ممن الوهم، أهو من محمد بن أيوب، أم من الراوي عنه عبد الله بن محمد بن موسى؟ وحالهما متقاربة، وكل منهما صدوق، والله أعلم.

وقد تابع ابن فضيل على رفع الحديث، وإطلاق التعوذ وعدم تقييده بالصلاة كل من:

الأول: عمار بن رزيق (لا بأس به)، رواه أحمد في المسند (1/ 403)،

وأبو يعلى الموصلي (5380) حدثنا أبو خيثمة (زهير بن معاوية) كلاهما (أحمد وأبو خيثمة) قالا: حدثنا أبو الجواب الضبي (صدوق ربما وهم)، قال: حدثنا عمار بن رزيق، عن عطاء بن السائب به.

وهذه متابعة لابن فضيل في رفعه، ولم يتكلم العلماء في سماع عمار بن رزيق من عطاء بن السائب، أكان قبل الاختلاط أم بعده، وهو قد توفي قبل الثوري، فقد يكون سماعه منه قديمًا.

الثاني: ورقاء بن عمر بن كليب (صدوق في حديثه عن منصور لين). =

ص: 123

* وأجيب:

بأن إسناده منقطع، واختلف في وقفه ورفعه، والمعروف، من لفظه أن الأثر في التعوذ من الشيطان مطلق، وليس فيه أن هذا التعوذ كان بسبب قراءة القرآن، أو كان داخل الصلاة.

الدليل السادس:

(ح-1323) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق،

أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من

= رواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 54)، وفي الدعوات الكبير (355) من طريق أحمد بن أبي ظبية، حدثنا ورقاء به.

وأحمد بن أبي ظبية: قال أبو حاتم: يكتب حديثه، الجرح والتعديل (2/ 64)، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث أكثرها غرائب، تهذيب الكمال (1/ 359).

ووثقه الخليلي في الإرشاد (1/ 271، 272).

ولم يذكر العلماء في سماع ورقاء من عطاء، أكان قبل الاختلاط أم بعده؟

العلة الثالثة: الاختلاف في رفعه ووقفه.

فقد رواه كل من سبق، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود مرفوعًا.

وخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.

رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (369).

وحجاج بن منهال كما في المعجم الكبير للطبراني (9/ 262)، كلاهما عن حماد بن سلمة به موقوفًا على ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.

وحماد ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وليس فيه أن هذا التعوذ كان بسبب القراءة، فضلًا عن الاستدلال به في الصلاة.

ومما يؤيد رواية حماد بن سلمة أن الثوري قد رواه عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله موقوفًا، قال: همزه: المؤتة، يعني: الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.

رواه عبد الرزاق في المصنف (2581)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (9/ 262) ح 9303، عن الثوري به.

ص: 124

الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه

(1)

.

ورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه).

[ضعيف]

(2)

.

فالأحاديث التي استشهد بها الجمهور على مشروعية الاستعاذة، وإن كانت آحادها ضعيفة، فإنه قد يشهد بعضها لبعض، خاصة أن الاستعاذة للقراءة مشروعة بالاتفاق، وهو نص الكتاب العزيز، والقراءة داخل الصلاة فرد منها، فكانت الاستعاذة بالصلاة من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة خلافًا لمحمد بن الحسن.

* دليل من قال: الاستعاذة واجبة:

الدليل الأول:

قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم} [النحل: 98].

فأمر بالاستعاذة، والأصل في الأمر الوجوب.

* ونوقش:

بأن الأمر المجرد في دلالته على الوجوب نزاع مشهور عند الأصوليين، والراجح أنه للوجوب مع القول بأنه يُصْرَفُ عن الوجوب لأدنى صارف، وقد ذكر أصحاب القول الأول قرائن تصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب.

الدليل الثاني:

أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها، فيكون واجبًا؛ لقوله تعالى:{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف: 158].

(1)

. أخرجه أحمد (5/ 253). ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (68/ 121).

(2)

. ورواه أحمد أيضًا (5/ 253)، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه أنه، سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات، ثم قال: لا إله إلا الله، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.

وهذا الحديث ضعيف، في إسناده رجل مبهم.

ص: 125

* ويناقش من وجهين:

الوجه الأول:

أن المواظبة على الفعل لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كراتبة الفجر، وسنة الوتر.

الوجه الثاني:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها المسيء في صلاته، فكان ذلك دليلًا على أن المواظبة لا يستفاد منها الوجوب؛ إذ لو كانت واجبة لأمره بها.

الدليل الثالث:

أن الله تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم؛ لأن قوله: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم مشعر بذلك، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة.

* ويناقش:

بأن الاستعاذة لدفع الوسوسة المنافي لكمال الخشوع، وحضور القلب، وهذا لا يقتضي بأن يصل الأمر إلى الوجوب.

* دليل من فرق بين المأموم وبين الإمام والمنفرد:

أن التعوذ تبع للقراءة، والمأموم لا قراءة عليه، فإذا سقطت القراءة سقطت الاستعاذة؛ لأنها تبع لها.

* ويناقش:

سقوط القراءة عن المأموم محل خلاف، فمنهم من قال: تسقط القراءة مطلقًا، ومنهم من قال: لا تسقط مطلقًا، ومنهم من قال: تسقط فيما يجهر به الإمام، وهو قول وسط، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى.

* دليل من قال: لا يتعوذ في الفريضة ويتعوذ في النافلة:

الدليل الأول:

لم تثبت الاستعاذة بالصلاة، ولا يقال: إن عموم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ} [النحل: 98]. متناول له؛ لأنه قد نقل فعله عليه السلام في الصلاة، ولم

ص: 126

ينقل فيه استعاذة، فيكون ذلك مخصصًا للآية

(1)

.

* ويناقش:

بأن الأحاديث الواردة في الاستعاذة، وإن كانت ضعيفة في آحادها، ولكن مجموعها صالح للاحتجاج، ولم ينقل من صريح السنة ما يعارضها حتى يصح القول بعدم الاعتبار بها، غاية ما تدل عليه بعض الأحاديث الصحيحة أنها لم تنقل الاستعاذة، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم، فلا يعارض به عموم الآية، فالعام حجة في تناول جميع أفراده حتى يأتي دليل على تخصيصه، ولا يوجد، فكيف إذا جاءت أحاديث كثيرة، وإن كان في أسانيدها كلام خفيف تؤيد هذا العموم، وتتفق معه في مشروعية التعوذ.

الدليل الثاني:

(ح-1324) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]

(2)

.

وجه الاستدلال:

دل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بالحمد لله رب العالمين، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالاستفتاح، ولا بالاستعاذة.

وقد ناقشت دلالة هذا الحديث على سقوط دعاء الاستفتاح، والمناقشة نفسها واردة على الاستدلال بهذا الحديث على سقوط الاستعاذة، فانظرها هناك منعًا للتكرار، وفقك الله.

الدليل الثالث:

(ح-1325) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،

عن حذيفة، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع

(1)

. انظر التوضيح للخليل (1/ 336).

(2)

. صحيح البخاري (743).

ص: 127

بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث

(1)

.

ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض.

الدليل الرابع:

أن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي

(2)

.

* ويناقش من وجهين:

الوجه الأول:

لا نسلم أن عمل أهل المدينة ترك التعوذ، فإن عمر بن الخطاب قد جهر بالاستفتاح والتعوذ في الفرض في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم،

(ث-303) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال:

سمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ.

[ذكر التعوذ ليس محفوظًا]

(3)

.

(1)

. صحيح مسلم (203 - 772).

(2)

. الذخيرة (2/ 181).

(3)

. رواه حصين واختلف عليه في ذكر التعوذ:

فرواه ابن فضيل، واختلف عليه في إسناده:

فرواه الدارقطني (1146) من طريق هارون بن إسحاق، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن أبي وائل (شقيق بن سلمة)، عن الأسود بن يزيد به، بذكر التعوذ.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (2456) حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود به، بذكر التعوذ، فذكر سفيان بدلًا من أبي وائل، فإن لم يكن ذكر سفيان خطأ من النساخ، فهذا اختلاف على ابن فضيل في إسناده.

ورواه هشيم، عن حصين، عن أبي وائل، عن الأسود به، وليس فيه ذكر التعوذ.

رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2387)،

والدارقطني في السنن (1146) من طريق الحسن (هو ابن عرفة صدوق)، كلاهما عن هشيم به.

كما رواه إبراهيم عن الأسود، وليس فيه ذكر التعوذ. =

ص: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2389، 2404) أخبرنا وكيع.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (2404)، والدارقطني في السنن (1144)، عن أبي معاوية،

ورواه ابن المنذر في الأوسط (3/ 82) من طريق ابن نمير، ثلاثتهم (وكيع، وأبو معاوية، وابن نمير) عن الأعمش به، دون ذكر التعوذ.

ورواه ابن أبي شيبة أيضًا (2395)، وعبد الرزاق في المصنف (2557) من طريق منصور، ورواه ابن الجعد في مسنده (183)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 198) من طريق الحكم، ثلاثتهم (الأعمش، ومنصور، والحكم) عن إبراهيم النخعي، عن الأسود به دون ذكر التعوذ.

ورواه الحاكم في المستدرك (860) من طريق يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن الأسود به، فإن لم يكن هناك سقط في الإسناد فإن الأعمش قد دلسه، وإنما سمعه من إبراهيم، عن الأسود، كما هي رواية الجماعة عنه، والله أعلم. وانظر إتحاف المهرة (15170).

ورواه حفص بن غياث عن الأعمش، واختلف على حفص:

فرواه نعيم بن حماد، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود به، بذكر التعوذ.

ونعيم بن حماد لخص الذهبي حاله في ميزان الاعتدال (4/ 267): أحد الأئمة الأعلام على لِينٍ في حديثه. اهـ

وتابعه ابن أبي شيبة في المصنف (2455)، فرواه عن حفص به، بذكر التعوذ، بلفظ:(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).

وخالفهما هارون بن إسحاق كما في سنن الدارقطني (1153)،

وعمر بن حفص بن غياث كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 256) فروياه عن حفص به، ولم يذكرا التعوذ.

وهذا موافق لكل من رواه عن الأعمش، كأبي معاوية، ووكيع، وابن نمير، وأبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، والله أعلم.

وخالف كل من سبق عبد الله بن عون، فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر.

رواه الدارقطني في السنن (1145) من طريق الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، عن عبد الله بن عون به،

ورواه القاسم بن سلام في الطهور (96) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري،

وابن أبي شيبة في المصنف (2390) أخبرنا وكيع، كلاهما عن ابن عون، عن إبراهيم به، وقد يكون لإبراهيم النخعي فيه شيخان.

فقد جمعهما أبو معشر (زياد بن كليب ثقة) فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عمر.

رواه الدارقطني في السنن (1151) من طريق يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب،

والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 198) من طريق محمد بن بكر البرساني، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود عن عمر، ولم يذكر التعوذ.

ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 256) من طريق عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، =

ص: 129

الجواب الثاني:

بأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره رحمهم الله أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع، والمد، وأنه عليه السلام كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ومكان مسجده ومكان

= قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله: علقمة والأسود به، بذكر بعضه مختصرًا، وهذه متابعة لأبي معشر في إسناده.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (2394)، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل به، وليس فيه ذكر التعوذ.

ورواه مسلم (52 - 399) من طريق عبدة بن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ولم يذكر التعوذ.

قال أحمد: عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، وإنما لقي ابنه عبد الله بن عمر، حكاه الميموني عن الإمام أحمد كما في تهذيب الكمال (18/ 543).

كما رواه عمرو بن ميمون، أنه صلى مع عمر الفجر بذي الحليفة، وهو يريد مكة، فقال حين كبر: سبحانك اللهم وبحمدك

وليس فيه ذكر التعوذ.

رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2400)، وابن الجعد في مسنده (148)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 198)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 82)، بسند صحيح.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (2392) من طريق حكيم بن جابر، عن عمر بإسناد صحيح، وليس فيه ذكر التعوذ.

ورواه عمر بن شيبة، واختلف عليه:

فرواه الدارقطني في السنن (1143) من طريق يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله، وليس فيه ذكر التعوذ.

وخالفه عبد الرحمن بن عمر بن شيبة كما في سنن الدارقطني (1142)، فرواه عن أبيه، عن نافع به مرفوعًا بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإذا تعوذ، قال: أعوذ بالله من همز الشيطان، ونفخه، ونفثه. وصحح الدارقطني الموقوف.

قال في السنن (2/ 60): رفعه هذا الشيخ عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ عن عمر من قوله، كذلك رواه إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عمر، وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، وهو الصواب.

ص: 130

منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة

(1)

.

* دليل من قال: الاستعاذة مرة واحدة في عمره فرض:

هذا القول بناه صاحبه على أن الأصل في الأمر لا يقتضي التكرار، ومنه الأمر بالاستعاذة بالآية الكريمة، فإذا استعاذ مرة واحدة، ولو خارج الصلاة فقد امتثل الأمر.

* ويجاب عنه:

بأن الأمر لا يقتضي التكرار هذا إذا لم يكن معلقًا على شرط، أو مقيدًا بوصف، فإن علق على شرط كالأمر بالاستعاذة، أو قيد بوصف كقوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} ، [المائدة: 38]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2]، وكانت القراءة والسرقة علة للأمر، فمقتضاه التكرار بتكرر ما قيد به، والتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الأمر نفسه

(2)

.

كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا} [المائدة: 6].

وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول.

* الراجح:

أن التعوذ سنة، وهو مشروع من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فإذا فاتت القراءة على المسبوق وأدرك مقدار التعوذ لم يتعوذ إلا أن يقرأ، ولو تركه متعمدًا لم تبطل صلاته حتى على القول بوجوبه؛ لأن وجوبه ليس مختصًّا بالصلاة، والله أعلم.

* * *

(1)

. انظر: إحكام الفصول للباجي (ص: 480)، شرح تنقيح الفصول (ص: 334)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (2/ 250).

(2)

. انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/ 161)، أصول السرخسي (1/ 20).

ص: 131