الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الثالث في الجهر بالبسملة
المدخل إلى المسألة:
* أجمع العلماء على صحة الصلاة، سواء أجَهَرَ بالبسملة أم أَسَرَّ بها.
* الإسرار بالبسملة هو المنقول من السنة الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه عمل أبي بكر وعمر وعثمان، وروي عن علي بن أبي طالب.
* لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله العقيلي والدارقطني، وابن تيمية وغيرهم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل.
* صح الجهر بالبسملة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ونقله البيهقي في الخلافيات عن آل محمد، فمنهم من فعل ذلك اجتهادًا، ومنهم من فعل ذلك بغرض التعليم خوفًا من ترك قراءتها.
* الجهر والإسرار توقيفي، فيجهر بالتأمين ويسر بالتعوذ، وكلاهما ليسا من القرآن بالاتفاق، ويسر بالبسملة ويجهر بغيرها من القرآن.
* الرواية الصريحة بنفي الجهر مفسرة للرواية المحتملة: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)، والمتشابه يجب رده إلى المحكم، أما رد الروايات الصريحة بالمحتملة فلا يصح، كما لا يجوز رد المحكم إلى المتشابه.
[م-533] اختلف العلماء في الجهر بالبسملة
فقيل: يكره، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة
(1)
.
(1)
. انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (1/ 15)، البحر الرائق (1/ 329)، بدائع الصنائع (1/ 204).
وأما مذهب المالكية فهم يكرهون قراءة البسملة في الفريضة، فإن قرأها فلا يجهر بها، انظر: مواهب الجليل (1/ 544)، حاشية الدسوقي (1/ 251)، شرح الخرشي (1/ 289)، القوانين الفقهية (ص: 44).
وانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (2/ 536)، شرح منتهى الإرادات (1/ 188)، كشاف القناع (1/ 335)، المبدع (1/ 383)، حاشية اللبدي على نيل المآرب (1/ 71)، المغني (1/ 346)، شرح العمدة لابن تيمية - صفة الصلاة (ص: 28)، الهداية على مذهب أحمد (ص: 82)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/ 550)، الإنصاف (2/ 48)، الإقناع (1/ 118).
وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ونقله البيهقي عن آل محمد
(1)
.
ساق البيهقي بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: اجتمع آل محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ....
(2)
.
وقيل: يستحب الجهر فيها للمصلحة، كالتأليف والتعليم، نص عليه أحمد، واختاره ابن تيمية
(3)
.
وقيل: الجهر والإسرار سواء،
* دليل من قال: يكره الجهر بها:
الدليل الأول:
لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل.
فهذا الإمام الدارقطني، قد أفرد المسألة في مصنف، وجمع فيها الآثار المرفوعة والموقوفة، وهو شافعي النزعة، وحين سئل عنها بمصر، قال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوفًا، وهذا من إنصافه رحمه الله
(4)
.
(1)
. الأم (1/ 129)، المجموع (3/ 341)، روضة الطالبين (2/ 242)، مغني المحتاج (1/ 354)، نهاية المحتاج (1/ 478)، الإنصاف (2/ 49).
(2)
. الخلافيات للبيهقي ط الروضة للنشر والتوزيع (2/ 297).
(3)
. الإنصاف (2/ 49)، مطالب أولي النهى (1/ 778).
(4)
. فتح الباري لابن رجب (6/ 414)، نصب الراية (1/ 347)، عمدة القارئ شرح البخاري (5/ 288)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 136)، النفح الشَّذِيُّ شرح جامع الترمذي (4/ 318).
وقد سبقه العقيلي، فقال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند
(1)
.
(2)
.
الدليل الثاني:
(ح-1356) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} .... الحديث
(3)
.
الدليل الثالث:
(ح-1357) ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة، عن وكيع، حدثنا شعبة، عن قتادة،
عن أنس، بلفظ: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]
(4)
.
[هذا الإسناد في غاية الصحة]
ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به، فقد تابعه على هذا جماعة من الرواة، فقد تابعه علي بن الجعد، وعقبة بن خالد وعبيد الله
(1)
. الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 80)، فتح الباري لابن رجب (6/ 414).
(2)
. مجموع الفتاوى (22/ 417، 420).
(3)
. صحيح مسلم (240 - 498).
(4)
. رواه أحمد في المسند (3/ 275)، وابن أبي شيبة في المصنف (4144).
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (495) من طريق سلم بن جنادة القرشي،
ورواه الدارقطني (1201) من طريق يعقوب بن إبراهيم، ومن طريق سفيان بن وكيع، خمستهم عن وكيع به.
ابن موسى وعبد الرحمن بن زياد، وزيد بن الحباب، وأسود بن عامر، وغيرهم
(1)
.
ولم ينفرد بذلك شعبة عن قتادة، ولو تفرد إمام مثل شعبة في حديث لم يضره، فقد تابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما في سنن النسائي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان
(2)
.
وشيبان كما في الجعديات وصحيح ابن حبان، وشرح معاني الآثار
(3)
.
وهمام من رواية عبيد الله بن موسى عنه كما في سنن الدارقطني، ثلاثتهم رووه عن قتادة به
(4)
.
وهذه متابعة لرواية شعبة من رواية وكيع ومن تابعه عنه.
(1)
. رواه البغوي في الجعديات (923)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 202)، والدارقطني في السنن (1199)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (1126، 3050)، عن علي بن الجعد.
ورواه النسائي في المجتبى (907)، وفي الكبرى (981) من طريق عقبة بن خالد.
وابن الجارود في المنتقى (183)، والدارقطني في السنن (1204)، من طريق عبيد الله بن موسى،
والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 202) من طريق عبد الرحمن بن زياد،
والدارقطني (1203) من طريق زيد بن الحباب، وكذلك (1202) من طريق أسود بن عامر، كلهم عن شعبة به، بلفظ: لا يجهرون ....
(2)
. سنن النسائي (907)، والمنتقى لابن الجارود (181)، وصحيح ابن خزيمة (496)، وصحيح ابن حبان (1803).
(3)
. رواه البغوي في الجعديات (922، 1986) عن علي بن الجعد، ومن طريق علي بن الجعد أخرجه ابن حبان في صحيحه (1799)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 202)، ومن حديث أبي طاهر المخلص في المخلصيات (1126، 3050)، وابن عساكر في معجمه (1/ 31)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (141)، وابن عبد البر في الإنصاف (16).
وقد رواه همام عن قتادة: بلفظ: كانوا يستفتحون القراءة بـ {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
(4)
. رواه الدارقطني (1204) من طريق عبيد الله بن موسى حدثنا شعبة وهمام بن يحيى، عن قتادة، وأخشى أن يكون هذا اللفظ هو لفظ شعبة، فإن همام بن يحيى قد رواه عنه بهز وعفان كما في مسند أحمد (3/ 289).
وهدبة بن خالد كما في فضائل القرآن لجعفر المستغفري (613)، ثلاثتهم رووه عن همام به، بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بعد التكبير بـ {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . هذا لفظ بهز، وقال عفان: يعني في الصلاة بعد التكبير.
وقد رواه غير قتادة عن أنس بنفي الجهر،
رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يقرؤون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} في أول السورة، ولا في آخرها
(1)
.
(1)
. رواه الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بثلاثة ألفاظ:
اللفظ الأول: نفي قراءة البسملة، (لا يقرؤون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول السورة، ولا في آخرها.
رواه أبو الطاهر المخلص في المخلصيات (2144) من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق به.
وهو موافق في لفظه لرواية الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس.
وقد خرَّج مسلم الحديث من رواية الأوزاعي، عن قتادة، بهذا اللفظ، ثم رواه (52 - 399) من طريق محمد بن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، وأحال في لفظه على لفظ قتادة، فهل رواه بمثله، أو بنحوه؟
هذا ما لم يصرح به مسلم، لكن رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: 34) حدثنا محمد بن مهران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم به، فذكره بلفظ: (
…
وكانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} )، فأخشى أن يكون دخل على الأوزاعي روايته عن قتادة، بروايته عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
اللفظ الثاني: وهو رواية الأكثر ( .... كانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}).
رواه البخاري في القراءة خلف الإمام بإثر (86) حدثنا محمد بن مهران.
وأبو عوانة (1658) من طريق دحيم، كلاهما (محمد بن مهران ودحيم) عن الوليد بن مسلم.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 203) والسراج في حديثه (2543)، وابن عبد البر في الإنصاف (21) من طريق محمد بن كثير، كلاهما (الوليد بن مسلم، ومحمد بن كثير) روياه عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به.
اللفظ الثالث: كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
رواه هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، واختلف على هشام فيه:
فأخرجه الخطيب في الجهر بالبسملة مختصر الذهبي (30) من طريق أحمد بن المعلى الدمشقي، أخبرنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، وعبد الحميد بن أبي العشرين، قالا: حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
ورواه عبيد بن الواحد بن شريك كما في سنن الدارقطني (1207)، حدثنا هشام بن عمار، =
كما رواه أبو قلابة، وقيل: أبو نعامة عن أنس، وهو المحفوظ، بلفظ: (
…
كانوا لا يقرؤون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}
(1)
.
= حدثنا الوليد به، بلفظ: كنا نصلي خلف رسول الله وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر فيه.
وعبيد بن عبد الواحد بن شريك صدوق له أوهام.
ورواه أبو نعيم في مستخرجه (887) من طريق هشام ودحيم، قالا: حدثنا الوليد بن مسلم به، بلفظ: كنا نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فيستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به. ولعله هذا لفظ هشام بن عمار وحده، فقد سبق أن خرجت لفظ دحيم بلفظ: (
…
كانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ).
ورواه محمد بن الصباح، وأبو همام كما في حديث السراج (2544، 2545) كلاهما عن الوليد بن مسلم به، بلفظ عبيد بن عبد الواحد بن شريك عن هشام، فخرج عبيد بن عبد الواحد وهشام بن عمار من عهدته، ومن الخوف من أن يكون رواه هشام في وقت تغيره.
وكيفما كان فإن هذا اللفظ الأخير هو أضعف ألفاظ الوليد بن مسلم، فالراجح من ألفاظه ما رواه الأكثر: (
…
أنهم كانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} )، والله أعلم.
(1)
. رواه سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، واختلف على الثوري فيه:
رواه ابن حبان (1802) من طريق هارون الحمال.
ورواه البزار (6789) حدثنا بشر بن خالد العسكري، كلاهما عن يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
تابع يحيى بن آدم، أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (سَيِّئُ الحفظ) كما في علل الدارقطني (12/ 247)، فرواه عن سفيان به، بذكر أبي قلابة، إلا أنه رواه بلفظ: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وخالفهما كل من:
عبد الله بن الوليد كما في مسند أحمد (3/ 216)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 76).
ومحمد بن يوسف الفريابي كما في التاريخ الكبير للبخاري (8/ 442)، ومسند البزار (6790).
وعمر بن سعد كما في مسند أبي يعلى (4205).
وعلي بن قادم كما في المجالسة للدينوري (3569)،
وعبيد الله الأشجعي كما في علل الدارقطني (12/ 246)، خمستهم رووه عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس، فجعلوه عن أبي نعامة، عن أنس بلفظ: لا يقرؤون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وهذا هو المحفوظ.
قال الدارقطني في الأفراد (2/ 269): «هكذا قال يحيى بن آدم في هذا الحديث، وقيل ذلك: عن أبي حذيفة، والمحفوظ عن خالد، عن أبي نعامة، عن أنس» .
وقال البزار: هكذا رواه يحيى بن آدم، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، ورواه غير يحيى بن آدم، عن الثوري، عن خالد، عن أبي نعامة، عن أنس. اهـ ولعل هذا هو المحفوظ.
وخالف الحذاء سعيد بن إياس الجريري، فرواه عن أبي نعامة، قال: حدثني ابن عبد الله بن المغفل، عن أبيه.
(1)
. رواه أحمد في المسند (3/ 264)،
ويعقوب بن سفيان في المعرفة (3/ 227) حدثني ابن نمير.
وابن خزيمة (497)، ومن طريقه المستغفري في الفضائل (624) حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني،
والبغوي في الجعديات (ص: 208) عن أحمد بن منصور وغيره،
وأبو الشيخ في الأقران (27) من طريق عباس بن عبد العظيم،
وتمام في فوائده (866) من طريق محمد بن سعد العوفي ببغداد،
والخطيب في تاريخ بغداد (8/ 19) من طريق الحسين بن إسماعيل الْمُخَرِّمِي.
وأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (4/ 164) من طريق أحمد بن يونس،
وابن عدي في الكامل (7/ 228) من طريق كادح بن رحمة، ومحمد بن عبد الأعلى
وبحشل في تاريخ واسط (ص: 250) من طريق الفضل بن عباس،
وابن عبد البر في التمهيد (20/ 209) من طريق محمد بن غلاب،
كلهم (أحمد وابن نمير، والصاغاني، وأحمد بن منصور، وعباس بن عبد العظيم، والعوفي، والمخرمي، وأحمد بن يونس، وكادح، ومحمد بن عبد الأعلى، والفضل بن عباس، ومحمد بن غلاب) رووه عن أبي الجواب، حدثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر، ومع عمر، فلم يجهروا بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
ورواه ابن الأعرابي في المعجم (787) أخبرنا الصاغاني والدوري،
والترمذي في العلل الكبير (97) حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قالا: أخبرنا أبو الجواب به، بلفظ:( .... فكانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}).
قال أبو حاتم في العلل (2/ 84): هذا خطأ، أخطأ فيه الأعمش، إنما هو شعبة عن قتادة عن أنس. اهـ
وقال الترمذي في العلل الكبير (97): «هذا وهم، والأصح شعبة، عن قتادة، عن أنس» . اهـ
وقال ابن عبد البر في الإنصاف (ص: 223): «لا يصح لشعبة عن ثابت؛ لأنه لم يروه إلا الأحوص بن جواب عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، ولم يروه أصحاب شعبة الذين هم فيه حجة، ولا يعرف للأعمش عن شعبة رواية محفوظة، والحديث لشعبة صحيح عن قتادة لا عن ثابت» . اهـ وقال البزار: ولا نعلم روى الأعمش عن شعبة غير هذا الحديث، ولا نعلم حدث به عن الأعمش إلا عمار بن رزيق.
وقد رواه حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة وحميد، عن أنس إلا أنه بلفظ ( .... كانوا يستفتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}). وسيأتي تخريجها إن شاء الله تعالى.
كما رواه منصور بن زاذان عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما
(1)
.
ورواه غيرهم، وأقتصر على ما ذكرت ففيه الكفاية في الاحتجاج.
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
رواه شعبة عن قتادة بنفي الجهر نقلًا صحيحًا صريحًا.
(2)
.
* رد الشافعية على هذا بردود منها:
الرد الأول: مسلك الترجيح بين روايات حديث أنس:
وذلك أن حديث قتادة رواه عنه أصحابه بثلاثة ألفاظ، وهو حديث واحد، فبعضهم رواه على اللفظ، وبعضهم رواه على المعنى بما فهموه، وكان المقدم في الاحتجاج بما روي على اللفظ، لا بما روي على المعنى، لأن الفهم يدخله ما يدخله، وإليك ألفاظ حديث قتادة.
(1)
. رواه النسائي في المجتبى (906)، وفي الكبرى (980) من طريق أبي حمزة (يعني السكري: محمد بن ميمون المروزي)، عن منصور به.
رجاله كلهم ثقات، ولم يعله النسائي بشيء، ورواية منصور عن أنس قليلة جدّا، ليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث، وله حديث في مسند البزار وفي الحلية لأبي نعيم (ملك موكل بالميزان)، وفي إسناده ضعيف ومجهول، وحديث ثالث: القدرية مجوس العرب وإن صلوا وإن صاموا، وهو ضعيف، وفي إسناده اختلاف، فإن صح سماع منصور بن زاذان من أنس فالحديث صحيح، والله أعلم.
(2)
. مجموع الفتاوى (22/ 419).
اللفظ الأول: رواه قتادة عن أنس بلفظ: (كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، وهذا اللفظ محمول على المعنى؛ لأنه خارج الصحيحين، وتقدم تخريجه.
اللفظ الثاني: (كانوا يفتتحون الصلاة وفي لفظ: القراءة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}).
(ح-1358) رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]
(1)
.
وتابع حفصًا الحوضي وعمرو بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن السكن، ومحمد بن جعفر في رواية، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن سعيد القطان، كلهم رووه عن شعبة بلفظ: كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]
(2)
.
وتابع شعبة على هذا اللفظ كل من: هشام الدستوائي، وهمام بن يحيى في رواية، وأيوب إن كان محفوظًا، وسعيد بن أبي عروبة في رواية، وأبي عوانة، وهشام بن حسان، وغيرهم، رووه عن قتادة، عن أنس. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين، وهكذا رواه
(1)
. صحيح البخاري (743).
(2)
. رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (85)، حدثنا عمرو بن مرزوق.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (2087).
ورواه الدارقطني في السنن (1205) من طرقٍ، عن يزيد بن هارون،
ورواه الدارقطني في السنن (1206) من طريق يحيى بن السكن،
ورواه ابن خزيمة (492) من طريق محمد بن جعفر، خمستهم عن شعبة به.
قال الدارقطني في السنن (2/ 93)، ونقله عنه البيهقي في الخلافيات ط الروضة للنشر والتوزيع (2/ 302)، قال: «رواه يزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن السكن، وأبو عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس
…
فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس
(1)
.
(1)
. حديث أنس رضي الله عنه رواه عنه قتادة، ورواه عن قتادة كبار أصحابه، ومن رواه بلفظ:(كان يفتتحون القراءة وفي لفظ: الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ})، منهم:
الأول: هشام الدستوائي، عن قتادة:
رواه أحمد (3/ 114، 183، 273)، وابن أبي شيبة (4145)، وأبو يعلى في مسنده (3128)، والدارمي (1276)، والسراج في حديثه (2542)، عن يحيى بن سعيد القطان.
والبخاري في القراءة خلف الإمام للبخاري (90)، وأبو داود في السنن (782)، والدارمي في سننه (1276)، والمستغفري في فضائل القرآن (612) حدثنا مسلم بن إبراهيم، كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة بلفظ:(كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}).
ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (4145)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (610).
وعبد الأعلى بن سليمان أبو عبد الرحمن كما في الكنى والأسماء للدولابي (1501)، كلاهما عن هشام به، بلفظ:(كانوا يستفتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}).
واللفظ الثاني ليس معارضًا للفظ الأول، فالمراد من استفتاح الصلاة: استفتاح القراءة.
الثاني: همام، عن قتادة.
رواه أحمد (3/ 289) وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (412) عن بهز،
ورواه أحمد (3/ 289) حدثنا عفان مقرونًا برواية بهز.
ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام بإثر ح (88) عن حجاج.
ورواه أبو يعلى في مسنده (2881)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (613) من طريق هدبة بن خالد (القراءة)، أربعتهم (بهز، وعفان، وحجاج، وهدبة) رووه عن همام به.
ورواه الدارقطني في السنن (1204) من طريق عبيد الله بن موسى، عن همام مقرونًا بشعبة، عن قتادة، بلفظ:( .... لم يكونوا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}).
الثالث: أبو عوانة، عن قتادة.
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (89)، والترمذي في سننه (246)، والنسائي في المجتبى (902)، وفي السنن الكبرى له (977)، وابن ماجه (813)، وابن خزيمة (491)، والسراج في حديثه (2539)، والمستغفري في فضائل القرآن (614).
الرابع: أيوب بن تميمة، عن قتادة.
كما في مسند الشافعي ترتيب السندي (219)، ومسند أحمد (3/ 111)، ومسند الحميدي (1233)، ومسند الشافعي (ص: 36)، وفي السنن المأثورة له (41)، والمجتبى من سنن النسائي (903)، وسنن ابن ماجه (813)، ومسند البزار (7010)، وفي الجامع لابن وهب ت رفعت عبد المطلب (355)، والثالث من الفوائد المنتقاة للحربي (61)، والسراج في حديثه (2541)، وابن الأعرابي في المعجم (1223)، والبيهقي في السنن (2/ 75)، =
قال ابن عبد البر: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط {بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} من أول فاتحة الكتاب .... »
(1)
. يقصد ابن عبد البر من هذا الطريق خاصة.
وهذه الرواية محمولة على اللفظ:
أولًا: لأنه اختيار البخاري في صحيحه، وقد رواها عن قتادة كبار أصحابه،
= وفي المعرفة (2/ 380).
ورواه عبد الله في العلل ومعرفة الرجال (5740) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب به، قال عبد الله: فحدثت بهذا الحديث أبي، فقال: أخبرناه إسماعيل بن علية عن سعيد، وليس هو عن أيوب، وأنكره.
وقال البزار: لا نعلم أسند أيوب عن قتادة، عن أنس غير هذا الحديث.
الخامس: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة:
كما في مسند أحمد (3/ 101، 205، 255)، وفي العلل ومعرفة الرجال رواية عبد الله (5740)، ومصنف ابن أبي شيبة (4130)، ومسند أبي يعلى (2980، 2981، 2984، 3131)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (87)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 202)، والبحر الزخار (7011)، ومستخرجه أبي عوانة (1659)، وابن حبان (1798)، ومستخرج الطوسي (228)، والسراج في حديثه (2534، 2537)،.
ورواه العباس بن عبد الله التَّرْقُفِيُّ، عن الفريابي، عن سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، واختلف على الترقفي، فرواه ابن المقرئ في معجمه (829) حدثنا حسين بن علي بن داود أبو علي الحافظ النيسابوري، حدثنا محمود، حدثنا التَّرْقُفِيُّ، بلفظ الجماعة.
ورواه ابن حبان (1803)، قال: أخبرنا عبد الله بن قَحْطَبَةَ، بفم الصلح، قال: حدثنا العباس ابن عبد الله الترقفي به، بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، رضوان الله عليهما لم يكونوا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]، وكانوا يجهرون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بلفظ: (
…
فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ {بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ). وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
السادس: حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس، وكان حميد لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسند أحمد (3/ 168، 286)، وفي القراءة خلف الإمام للبخاري (88)، ومسند أبي يعلى (3093، 3522، 3874)، وصحيح ابن حبان (1800).
(1)
. الإنصاف لابن عبد البر (ص: 213).
شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهمام، وقد تابع قتادة على هذا اللفظ كل من حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
وثانيًا: لأن هذا اللفظ يوافق لفظ حديث عائشة في مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة:2]
(1)
.
اللفظ الثالث: عن شعبة: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}
(2)
.
وهذا اللفظ من أفراد مسلم رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به
(3)
.
وتابع محمد بن جعفر على ذلك أبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد
(4)
.
(5)
.
وقد تجنب البخاري إخراج الحديث بهذا اللفظ، مما يدل على أن روايته على المعنى، وليس على اللفظ.
(1)
. رواه مسلم (240 - 498) من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة.
(2)
. صحيح مسلم (50 - 399).
(3)
. رواه مسلم (50 - 399)، وأحمد (3/ 176، 273)، وأبو يعلى (3005)، وابن خزيمة (494)، والدارقطني (1200)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (885)، والمستغفري في فضائل القرآن (616)، وأبو الشيخ الأصبهاني في الفوائد (8)، من طريق محمد بن جعفر به.
(4)
. أخرجه مسلم (51 - 399) عن محمد بن المثنى،
وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (3/ 278)، حدثنا أبو عبد الله السلمي،
وأبو يعلى (3245) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي،
والسراج (195، 2540) حدثنا يعقوب بن إبراهيم، أربعتهم عن أبي داود الطيالسي، وساق إسناده مسلم، ولم يذكر لفظه.
ورواه أحمد (3/ 176)، وأبو عوانة في مستخرجه (1656)، من طريق حجاج.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 202) من طريق عبد الرحمن بن زياد، كلاهما عن شعبة به،
(5)
. سنن الدارقطني (2/ 91).
وجمع بين اللفظين الأوزاعي عن قتادة، فرواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس، بلفظ:(فكانوا يستفتحون بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]، لا يذكرون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} في أول قراءة ولا في آخرها).
فقوله: (ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة
(1)
.
فكان صدر الحديث مرويًّا باللفظ، وآخره على المعنى.
وإذا كان حديث قتادة حديثًا واحدًا، منه ما أداه راويه على اللفظ ومنه ما أداه راويه على المعنى، ولا بد من قول ذلك؛ لأن في بعض الروايات من المعنى ما ليس في الأخرى، كان اللفظ مقدمًا على المعنى؛ فيكون الراجح في لفظه:(أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2])، لموافقته حديث عائشة.
والمقصود: أنهم يفتتحون بهذه السورة، والتي منها {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، لا أنه نفي لقراءة البسملة، وتسمية الفاتحة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2] ثابت في صحيح البخاري.
(ح-1359) فقد روى البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى مرفوعًا:
…
{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته
(2)
.
هذا معنى جواب الشافعية على نفي قراءة البسملة
(3)
.
وقد أعلَّ الدارقطني والخطيب والبيهقي وبعض الشافعية لفظ (نفي القراءة) ورأوا أن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه (كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2])
(4)
.
قال الدارقطني في السنن: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس
(5)
.
(1)
. صحيح مسلم (52 - 399).
(2)
. صحيح البخاري (4474).
(3)
. انظر مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح (ص: 261).
(4)
. انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (2/ 766).
(5)
. سنن الدارقطني (2/ 93).
* وأجيب على هذا الرد:
الجواب الأول:
أن القاعدة عند أهل العلم أنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع، والجمع غير متعذر، وسوف نبين وجه الجمع عند الجواب على دعوى الاضطراب.
الجواب الثاني:
كون إحدى الروايات محتملة والباقي صريحة، لا يقتضي هذا التعارض بينها، بل تحمل الرواية المحتملة على الرواية الصريحة.
قال ابن رجب: «إذا كان أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فيه، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل: هو ما دل عليه اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم.
لا سيما وبعضهم قد زاد في الحديث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة في القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي على كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم، مع ما اشتهر من بلاغته، وفصاحته، وبلوغه الذروة العليا من ذلك.
والذي روى نفي قراءة البسملة من أصحاب حميد، هو مالك، ومالك مالك في فقهه، وعلمه، وورعه، وتحريه في الرواية، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟
فالواجب في هذا ونحوه: أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هذا من باب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه»
(1)
.
وقال ابن تيمية رحمه الله: من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: (يستفتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ
(1)
. فتح الباري لابن رجب (6/ 394).
الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2] ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل ....
(1)
.
الجواب الثالث:
كيف يحكم على رواية نفي الجهر بالشذوذ، وراويها عن قتادة مثل شعبة
…
والراوي عن شعبة جماعة من أصحابه على رأسهم محمد بن جعفر، وهو المقدم في أصحاب شعبة، وتابع محمد بن جعفر على هذا جمع كثير منهم وكيع وعلي ابن الجعد، كما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان، عن قتادة، ثم قال ابن حجر: ويشهد لحديث أنس رضي الله عنه المذكور حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه، وذكر الحديث
(2)
.
الجواب الرابع:
أن قتادة قد كتب بالحديث إلى الأوزاعي باللفظين كما في صحيح مسلم: فكانوا يستفتحون بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]، لا يذكرون:{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} في أول القراءة، ولا في آخرها.
فدل على أن قتادة كان يروي الحديث على الوجهين.
الرد الثاني: الحكم على حديث أنس بالاضطراب.
قال ابن عبد البر: لا يجوز الاحتجاج بحديث قتادة؛ لتلونه، واضطرابه، واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، فلا حجة في شيء منها عندي؛ لأنه قال مرة: كانوا يفتتحون (بالحمد لله رب العالمين) ومرة، قال: كانوا لا يجهرون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ومرة: كانوا لا يقرؤونها، ومرة: لم أسمعهم يقرؤونها، ومرة قال، وقد سئل عن ذلك بعد، فقال: كبرت، ونسيت.
فحاصل هذه الطريقة إنما نحكم بتعارض الروايات ولا نجعل بعضها أولى
(1)
. مجموع الفتاوى (22/ 427).
(2)
. انظر النكت (2/ 766).
من بعض، فيسقط الجميع، ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في معالم السنن عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع بن خديج في المزارعة لاضطرابه وتلونه وقال: هو حديث كثير الألوان
(1)
.
وأشار الدارقطني إلى اضطرابه في العلل
(2)
.
وكذا فعل الخطيب كما في كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا
(3)
.
وحكم الحازمي في الاعتبار على رواية: نفي الجهر بالبسملة بالاضطراب، وقال: ولهذا امتنع البخاري من إخراجه، وهو من مفاريد مسلم
(4)
.
* وأجيب على هذا الرد:
الجواب الأول:
أن الاضطراب لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع غير متعذر:
ووجه الجمع بين رواية: أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} .
وبين روايتي: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
ورواية: (فلم يكن أحد منهم يجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
أن يقال: الرواية الأولى: دلت على نفي سماع قراءة البسملة بالمفهوم، فلا يلزم من قوله:(كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) على نفي قراءتها سرًّا، بل على نفي الجهر بها.
وباقي الروايات: دلت على نفي سماع القراءة بالمنطوق، وكون المنطوق أقوى من المفهوم فهذا مُسَلَّم، فإذا اتفق المفهوم مع المنطوق فلا حاجة لدعوى التعارض، غايته: أن أحدهما أصرح دلالة من الآخر وأقوى.
فخلاصة طريقة الجمع: أن يحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على
(1)
. انظر: التمهيد (2/ 230)، الاستذكار (1/ 436)، الإنصاف لابن عبد البر (ص: 226)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 235)، المجموع (3/ 352).
(2)
. العلل (12/ 206).
(3)
. انظر كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا (ص: 27)، وما بعدها.
(4)
. الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: 81).
نفي الجهر، ولا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا البسملة سِرًّا
(1)
.
الجواب الثاني:
أن ابن عبد البر والخطيب قد نقل عنهما تصحيحه أيضًا، وليس قولهما بالاضطراب بأولى من قولهما بالصحة.
فقد قال ابن عبد البر في كتاب الإنصاف بعد أن رواه من رواية أيوب، وشعبة، وهشام الدستوائي، وشيبان، وابن أبي عروبة، وأبي عوانة، عن قتادة، قال:«فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} من أول فاتحة الكتاب»
(2)
.
وقال في التمهيد: «فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]»
(3)
.
الجواب الثالث:
أن كلام ابن عبد البر والخطيب والبيهقي معارَضٌ بتصحيح البخاري ومسلم، وقولهما مقدم على قول غيرهما، وقد تأيد ذلك بقول جمع من علماء هذا الفن، كابن رجب وتقدم كلامه، وابن تيمية، وابن حجر والزيلعي
(4)
.
بل هذا الإمام ابن خزيمة بالرغم من أنه شافعي المذهب فقد ذهب إلى تصحيحه، وحمل نفي قراءة البسملة على الإسرار بها.
وقال ابن تيمية رحمه الله: نَقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله؛ إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة، وضبطه هو الغاية عندهم.
قال الحافظ ابن حجر: «ويؤيده -يعني حمل النفي على عدم الجهر- من رواه عنه بلفظ فلم يكونوا يجهرون بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة
(1)
. انظر: فتح الباري (2/ 228)، شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 311).
(2)
. الإنصاف (ص: 213).
(3)
. التمهيد (20/ 202).
(4)
. انظر كلام ابن حجر في فتح الباري (2/ 228)، ونصب الراية (1/ 329، 330).
عند النسائي وابن حبان وهمام عند الدارقطني.
وشيبان عند الطحاوي وابن حبان.
وشعبة أيضا من طريق وكيع عنه، عند أحمد أربعتهم عن قتادة.
قال الحافظ: «ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، ثم ذكر أنه قد رواه عن أنس كل من إسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبي قلابة، وأبي نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر.
ثم قال الحافظ: فطريق الجمع بين هذه الألفاظ: حمل نفي القراءة، على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر .... »
(1)
.
الرد الثالث على حديث أنس:
أن أنسًا رضي الله عنه قد سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعارض ما رواه قتادة عنه، فيتساقطا.
(ح-1360) فقد روى أحمد، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، قال قتادة:
سألت أنس بن مالك بأي شيء كان يستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد
(2)
.
[صحيح].
تابع أبو مسلمة سعيد بن يزيد (ثقة) قتادة على هذا:
فرواه أحمد، قال: حدثنا غسان بن مضر
(3)
.
ورواه أحمد أيضًا، قال: حدثنا إسماعيل (يعني ابن علية)
(4)
، كلاهما (غسان وإسماعيل) عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، قال:
قلت لأنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، أو {الْحَمْدُ للّهِ
(1)
. فتح الباري لابن حجر (2/ 228).
(2)
. المسند (3/ 176، 273).
(3)
. المسند (3/ 166).
(4)
. المسند (3/ 190).
رَبِّ الْعَالَمِين}؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك.
هذا لفظ غسان بن مضر.
وفي لفظ إسماعيل: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد.
[صحيح]
(1)
.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي: «وهذا دليل على توقف أنس، وعدم جزمه بواحد من الأمرين، وروي عنه الجزم بكل واحد منهما فاضطربت أحاديثه، وكلها صحيحة، فتعارضت، فسقطت .... »
(2)
.
* وأجيب على هذا الرد من وجوه:
الوجه الأول:
لقد سئل أنس من قبل قتادة، وسئل من قبل أبي مسلمة، فإن كان المسؤول عنه واحدًا، فأجاب أنس قتادة بما حفظه من صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاته مع خلفائه أبي بكر وعمر وعثمان، وتوقف عن إجابة أبي مسلمة، فالحجة في جواب أنس فيما تذكر، لا فيما توقف فيه، سواء أكان سؤال أبي مسلمة سابقًا لسؤال قتادة، فيكون تذكر بعد أن كان ناسيًا، أم كان متأخرًا عنه، بأن يكون نسي بعد أن كان ذاكرًا، فإذا تذكر أنس وجزم بالجواب كان تذكره هو الحجة، وليس من شرط قبول كلام الراوي ألا يتطرق إليه نسيان سابق أو لاحق.
قال الحافظ ابن حجر: «إن سؤال أبي مسلمة كان متقدمًا على سؤال قتادة بدليل قوله في روايته: لم يسألني عنه أحد قبلك، فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكرٍ لذلك، فأجاب بأنه لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه، فلعله تذكره لما سأله قتادة، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة دون أبي مسلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع
(3)
.
وأَسْتَبْعِد أن يكون أنس قد نسي، ثم تذكر؛ لأن الأمر يتعلق بالصلاة، فهل
(1)
. رواه الدارقطني في السنن (1208)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (2/ 382) من طريق العباس بن يزيد، حدثنا غسان بن مضر به، وقال: هذا إسناد صحيح.
(2)
. المجموع (3/ 354).
(3)
. فتح الباري لابن حجر (2/ 228).
يمكن لأنس أن يذهل عن شيء حفظه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وحفظه عن خلفائه وقد صحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فإذا كان حكم قراءة الفاتحة في الصلاة ليس عرضة للنسيان، فكذلك حكم البسملة فيها، ولقد رأيت من كبار السن من لا يتعرف على أولاده بسبب تقدم العمر، ولا يضيع شيئًا من صلاته.
وإن كان المسؤول عنه مختلفًا، فلا يستنكر اختلاف الجواب لاختلاف السؤال، وإن كنت أرجح أن جواب أنس رضي الله عنه لقتادة لم يختلف عن جوابه لأبي مسلمة:
فقول أنس لقتادة: ما سألني عنه أحد قبلك، ليس اعتذارًا عن الجواب، وإنما إشادة بقتادة، وحرصه على العلم.
وكان الجواب في إحدى الروايتين: أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، وهو يتضمن نفي قراءة البسملة، كما في رواية البخاري.
وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
وقول أنس لأبي مسلمة: لا أحفظه، أي لا أحفظ الجهر بالبسملة، فيكون الضمير في قوله:(لا أحفظه) عائدًا إلى المسؤول عنه، ويكون قوله: لا أحفظه جوابًا وليس اعتذارًا عن الجواب كما فهمه بعضهم، فيتفق الجواب في الروايتين:
إحداهما: تنقل الاستفتاح بـ {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} .
والثانية: لا تحفظ الجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، والمعنى واحد، يدل على عدم الجهر بالبسملة
(1)
.
والدليل على أن السؤال من قتادة ومن أبي مسلمة كان عن الاستفتاح بالبسملة، لا عن الاستفتاح بأي سورة.
أن مسلمًا روى الحديث من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
ثم ساق مسلم رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، قال: فقلت لقتادة أسمعته
(1)
. ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا الأصل للخطيب ومختصره الذهبي، مخطوط نشر في برنامج جوامع الكلم المجاني التابع لموقع الشبكة الإسلامية (ص: 29).
من أنس، قال: نعم، نحن سألناه.
قال ابن حجر في النكت تعليقًا «فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة، لا عن سماع الاستفتاح بأي سورة»
(1)
.
يقصد الحافظ: أن شعبة كان سؤاله لقتادة عن عدم سماع قراءة البسملة.
وأما سؤال أبي مسلمة فهو أصرح، حيث قال لأنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، أو الحمد لله رب العالمين؟
الوجه الثاني:
قتادة حين سأل أنسًا رضي الله عنه، أكان يسأله عن الاستفتاح بأي سورة، أم كان يسأله عن الاستفتاح، أهو بالبسملة أم بالحمد لله رب العالمين؟
فلا يصح أبدًا أن يقال: إن قول أنس: إنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين أي يفتتحون بهذه السورة جوابًا على سؤال قتادة، وهو مما لا يخفى على عامة المسلمين، فقتادة أكبر شأنًا من أن يسأل عن ابتداء مطلق القراءة، أكان بالفاتحة أم بغيرها؟ لأن علم مثل هذا ضروري، يدركه صبيان المسلمين، فينبغي أن يحمل جواب أنس: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين على معنى نفي قراءة البسملة، وهو الذي يسأل عنه قتادة، وقد يخفى على العالم، ويقع فيه النزاع، بين كبار أهل العلم، لا على الافتتاح بالفاتحة.
الوجه الثالث:
على فرض أن يكون جواب أنس لقتادة مختلفًا عن جوابه لأبي مسلمة، فإنه لابد من الترجيح بينهما والترجيح سيكون لصالح رواية قتادة؛ لأن قتادة أحفظ من أبي مسلمة ولا مقارنة إن كان النسيان من قبل أبي مسلمة، وكذا إن كان النسيان من قبل أنس، فيقال: حفظ قتادة جواب أنس وقت تذكره، ولم ينقله أبو مسلمة، فمن حفظه حجة على من سأله في وقت نسيانه، ذكر ذلك ابن عبد البر في الإنصاف
(2)
.
(1)
. النكت على ابن الصلاح (2/ 760).
(2)
. انظر الإنصاف لابن عبد البر (ص: 230).
الرد الرابع للشافعية:
أن رواية الأوزاعي، عن قتادة مكاتبة، وكاتبه مجهول؛ لأن قتادة ولِدَ أعمى
(1)
.
* وأجيب:
الجواب الأول:
أن الأوزاعي لم يتفرد بروايته عن قتادة حتى يعلل به حديثًا رواه البخاري ومسلم، فقد رواه عن قتادة شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهم من الطبقة الأولى من أصحاب قتادة، كما تابعهم على هذا همام وشيبان وأبو عوانة وحجاج الباهلي، وحماد بن سلمة، وهشام بن حسان وغيرهم، وكلهم ثقات، وقد سبق تخريج ذلك.
الجواب الثاني:
كونه مكاتبةً لا يقدح في صحة الحديث عند جمهور أهل العلم، قد ذكر القاضي عياض: أن العمل بالمكاتبة عليه جمهور العلماء وأدخلوه في المسند بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه، ووثوقه بأنها من كاتبها
(2)
.
وقد تقبل الأوزاعي كتاب قتادة، وعمل بمقتضاه، ورواها مسلم في صحيحه، وكل ذلك دليل على صحة الكتاب.
الرد الخامس:
أن حديث أنس بنفي قراءة البسملة معارض بما رواه هو وغيره مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم من الجهر بها، وإذا تعارض الإثبات والنفي قدم الإثبات؛ لأن معه زيادة علم، وسوف أذكر هذه الأحاديث في أدلة الجهر بالبسملة إن شاء الله تعالى، ونجيب عنها.
الدليل الرابع على ترك الجهر:
(ح-1361) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل،
عن أبيه قال: ولم أَرَ رَجُلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد عليه حدثًا في
(1)
. فتح الباري (2/ 228)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (1/ 283).
(2)
. انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (3/ 546)، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (ص: 68).
الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]
(1)
.
[أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس]
(2)
.
وظاهره يدل على نفي القراءة، لكنه محمول على نفي السماع المتضمن عدم الجهر بدلالة حديث أنس الصريحة بنفي الجهر.
الدليل الخامس:
(ح-1362) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال:{الرَّحْمنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 3]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال:{مَلِكِ يَوْمِ الدِّين} [الفاتحة: 4]، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة: 5] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين} [الفاتحة: 7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.
ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم
(3)
.
(1)
. المصنف (4128).
(2)
. سبق تخريجه، انظر: ح (1351).
(3)
. صحيح مسلم (395).
وجه الاستدلال:
فإذا لم تدخل البسملة في قِسْمَةِ آي الفاتحة لم تأخذ حكم الفاتحة من وجوب القراءة ومشروعية الجهر بها.
* دليل من قال: يستحب الجهر بالبسملة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقه الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة استدلوا به هنا على مشروعية الجهر، لأن ما كان آية منها فيجهر بها كسائر أبعاضها، وعلى التنزل أن تكون آية من القرآن، وليست من الفاتحة فإن القرآن كله إذا قرئ في الصلاة فإنه يجهر به، من غير فرق بين الفاتحة وبين قراءة ما يتيسر من غير الفاتحة.
وقد سبق لنا مناقشة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، فانظره إن أردت.
الدليل الثاني:
(ح-1363) ما رواه النسائي من طريق الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال،
عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين} [الفاتحة: 7] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول: كلما سجد الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
* وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن حديث أبي هريرة لم يروه إلا نعيم بن عبد الله المجمر، وفيه علتان:
العلة الأولى: التفرد، حيث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم المجمر، وأين أصحاب أبي هريرة عن هذا الحديث؟.
قال ابن عبد الهادي نقلًا من نصب الراية: «ذكر البسملة مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت
(1)
. سنن النسائي (905).
عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام كان يجهر بالبسملة في الصلاة»
(1)
.
والتفرد علة عند المتقدمين، إلا أني أرى أن الحمل فيه على تفرد سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، وحكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وعادة أهل الحديث أن يكون الحمل على أضعف رجل في الإسناد.
العلة الثانية: المخالفة، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها، وهو المحفوظ
(2)
.
الجواب الثاني:
لا يلزم من العلم بقراءة أبي هريرة للبسملة أن يكون قد جهر بها، فالقراءة أخص من الجهر، فقد يكون سمع منه البسملة في مخافَتَةٍ لقربه منه، وربما سمع بعض الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم بعض الآي في الصلاة السرية، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تسمع أحيانًا بعض قراءة من بجانبك، وإن لم يقصد الجهر، وقد يكون أبو هريرة جهر للتعليم، كما جهر عمر بدعاء الاستفتاح، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن الحديث قال: (فقرأ البسملة ثم قرأ بأم القرآن) والعطف يقتضي المغايرة، وفيه إشارة إلى أن البسملة ليست من أم القرآن، فلا تأخذ حكمها في الجهر.
ولو تنازلنا وقلنا: حديث أبي هريرة ظاهره يدل على الجهر بالبسملة، فإن دلالته من قبيل دلالة الظاهر.
والظاهر عند الأصوليين: ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر بخلاف دلالة النص، فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
وإذا تعارض الظاهر مع النص قدم النص، وحديث أنس رضي الله عنه نص في عدم الجهر بالبسملة، فكيف يُقدَّم حديث أبي هريرة على حديث أنس، وقد روى أبو هريرة الحديث القدسي في قسمة الفاتحة بين الله وبين العبد، ولم تدخل
(1)
. نصب الراية (1/ 336).
(2)
. انظر تخريجه في الحاشية الأولى من الصفحة التالية.
البسملة في القسمة، والله أعلم.
الجواب الرابع:
أن أبا هريرة كان يقصد بهذا الحديث الرد على من ترك التكبير في الصلاة في رفعه وخفضه، كما هو ظاهر من لفظ الصحيحين، وهو ما عناه بقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
فإن كانت التسمية محفوظة في حديث أبي هريرة، ولا إخالها، فالمراد منه مشروعية التسمية، لا مشروعية الجهر بها، ويكون التشبيه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عنى به أبو هريرة مطلق التشبيه، لا مقتضاه من كل وجه، كما جهر أبو هريرة بالاستعاذة ونقلتُ عنه الرواية بهذا في مبحث الاستعاذة، ولم يقصد أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالاستعاذة، بل قصد أبو هريرة إلى التنبيه إلى مشروعية الاستعاذة، لا مشروعية الجهر بها.
(1)
. رواه البخاري (803) من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة"، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.
ورواه مسلم (28 - 392) من طريق ابن جريج،
ورواه أيضًا (29 - 392) من طريق عقيل، كلاهما (ابن جريج وعقيل) عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وحده.
ورواه كذلك (30 - 392) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة.
ورواه مسلم (27 - 392) من طريق مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بلفظ: كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه مسلم (31 - 392) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به، بنحو لفظ مالك.
فهذا هو المحفوظ من حديث أبي هريرة، فإن كانت التسمية محفوظة فقد عنى بها مشروعية قراءة البسملة، لا مشروعية الجهر بها.
الدليل الثالث:
(ح-1364) ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق عثمان بن خرزاذ، حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال:
صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح، والمغرب فكان يجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1] قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
[حديث معلول اختلف فيه في إسناده ولفظه]
(2)
.
(1)
. سنن الدارقطني (1179)، والحاكم (854)، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في المعرفة (2/ 383).
(2)
. قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. اهـ
وقال البيهقي في معرفة السنن (2/ 383): رواة هذا الإسناد كلهم ثقات.
قلت: ابن أبي السري وثقه ابن معين كما في تهذيب التهذيب (3/ 686)، وقال ابن حبان في الثقات (9/ 88): كان من الحفاظ. وقال فيه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (8/ 105): لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال الذهبي في الميزان: له أحاديث تستنكر.
وقال ابن وضاح كما في إكمال تهذيب الكمال (10/ 328): كثير الحفظ كثير الوهم.
وفي التقريب: صدوق عارف له أوهام كثيرة.
قلت: وهذا الحديث معدود في أوهامه، وله أكثر من علة:
العلة الأولى: الاختلاف على المعتمر بن سليمان في ذكر البسملة.
فقد رواه المعتمر بن سليمان، واختلف عليه في لفظه:
فرواه ابن أبي السري، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس في الجهر بالبسملة.
قال ابن رجب كما في فتح الباري له (6/ 403): خرَّجه الدارقطني بإسناد منقطع وجادة وجدها في كتاب عن محمد بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني .... اهـ
ورواه عبد الله بن حرب كما في معجم ابن الأعرابي (1997)، قال: سمعت معتمر بن سليمان، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أَنَسًا، يقول: ما آليت ما اقتديت بكم به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبي: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أنس، قال المعتمر: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أبي، قال عبد الله بن حرب: وصلى لنا المعتمر، فكان إذا كبر رفع يديه في كل خفض ورفع، وبين الركعتين.
فلم يذكر فيه الجهر بالبسملة.
وقد توبع ابن أبي السري على ذكر البسملة، رواه الدارقطني (1180) من طريق عبد الله بن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= محمد بن إبراهيم الطائي، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
إلا أن محمد بن إبراهيم الطائي فيه جهالة، لم أقف على ترجمة له.
قال ابن رجب في الفتح (6/ 403): وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
ورواه الطبراني في الكبير (1/ 255، 256) ح 739، حدثنا عبد الله بن وهيب الغزي، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وشيخ الطبراني مجهول الحال.
ورواه الحاكم في المستدرك (855) من طريق أبي جابر سيف بن عمرو، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك، عن حميد، عن أنس بنحوه.
انفرد بهذا الطريق الحاكم في المستدرك، وقال: إنما أخرجته شاهدًا، قال الحافظ الذهبي كما في تلخيص مستدرك الحاكم (1/ 187): أما استحيا المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع، فأشهد بالله ولله أنه لكذب.
وقال ابن رجب في الفتح (6/ 406): تخريج هذا في المستدرك من المصائب، ومن يخفى عليه أن هذا كذب على مالك، وأنه لم يحدث به على هذا الوجه قط، إنما روى عن حميد، عن أنس، أن أبا بكر وعمر، وعثمان، كانوا لا يقرؤون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . اهـ
العلة الثانية: مخالفة سليمان التيمي لأصحاب أنس.
فقد رواه قتادة، وإسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبو قلابة، وأبو نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر بالبسملة، والجمع مقدم على الواحد.
قال الدارقطني في العلل (12/ 205) بعد أن ذكر رواية ابن أبي السري وإبراهيم القاضي: «وهذا بخلاف رواية أصحاب أنس عنه» .
العلة الثالثة: أنه قد اختلف فيه على المعتمر،
فروي عنه من مسند أنس، وقد تقدم، وعلمت ما فيه.
وروي عن المعتمر، قال: حدثني إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
فجعله من مسند ابن عباس.
رواه الترمذي (245)، والبزار كما في كشف الأستار (526)، حدثنا أحمد بن عبدة.
والدارقطني (1162)، والبيهقي في المعرفة (2/ 368) من طريق أبي الأشعث أحمد بن المقدام.
ورواه الطبراني في الكبير (12/ 145) ح 12718 من طريق عاصم بن علي ومسدد،
…
والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 69) من طريق يحيى بن معين. =
الدليل الرابع:
(ث-314) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد
(1)
،
أن معاوية صلى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ:{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]، ولم يكبر بعض هذا التكبير الذي يكبر الناس، فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار فقالوا: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت، أين:{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]؟ والله أكبر حتى تهوي ساجدًا؟ فلم
= ورواه أيضًا (2/ 69) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ستتهم، (ابن معين وإسحاق بن راهويه، ومسدد، وأحمد بن عبدة وأبو الأشعث، وعاصم بن علي) رووه عن المعتمر به.
وهذا أرجح من طريق ابن أبي السري لسببين:
الأول: أن هؤلاء جماعة رووه عن المعتمر، وكلهم حفاظ، وبعضهم أئمة، في مقابل ابن أبي السري وهو واحد، وكثير الوهم.
الثاني: أن ابن أبي السري قد يكون سلك فيه سبيل الجادة.
وإذا كان المعروف فيه أنه من رواية المعتمر، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس، فإن هذا الإسناد ضعيف.
إسماعيل بن حماد ليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث عند الترمذي، وحديث خطبة الحاجة في السنن الكبرى للنسائي.
قال ابن معين: ثقة، كما في الجرح والتعديل (2/ 164)، وتهذيب التهذيب (1/ 147).
وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، الجرح والتعديل (2/ 164).
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك.
وقال أبو زرعة في أبي خالد الوالبي كما في الجرح والتعديل (9/ 365): لا أدري من هو، لا أعرفه.
وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول، يعني به حديثنا هذا.
وأخرجه ابن عدي في الكامل (1/ 502) من طريق يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر، قال: سمعت إسماعيل بن حماد يحدث عن عمران بن خالد، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وهذا اختلاف ثالث على المعتمر.
قال ابن عدي: وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ، سواء قال: عن أبي خالد، أو عن عمران بن خالد، جميعًا مجهولان.
(1)
. الصواب (عن عبد الله أبي بكر).
يعد معاوية لذلك بعد
(1)
.
ورواه يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية.
[تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم، على اختلاف عليه في إسناده ولفظه]
(2)
.
(1)
. مصنف عبد الرزاق (2618).
(2)
. هذا الحديث له ثلاث علل:
الأولى: أنه تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم.
قال ابن رجب كما في كتابه فتح الباري (6/ 402): «وقد تفرد بهذا الحديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس بالقوي .... » .
وقال النسائي في رواية: ليس بالقوي في الحديث.
وقال ابن معين في رواية: أحاديثه ليست بالقوية، ووثقه ابن معين والنسائي في رواية أخرى عنهما، وغايته أن يكون حسن الحديث، فلا يحتمل منه هذا التفرد.
العلة الثانية: المخالفة، ذلك أن هذا الأثر الموقوف بإسناد غريب مخالف لما رواه الثقات عن أنس بن مالك مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وقد رواه عن أنس مثل قتادة، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبي نعامة، وأبي قلابة، وغيرهم، ويكفي أن رواية قتادة مخرجة في الصحيحين، وسبق تخريجها في أدلة القول الأول.
العلة الثالثة:
…
الاختلاف في إسناده على ابن خثيم:
فقيل: عن ابن جريج، عن ابن خثيم، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد:
رواه ابن جريج، واختلف عليه:
فرواه عبد الرزاق في المصنف (2618) عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، أن معاوية صلى بالمدينة.
وهذا الإسناد منقطع، لأن الظاهر أن أبا بكر لم يسمع من معاوية.
وخالف عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عبد الرزاق، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك أخبره، قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ:{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة
…
وذكر الأثر.
أخرجه الشافعي في المسند (ص: 36)، وفي السنن المأثورة (43)، ومن طريق الشافعي أخرجه الدارقطني في السنن (1187)، والحاكم في المستدرك (851)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 71)، وفي معرفة السنن (2/ 373). فخالف فيه في إسناده وفي لفظه:
أما في إسناده، فقد زاد فيه أنس بن مالك بين أبي بكر، وبين معاوية، فوصله. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما في لفظه، فذكر أن معاوية جهر بالبسملة في أم القرآن، ولم يجهر فيها في السورة التي تليها، ورواية عبد الرزاق أنه أسر بالبسملة في كل القراءة.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 459): «وعبد المجيد أقعد من ابن جريج وأضبط لحديثه من عبد الرزاق، وذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه سئل عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فقال: ثقة، كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان أصحابه يصلحون كتبهم بكتابه» . اهـ
وقيل: عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه،
رواه إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، واختلف عليه:
فرواه إسماعيل بن عياش كما في سنن الدارقطني (1188)، قال: حدثنا عبد الله بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، أن معاوية قدم المدينة حَاجًّا، أو معتمرًا، فصلى بالناس فلم يقرأ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب، فلما قضى الصلاة أتاه المهاجرون والأنصار من ناحية المسجد، فقالوا: أتركت صلاتك يا معاوية؟ أنسيتَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فلما صلى بهم الأخرى قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وابن عياش ضعيف إذا روى عن غير أهل بلده، وهذا منه، وقد أخطأ في إسناده، حيث زاد قوله:(عن جده)، كما لم يذكر في لفظه ترك التكبير.
وخالفه الفضل بن العلاء كما في مختصر الجهر بالبسملة للذهبي (ص: 26)،
ويحيى بن سليم ومعه آخر كما في مسند الشافعي (ص: 37)،، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 72)، وفي معرفة السنن (2/ 374)، كلاهما (الفضل بن العلاء، ويحيى بن سليم) روياه عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية بنحوه.
فهذه ثلاثة اختلافات على ابن خثيم في إسناده.
فذهب البيهقي في أحد قوليه كما في معرفة السنن وابن التركماني إلى ترجيح رواية ابن جريج؛ لضبطه.
وقال البيهقي في السنن: يحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما.
وقال الإمام الشافعي: وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، إشارة منه إلى ترجيح رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، على رواية ابن جريج.
ولعل سبب الترجيح يرجع لأمرين: الأول: الاختلاف على ابن جريج.
الثاني: أن يحيى بن سليم متقن لأحاديث ابن خثيم حيث كانت عنده في كتاب.
وأما طريق ابن عياش فهو ليس داخلًا في الترجيح؛ لأنه ضعيف إذا روى عن غير أهل بلده.
ولا يستبعد أن يكون الحمل فيها على ابن خثيم، فإن مدار الحديث عليه، وهو ليس بالحافظ، حتى يحتمل منه هذا الاختلاف، ويكون هذا منه دليلًا على اضطرابه، والله أعلم.
وقد ضعف ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (2/ 178) وابن عبد الهادي وابن رجب حديث معاوية بأمور منها:
أحدها: أن الثابت عن أنس بالرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة مخالف لهذه الرواية، =
* ويجاب:
بأن الحديث فيه اضطراب في إسناده ولفظه، وعلى فرض صحته فالموقوف لا يعارض به المرفوع من حديث أنس، وحديثه في الصحيحين.
الدليل الخامس:
(ح-1365) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،
عن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} ، يعني: حرفًا حرفًا
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
وروي أن ذلك كان في الصلاة، وأنه عدها آية منها، ولا يصح، وسبق تخريجه.
= إشارة إلى شذوذها، ومخالفتها لرواية الثقات.
الثاني: أن مدار ذلك الحديث على ابن خثيم، وقد ضعفه طائفة، إشارة إلى علة التفرد.
الثالث: الاختلاف في إسناده على ابن خثيم على ثلاثة طرق، إشارة إلى اضطرابه.
الرابع: تعليله بالانقطاع، إشارة إلى الاختلاف على ابن جريج في عدم ذكر أنس في إسناده.
الخامس: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية حين قدم المدينة لم يذكر أحد أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه، لأن أصحاب أنس المعروفين بصحبته، وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم هذه القصة، بل المنقول عن أنس، وأهل المدينة نقيض ذلك، إشارة إلى نكارة متنه.
السادس: أن مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو من سنتهم، إشارة إلى نكارة متنه.
السابع: لو رجع معاوية إلى الجهر بالبسملة كما نقلوه لكان هذا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، إشارة إلى ما فيه من النكارة.
الثامن: على فرض صحته فغايته أن يكون موقوفًا على جماعة من الصحابة، فكيف ترد به الرواية الصحيحة الصريحة المرفوعة.
(1)
. المصنف (8729).
(2)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1343).
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل.
* وأجاب الجصاص على هذا الاستدلال:
الأول: أن أم سلمة نعتت قراءة النبي عليه السلام ولم تذكر أن ذلك كان في الصلاة.
الجواب الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء؛ لأن أكثر ما فيه أنه قرأها، ونحن كذلك نقول أيضًا ولكنه لا يجهر بها
الجواب الثالث: جائز أن يكون النبي عليه السلام أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ من غير جهر بها، فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض؛ لأنه عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفردًا بل كان يصليها في جماعة
…
(1)
.
الدليل السادس:
(ح-1366) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1] إحداها.
قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه
(2)
.
ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن {بِسْمِ
(1)
. انظر أحكام القرآن للجصاص (1/ 18).
(2)
. سنن الدارقطني (1190).
اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب
(1)
.
[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح]
(2)
.
وجه الاستدلال:
الأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم أخذوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن الأثر تضمن أحكامًا منها: قراءة البسملة، وهذا لا إشكال فيه، وأن البسملة آية من الفاتحة، وهذا فيه خلاف سبق تحريره، وعلى التنزل أنها آية من الفاتحة فلا يلزم منه الجهر، لأن الجهر توقيفي، متلقى من الشارع، فالتأمين يجهر به على الصحيح، وهو ليس من القرآن، والبسملة لا يجهر بها، وإن كانت من القرآن، والأثر لم يتعرض للجهر فلا حجة فيه على مسألتنا، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن هذا الأثر معارض للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
…
الحديث رواه مسلم، وسبق ذكره، وهو أصح من هذا الأثر، والله أعلم.
الدليل السابع:
(ث-315) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال:
صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} غير المغضوب عليهم ولا الضالين {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}
(3)
.
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمان، قال: قرئ على عبد الملك بن محمد، وأنا أسمع، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: فقرأ، فجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} .
(1)
. المعجم الأوسط (5102)، السنن الكبرى للبيهقي (2/ 67).
(2)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1342).
(3)
. شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 200).
[صحيح]
(1)
.
الدليل الثامن:
(ح-1367) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي، حدثني أبي، عن أبيه قال: صلى بنا المهدي فجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، فقلت له في ذلك، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده،
عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}
(2)
.
[ضعيف]
(3)
.
وهناك آثار أخرى تركتها اقتصارًا على ما ذكر، واختصارًا لأن البحث قد كتب فيه العلماء مؤلفات خاصة، ولو توجه الباحث لجمع جميع الآثار لخرج مجلد
(1)
. السنن الكبرى للبيهقي (2/ 71)، وأحمد بن سلمان سمع من عبد الملك بآخرة، وكان عبد الملك بن محمد قد تغير بآخرة بعد أن خرج إلى بغداد.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (4156) حدثنا سهل بن يوسف، ومعاذ بن معاذ،
ورواه الخطيب البغدادي في الجهر بالبسملة اختصار الذهبي (ص: 22) من طريق المعتمر، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني أن ابن الزبير كان يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، زاد ابن أبي شيبة: ما يمنعهم منها إلا الكبر.
(2)
. المعجم الكبير للطبراني (10/ 277) ح 10651.
(3)
. شيخ الطبراني ضعيف، قال الذهبي: له مناكير.
وقال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر، سألت أبا الجهم أحمد بن الحسين عنه، فقال: كان قد كبر، فكان يلقن ما ليس من حديثه، فيتلقن، وأخبرنا أبو الجهم عنه بأحاديث بواطيل، عن أبيه، عن جده.
وقال أبو حاتم الرازي: سمعته يقول: لم أسمع من أبي شيئًا.
ورواه الطبراني في الأوسط أيضًا (35)، والدارقطني في السنن (1161)، والمستغفري في فضائل القرآن (578).
وقد روي عن ابن عباس ما يخالفه، فقد روى عبد الرزاق في المصنف (2605)
وابن أبي شيبة في المصنف (4143) حدثنا وكيع، كلاهما عبد الرزاق ووكيع، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب.
ورواه البزار كما في كشف الأستار (525) من طريق أبي سعد البقال، عن عكرمة به.
وقال عكرمة: أنا أعرابي إن جهرت بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ويظهر أنه إنما أخذ ذلك من شيخه ابن عباس، انظر فتح الباري لابن رجب (6/ 420).
وحده في حكم الجهر بالبسملة، والعلماء مجمعون على صحة صلاة من جهر ومن أَسَرَّ بالبسملة، فالخطب سهل، ولله الحمد.
* دليل من قال: يستحب الإسرار إلا أن يجهر بها أحيانًا لمصلحة:
أن الجهر بالبسملة أحيانًا يكون فيه بعض المصالح، من ذلك:
المصلحة الأولى: ترك المداومة على السنة إذا خيف اعتقاد وجوبها، خاصة إذا كان مداوم ذلك ممن يقتدى به.
المصلحة الثانية: إذا كان الجهر بها لمصلحة التعليم من أجل أن يعلم عامة الناس أن البسملة تقرأ، ولا تترك، ولذلك كان ابن عباس يجهر في قراءة الفاتحة في الجنازة أحيانًا.
المصلحة الثالثة: الجهر أحيانًا لمصلحة التأليف.
جاء في مطالب أولي النهى: «اختار الشيخ تقي الدين أن يجهر المصلي بالبسملة أحيانًا تألفًا لمن يقتدي به من الشافعية
…
فإنه أي فعل ذلك أحيانًا المنصوص عن الإمام أحمد، ويكون قصده بذلك تعليمًا للسنة وللتأليف، واستعطاف القلوب، وعدم النفرة، فإن المخالف في فرع إذا رأى شخصًا مثابرًا على فعل لا يراه، ربما يصير في نفسه منه شيء، ثم ينمو ذلك الشيء، ويزاد إلى أن يؤدي إلى النفرة التي تؤثر في النفس، فينشأ منها ما لا خير فيه»
(1)
.
* دليل من قال: الجهر والإسرار سواء:
هذا القول نظر في أدلة الجمهور وفي أدلة الشافعية فأخذ منهما جواز الإسرار والجهر، فأيهما اختار فقد أصاب.
* ويناقش:
بأن الجهر لم يثبت في حديث صحيح، ولو كان الجهر سنة لنقل إلينا في الأحاديث الصحيحة، وأما الإسرار فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن خلفائه أبي بكر، وعمر، وعثمان، وروي عن علي رضي الله عنه، فليس الجهر والإسرار على حد
(1)
. مطالب أولي النهى (1/ 778).
سواء في الحكم، والله أعلم.
* الراجح:
أن الإسرار هو الثابت بالسنة الفعلية المرفوعة، وهو عمل الخلفاء الراشدين، وأن الجهر بها أحيانًا يجوز إذا كان لمصلحة، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون بقدرها، فلا يغلب الجهر الإسرار، ومصلحة التعليم يمكن أن تكون بالقول، والله أعلم.
* * *