الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
* الموالاة: أن يصل كلمات الفاتحة بعضها ببعض، ولا يفصل بينها بفاصل طويل عرفًا، وقيل: بما زاد على قدر التنفس، وقيل: أن يسكت سكوتًا يشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت، وهو قريب من الأول.
* كل ما لا حد له في الشرع فإنه يرجع في حده إلى العرف، ولا يجوز التقدير بالتحكم.
* الوقف المشروع في آي القرآن لا يقطع الموالاة، وهو زائد على قدر التنفس.
* الفاصل اليسير بين المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء، والإيجاب والقبول، والاستثناء في الكلام، لا يخل بالموالاة، والضابط في الموالاة يختلف من مسألة إلى أخرى، والاتصال المعتبر في كلام الشخصين أوسع منه في كلام الشخص الواحد، والعبادات التي يبنى آخرها على أولها أضيق من العبادة التي ليست كذلك.
* العذر الشرعي لا يخل بالموالاة ولو فارق محل القراءة كما في سجود التلاوة، وقياسًا على قطع الطواف للصلاة المكتوبة والبناء عليه.
* قطع القراءة إذا أشعر بالإعراض عنها فهو مبطل للموالاة إلا أن يكون معذورًا.
* اليسير لا يبطل الموالاة في قراءة الفاتحة قياسًا على كلمات الأذان إذا تخلله كلام يسير في أصح القولين.
* ما كان لمصلحة الصلاة فلا يقطع الموالاة كما في حديث ذي اليدين، فقد سَلَّم النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة وانصرف عن القبلة، وتكلم مع المصلين، وبنى على صلاته.
* كل مأمور به أسقطه الفقهاء بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب
عندهم، وأن منزع القول بالوجوب هو الاحتياط، بخلاف ما كان من باب المنهيات فإنها تسقط بالنسيان على الصحيح.
* الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة ولا يبطل الصلاة ما دام في الركعة، فإن وصل إلى الركعة التالية بطلت الركعة دون الصلاة، فإن فارق العبادة مع قرب الفصل أتى بركعة وبنى، فإن طال الفصل أعاد الصلاة.
* المواظبة على الفعل لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية.
[م-540] اشتراط الموالاة بين كلمات الفاتحة لا يتنزل على مذهب الحنفية: لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم يتأدى بقراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، وهو رواية عن أحمد، فلا يتصور وجوب الموالاة في مذهبهم
(1)
.
ولا يتنزل أيضًا على مذهب المالكية؛ لأن نسيان الفاتحة كلها لا يبطل الصلاة عندهم، فإذا نسي الفاتحة، ولم يكن بالإمكان تلافي ذلك بأن ركع قبل أن يتذكر ذلك، فإنه لا يعود، بل يمضي في ركعته، وصلاته صحيحة، ويسجد للسهو، ويعيدها احتياطًا على الأشهر
(2)
.
ولم يتفرد المالكية بهذا القول فقد وافقهم الشافعي في القديم: فقال: لو ترك الفاتحة ناسيًا لم يضر؛ لأن النسيان عذر كالسبق خلافًا للجديد من قوليه
(3)
.
(1)
. عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: {ثم نظر} ، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر (1/ 104)، البحر الرائق (1/ 358)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (1/ 537) المحيط البرهاني (1/ 298)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 225، 226)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (1/ 129).
وقال ابن مفلح في الفروع (2/ 172): «وعنه: تكفي آية من غيرها (وهـ) -يعني وفاقًا لأبي حنفية- وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة» . وانظر: المبدع (1/ 385)، الإنصاف (2/ 112).
(2)
. حاشية الدسوقي (1/ 238، 239)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 311، 312)، التاج والإكليل (2/ 213، 214)، مواهب الجليل (1/ 519) و (2/ 102)، الفواكه الدواني (1/ 221)، الذخيرة للقرافي (2/ 246).
(3)
. الوسيط للغزالي (2/ 117).
وهذا من عجيب القول، أن تكون قراءة الفاتحة ركنًا، ثم تسقط بالنسيان، وصلاته صحيحة، ويمضي فيها، وكون العبادة تعاد مع الحكم بصحتها عند المالكية، فهذا من مفردات المذهب المالكي، وقد تمت مناقشته عند الكلام على شروط الصلاة، فانظره هناك يا رعاك الله.
بقي بحث هذا الشرط معتبرًا عند الشافعية والحنابلة، وقد توجه المذهبان في الكلام على هذا الشرط بشيء من التفصيل، ودراسة هذه المسألة ستكون مقصورة على كلام المذهبين إن شاء الله تعالى.
فقد نص الشافعية والحنابلة على أن المولاة بين كلمات الفاتحة شرط في صحة القراءة، وأن الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة
(1)
.
* دليلهم على الشرطية:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، ولم يُخِلَّ بذلك، فلوكان الإخلال بالمولاة جائزًا لفعل ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث في البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي.
* ونوقش الاستدلال:
بأن هذا الدليل لا يكفي للقول بأن الموالاة شرط، فالاستدلال به على الوجوب قد ينازع فيه، فضلًا على القول بالشرطية؛ لأن الاستدلال بالفعل يدل على المشروعية، وأما الوجوب فيحتاج للقول به أكثر من الفعل، فضلًا عن القول بالشرطية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، ولا يجبان على الصحيح.
وأما الجمع بين الفعل وبين قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليخرج الحكم مركبًا من دليلين فهذا المنزع ضعيف الدلالة، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم مشتملة على سنن وأركان وواجبات، ولم تكن صلاته مقتصرة على الواجبات فقط، فلا يمكن الاستدلال بهذا الفعل العام المشتمل على هيئات وأقوال وأفعال أحكامها مختلفة
(1)
. نهاية المحتاج (1/ 482)، روضة الطالبين (1/ 243)، المجموع (3/ 357)، مغني المحتاج (1/ 356)، نهاية المطلب (2/ 140)، فتح العزيز (3/ 328)، تحفة المحتاج (2/ 40).
على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل آخر يتضمن انتفاء العبادة بانتفاء الفعل، كما قال صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والله أعلم.
هذا فيما يتعلق بالاستدلال على اشتراط الموالاة:
وقطع الموالاة يقع إما بالنية، وإما بالسكوت، وإما بذكر يتخلل قراءة الفاتحة، وهذه الأمور قد تقع سهوًا وقد تقع عمدًا، وتأثير هذه الأفعال على الموالاة على النحو التالي:
* الإخلال بالموالاة سهوًا:
إذا أَخَلَّ بالموالاة ناسيًا لم يضره مطلقًا؛ سواء أخل بالموالاة بسكوت، أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها، نص عليه في الأم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوًا فإنه يضره؛ لأن الموالاة صفة، والقراءة أصل
(1)
.
وللشافعي قولان في ترك الفاتحة ناسيًا، القديم: لا يضره، خلافًا للجديد.
ومال إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا: لا يعذر به في ترك الفاتحة، وهذا أقيس
(2)
.
وقال بعض الحنابلة: لا يعفى عن النسيان
(3)
.
(4)
.
* وجه هذا القول:
أن النسيان عذر، وقياسًا على ترك الموالاة في أركان الصلاة كما لو طوَّل ركنًا
(1)
. روضة الطالبين (1/ 244)، المجموع (3/ 357)، مغني المحتاج (1/ 356)، الكافي لابن قدامة (1/ 247)، الإنصاف (2/ 50)، شرح منتهى الإرادات (1/ 189)، كشاف القناع (1/ 338)، مطالب أولي النهى (1/ 430).
(2)
. روضة الطالبين (1/ 244).
(3)
. الإنصاف (2/ 50).
(4)
. روضة الطالبين (1/ 244).
قصيرًا ناسيًا لم يضره.
* ويناقش:
إذا كانت الموالاة شرطًا، وكانت من المأمورات الشرعية، فكيف تسقط بالنسيان، فالمأمورات كالوضوء والغسل لا تسقط بالنسيان بالاتفاق، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فإنها تسقط بالنسيان، فالراجح أن كل مأمور قال فيه الفقهاء يسقط بالنسيان، إما أن يكون القول بسقوطه ضعيفًا، وإما أن يكون هذا دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل، ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان.
وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان.
وكاشتراط التسمية على الذبيحة، فالمالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات.
وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه.
وقد يقال: إن النسيان يرفع الإثم، وهو حكم تكليفي، وأما الصحة والفساد فهي من الأحكام الوضعية، فإذا ثبت القول بأن الموالاة شرط، فإن قطع الموالاة بالنسيان يوجب استئناف الفاتحة، وإن ذهبنا إلى أن النسيان لا يخل بالموالاة فهو أمارة على ضعف القول باشتراط الموالاة، والله أعلم.
* الإخلال بالموالاة بالسكوت:
إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف عند الشافعية، نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه، وبه قال الحنابلة
(1)
.
* وجه هذا القول:
قال في الأم: لأنه حديث نفس، وهو معفو عنه.
(1)
. المجموع (3/ 357)، الحاوي الكبير (2/ 235)، نهاية المطلب (2/ 140)، روضة الطالبين (1/ 243)، مغني المحتاج (1/ 357)، الكافي لابن قدامة (1/ 247)، الشرح الممتع على المقنع للتنوخي (1/ 350).
ولأن القراءة باللسان فلم تنقطع بالنية، ولأن فعله مخالف لنيته.
فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا نوى في أثناء الصلاة قطع الصلاة انقطعت، فما الفرق؟
قال الشافعية: الصلاة من شرطها النية، فإذا أفسد نيته أفسد صلاته، والقراءة لا تشترط لها النية، فإذا قطع النية لم تفسد القراءة.
وأما تأثير السكوت الطويل غير المشروع على الإخلال بالموالاة:
فالأصح في مذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة أن السكوت الطويل غير المشروع يقطع الموالاة مطلقًا سواء أكان معه نية القطع، أم لا
(1)
.
وجهه: أن السكوت الطويل يشعر بقطع القراءة، والإعراض عنها.
واختار العراقيون من الشافعية أنه إذا لم يَنْوِ بِهِ قطع القراءة فلا يقطع الموالاة، ولو كان طويلًا، ورجحه المحب الطبري في التعليقة الكبرى، ووصفه النووي بالقول الشاذ
في الروضة
(2)
.
وقال عنه في المجموع: «ليس بشيء، والموجود في كتب العراقيين وجوب الاستئناف»
(3)
.
لكن قال المحب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع: «إن سكت في أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لا ينوي به قطع القراءة، أو ارتج عليه .... فإنه لا يضره، ويبني على قراءته»
(4)
.
قال إمام الحرمين في نهاية المطلب: «وذكر العراقيون وجهًا أَنَّ تَرْكَ الموالاة
(1)
. منهاج الطالبين (ص: 26)، المجموع (3/ 357)، الحاوي الكبير (2/ 235)، فتح العزيز (3/ 328)، نهاية المطلب (2/ 140، 141)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 408)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (2/ 87)، روضة الطالبين (1/ 243)، مغني المحتاج (1/ 357)، الإنصاف (2/ 50)، المبدع (1/ 387)، شرح منتهى الإرادات (1/ 189).
(2)
. نهاية المطلب (2/ 140)، الوسيط للغزالي (2/ 116)، فتح العزيز (3/ 328)، روضة الطالبين (1/ 243).
(3)
. المجموع (3/ 357).
(4)
. التعليقة الكبرى للمحب الطبري حقق في رسائل علمية لم تطبع بعد، أحدها يبدأ من صفة الصلاة إلى إمامة المرأة (ص: 283).
بالسكوت الطويل قصدًا عمدًا لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيهه»
(1)
.
وأما السكوت اليسير دون نية القطع: فلا يقطع الموالاة قولًا واحدًا في مذهب الشافعية
(2)
.
قال النووي: «وإن قصرت مدة السكوت لم يؤثر بلا خلاف»
(3)
.
لأن اليسير مغتفر، ولا يسلم منه أحد، ولا يبدو منه الإعراض عن القراءة.
واختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة أنه يلزمه استئناف الفاتحة بالسكوت، ولوكان يسيرًا
(4)
.
* وأما السكوت المصحوب بنية القطع:
فإن كان السكوت طويلًا انقطعت الموالاة بلا خلاف، ووجب عليه استئناف القراءة، وإن كان يسيرًا بطلت في الأصح المشهور؛ لتأثير الفعل مع النية.
وفيه وجه عند الشافعية: أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية بمفردها لا تؤثر، والسكوت اليسير وحده لا يؤثر، فكذا إذا اجتمعا
(5)
.
واختار الحنابلة أن السكوت اليسير لا يقطع مطلقًا، سواء أَنَوَى قطعها أم لا
(6)
.
* الإخلال بالموالاة بذكر يتخلل قراءة الفاتحة:
إذا أتى المصلي بذكر في أثناء قراءة الفاتحة فإن كان مشروعًا يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمينه لقراءة إمامه، وسجوده لتلاوته، واستماع قراءة الإمام، وفتحه عليه
(1)
. نهاية المطلب (2/ 140).
(2)
. منهاج الطالبين (ص: 26)، الحاوي الكبير (2/ 235)، فتح العزيز (3/ 328)، نهاية المطلب (2/ 140، 141)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 408)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (2/ 87)، المجموع (3/ 357).
(3)
. المجموع (3/ 357).
(4)
. الإنصاف (2/ 50).
(5)
. فتح العزيز (3/ 329)، روضة الطالبين (1/ 244)، المجموع (3/ 357)، تحفة المحتاج (2/ 41).
(6)
. المبدع (1/ 387)، الإقناع (1/ 116).
القراءة، فلا يقطع الموالاة وإن طال، وهذا هو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة
(1)
.
لأن مثل هذه الأذكار مأمور بها شرعًا، وتعود لمصلحة الصلاة فلا تبطل بها الموالاة، كما لا تبطل الموالاة بالطواف والسعي إذا أقيمت المكتوبة، وكما لم تبطل الصلاة بما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين من الكلام، والقيام والمشي، ومثل ذلك يبطل الصلاة لولا أن ذلك كان لعذر، ولمصلحة الصلاة.
وقيل: تبطل الصلاة إذا تخللها ذكر مطلقًا، حتى ولو كان مشروعًا، فلو أمن المأموم على قراءة إمامه في أثناء قراءته الفاتحة انقطعت الموالاة، وهو وجه مرجوح عند الشافعية
(2)
.
(3)
.
وإن كان الذكر أجنبيًّا عن الصلاة:
فقال الشافعية يقطع الموالاة وإن قَلَّ، كما لو عطس، فحمد الله، أو أجاب المؤذن، أو سبح للداخل؛ وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها
(4)
.
وجهه: أن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة.
وقال الحنابلة: إن كان الذكر يسيرًا فلا يقطع الموالاة مطلقًا؛ سواء أكان دعاء
(1)
. روضة الطالبين (1/ 244)، منهاج الطالبين (ص: 26)، طرح التثريب (2/ 269)، الجمع والفرق (357)، القواعد للحصني (3/ 153، 154)، نهاية المطلب (2/ 142)، المبدع (1/ 387)، مطالب أولي النهى (1/ 430)، شرح منتهى الإرادات (1/ 189)، الإقناع (1/ 116)، كشاف القناع (1/ 338).
(2)
. روضة الطالبين (1/ 244)، فتح الباري لابن حجر (2/ 264)، طرح التثريب (2/ 269)،.
(3)
. فتح الباري لابن حجر (2/ 264).
(4)
. روضة الطالبين (1/ 244)، نهاية المطلب (2/ 141)، تحفة المحتاج (2/ 41)، المبدع (1/ 387)، الممتع شرح المقنع للتنوخي (1/ 350).
أم قرآنًا أم غيرهما؛ ولو كان غير مشروع؛ لعدم الإخلال بنظمها
(1)
.
ومذهب الحنابلة أصح؛ لأن اليسير في الشريعة معفو عنه في الجملة ما لم يرد نص يقضي بعدم العفو.
ولأن الذكر والدعاء مشروع جنسهما في الصلاة بالجملة.
ولأن الفاصل اليسير لا يشعر بالإعراض عن القراءة وقطعها، وإذا كان الكثير منه -إذا وقع سهوًا- مَعْفُوًّا عنه عند الشافعية والحنابلة فتعمُّدُ قليلِهِ لا يضر؛ لأن بطلان القراءة حكم وضعي، والسهو يرفع الحكم التكليفي وهو الإثم، وأما الصحة والفساد فلا تلازم بينهما، فلما حكموا بأن الذكر الكثير سَهْوًا لا يخل بالموالاة، والصلاة صحيحة، فلا يتصور أن الذكر اليسير يفسد الموالاة، ولو وقع عمدًا، والله أعلم.
هذا تفصيل المسألة عند الشافعية والحنابلة، وواضح أن هناك توافقًا في أكثر التفريعات بين المذهبين، وقدر الاختلاف بينهما يسير جدَّا، فدعنا نذكر ما يتوافقان عليه، وما يختلفان فيه حتى يسهل تصوره:
يتفق الشافعية في المشهور والحنابلة:
أن المصلي إذا ترك الموالاة سهوًا لم يضره، سواء أكان ذلك بسكوت، أم قراءة قرآن، أم ذكر، أم دعاء، أم غير ذلك.
كما يتفقان على أن ترك الموالاة من أجل مصلحة الصلاة لا يقطع الموالاة، كالتأمين، وسجود التلاوة، ونحوها، وسؤال الرحمة عند آية الرحمة ونحو ذلك.
كما يتفقان أن نية القطع وحدها إذا استمر بالقراءة لا تقطع الموالاة.
وأن السكوت اليسير إذا لم يكن معه نية القطع لا يقطع الموالاة.
هذه الفروع التي يتفقان عليها فيما لا يقطع الموالاة.
كما يتفقان أن السكوت الطويل، والذكر الكثير غير المشروع يقطع الموالاة.
ويختلفان في مسألتين:
في السكوت اليسير إذا كان معه نية القطع، فهو يخل بالموالاة عند الشافعية
(1)
. الإقناع (1/ 116)، المبدع (1/ 387)، كشاف القناع (1/ 338)، شرح منتهى الإرادات (1/ 189).
خلافًا للحنابلة.
والذكر الأجنبي إذا كان يسيرًا فهو يخل بالموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة.
* الراجح:
دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الموالاة ليس بالقوة؛ لأنهم استدلوا على مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل، وأنه قال صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي وقد ناقشت هذا الدليل فيما سبق، وأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية، ويمكن الاستدلال على وجوب الموالاة بطريقتين:
إحداهما: أن يقال: إن العبادة الواجبة إذا وردت على صفة معينة كانت هذه الصفة واجبة فيها؛ فكأن الأمر بقراءة الفاتحة من المجمل لكونه يصدق على قراءتها متوالية ومفرقة، فإذا جاء الفعل ووقع متواليًا، وواظب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كان هذا الفعل بيانًا لذلك المجمل، فتكون الصفة لها حكم المجمل، فإذا غير المصلي هذه الصفة فقد أخل بالصفة الواجبة لها، فلم تبرأ ذمته؛ ولم يُؤَدِّ المطلوب منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
الطريقة الثانية في الاستدلال: أن يقال: إن العبادة كما أنها توقيفية، والأصل فيها المنع، فكذلك صفتها الأصل أنها توقيفية، ومن أراد أن يحدث صفة في العبادة فعليه الدليل، وإنما تلقينا صفة قراءة الفاتحة متوالية، فمن فرقها بلا سبب، ولا عذر شرعي فقد أحدث، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، فالاستدلال بهذه الطريقة أجود من الناحية الأصولية من الاستدلال بمجرد الفعل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن آيات الفاتحة يبنى بعضها على بعض، فتفريقها ليس ممكنًا؛ وهكذا كل آيات يرتبط بعضها ببعض يؤثر تفريقها، لأن اتصالها مطلوب، فالآيات الثلاث الأولى تتبع بعضها بالإعراب فقوله تعالى:(مالك يوم الدين) فلفظ مالك مجرور على التبعية للفظ الجلالة في الآية الأولى، وكذلك قوله:(الرحمن الرحيم) مجرور على التبعية كذلك، فلا يمكن تفريق التوابع عن بعضها، والآية الخامسة إلى آخر الآية هي جملة واحدة مشتملة على دعاء، وفيها استثناء المغضوب عليهم والضالين، فلا يتصور تفريقها؛ لأنه تفريق
بين المستثنى والمستنثى منه، بقي آية واحدة مستقلة بمعناها: وهي إياك نعبد وإياك نستعين.
فإذا علمنا أن ثلاث الآياتِ الأولى هي ثناء على الله ومقدمة للدعاء، وأن من آداب الدعاء المطلوبة، ومن أسباب استجابته أن يتقدم الدعاءَ ثناءٌ وتمجيدٌ لله، كان ارتباط آخر الآية بأولها مطلوبًا من حيث المعنى، وكان تفريق ثناء الدعاء عن الدعاء إخلالًا بالمقصود شرعًا، حتى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين توسل إلى الله بعبادته ليكون سببًا في استجابة ما يليه من الدعاء، ولهذا كانت قراءة ما زاد على الفاتحة لا يشترط له الموالاة إذا كان لا يخل بالمعنى على الصحيح، والله أعلم.
* * *