الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الخامس في قراءة المأموم فاتحة الكتاب
المدخل إلى المسألة:
* مسألة القراءة خلف الإمام من الخلاف الشائك، والأدلة متجاذبة، وقد أفردها السلف بمصنفات خاصة، والترجيح فيها بين قوي وأقوى، ولا إنكار فيها.
* قراءة المأموم في الجهرية لا يبطل الصلاة وحكي إجماعًا، حكاه ابن عبد البر وابن حبان، وسيأتي نقل كلامهما، وترك القراءة في الجهرية لا يبطل الصلاة، وحكاه أحمد إجماعًا.
* قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر في القرآن، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ
(1)
.
* ما صح عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من النهي عن القراءة خلف الإمام كابن عمر، وجابر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، قد صح عنهم ما يعارضه من القراءة في الصلاة السرية، أو كان المحفوظ من قولهم: النهي عن القراءة مع الإمام، وهو أخص من القراءة خلف الإمام، فعلم أن مرادهم: النهي عن القراءة في الصلاة الجهرية.
* ما صح عن أبي هريرة وابن عباس من الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، صح عنهم ترك القراءة خلف الإمام في الجهرية، فحمل قولهم على الصلاة السرية.
* قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} عامٌ في القراءة، فيشمل الفاتحة وغيرها، خاصٌّ في الصلاة خلف الإمام بالإجماع. وحديث:(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) عام في الصلاة فيشمل المنفرد، والإمام، والمأموم، في السرية والجهرية، خاص بالفاتحة، فكان كل واحد منهما
(1)
. المغني (1/ 404).
عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر، فيطلب المرجح من خارجهما.
* تقديم الخاص على العام لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟
* العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام المخصوص، وعلى هذا عامة أهل الأصول؛ ولم يخالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي
(1)
.
* عموم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دخله التخصيص بالإجماع وأما الأمر للمأموم بالإنصات لقراءة إمامه فلم يُخَصَّ منه شيء كما سيأتي بيانه في البحث، لهذا كان عموم الآية مقدمًا على عموم حديث عبادة.
* جمهور الفقهاء وأهل الحديث خلافًا للشافعية على ترك القراءة فيما جهر به الإمام.
* حديث: (إذا قرأ فأنصتوا) حديث معلول في أصح قولي أهل العلم.
* حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) لم يثبت من حديث صحيح.
* حديث: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) لا يصح مرفوعًا، وهو صحيح موقوفًا على عبادة بن الصامت.
[م-538] اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة للمأموم:
فقيل: تحرم القراءة خلف الإمام مطلقًا، في الصلاة السرية والجهرية، وبه قال الحنفية وأشهب وابن وهب من المالكية.
قال الحنفية: فإن قرأ كُرِه تحريمًا، وتصح في الأصح
(2)
.
جاء في الحجة على أهل المدينة: «قال أبو حنيفة: لا قراءة خلف الإمام في
(1)
. مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: 384).
(2)
. الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: 75)، المبسوط (1/ 199)، بدائع الصنائع (1/ 110)، العناية شرح الهداية (1/ 338)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 106)، حاشية ابن عابدين (1/ 446، 544)، التجريد للقدوري (2/ 512)، تحفة الفقهاء (1/ 128)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 50)، تبيين الحقائق (1/ 131)، البحر الرائق (1/ 363)، المنتقى للباجي (1/ 159)، إكمال المعلم (2/ 278).
شيء من الصلاة، ما يجهر فيه بالقراءة، وما لا يجهر فيه بالقراءة»
(1)
.
(2)
.
جاء في المنتقى لأبي الوليد الباجي: «قال ابن وهب: لا يقرأ المأموم أصلًا أسَرَّ الإمام أو جهر، ورواه ابن المواز عن أشهب»
(3)
.
وقيل: تجب قراءتها مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم من الظاهرية، وهو رأي الإمام البخاري
(4)
.
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: تستحب قراءتها في السرية، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في الجهرية.
فقيل: تحرم قراءتها، وهو المعتمد في مذهب المالكية.
وقيل: تكره حال قراءة الإمام، وهو مذهب الحنابلة
(5)
.
وقيل: تجب قراءتها في السرية دون الجهرية، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن العربي من المالكية
(6)
.
قال الترمذي: « .... اختار أكثر أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر
(1)
. الحجة على أهل المدينة (1/ 116).
(2)
. البحر الرائق (1/ 363).
(3)
. المنتقى للباجي (1/ 159).
(4)
. المجموع (3/ 364)، الوسيط (2/ 109)، فتح العزيز (3/ 308، 311)، روضة الطالبين (1/ 241)، مغني المحتاج (1/ 353)، المحلى، مسألة (360).
(5)
. انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (1/ 237)، التاج والإكليل (2/ 212)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 309)، المنتقى للباجي (1/ 160).
وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (1/ 463)، شرح منتهى الإرادات (1/ 264)، الإقناع (1/ 162)، المبدع (2/ 59).
(6)
. انظر قول الشافعي في القديم: في المجموع (3/ 364)، وانظر قول ابن العربي في: أحكام القرآن له (1/ 10)، حاشية الدسوقي (1/ 237)، حاشية الصاوي (1/ 309).
الإمام بالقراءة، وقالوا: يتتبع سكتات الإمام .... »
(1)
.
هذا ما وقفت عليه من أقوال في المسألة، وملخصها:
تحرم القراءة مطلقًا.
تجب مطلقًا.
وقيل في التفريق بين السرية والجهرية على خلاف بينهم:
فقيل: تستحب في السرية، وتحرم في الجهرية.
وقيل: تستحب في السرية وتكره في الجهرية.
وقيل: تجب في السرية، وتحرم في الجهرية. هذا ملخص الأقوال، والله أعلم.
* دليل من قال: تجب القراءة مطلقًا في السرية والجهرية:
الدليل الأول:
قال تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20].
وهذا أمر، والأصل فيه الوجوب، وهو يتناول المنفرد والمأموم، وفي الصلاة السرية والجهرية.
* ويجاب:
بأن الآية وردت في قدر قيام الليل، لا في وجوب القراءة، فكان قيام الليل في أول الأمر، كما أخبر الله في أول الآية:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} ثم نسخ تخفيفًا بقوله: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]. ولو سلمنا أنها في الأمر بالقراءة، فالأصل في صلاة التهجد أنها لا تصلى جماعة، والخلاف في قراءة المأموم، لا في قراءة المنفرد أو الإمام.
الدليل الثاني:
(ح-1383) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،
(1)
. سنن الترمذي (2/ 121).
عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
(1)
.
وجه الاستدلال:
فقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فكل ما يصدق عليه أنه صلاة شرعًا فإنه لا اعتداد بها إلا بفاتحة الكتاب، سواء أكان المصلي منفردًا أم إمامًا أم مأمومًا.
* ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
عموم (لا صلاة
…
) خرج منه المأموم بالإجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر في القرآن، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ
(2)
.
وقد قال جابر رضي الله عنه بسند صحيح: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام
(3)
.
قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تَأَوَّلَ قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أن هذا إذا كان وحده
(4)
.
وسوف نناقش الإجماع الذي نقله الإمام أحمد في أدلة من قال: لا تجب قراءة الفاتحة في الجهرية، فانظره هناك.
الوجه الثاني:
حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) عام في الصلاة فيشمل المنفرد، والإمام، والمأموم، في السرية والجهرية، خاصٌّ بالفاتحة.
وقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204].
(1)
. صحيح البخاري (756)، وصحيح مسلم (34 - 394).
(2)
. المغني (1/ 404).
(3)
. رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(4)
. سنن الترمذي (2/ 121).
عام في القرآن فيشمل الفاتحة وغيرها، خاص في الصلاة، وقد نقل الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في الصلاة
(1)
.
وكذلك قال ابن عبد البر وأبو بكر الطرطوشي المالكي، وابن تيمية الحنبلي
(2)
.
فكان كل واحد من الدليلين عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر، وتقديم الخاص على العام لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟ فتخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس، فيطلب مرجح لأحدهما من خارجهما؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول: أن الدليلين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عند تعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر
…
فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
ومن وجوه الترجيحات أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام المخصوص.
قال محمد الأمين الشنقيطي: «وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي»
(3)
.
قال البيضاوي في نهاية السول: «العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته»
(4)
.
وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «يرجح العام الباقي على عمومه على
(1)
. فتح الباري لابن رجب (8/ 269) و (8/ 280).
(2)
. المغني لابن قدامة (1/ 404)، مجمع الأنهر (1/ 106)، الاستذكار (1/ 465)، التمهيد (11/ 29)، شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 326)، الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي المالكي (ص: 163)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 134)، مجموع الفتاوى (18/ 20)، شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: 170)، فتح الباري لابن رجب (8/ 269) و (8/ 280)، مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور (2/ 141).
(3)
. مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: 384).
(4)
. نهاية السول في شرح منهاج الأصول (ص: 385)، وانظر التحبير شرح التحرير (8/ 1477).
العام المخصوص»
(1)
.
فعموم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) خُصَّ منه الرجل يدرك الإمام بالركوع، فإنه يعد إدراكًا للركعة، وإن فاتته قراءة الفاتحة.
وأما الأمر للمأموم بالإنصات لقراءة إمامه لم يُخَصَّ منه شيء، لا بنص خاص، ولا إجماع، لهذا كان عموم الآية في قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} مقدمًا على عموم حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، كما قدمنا عموم:(من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) على عموم: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس) للسبب نفسه، فارجع إليه.
قال ابن تيمية: «فهذا عموم قد خُصَّ منه المسبوق بحديث أبى بكرة وغيره، وخُصَّ منه الصلاة بإمامين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس، وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة، قرأ من حيث انتهى أبو بكر، ولم يستأنف قراءة الفاتحة؛ لأنه بنى على صلاة أبي بكر، فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى، وخُصَّ منه حال العذر، وحال استماع الإمام حال عذر، فهو مخصوص، وأَمْرُ المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يُخَصَّ معه شيء، لا بنص خاص، ولا إجماع، وإذا تعارض عمومان: أحدهما محفوظ، والآخر مخصوص، وجب تقديم المحفوظ.
وأيضًا: فإن الأمر بالإنصات داخل في معنى اتباع المأموم، وهو دليل على أن المنصت يحصل له بإنصاته واستماعه ما هو أولى به من قراءته»
(2)
.
الدليل الثالث:
(ح-1384) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك .... الحديث
(1)
. شرح مختصر الروضة (3/ 715).
(2)
. المجموع (23/ 290، 291).
ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.
ورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم
(1)
.
وجه الاستدلال:
قوله: (من صلى صلاة .... ) فصلاة نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، فتشمل الصلاة السرية والجهرية، من المأموم وغيره.
وقد فهم أبو هريرة رضي الله عنه هذا العموم حين سُئِلَ: إنَّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك.
والخداج: هو الفساد والنقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة، من قولهم: أخدجت الناقة إذا ولدت نتاجًا فاسدًا قبل تمام الخلق.
* ونوقش هذا الاستدلال:
بأن الدليل قد اشتمل على حديث وأثر:
فأما الجواب عن الحديث: فيجاب عنه بما أجيب به عن حديث عبادة، حيث
(1)
. صحيح مسلم (395).
وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها:
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3620)، وأحمد (6/ 142)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 215)، وفي مشكل الآثار (1087)، عن يزيد بن هارون،
ورواه أحمد (6/ 275) من طريق إبراهيم بن سعد،
ورواه إسحاق (908) أخبرنا إسماعيل بن علية،
ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (9، 32)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 215)، وفي مشكل الآثار (1088) من طريق يزيد بن زريع،
ورواه ابن ماجه (840) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى،
والبيهقي في القراءة خلف الإمام (89، 90) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، ومن طريق أبي شهاب الحناط، سبعتهم (يزيد بن هارون، وإبراهيم بن سعد، وابن زريع، وابن علية، وعبد الأعلى، والوهبي، والحناط) رووه عن محمد بن إسحاق به، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث من رواية إبراهيم بن سعد عنه عند أحمد، فالحديث حسن بذاته، صحيح بحديث أبي هريرة في مسلم، والله أعلم.
دلالتهما واحدة استنادًا على ما اشتمل عليه من عموم، فتجب القراءة على المأموم والمنفرد والإمام، وقد بينت في الدليل السابق بأن هذا العموم معارض بعموم أقوى منه، لهذا ذهب ابن تيمية إلى تخصيص هذا العموم بالآية القرآنية {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204].
وبحديث أبي موسى في مسلم (وإذا قرأ فأنصتوا)، وروي من حديث أبي هريرة.
وأما الجواب عن قول أبي هريرة (اقرأ بها في نفسك)، ففيه جوابان:
الأول: أنه معارَضٌ بجملة من الآثار عن الصحابة سآتي على ذكر بعضها إن شاء الله في البحث، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وطلب مرجح خارجي، والله أعلم.
الجواب الثاني:
أن مقصود أبي هريرة (اقرأ بها في نفسك) أي في غير الصلاة الجهرية:
(ث-319) فقد روى ابن المنذر في الأوسط من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن ذكوان أبي صالح،
عن أبي هريرة وعائشة، قالا: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به
(1)
.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان به، بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر
(2)
.
[حسن إن كان قد حفظه عاصم بن بهدلة]
(3)
.
(1)
. السنن الكبرى (2/ 244).
(2)
. الأوسط (3/ 103).
(3)
. في إسناده عاصم بن بهدلة حدث عنه شعبة والثوري، وابن عيينة، وقد وثقه أحمد وأبو زرعة وجماعة.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وقال الدارقطني: في حفظه شيء.
وفي التقريب: صدوق له أوهام، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (221)، وفي الخلافيات (1983) من طريق شيبان بن فروخ، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثنا عاصم بن بهدلة به بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب، وشيء من القرآن، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: يقرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب.
وهذا إسناد ضعيف، فيه عكرمة بن إبراهيم ليس بشيء، منكر الحديث. انظر اللسان (5/ 460).
وفي هذا دليل على أن أبا هريرة لا يرى قراءة الفاتحة فيما يجهر به الإمام، والله أعلم.
وقد يقال: إن بين الأثرين عمومًا وخصوصًا من وجه، فقوله:(اقرأ بها في نفسك) خاص بالفاتحة، عام في الصلاة، والأمر بالقراءة فيما لا يجهر به الأمام، عام بالقراءة، خاص في السرية، فلا يخص عموم أحدهما بالآخر إلا بدليل مرجح، وقد يقال: إن هذا الجمع إنما يتوجه في التعامل مع نصوص الشارع، بخلاف الآثار الموقوفة.
الدليل الرابع:
(ح-1385) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود بن ربيع الأنصاري،
عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه فيها القراءة فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر. قال: قلنا: أجل، والله إذن يا رسول الله، إنه لهذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها
(1)
.
[ضعيف]
(2)
.
(1)
. المسند (5/ 322).
(2)
. هذا حديث مكحول، وقبل الكلام في بيان الاختلاف على مكحول، نبيِّن أن حديث عبادة قد رواه عنه محمود بن الربيع، وابنه نافع بن محمود بن الربيع.
أما رواية محمود بن الربيع عن عبادة، فله طريقان عن عبادة:
أحدهما: حديث مرفوع، رواه عنه الإمام الزهري كما في الصحيحين بلفظ:(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وهذا مقطوع بصحته، وقد سبق تخريجه، وليس فيه: لا تفعلوا إلا بأم القرآن.
الطريق الثاني: حادثة موقوفة وقعت لعبادة كشفت لنا عن فقهه لما رواه مرفوعًا، وأنه يرى أن على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.
رواه ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، قال: صليت صلاةً، وإلى جنبي عبادة بن الصامت، قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: فقلت له: يا أبا الوليد! ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها.
أخرجه عبد الرزاق (2771)، وابن أبي شيبة (3770)، والطحاوي في أحكام القرآن (509)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 110)، والبيهقي في السنن (2/ 168). وفي القراءة (133، 201، 202). وقد سقط من إسناد عبد الرزاق محمود بن الربيع. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فهنا رجاء بن حيوة روى الحديث عن محمود بن الربيع عن عبادة موقوفًا عليه، وقد قال الترمذي في سننه ت بشار (6/ 242): حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن عون، قال كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبى يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه».
وقد رواه عبد الرزاق في المصنف (2770) عن بشر بن رافع، عن درع بن عبد الله، عن أبي أمية الأزدي، عن عبادة موقوفًا عليه، وفي الإسناد شيخ عبد الرزاق بشر بن رافع ضعيف، ودرع بن عبد الله فيه جهالة.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 240)، وفي القراءة خلف الإمام (203، 204)، 205) من طريق شعبة، عن مسلم بن عبد الله أبي النضر، عن حملة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت موقوفًا عليه.
وحملة بن عبد الرحمن ذكره البخاري في التاريخ الكبير (443)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1414)، وسكتا عنه، وذكره مسلم في الكنى والأسماء (3397).
وكذا مسلم بن عبد الله أبو النضر ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (820).
وقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (1895): سألته (يعني أباه) عن حديث، عن أبي النضر، قال: سمعت حملة بن عبد الرحمن. قال أبي: وليس هذا أبو النضر الذي يحدث عنه مالك وابن عيينة، هذا رجل شامي من عك.
وقال أيضًا (3377): مسلم أبو النضر شامي، روى عنه شعبة.
فربما كان قول عبادة أخذه فهمًا من عموم ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، كما فهم أبو هريرة حين روى حديث: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج. هذا هو القدر المرفوع، قيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام قال: اقرأ بها في نفسك.
وإذا رجعت مسألة قراءة المأموم للفاتحة إلى الفقه، فالفقه ليس بمعصوم، والصحابة مختلفون في هذه المسألة.
ولم يُحْفَظ الأمر مرفوعًا بقراءة المأموم للفاتحة، وحين روى هذا الحديث نافع بن محمود ابن الربيع -وهو رجل لا يعرف بالرواية إلا في هذا الحديث، وفي عدالته جهالة كما سيأتي بيان ذلك في ترجمته- خلط المرفوع من حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) بالموقوف على عبادة بقراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فبدت الرواية وكأن النهي عن القراءة وراء الإمام إلا بفاتحة الكتاب مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحق أن المرفوع منها هو: ما حفظه لنا الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة:(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وأن الأمر للمأموم بقراءة الفاتحة، ولو جهر الإمام هو من قول عبادة موقوفًا عليه.
وقد أعلَّ الإمام أحمد رواية الرفع برواية رجاء بن حيوة الموقوفة، وسيأتي نقل كلام الإمام أحمد في موضعه من البحث إن شاء الله تعالى. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (23/ 286، 287): «وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة، ضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وقد بسط الكلام على ضعفه في غيره هذا الموضع، وبيَّن أن الحديث الصحيح هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، فهذا هو الذي أخرجاه في الصحيحين، ورواه الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وأما هذا الحديث فغلِطَ بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة» .
وقال أيضًا (22/ 340): الحديث لم يخرج في الصحيح، وضعفه ثابت من وجوه، وإنما هو قول عبادة بن الصامت».
وقال ابن حبان نقلًا من تنقيح التحقيق (2/ 224): «نافع بن محمود بن ربيعة، سمع عبادة ابن الصامت حديث القراءة خلف الإمام موقوفًا، كما سمعه محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة مرفوعًا، ومتناهما متباينان» .
وهذه الرواية الموقوفة هي المحفوظة من حديث رجاء بن حيوة.
وقد رواه الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، واختلف فيه على الأوزاعي من خمسة وجوه:
الوجه الأول: عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن رجاء بن حيوة، عن عبادة مرفوعًا
رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (129) من طريق أحمد بن عبيد الله الدارمي.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (9/ 322) من طريق محمد (يعني ابن بركة الحلبي)، كلاهما عن علي بن بكار المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، حدثني عمرو بن سعد الفدكي، حدثني رجاء بن حيوة، عن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن.
انفرد بذلك علي بن بكار المصيصي الصغير، عن أبي إسحاق الفزاري، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ت بشار (324): علي بن بكار المصيصي عن أبي إسحاق الفزاري، وهو آخر من لقيه .... إلخ.
وذكره ابن حبان في الثقات (8/ 474)، وقال: مستقيم الحديث.
وإذا اختلف عمرو بن سعد وعبد الله بن عون في رجاء بن حيوة، قدم عبد الله بن عون بلا توقف.
الوجه الثاني: عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.
رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام للبيهقي (130).
وهذان الوجهان عن الأوزاعي هما أقوى ما روي عنه، وقد روى الشيخان في صحيحيهما لأبي المغيرة عن الأوزاعي.
وأبو إسحاق الفزاري وإن كان من رجال الشيخين إلا أن الشيخين لم يخرجا له شيئًا من حديثه عن الأوزاعي، فأبو المغيرة من أصحاب الأوزاعي، وأَعْرَفُ به من أبي إسحاق، فلعله =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من هذه الجهة يقدم على أبي إسحاق في الأوزاعي، فتكون روايته هي المحفوظة، وإذا كان كذلك فإن إسناد أبي المغيرة منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من عبادة بن الصامت.
…
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (131) من طريق يزيد بن عبد الله بن رزيق، أخبرنا الوليد، أخبرنا أبو عمرو (يقصد الأوزاعي) حدثني عمرو بن سعد، أخبرنا رجاء بن حيوة، وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبادة بن الصامت.
فجمع بين روايتي أبي المغيرة ورواية أبي إسحاق الفزاري، وقد يؤخذ منه أن الطريقين محفوظان، إلا أن هذا الجمع قد تفرد به يزيد بن عبد الله بن رزيق، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ففيه جهالة، وتفرده عن الوليد بن مسلم مما لا يحتمل منه، فالوليد له أصحاب كثر يعتنون بحديثه، وقد خالفه في الوليد بن مسلم من هو أوثق منه علي بن سهل الرملي، فرواه عن الوليد، عن ابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة، وهذا هو المعروف من رواية الوليد بن مسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريج الاختلاف على الوليد بن مسلم فيما بقي من التخريج.
الوجه الثالث: رواه إسماعيل بن عياش كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (36)، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت.
فأسقط إسماعيل بن عياش عمرو بن سعد، وزاد في إسناده شعيب بن محمد، ولولا مخالفة إسماعيل بن عياش لأبي المغيرة لكان الإسناد يمكن قبوله؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش عن أهل بلده مستقيمة، أما وقد خالف أبا المغيرة في الأوزاعي، فتكون روايته شاذة، والله أعلم.
الوجه الرابع: رواه الحسن بن علي بن عياش كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (132)، عن منبه بن عثمان عن الأوزاعي عن عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبادة به.
فجعله من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبادة، وهذا إسناد منكر، الحسن بن علي بن عياش فيه جهالة، وقد خالف الثقة أبا المغيرة، وهو من أصحاب الأوزاعي.
الوجه الخامس: رواه مسلمة بن علي عن الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمرو.
رواه البزار كما في كشف الأستار (489)، والطبراني في مسند الشاميين (2099، 3568) والبيهقي في القراة خلف الإمام (406، 407)، وذكره ابن حبان في المجروحين (3/ 34).
قال البزار: لا نعلمه عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، ومسلمة لين الحديث.
قلت: إسناده ضعيف جدًّا، مسلمة بن علي هو الخشني، متروك الحديث.
ورواه الطبراني في مسند الشاميين (2101)، من طريق المتوكل بن محمد بن أبي سورة، حدثنا الحارث بن عطية، عن الأوزاعي، عن جسر بن الحسن، عن رجاء بن حيوة، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.
فالمتوكل بن أبي سورة مجهول، وشيخه الحارث بن عطية متكلم فيه.
والمحفوظ من حديث رجاء بن حيوة، ما رواه عبد الله بن عون، عنه، عن محمود بن الربيع، قال: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= صليت صلاة، وإلى جانبي عبادة بن الصامت قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: فقلت له: يا أبا الوليد ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها. وهذا موقوف على عبادة.
…
وكل من رواه عن رجاء بن حيوة مخالفًا عبد الله بن عون، فالقول قول عبد الله بن عون.
والمحفوظ من حديث الأوزاعي، ما رواه أبو المغيرة، عنه، حدثني عمرو بن سعد، عن عمرو ابن شعيب، عن عبادة مرفوعًا، وهو منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من عبادة، والله أعلم.
هذا فيما يتعلق برواية الزهري ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع، وما وقع فيها من الاختلاف.
وأما رواية نافع بن محمود بن الربيع:
فقد رواها عنه مكحول، إلا أنه قد اختلف على مكحول في إسناده على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: رواه ابن إسحاق عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، ومكحول لم يسمع من محمود بن الربيع.
الوجه الثاني: رواه زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، وعلته جهالة نافع بن محمود بن الربيع.
الوجه الثالث: رواه سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الله بن العلاء بن زبر، ومحمد بن الوليد الزبيدي، والنعمان بن المنذر، وكلهم ثقات إلا النعمان، فإنه صدوق، رووه عن مكحول عن عبادة بن الصامت. وعلته: مكحول لم يسمع من عبادة.
وقال النعمان: أن عبادة بن الصامت قام في الناس، فأرسله.
فأي هذه الطرق أرجح في حديث مكحول؟
أما رواية ابن إسحاق فهي شاذة؛ لتفرده في الأصح بذكر الحديث من رواية مكحول عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.
ولمخالفة ابن إسحاق من هو أقوى منه، وهو زيد بن واقد، فقد رواه زيد بن واقد، وحرام بن حكيم، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت.
وزيد بن واقد قد احتج به البخاري، وهو مقدم في مكحول على ابن إسحاق، وقد ساق معه قصة تشهد على حفظه وضبطه، قال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم: أي أصحاب مكحول أعلى؟ فقال: -وذكر جماعة-، ثم قال: ولكن زيد بن واقد وبرد بن سنان من كبارهم. اهـ إلا أن في إسناد زيد بن واقد نافع بن محمود، وهو مجهول.
ولأن البخاري ومسلمًا قد رويا الحديث من طريق الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ولم يذكر فيه قصة القراءة خلف الإمام.
ولا يقارن ابن إسحاق بالزهري، فأين الثرى من الثريا.
ولأن مكحولًا لم يسمع من محمود بن الربيع، قال الترمذي في السنن (2506): «مكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هؤلاء الثلاثة».
ومحمود بن الربيع من صغار الصحابة، وعبارة الترمذي توحي بانقطاع حديث ابن إسحاق.
وأعله البخاري بعدم السماع.
فقد قَدَّم البخاري رواية الزهري؛ وعلل ذلك بأن الزهري قال: حدثني محمود، وأما مكحول وحرام بن حكيم ورجاء بن حيوة فلم يذكروا أنهم سمعوا من محمود. انظر القراءة خلف الإمام للبخاري (99).
فظاهر عبارة البخاري إعلال ما رواه غير الزهري بعدم السماع.
قال المعلمي اليماني: وهذا من البخاري بناء على رأيه أنه يشترط للاتصال العلم باللقاء، وقد رد مسلم في مقدمة صحيحه هذا القول، وحكى الإجماع على أنه يكفي إمكان اللقاء إذا لم يكن الراوي مدلسًا. انظر آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي (18/ 67).
ولم أقف على كلام إمام يصرح بسماع مكحول من محمود بن الربيع، ولا الوقوف على إسناد يصرح فيه مكحول بسماعه من محمود بن الربيع، وهو كثير الإرسال.
وإعلاله بعدم السماع أولى من إعلال بعضهم بعنعنة مكحول استنادًا إلى قول ابن حبان: ربما دلس؛ لأن هذه العبارة تشعر بقلة تدليسه، وابن حبان هو أول من وصفه بالتدليس، وأما ابن حجر فذكره في المرتبة الثالثة، أي من المكثرين ولا أعلم مستنده، وقد يحمل تدليسه على كثرة الإرسال، وهو مكثر منه، وهو أحد نوعي التدليس، فقد كان من الأئمة من يطلق التدليس على الإرسال، والله أعلم.
فلهذه الأسباب الأربعة: تفرد ابن إسحاق في روايته عن مكحول عن محمود بن الربيع، ومخالفته لزيد بن واقد في إسناده، وكون الزهري رواه عن محمود بن الربيع بلفظ يختلف عن رواية ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، ولأن رواية مكحول عن محمود مرسلة، لهذه الأسباب الأربعة استبعدت رواية ابن إسحاق؛ لشذوذها، فلا يصح الحديث من رواية مكحول عن محمود بن الربيع.
فتبقى المقارنة بين ما رواه زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، كلاهما عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة.
وبين ما رواه الجماعة عن مكحول عن عبادة، ومكحول لم يسمع من عبادة.
ولا يستبعد أن يكون الحديث محفوظًا في كلا الطريقين، وأنهما يرجعان إلى طريق واحد، فلا تعارض بينهما: فالإرسال الواقع في رواية الجماعة قد بيَّن زيد بن واقد فيه الواسطة، وأن مكحولًا إنما سمعه من نافع بن محمود بن الربيع، فكان مكحول تارة يرسله، كما هي رواية الجماعة، وهو مشهور بالإرسال، وتارة يذكر واسطته، وإذا عرف أن مكحولًا إنما سمعه من نافع بن محمود بن الربيع، آل إلى ضعف إسناده لجهالة نافع بن محمود بن الربيع.
إذا عرفت هذا على سبيل الإجمال، فإليك تخريج هذا الطرق من مصادرها. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الطريق الأول: ابن إسحاق، عن مكحول.
رواه ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن ربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، وقد سقت لفظه في دليل المسألة.
رواه أحمد (5/ 313، 316، 322)، وابن أبي شيبة في المصنف (3756)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (34، 158، 159)، والترمذي (311)، وابن الجارود في المنتقى (321)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 215)، والبزار في مسنده (2703)، والطبراني في المعجم الصغير (643)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (294)، وابن خزيمة (1581)، وابن حبان (1785، 1792، 1848)، والدارقطني في السنن (1213)، والحاكم (869). والبيهقي في السنن الكبرى (2915)، وفي القراءة خلف الإمام (113)، وغيرهم.
والطبراني في مسند الشاميين (4/ 386/3624). والبيهقي في المعرفة (2/ 51/918). وفي القراءة خلف الإمام (112). والضياء في المختارة (8/ 339/412).
قال الترمذي في السنن (1/ 407): «حديث عبادة حديث حسن، وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وهذا أصح» .
والحسن في اصطلاح الترمذي: هو الضعيف، لأنه قد صرح أنه يريد بالحسن: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك. انظر شرح علل الترمذي (2/ 606)، بخلاف الحسن الاصطلاحي فإنه يشترط أن يكون راويه موصوفًا بالضبط، وإن كان خفيفًا، ولا يكفي كونه لا يتهم.
وتابع ابن إسحاق على هذا الإسناد اثنان:
الأول: العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، إمام وغير إمام.
أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (115) من طريق محمد بن أبي السَّرِيِّ، عن يحيى بن حسان، عن يحيى بن حمزة، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول به.
وهذا غريب الإسناد غريب المتن، ففي إسناده محمد بن أبي السَّرِيِّ، قال أبو حاتم: لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقد وثقه ابن معين، وقال الذهبي في الميزان: ولمحمد هذا أحاديث تستنكر.
وقد وُصِف العلاء بن الحارث أنه من كبار أصحاب مكحول، فلو كان هذا محفوظًا من حديثه لتسابق الرواة إلى نقله عنه، ولم يَأْتِ بسند غريب، وينفرد به رجل سيئ الحفظ.
وأما غرابة المتن، فلم يقل أحد في لفظه:(إمام وغير إمام) إلا في هذا الإسناد.
وقد تابع مكحولًا في روايته عن محمود بن الربيع عبد الله بن عمرو بن الحارث، فرواه عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، إلا أنه ضعيف جدًّا. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= روي من طريق يزيد بن عياض كما في معجم ابن الأعرابي (278).
ومن طريق معاوية بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، كما في سنن الدارقطني (1222)، ومستدرك الحاكم (871)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (118)، وكلاهما (يزيد بن عياض، وابن أبي فروة) عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع به.
وابن عياض قد كذبه مالك والنسائي.
وإسحاق بن أبي فروة متروك، ومعاوية بن يحيى ضعيف.
ورواه شعيب بن أبي حمزة، واختلف عليه فيه:
فرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (116) من طريق محمد بن حمير (صدوق)، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع به.
وقد أعل الدارقطني روايته كما في أطراف الغرائب (4121): فقال: «تفرد به محمد بن حمير عن شعيب بن أبي حمزة عن عبد الله بن عمرو بن الحارث عن محمود» .
وخالفه بشر بن شعيب (ثقة)، فرواه عن أبيه شعيب بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث به، وللابن اختصاص بأبيه، فرجع حديث شعيب إلى حديث ابن أبي فروة المتروك.
المتابع الثاني لابن إسحاق: سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول.
وقد روي عن سعيد على ثلاثة أوجه:
فقيل: عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة كإسناد ابن إسحاق.
وقيل: عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم، عن عبادة بن الصامت.
وقيل: عن سعيد بن عبد العزيز وغيره، عن مكحول، عن عبادة بن الصامت.
هذا من حيث الإجمال، وإليك التفاصيل.
رواه الوليد بن عتبة، عن الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، واختلف على الوليد بن عتبة:
فرواه عنه عبدوس بن دِيزَوَيْه، كما في مسند الشاميين للطبراني (296، 3626)، حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة يجهر فيها بالقراءة، فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، فقال: هل تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ فقال بعضنا: إنا لنفعل ذلك، قال: «فلا تقرؤوا خلفي بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن.
وعبدوس فيه جهالة، ولم يخرج له أحد من الكتب التسعة، وأحاديثه قليلة، وأكثرها من رواية الطبراني عنه.
فلا يمكن تقوية طريق ابن إسحاق بهذه المتابعة لسببين:
الأول: جهالة عبدوس. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الثاني: أنه قد خولف في إسناده، فقد خالفه من هو أقوى منه في الوليد بن عتبة.
فرواه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي (ثقة حافظ) كما في سنن الدارقطني (1218)، ومستدرك الحاكم (870)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (125).
ومحمد بن هارون بن بكار الدمشقي (وثقه ابن حبان، وأكثر عنه الطبراني، وليس له ذكر في الميزان واللسان) كما في مسند الشاميين للطبراني (300)، كلاهما (أبو زرعة ومحمد بن هارون) روياه عن أبي الوليد بن عتبة، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم، أنه سمع عبادة بن الصامت. هذا إسناد أبي زرعة الدمشقي.
وقال محمد بن هارون: عن محمود بن الربيع، أو لبيد، عن أبي نعيم.
قال ابن صاعد شيخ الدارقطني: قوله عن أبي نعيم إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم عن عبادة.
وفي السنن الكبرى للبيهقي (2/ 235): قال ابن صاعد: قوله عن أبي نعيم، أظنه قال خطأ وذكر بقية الكلام على نحو ما نقله الدارقطني.
وقد جاء ذكر أبي نعيم في لفظه، وليس في إسناده من رواية زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن نافع عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل أبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن وذكر الحديث، وسوف يأتي تخريج هذا الطريق إن شاء الله تعالى.
وأما ذكر أبي نعيم في الإسناد فهو خطأ، وأظن أنه جاء من الوليد بن عتبة، وليس من الوليد بن مسلم، لأنه قد رواه علي بن سهل الرملي عن الوليد بن مسلم فلم يذكر فيه أبا نعيم، وهو ما سوف أبينه في الوجه الثاني من الاختلاف على مكحول.
وإذا تبين أن متابعة سعيد بن عبد العزيز خطأ أيضًا، كان ذلك دليلًا على خطأ المتابعتين لابن إسحاق، وهذا ما جعل الإمام أحمد يشير إلى تفرد ابن إسحاق، قال ابن الجوزي في التحقيق (1/ 369): قال أحمد: لم يرفعه إلا ابن إسحاق. اهـ إشارة منه إلى تفرد ابن إسحاق بروايته مرفوعًا عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، والله أعلم.
وليس بجيد الاعتراض على كلام الإمام أحمد بأنه قد رواه مكحول من غير طريق ابن إسحاق، فالإمام أحمد أراد تفرد ابن إسحاق بهذا الإسناد، لا غير، والله أعلم.
ونقل أبو الخطاب في الانتصار (2/ 216) عن الأثرم أنه قال: «ذكر لأحمد رحمه الله -يعني حديث عبادة- فضعفه، وقال: ليس يرويه غير ابن إسحاق، ورجاء بن حيوة لا يرفعه» .
وفي المطبوع: (ورجاء بن حيوة لا يعرفه) وهو تصحيف.
الوجه الثاني: من الاختلاف على مكحول، قيل: عنه، عن عبادة.
رواه أبو داود (825) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 234)، وفي القراءة خلف =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الإمام له (127).
وأحمد بن عمير بن يوسف الدمشقي كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (127)، كلاهما (أبو دواد السجستاني وأحمد بن عمير) روياه عن علي بن سهل الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة به.
فلم يذكر الوليد بن مسلم أبا نعيم في إسناده، وهو المحفوظ، إلا أنه جعله من رواية مكحول، عن عبادة. وهذا إسناد منقطع، مكحول لم يسمع من عبادة بن الصامت.
ولعل رواية علي بن سهل بن قادم أبي الحسن الرملي أولى من رواية الوليد بن عتبة؛ لكونه لم يختلف عليه من جهة، ولأنه أوثق منه، فقد وثقه النسائي كما في مشيخته (136) مع تشدده، وسئل عنه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (6/ 189)، فقال: صدوق.
وقال الحاكم: كان محدث أهل الرملة وحافظهم.
وروى عنه أبو زرعة، والطبري، وخرَّج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وهو مكثر في الرواية عن الوليد بن مسلم.
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (128) من طريق كثير بن عبيد، أخبرنا بقية، عن الزبيدي، عن مكحول، عن عبادة سأَلَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تقرؤون القرآن معي، وأنا في الصلاة؟ قالوا: نعم يا رسول الله نهذه هَذًّا، أو قال: ندرسه درسًا قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن سرًّا في أنفسكم.
لم يروه عن الزبيدي، إلا بقية بن الوليد، وقد عنعن، وكثير بن عبيد ثقة، والإسناد إلى كثير صحيح، وهو أصح طريق روي فيه الحديث عن بقية، إلا أنه من رواية مكحول، عن عبادة، ولم يسمع منه.
وقد رواه محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي (6) من طريق محمد بن مصفى، حدثنا بقية، حدثنا مكحول، عن عبادة.
ومحمد بن المصفى، قال فيه أبو حاتم الرازي والنسائي في مشيخته: صدوق. وقال النسائي في رواية أخرى: صالح. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: كان يخطئ. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، وكان يدلس. اهـ
وقال أبوزرعة: كان يسوي حديث بقية بن الوليد.
ورواه الدارقطني في السنن (1219) من طريق أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، عن مكحول، عن عبادة،
وأحمد بن الفرج، مختلف فيه، قال فيه محمد بن عوف: ليس له في حديث بقية أصل، هو فيها أكذب الخلق، وإنما هي أحاديث وقعت له في ظهر قرطاس في أولها يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية
…
إلخ انظر تهذيب التهذيب (1/ 68).
قال الدارقطني في السنن: هذا مرسل، يقصد أن مكحولًا لم يسمعه من عبادة. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (126) من طريق النعمان بن المنذر، عن مكحول، أن عبادة بن الصامت قام في الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بنا، فجهر بالقرآن، فلبست عليه القراءة، فلما انصرف قال: هل تقرؤون خلف الإمام إذا جهر؟ قالوا: نعم نَهُذُّ القرآن هَذًّا قال: عجبت أنازع القرآن، وقال: لا تقرؤوا إذا جهر الإمام إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.
والنعمان بن المنذر روى له أبو داود في السنن حديثين وروى النسائي في سننه له حديثًا واحدًا، وقد وثقه دحيم، وأبو زرعة الدمشقي، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وفي التقريب: صدوق رمي بالقدر.
وطريق النعمان بن المنذر مرسل، فهو من رواية التابعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن حملت (أن) بمعنى (عن) فهو منقطع، مكحول لم يسمع من عبادة.
…
الوجه الثالث من الاختلاف على مكحول، قيل: عنه، عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت.
رواه أبو داود في السنن (824)، والطبراني في مسند الشاميين (1187، 3625)، والدارقطني في السنن (1217)، والبيهقي في السنن الكبرى (2917)، وفي القراءة خلف الإمام له (122) من طريق عبد الله بن يوسف، حدثنا الهيثم بن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ أم القرآن، فلما انصرف، قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر، قال: أجل صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة قال: فالتبست عليه القراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن.
والهيثم بن حميد صدوق، وزيد بن واقد قد وثقه أحمد وابن معين ودحيم، والعجلي، والدارقطني والبيهقي، وابن عبد البر، والذهبي وابن حجر.
وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، محله الصدق.
وقال أبوزرعة: ليس بشيء، ولا بأس به في المغازي.
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (121) من طريق مروان بن محمد، أخبرنا الهيثم بن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري به.
وحرام بن حكيم ثقة، وقد تابع مكحولًا في الرواية عن نافع بن محمود.
وقال الدارقطني في السنن (2/ 101): «هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم، ورواه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يحيى البابلتي، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود».
وقال البيهقي: «والحديث صحيح عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله شواهد» .
قلت: علته نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، فيه جهالة، ولا يعرف بالرواية إلا بهذا الحديث، وحديث آخر رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين الأم وولدها. وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان متهم بالوضع.
فكيف يمكن توثيق أو تحسين حديث نافع بن محمود اعتبارًا بمروياته، إذا كان لا يروى عنه إلا هذا الحديث، وقد خالف فيه كما تعلم؟
ولهذا قال الطحاوي: وليس نافع بن محمود بمعروف.
وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: ونافع بن محمود هذا مجهول، لا يعرف. اهـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد (11/ 46): ونافع هذا مجهول.
وقال عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى متعقبًا الدارقطني (1/ 378): «كذا قال، ونافع بن محمود هذا لم يذكره البخاري في تاريخه، ولا ابن أبي حاتم، ولا أخرج له مسلم، ولا البخاري شيئًا، وقال فيه أبو عمر: مجهول» .
وزيادة حرام بن حكيم في إسناده قد توبع عليه الهثيم بن حميد.
فقد رواه صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، واختلف على صدقة:
فرواه هشام بن عماركما في المجتبى من سنن النسائي (920)، وفي الكبرى (944)، وأحكام القرآن للطحاوي (508)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 236)، وفي القراءة خلف الإمام له (119، 120).
ومحمد بن المبارك الصوري كما في سنن الدارقطني (1220)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 235)، كلاهما:(هشام ومحمد) روياه عن صدقة بن خالد، حدثنا ابن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود بن ربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.
ورواية النسائي عن حرام بن حكيم وحده.
ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (35)، قال: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول، عن ابن ربيعة الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.
قال المعلمي: كذا قال: وقد سقط من النسخة رجل، أو رجلان بين البخاري وصدقة، فإن صدقة مات قبل أن يولد البخاري بأربع عشرة سنة، ولم أجد في تاريخ البخاري ترجمة لربيعة الأنصاري، ولا لمحمود بن ربيعة، ولا لنافع بن محمود إلا أنه في ترجمة حرام بن حكيم ذكر أنه روى عن محمود بن ربيعة، فالله أعلم.
قلت: الساقط هو شيخ البخاري هشام بن عمار، فقد رواه البخاري في خلق أفعال العباد (ص: 106)، ورواه ابن الجوزي في التحقيق (487) من طريق محمود بن إسحاق راوي كتاب القراءة خلف الإمام للبخاري، قال: حدثنا البخاري، حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= صدقة بن خالد، قال: حدثنا زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن ابن ربيعة الأنصاري، عن عبادة. فرجع إسناد البخاري إلى إسناد النسائي.
وسقط من اسم ربيعة الأنصاري ولا شك: نافع بن محمود
…
وأستبعد أن يكون ذلك من اختلاف الرواية، ومحمود قيل في نسبه: ابن الربيع، وقيل: ابن ربيعة الخزرجي الأنصاري، انظر الجرح والتعديل (8/ 289).
وخالفهما يحيى بن عبد الله البابلتي كما في سنن الدارقطني (1221)، فرواه عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود، قال: أتيت عبادة بن الصامت به بنحوه.
وهذا إسناد منكر، تفرد به يحيى البابلتي، وهو ضعيف، وقد خالف الجماعة في إسناده حيث جعل عثمان بن أبي سودة مكان مكحول وحرام بن حكيم، والله أعلم.
وقد توبع زيد بن واقد، ولا يصح منها شيء.
فأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (123) من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة بن الصامت، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقرأن أحدكم مع الإمام إلا بأم القرآن.
وهذه المتابعة من يزيد بن جابر لزيد بن واقد في روايته عن مكحول، لا غناء بها، لأن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو رجل متروك.
ورواه الشاشي في مسنده (1279)، والطبراني في مسند الشاميين (3627) من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثنا أسامة بن زيد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الخزرجي، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت.
وهذا الإسناد فيه علتان: الواقدي أخباري متروك، وجعل الحديث من رواية نافع بن محمود عن أبيه، وهذا منكر، مخالف لكل من رواه عن مكحول، والله أعلم.
فكان الحديث في كل طرقه ضعيفًا، فطريق مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت طريق شاذ، والشاذ لا يعتبر به، وله أربع علل أشرت إليها في التخريج.
وطريق مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، ضعيف؛ لجهالة نافع بن محمود، ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
وطريق مكحول، عن عبادة بن الصامت ضعيف أيضًا؛ للانقطاع، ولعل هذين الطريقين الأخيرين يرجعان إلى طريق واحد، فيكون المحفوظ من رواية مكحول أنه يرويه عن نافع بن محمود بن الربيع، إلا أنه تارة يذكر شيخه، وتاره يرسله، فيرويه عن عبادة مباشرة، والله أعلم.
والمحفوظ من رواية محمود بن الربيع ما رواه الزهري عنه، عن عبادة مرفوعًا: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وكذلك ما رواه رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، عن عبادة موقوفًا عليه.
هذا القول فيما يتعلق بالإسناد، وقد أعرضت عن الطرق شديدة الضعف؛ لأن ذكرها لا يضيف =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= شيئًا، ويطيل من التخريج.
وأما حكم الأئمة على الحديث، فقد اختلفوا فيه صحة وضعفًا.
فضعفه الإمام أحمد كما نقل ذلك ابن تيمية عنه في مجموع الفتاوى (23/ 286).
وقد أعلَّه الإمام أحمد برواية رجاء بن حيوة موقوفًا، كما نقل ذلك أبو الخطاب في الانتصار (2/ 216) عن الأثرم، عن أحمد.
وقال يحيى بن معين: إسناده ليس بذلك، انظر إعلاء السنن (4/ 112).
وأعله البخاري بأن رواية الزهري قال: حدثني محمود، وأما مكحول وحرام بن حكيم ورجاء بن حيوة فلم يذكروا أنهم سمعوا من محمود. انظر القراءة خلف الإمام للبخاري (99).
وضعفه الترمذي في السنن حيث وصفه بالحسن، وهو اصطلاح خاص له.
وحكم على الحديث بالاضطراب كل من الطحاوي والجصاص وابن عبد البر وابن التركماني.
قال الطحاوي بعد أن ساق رواية ابن إسحاق: «قد اضطرب علينا إسناد هذا الحديث عن مكحول فيمن بينه وبين عبادة، فرواه محمد بن إسحاق كما ذكرت، ورواه عنه زيد بن واقد، فخالف في إسناده
…
ثم ساق إسناد زيد بن واقد، ثم قال: وليس نافع بن محمود بمعروف، فتعارض به مثل الآثار التي قد رويناها في هذا الباب، وليس ما روى محمد بن إسحاق فيه عن مكحول بأولى مما رواه ابن واقد عنه، وقد روى هذا الحديث رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، فأوقفه على عبادة». أحكام القرآن للطحاوي (1/ 251).
وقال الجصاص في أحكام القرآن (4/ 219): «وهذا حديث مضطرب السند، مختلف في رفعه» .
وضعفه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (23/ 286)، وابن التركماني في الجوهر النقي (2/ 164).
وقال ابن عبد البر في أحد قوليه كما في التمهيد: (11/ 46): « .... ورواه زيد بن خالد، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، ونافع هذا مجهول، ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء، وليس في هذا الباب ما لا مطعن فيه من جهة الإسناد غير حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وهو محتمل للتأويل» .
وإذا كان حديث مكحول يرجع إلى حديث نافع بن محمود، فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال (4/ 242):«لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا هو في كتاب البخاري وابن أبي حاتم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حديثه معلل» .
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (2/ 164): «
…
والكلام في ابن إسحاق معروف، والحديث مع ذلك مضطرب الإسناد».
وضعفه ابن الجوزي في التحقيق (1/ 369).
وخالف جمع من العلماء فصححوا الحديث، ولم يعتبروا الخلاف على مكحول موجبًا للاضطراب، بل صححوا جميع وجوه الاختلاف.
قال ابن حبان: «وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة» . =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وساق البيهقي في الخلافيات ط الروضة للنشر والتوزيع (2/ 418) وفي القراءة خلف الإمام (124) بإسناده عن موسى بن سهل الرملي، وهو أخو علي بن سهل الرملي يقول: سمع مكحول من محمود بن الربيع، ومن نافع بن محمود بن الربيع.
يقول البيهقي في القراءة خلف الإمام على إثر (ح 133)، قال: هذا حديث سمعه مكحول الشامي وهو أحد أئمة أهل الشام من محمود بن الربيع ونافع بن محمود، كلاهما عن عبادة بن الصامت، وسمعه حرام بن حكيم من نافع بن محمود، عن عبادة، وسمعه رجاء بن حيوة وهو أحد أئمة أهل الشام من محمود بن الربيع عن عبادة، إلا أن من شأن أهل العلم في الرواية أن يروي الحديث مرةً فيوصله، ويرويه أخرى فيرسله، حتى إذا سئل عن إسناده فحينئذٍ يذكره، ويكون الحديث عنده مسندًا وموقوفًا، فيذكره مرة مسندًا، ومرة موقوفًا، والحجة قائمة بموصوله وموقوفه، وفي وصل من وصله دلالة على صحة مخرج حديث من أرسله، وإرسال من أرسله شاهد لصحة حديث من وصله، وفي كل ذلك دلالة على انتشار هذا الحديث عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندًا، ثم من فتواه به موقوفًا. اهـ
قلت: عمل المحدثين ترجيح أحدهما بحسب القرائن، فإذا ترجح الإرسال أو الوقف اعتبر ذلك علة في رد الموصول والمرفوع، ولا يمكن أن يستشهد بالإرسال والوقف على صحة الوصل والرفع، والله أعلم.
وروى البيهقي في معرفة السنن (3/ 82) عن الحاكم أبي عبد الله، عن أبي علي الحافظ النيسابوري، أنه قال: مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود، ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت.
وقال ابن القيم: «يمكن القول بأنه ليس في رواية نافع بن محمود هذه مخالفة لرواية محمود بن الربيع المتقدمة، وأن الاضطراب لا وجود له» .
وقال ابن حزم: «وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود بن الربيع، ومرة عن نافع، فهذا قوة للخبر، لا وهنٌ؛ لأن كليهما ثقة» .
القول بأن الثقة إذا رواه على وجهين مختلفين يكون محفوظًا عنهما ليس صحيحًا بإطلاق، بل يشترط أن يكون هناك قرينة تدل على أنه محفوظ عنهما، كما لو وجد ثقة يجمع الوجهين بإسناد واحد، ولم يخالف، أو كان الثقة إمامًا في كثرة الحديث والشيوخ فلا يستغرب منه هذا الاختلاف في سعة ما رواه كما يغتفر له لو تفرد بالحديث من أصله.
يقول ابن حجر في فتح الباري (13/ 15) عن حديث رواه الزهري على أكثر من وجه، قال:«الزهري صاحب حديث، فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطِّرَادُهُ في كل من اختلف عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ» .
وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (1/ 102): «كان أبو إسحاق واسع الحديث، يحتمل أن يكون سمع من أبي بصير، وسمع من ابن أبي بصير عن أبي بصير، وسمع من العيزار =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن أبي بصير
…
».
وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (2/ 838): «قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر: فإن كان المنفرد ثقة حافظًا، فحكمه قريب من زيادة الثقة في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وقد تردد الحفاظ كثيرًا في مثل هذا، هل يرد قول من تفرد بذلك الإسناد لمخالفته الأكثرين له؟ أم يقبل قوله لثقته وحفظه؟
ويَقْوَى قبول قوله: إن كان المروي عنه واسع الحديث يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش».
ومكحول إمام في الفقه والفتيا، وأما في الرواية فلا يعتبر من المكثرين، قال معمر كما في تهذيب الكمال (23/ 511): قلت للزهري: أقتادة أعلم عندك أو مكحول؟ قال: لا، بل قتادة، وما كان عند مكحول إلا شيء يسير».
ورواه ابن خزيمة (3/ 36)، وابن حبان (5/ 86) في صحيحيهما، وهو ذهاب منهما إلى تصحيح الحديث.
ورواه الدارقطني في السنن (1213) من طريق ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، وقال: هذا إسناد حسن.
ورواه أيضًا في السنن (1217) من طريق الهيثم بن حميد، قال: أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، وقال: كلهم ثقات.
ورواه أيضًا (1220) من طريق صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات.
وقال البيهقي في السنن الكبرى (2/ 236): «والحديث صحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله شواهد» .
وقال الخطابي في معالم السنن (1/ 205): إسناده جيد لا مطعن فيه.
ومال إلى تصحيحه ابن عبد الهادي في التنقيح (2/ 223).
وقال ابن حجر في الدراية (1/ 164): «أخرجه أبو داود بإسنادٍ رجالُه ثقات» .
فقد تبين من خلال اختلاف العلماء في تصحيح الحديث وتضعيفه أن الحكم على الحديث موضع اجتهاد أهل العلم، وأنه ليس من قسم الحديث الضعيف البين، ولا الصحيح البين، وإن كنت أميل إلى اختيار الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن معين، وابن عبد البر ومن ذكر معهم، والله أعلم.
وللحديث شواهد ضعيفة، سآتي على ذكر بعضها، منها:
الشاهد الأول: حديث أنس رضي الله عنه،
رواه أبو قلابة، واختلف عليه فيه: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فرواه خالد الحذاء، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
فقيل: عنه، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ، قالوا: إنا لنفعل. قال: لا، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب.
رواه سفيان الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (2766)، ومسند أحمد (4/ 236)، و (5/ 60، 410)، ومصنف ابن أبي شيبة (3758)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 236)، وفي القراءة خلف الإمام (155، 156) وفي معرفة السنن (2/ 83)، وفي معرفة الصحابة لأبي نعيم (7287).
وشعبة في رواية كما في مسند أحمد (5/ 81)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (157) عن محمد بن جعفر، عنه.
وعبد الوهاب الثقفي كما في مسند ابن أبي عمر العدني كما في إتحاف الخيرة المهرة (1069).
وبشر بن المفضل ذكره الدارقطني في العلل معلقًا (12/ 238)، أربعتهم:(الثوري، وشعبة، والثقفي وبشر بن المفضل) عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة.
ورواه يزيد بن زريع، واختلف عليه فيه:
فرواه عبدان، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (37).
ومسدد في مسنده، كما في إتحاف الخيرة المهرة (1069)،
وأحمد بن المقدام أبو الأشعث، كما في الخلافيات للبيهقي (1870)، ثلاثتهم عن يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرواية الجماعة.
ورواه إبراهيم بن موسى الفراء، كما في الخلافيات للبيهقي ط الروضة (1868)، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن موسى بن أبي عائشة.
ونقل البيهقي عن أحمد أنه قال: قوله: عن موسى بن أبي عائشة وهم قبيح، وإنما هو محمد بن أبي عائشة. اهـ وإذا كانت وهمًا فلا يعتد بها، وتكون رواية يزيد بن زريع كرواية الثوري ومن ذكر معه.
ورواه البيهقي في معرفة السنن (3/ 83) من طريق إبراهيم بن موسى الفراء به، إلا أنه قال: عن ابن أبي عائشة.
وقيل: عن خالد، عن أبي قلابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه ابن أبي شيبة (3757)، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا خالد، عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه، هل تقرؤون خلف إمامكم؟
…
فذكره مرسلًا.
قال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف على خالد، قال (12/ 238): «
…
ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة مرسلًا لم يجاوز به أبا قلابة، والمرسل أصح». =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقيل: عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
رواه ابن علية في رواية، وخالد بن عبد الله، وشعبة في رواية، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ..... ذكر ذلك الدارقطني في العلل (12/ 238)، ولم أقف على هذه الروايات مسندة إلا عن ابن علية.
فقد رواه أحمد في العلل رواية عبد الله (2826)،
والبخاري في التاريخ الكبير (1/ 207)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (2/ 237)، وفي القراءة خلف الإمام (158) عن مؤمل بن هشام، كلاهما (أحمد ومؤمل) عن إسماعيل بن علية،
قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال خالد: فقلت لأبي قلابة من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية كان خرج مع آل مروان حيث أخرجوا من المدينة.
فرواية إسماعيل بن علية ليست صريحة بالوصل؛ لأن قول خالد لأبي قلابة من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة، ولم يقل: عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وأبو قلابة تارة يرويه عن محمد بن أبي عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، كرواية خالد بن عبد الله وعلي بن عاصم، وشعبة في روايةٍ، على ما ذكره الدارقطني.
وتارة يرويه عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كرواية الثوري، ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وعبد الوهاب الثقفي، وشعبة في روايةٍ، فلو أخذنا الكلام على ظاهره لكان حمل رواية إسماعيل بن علية على الإرسال أقرب من حملها على الوصل؛ لأنه هو المتيقن، والوصل مشكوك فيه، والله أعلم.
…
فاتضح من الخلاف على خالد أنه رواه عنه على ثلاثة أوجه:
رواه الثوري، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي وبشر بن المفضل، وشعبة في إحدى الروايتين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن علية وخالد بن عبد الله، وشعبة في روايةٍ، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك الدارقطني.
وقد رجح الدارقطني المرسل على الموصول، بعد أن ذكر وجوه الاختلاف على خالد.
قال في العلل (12/ 238): «فأما خالد الحذاء، فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ذلك سفيان الثوري، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، عن خالد.
ورواه ابن علية، وخالد بن عبد الله، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، مرسلًا، لم يجاوز به أبا قلابة، والمرسل أصح».
ورجح أبو حاتم كما في العلل لابنه رواية خالد الحذاء الموصولة، وسيأتي نقل كلامه بتمامه عند الحديث على رواية أيوب، عن أبي قلابة إن شاء الله تعالى.
ورجح أبو زرعة كذلك رواية خالد الحذاء، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى عند تخريج رواية أيوب، والله أعلم.
وقال البيهقي: هذا إسناد جيد، يعني رواية خالد الموصولة.
وحسن إسناده ابن حجر.
ومحمد بن أبي عائشة روى له مسلم حديثًا واحدًا عن أبي هريرة، تابعه عليه أبو سلمة في مسلم أيضًا، ولم يخرج له غيره، ووثقه ابن معين كما في تاريخه رواية الدارمي (782)، وقال فيه أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (8/ 53): ليس به بأس.
وقال الدارقطني في العلل (8/ 31): مجهول. اهـ ومن عرفه حجة على من لم يعرفه.
وابن أبي عائشة من الطبقة الرابعة، وهم صغار التابعين، وأحاديثه قليلة، وجُلُّها عن أبي هريرة، وقد روى له مسلم متابعة وأحمد، وأبو داود والنسائي وابن ماجه حديث أبي هريرة (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ من أربع)، وروى له أبو داود حديثًا آخر من مسند أبي هريرة (ذهب أهل الدثور بالأجور)، وذُكِر في ترجمته أنه يروي عن جابر رضي الله عنه، كما في تهذيب التهذيب (9/ 242) وغيره، ولم أقف على إسناد له يروي عن جابر رضي الله عنه فيما تيسر لي من كتب مطبوعة، ومن خلال البحث في الحاسوب، فينظر في صحته عنه.
وحديثه هذا تجنبه أصحاب الكتب التسعة، إلا الإمام أحمد رحمه الله، فهو من مفردات المسند.
فإن حُمِل الصحابي المبهم على أنه أبو هريرة، كما ساقه احتمالًا صاحب الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال (1392)، فإن المحفوظ عن أبي هريرة في وجوب قراءة الفاتحة موقوف عليه، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم عندما قال:(اقرأ بها في نفسك)، ولو كان عند أبي هريرة حديث مرفوع لاحتج به، وإنما فهمه من عموم ما رواه مرفوعًا: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، وانفرد ابن أبي عائشة بهذا الحديث عن أبي هريرة دون أصحاب أبي هريرة، وهو له أصحاب يعتنون بحديثه يجعل تفرده شاذًّا، غير مقبول.
والكلام نفسه ينطبق على ما لو حمل هذا الحديث من مسند جابر رضي الله عنه، فإن انفراد ابن أبي عائشة عن جابر رضي الله عنه مع ندرة أحاديثه عنه يجعله شاذًّا، وأين أصحاب جابر رضي الله عنه عن هذا الحديث.
وإن حُمِل المبهم على صحابي آخر غيرهما حملت الرواية على الإرسال؛ لأن محمد بن أبي عائشة لم يذكر سماعًا، ولم يصح له سماع من صحابي آخر، والإرسال كان معروفًا في التابعين، وليس ابن أبي عائشة له شيوخ كثر من الصحابة حتى تحمل روايته على الاتصال، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروايته الصحيحة في الكتب المسندة لا يصح منها إلا ما رواه عن أبي هريرة، والله أعلم.
هذا هو حال الاختلاف على خالد الحذاء، وعلته باختصار:
(1)
الاختلاف على خالد في وصله وإرساله.
(2)
كون أيوب رواه عن أبي قلابة مرسلًا، وهو أحفظ في أبي قلابة من خالد، وأقدم منه، ولو تساويا في الحفظ والإتقان كان الإرسال علة في رد الوصل احتياطًا للشريعة على الرواية.
(3)
ولتردد الحديث بين الشذوذ والانقطاع فيما بين ابن أبي عائشة والصحابي المبهم، فإن حُمِل الصحابي على أنه أبو هريرة فهو شاذ، وكذا إن حمل على أنه جابر رضي الله عنه، وإن حمل على غيرهما فهو مرسل؛ لقلة رواية ابن أبي عائشة عن الصحابة، وليس له في الكتب التسعة إلا ثلاثة أحاديث، كلها من مسند أبي هريرة، أحدها انفرد به أبو داود، وهذا الحديث من مفردات مسند أحمد، والثالث: رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم.
الثاني: أيوب عن أبي قلابة:
رواه أيوب، واختلف عليه:
فرواه الربيع بن بدر، عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
رواه ابن عدي في الكمال (4/ 31، 32)، والدارقطني في السنن (1287)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (152، 153، 154، 440).
قال أحمد: الربيع بن بدر لا يسوى حديثه شيئًا.
وقال البيهقي: أخطأ فيه عليلة (لقب)، وهو الربيع بن بدر على أيوب، إنما هو عن أيوب، عن أبي قلابة.
وقال ابن عدي نحو ذلك، وسوف أنقل كلامه بنصه إن شاء الله تعالى.
وقال النسائي: متروك، وفي التقريب: متروك.
ورواه سلام أبو المنذر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة.
ذكر ذلك الدارقطني في السنن (2/ 140) وفي العلل (9/ 64)، وقال: لا يثبت.
ورواه عبد الله (هو ابن جعفر الرقي) كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (156)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (144، 145).
ومخلد بن أبي زميل كما في مسند أبي يعلى الموصلي (2805)، وفي المعجم له (303)، وصحيح ابن حبان (1844)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (386)، وفي الأحاديث المختارة للضياء (2248)، وفي تاريخ بغداد للخطيب (13/ 177).
وفرح بن رواحة كما في صحيح ابن حبان (1852).
ويحيى (هو ابن يوسف الزمي) كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (156)، والمعجم الأوسط (2680)، والفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي (102)، وسنن الدارقطني (1288)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (140، 175). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأبو توبة الربيع بن نافع كما في سنن الدارقطني (1289)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 237)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (139، 387)، وفي الأحاديث المختارة للضياء (2249).
وعبد السلام بن عبد الحميد كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (143)،
والدارقطني في السنن (1289) من طريق العلاء بن هلال، كلهم (عبد الله بن جعفر، ومخلد، وفرح، ويحيى بن يوسف، وأبو توبة، وعبد السلام، والعلاء بن هلال) رووه عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل قال: فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.
ورواه يوسف بن عدي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 218)، وأحكام القرآن له (1/ 252)، وفي شرح مختصر الطحاوي للجصاص (1/ 656)، وسنن الدارقطني (1289)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (146، 385) عن عبيد الله بن عمرو به، بلفظ: فقال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل بوجهه، فقال: أتقرؤون، والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل، فقال: لا تفعلوا.
قال الطحاوي: وليس في هذا استثناء فاتحة الكتاب، ولا غيرها
…
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (147) من طريق سليمان بن عمر الأقطع الرقي، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك.
وهذه متابعة من إسماعيل لعبيد الله بن عمر الرقي، إلا أنه قد تفرد به سليمان بن عمر الأقطع، ذكره ابن القطان في الوهم والإيمان (5/ 85)، وقال: لا تعرف حاله.
وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام ت بشار، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا (5/ 1148).
وقد خالف من هو أوثق منه، خالف الإمام أحمد، ومؤمل بن هشام ختن إسماعيل بن علية، حيث روياه عن ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
قال ابن حبان: «سمع هذا الخبر أبو قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان جميعًا محفوظان» .
وقال البيهقي: «تفرد بروايته عن أنس: عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو ثقة، إلا أن هذا إنما =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يعرف عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة».
وقال البخاري في التاريخ الكبير (1/ 207): «ولا يصح أنس» . يقصد لا يصح وصله عن أنس رضي الله عنه.
وقال أبو حاتم في العلل لابنه (1/ 175): «وهم فيه عبيد الله بن عمرو، والحديث ما رواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم» .
وقال ابن عدي في الكامل (4/ 32): «أخطأ فيه عليلة، فقال: عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس. وهذا أيضًا خطأ عن أيوب، وأخطأ عليه عبيد الله بن عمرو، والصواب ما رواه جماعة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» .
وقال علي بن يعقوب راوي الفوائد المعللة عن أبي زرعة (ص: 150): «حدثنا أبو زرعة أخبرنا يحيى بن يوسف بالري، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرؤون في صلاتكم، والإمام يقرأ؟ فسكتوا، قالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.
قال أبو زرعة: قال لنا يحيى بن يوسف الزمي: قال لي يحيى بن معين هذا خطأ، قد رواه عبد الله ابن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو، عن أيوب عن أبي قلابة فقط. وعبد الله بن جعفر كيس.
قال يحيى بن يوسف: فقلت ليحيى بن معين: وأنا ليس هكذا أخبرنا عبيد الله بن عمرو. وحدثنا ابن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة فقط.
قال لنا أبو زرعة: هذا الصحيح من حديث أيوب، وخالد أحفظ له».اهـ
فهذا النص تضمن مسألتين:
الأولى: أشار ابن معين إلى أن عبد الله بن جعفر رواه عن عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا.
فرد عليه يحيى بن يوسف، فقال: ليس هكذا أخبرنا عبيد الله بن عمرو، يشير إلى أن عبيد الله ابن عمرو رواه موصولًا من مسند أنس، وإنما رواه ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة فقط.
المسألة الثانية: أن أبا زرعة قال: هذا هو الصحيح من حديث أيوب، أي الإرسال، وليس الوصل، ثم قال: وخالد أحفظ له. يقصد أحفظ لهذا الحديث، وليس أحفظ مطلقًا.
والسؤال: قوله: (وخالد أحفظ له) أيعني بذلك ترجيح الرواية الموصولة على الرواية المرسلة، أم يحتمل كلامه أن الراجح من رواية خالدًا: هو كونه من مرسل محمد بن أبي عائشة، لا من مرسل أبي قلابة؛ لأن خالدًا رواه موصولًا، ورواه مرسلًا من مرسل ابن أبي عائشة، ورواه من مرسل أبي قلابة؟ محتمل، وإن كان الأول أرجح، أعني أنه قصد بذلك والله أعلم ترجيح الرواية =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الموصولة على الرواية المرسلة، وهو كونه من مسند رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
وقد خالف عبيد الله بن عمرو الرقي كل من:
حماد بن زيد، كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (148)،
وإسماعيل بن علية كما في العلل للإمام أحمد رواية عبد الله (2825)، والبخاري في التاريخ الكبير (1/ 207)، ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (2/ 237)، وفي القراءة خلف الإمام (158).
وحماد بن سلمة كما في التاريخ الكبير (1/ 207)، وفي القراءة خلف الإمام (157)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 237)، وفي القراءة خلف الإمام (149، 150).
وسفيان بن عيينة، كما في الفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي (102)، وذكره البيهقي تعليقًا في القراءة خلف الإمام بإثر ح (151).
ومعمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق (2765)،
وعبد الوارث بن سعيد كما في القراءة خلف الإمام (151)، ستتهم (الحمادان، وابن علية، وابن عيينة، ومعمر، وعبد الوارث) رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وهذه الرواية موافقة لرواية هشيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وسبق تخريجها.
وحماد بن زيد وابن علية أثبت في أيوب من عبيد الله بن عمرو الرقي،
فصار الراجح من رواية أيوب الإرسال،
وأما خالد فقد روي عنه موصولًا، وروي عنه من مرسل ابن أبي عائشة، ومن مرسل أبي قلابة.
فالذي يظهر لي أن رواية أيوب أرجح لأمور منها:
أن أصحاب أيوب يروونه عنه مرسلًا، ولم يختلف عليه حفاظ أصحابه، مثل حماد بن زيد، وابن علية، ومن تابعهما.
ورواية عبيد الله بن عمرو الموصولة، هي وهم منه، والحمل فيها عليه وليس على أيوب، بخلاف خالد فإن حفاظ أصحابه منقسمون عليه على ثلاثة أوجه:
فمنها الموصول، وهي رواية جماعة من أصحاب خالد الحذاء، عنه، على رأسهم الثوري وشعبة، وحسبك بهما.
ومنها: مرسل محمد بن أبي عائشة، وهي أيضًا من رواية جماعة من أصحاب خالد عنه، منهم شعبة وابن علية، وحسبك بهما.
ومنها مرسل أبي قلابة، تفرد بذلك هشيم بن بشير عن خالد.
وهذا الانقسام مما يضعف رواية خالد، ولا يمكن أن يكون الحمل فيه على الرواة عن خالد، فالحمل إما أن يكون على خالد، وإما أن يكون على أبي قلابة، وفي الحالين تكون رواية أيوب المرسلة أرجح من رواية خالد الموصولة؛ لأن خالدًا أيضًا يرويه مرسلًا في أحد الوجهين، =
الدليل الخامس:
(ح-1386) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد، أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر
(1)
.
[رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة]
(2)
.
وهذا الذي جعل الدارقطني يرجح الرواية المرسلة على الرواية الموصولة، وتبعه على ذلك ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 468)، فقال: «وفي حديث محمد بن أبي عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتقرؤون وراء الإمام؟ قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب.
إلا أن حديث محمد بن أبي عائشة منقطع مرسل». اهـ من كلام ابن عبد البر.
وقال ابن القيم في حاشيته على السنن كما في عون المعبود (3/ 37): «ولكن لهذا الحديث علة، وهي أن أيوب خالف فيه خالدًا، فرواه عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا» .
ولأن أيوب مقدم على خالد الحذاء؛ لأنه أقدم منه، قال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (2/ 255):«أيوب السختياني أحب إلي في كل شيء من خالد» .
ولأن أبا قلابة أوصى بكتبه إلى أيوب، قال حماد بن زيد: أوصى أبو قلابة، فقال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حَيًّا، وإلا فاحرقوها، وقال الحسن: وإلا فخرقوها. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 185)، المحدث الفاصل (ص: 459)، تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 62).
وقال أيوب: أوصى إليَّ أبو قلابة بكتبه، فأتيت بها من الشام. العلل ومعرفة الرجال (2/ 386).
الشاهد الثاني: حديث أبي قتادة.
رواه أحمد (5/ 308)، وابن أبي شيبة في المسند كما في إتحاف الخيرة (1556)، وعبد بن حميد (1558)، وأحمد بن منيع كما في الإتحاف (1557)،
وأخرجه أبو يعلى كما في الإتحاف (1559) عن زهير بن حرب،
والبيهقي في السنن (2/ 237) وفي القراءة خلف الإمام (164)، 165) من طريق مالك بن يحيى،
وأخرجه أيضًا في القراءة خلف الإمام (165) من طريق محمد بن أبي بكر، كلهم (أحمد، وابن أبي شيبة، وابن منيع، وعبد بن حميد، وزهير، ومالك بن يحيى، ومحمد بن أبي بكر) رووه عن يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي، قال: حُدِّثت عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: تقرؤون خلفي؟ قالوا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأن شيخ التيمي مبهم.
وخالفهم محمد بن عبد الله العصار كما في تاريخ جرجان لأبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي (ص: 160) فرواه عن يزيد بن هارون، ولم يقل: حدثت. ورواية الجماعة أصح.
(1)
. المسند (3/ 3، 45، 97).
(2)
. الحديث رواه أبو نضرة، واختلف عليه فيه:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فرواه قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
رواه أحمد (3/ 3، 45، 97)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (879)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (13)، وأبو داود (818)، وأبو يعلى (1210)، والطبراني في الأوسط (1306)، والبزار في مسنده (7)، وابن حبان (1790)، والبيهقي في السنن (2/ 87)، وفي القراءة خلف الإمام (33، 35)، وفي الخلافيات (1804)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 231).
وقد أعل الحديث بثلاث علل:
الأولى: عنعنة قتادة، وهو مدلس. قال البخاري في القراءة خلف الإمام (75)«لم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا» .
وقال ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر (1/ 417): «إسناده على شرط مسلم، لكن أعله البخاري بعنعنة قتادة، وهو مدلس، وأشار الدارقطني في العلل إلى أن الراجح وقفه» .
والموجود في علل الدارقطني (11/ 324) ح 2313، قوله:«ورواه زنبقة، عن عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي مسلمة مرفوعًا، ولا يصح رفعه عن شعبة» .
فالدارقطني ذكر أن قتادة رواه عن أبي نضرة مرفوعًا، ورواه أبو مسلمة سعيد بن زيد، عن أبي نضرة موقوفًا، ثم ذكر أن شعبة رواه عن أبي مسلمة مرفوعًا، ثم قال: ولا يصح رفعه، يعني من طريق أبي مسلمة، فلا يوجد في كلام الدارقطني الترجيح بين رواية قتادة وبين رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد، والله أعلم. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى تخريج طريق أبي مسلمة.
العلة الثانية: نبه البزار إلى تفرد همام عن قتادة، فقال البزار:«وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا همام» .
وهذه العلة ليست بشيء، فلم ينفرد به همام، ولو تفرد به لم يضر تفرده لأنه ثقة، ومن أصحاب قتادة، فقد رواه أبو الوليد الطيالسي، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (13).
وسعيد بن أبي عروبة كما في الأوسط للطبراني (1306)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (34).
وحجاج بن حجاج الباهلي كما في أخبار أصبهان لأبي نعيم (2/ 231).
وعثمان بن مقسم كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (35) أربعتهم رووه عن قتادة به.
قال الحاكم كما في معرفة علوم الحديث (ص: 97): «تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، لم يشركهم في هذا اللفظ سواهم» .
هذا ما يخص الكلام عن طريق قتادة.
وتابع قتادة في رفعه أبو سفيان طريف بن شهاب، عن أبي نضرة به مرفوعًا.
رواه الترمذي (238) حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن أبي سفيان به، بلفظ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بـ {لِلَّهِ} وسورة في فريضة، أو غيرها.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (3632). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وابن ماجه (839) حدثنا أبو كريب،
والدارقطني (1356) من طريق علي بن المنذر، ثلاثتهم (ابن أبي شيبة وأبوكريب وابن المنذر) عن محمد بن الفضيل،
ورواه ابن ماجه (839)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (37) من طريق علي بن مسهر،
ورواه الدارقطني (1356) من طريق إبراهيم بن عثمان،
والحاكم في المستدرك (457)، والبيهقي في السنن (2/ 531)، من طريق حسان بن إبراهيم،
والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 121) من طريق أبي معاوية،
والعقيلي في الضعفاء (2/ 229) من طريق مِنْدَلٍ،
وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 112) من طريق صباح المزني، سبعتهم (ابن فضيل، وعلي بن مسهر، وابن عثمان، وحسان، وأبو معاوية، ومندل، وصباح) رووه عن أبي سفيان السعدي به، بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، في فريضة، وغيرها.
وفي سنده أبو سفيان السعدي متفق على ضعفه.
وقد رواه ابن عدي في الكامل (5/ 186)، وقال: لم يصح.
وقال ابن كثير في التفسير (1/ 109): «وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا .... وفي صحته نظر
…
».
العلة الثالثة: أنه قد خالف قتادة وأبا سفيان كل من سعيد بن يزيد بن مسلمة (ثقة)، فرواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا، بلفظ:(فيكل صلاة قراءة قرآن: أم الكتاب فما زاد).
رواه ابن أبي شيبة (3623)، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن يزيد به.
ورواه العوام بن حمزة (ليس به بأس) حدثنا أبو نضرة، سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام، قال: بفاتحة الكتاب. وهذا موقوف، إلا أنه لم يذكر زيادة على الفاتحة.
رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (27، 76)، وفي التاريخ الكبير (4/ 357) 3134، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 243)، وفي القراءة خلف الإمام له (224)، وفي الخلافيات (1925).
قال البخاري كما في التاريخ الكبير (4/ 357): «وهذا أولى؛ لأن أبا هريرة وغير واحد ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير وإن لم تفعل أجزأك» .
ورواه ابن عدي في الكامل (5/ 186)، وقال عقبه: هذا أصح، وقال عبادة، وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
ولم يذكر في رواية العوام بن حمزة زيادة على الفاتحة، وقد وقعت جوابًا لسؤال، بخلاف رواية قتادة وسعيد بن يزيد، فإن فيها عمومًا ليس في رواية العوام بن حمزة، والله أعلم.
فتبين أن قتادة يرويه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا، وخالفه سعيد بن يزيد أبو مسلمة، والعوام بن حمزة فروياه موقوفًا، وقتادة أحفظ.
قال البيهقي في الخلافيات (2/ 415) عن رواية قتادة: «رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، فقد احتج مسلم بأبي نضرة، والباقون مجمع على عدالتهم» .
وقال في الكتاب نفسه (2/ 463): «قد روينا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، بإسناد صحيح، وقد روي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه أفتى بذلك» .
ونقل الشوكاني عن ابن سيد الناس كما في نيل الأوطار (2/ 239): «إسناده صحيح، ورجاله ثقات» .
وقال النووي في المجموع (3/ 329): رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وصححه الحافظ في التلخيص ط قرطبة (1/ 420)، والله أعلم.
* ونوقش هذا:
بأنه لما نص على قراءة ما زاد على الفاتحة خرج بذلك المأموم في الصلاة الجهرية؛ فإنه لا يشرع له أن يقرأ زيادة على الفاتحة خلف الإمام في الجهرية، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ بما تيسر حال جهر الإمام بالقراءة، ويدع الاستماع والإنصات لقراءة إمامه
(1)
.
الدليل السادس:
(ح-1387) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي،
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد
(2)
.
[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما]
(3)
.
الدليل السابع:
(ح-1388) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء،
(1)
. انظر: مجموع الفتاوى (23/ 288، 289، 294، 312، 313).
(2)
. المسند (2/ 428).
(3)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1370).
فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها
(1)
.
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسيء بقراءة القرآن، في قوله:(ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن) وهذا يتناول صلاته منفردًا، ومأمومًا، وتخصيصه بالإمام والمنفرد دون المأموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه.
* ويجاب:
هذا العام خص منه المأموم بالأمر بالاستماع والإنصات لقراءة القرآن، وسبق بيان ذلك في أدلة مشابهة.
الدليل الثامن:
هناك آثار كثيرة عن الصحابة، ولكن لا حجة فيها مع اختلاف الصحابة فيما بينهم، فمنهم من قال: يقرأ خلف الإمام مطلقًا، ومنهم من قال: يقرأ خلف الإمام في السرية دون الجهرية، ومنهم من ذهب إلى المنع من القراءة خلف الإمام مطلقًا، لهذا لا أجد من المفيد استقصاء هذه الآثار، وهي معارَضَةٌ بمثلها، وسوف أذكر أهمها إن شاء الله تعالى.
(ث-320) منها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا هشيم، قال:
(1)
. البخاري (793) ومسلم (45 - 397).
ورواه البخاري (6251) ومسلم (46 - 397) من طريق عبد الله بن نمير،
ورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر
…
وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.
أخبرنا الشيباني، عن جَوَّاب بن عبيد الله التيمي، قال: حدثنا يزيد بن شريك التيمي أبو إبراهيم التيمي، قال:
سألت عمر بن الخطاب عن القراءة خلف الإمام، فقال لي: اقرأ، قال: قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قال: وإن قرأت
(1)
.
[حسن إن كان حفظه جَوَّاب التيمي، فقد تفرد به، وتابعه إبراهيم بن محمد بن المنتشر، إلا أنه لم يصح]
(2)
.
(1)
. المصنف (3748)، انظر النكت العلمية على الروضة الندية (ص: 150).
(2)
. الأثر فيه اختلاف في إسناده ولفظه، رواه أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان، عن جَوَّاب التيمي، واختلف عليه فيه:
فقيل: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب، عن يزيد بن شريك، عن عمر، بلفظ: سألت عمر بن الخطاب عن القراءة خلف الإمام، فقال لي: اقرأ، قال: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، وإن قرأت.
رواه هشيم كما في مصنف ابن أبي شيبة (3748)، وفي الجعديات للقاسم البغوي (2480)، وشرح معاني الآثار (1/ 218)، والأوسط لابن المنذر (3/ 109)، وقد صرح بالتحديث.
والثوري كما في مصنف عبد الرزاق (2776)، وفي القراءة خلف الإمام للبخاري (21)، وفي التاريخ الكبير (8/ 340)، وفي معرفة السنن للبيهقي (3/ 85)، وفي القراءة خلف الإمام له أيضًا (186)، وفي تاريخ بغداد للخطيب (11/ 80).
وخالد الواسطي كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (2/ 225)، ثلاثتهم عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي، عن يزيد بن شريك، عن عمر به.
والإسناد رجاله ثقات إلا جَوَّابًا التيمي الكوفي، فإنه مختلف فيه، ولم يخرج له أحد من الكتب التسعة إلا حديثًا واحدًا عند أحمد من مسند علي رضي الله عنه في المذي (1/ 107).
وله مرسل آخر خارج الكتب التسعة، عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل أصحابي كالنجوم، وهو حديث لا يصح، هذا كل مروياته المسندة التي وقفت عليها، وله بعض الآثار، منها هذا الذي معنا، وهو قاصٌّ وواعظ.
وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (2/ 246)، فلم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا.
ووثقه يحيى بن معين، وروى الدارقطني أثره هذا، وقال: رواته كلهم ثقات.
وضعفه محمد بن نمير، وقال البيهقي في السنن الكبرى (5/ 547): جواب التيمي غير قوي. وقال في شعب الإيمان (5417): جواب التيمي فيه نظر.
وقال الذهبي: ليس بالقوي في الحديث، ورآه الثوري فلم يَرْوِ عنه، ثم كتب عن رجل عنه، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال أبو نعيم: لأنه كان مرجئًا. الجرح والتعديل (2/ 536).
وقال ابن عدي: جَوَّاب التيمي كان قاصًّا، وكان بجرجان، وهو كوفي سكن جرجان، وليس له من الحديث المسند إلا القليل، وله مقاطيع في الزهد وغيره، ولم أَرَ له حديثًا منكرًا في مقدار ما يرويه، وكان يرمى بالإرجاء. الكامل (2/ 439).
وليس فيه تصريح بأن ذلك في الصلاة الجهرية، وهذا من حيث اللفظ، وأما من حيث الدلالة فقد يستدل بإطلاق قوله:(وإن قرأت) بأن المعنى: وإن كنت أسمع قراءتك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وقيل: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جواب التيمي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك، عن عمر.
فزاد في الإسناد واسطة بين جَوَّاب التيمي، وبين يزيد بن شريك.
رواه حفص بن غياث، واختلف عليه:
فرواه الحميدي كما في القراءة خلف الإمام (187)، عن حفص بن غياث النخعي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب التيمي، عن يزيد بن شريك، قال: قلت لعمر رضي الله عنه: أَقْرَأُ خلف الإمام؟ قال: نعم. قلت: وإن كنا خلفك؟ قال: نعم، وإن كنت خلفي.
فرواية الحميدي، عن حفص اتفقت مع الجماعة في إسناده، حيث جعلت الرواية عن جَوَّاب، عن يزيد بن شريك، بلا واسطة بينهما، وقصر عنهم في لفظه: فليس فيه: (وإن قرأت).
ورواه أحمد بن عبد الجبار (ضعيف) كما في مستدرك الحاكم، (873)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 238)، وفي القراءة خلف الإمام (188)، وفي الخلافيات (1828)، عن حفص، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك، أنه سأل عمر رضي الله عنه عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب قلت: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا قلت: وإن جهرت، قال: وإن جهرت.
فخالف في إسناده ولفظه، أما الإسناد، فذكر الحارث بن سويد واسطة بين جواب التيمي وبين يزيد ابن شريك، ولم ينفرد عبد الجبار على ضعفه في هذه الزيادة في الإسناد كما سيتبين إن شاء الله تعالى.
وأما المخالفة في لفظه، فذكر القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية نصًّا.
ورواه أبو كريب، محمد بن العلاء بن كريب، واختلف عليه:
فرواه محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي السوداني (ليس بثقة) كما في سنن الدارقطني (1211)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (1830)، حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني به، موافقًا في إسناده للجماعة، وزاد في لفظه: قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح!.
ورواه الدارقطني (1210) من طريق محمد بن عبد الله بن نوفل، عن أبيه (وفيهما جهالة).
والحاكم في المستدرك (873)، وعنه البيهقي في القراءة خلف الإمام (189) وفي معرفة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= السنن (3/ 85)، وفي الخلافيات (1828)، من طريق إبراهيم بن أبي طالب (ثقة)، حدثنا أبو كريب (ثقة)، كلاهما (عبد الله بن نوفل، وأبو كريب) قالا: حدثنا حفص، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد عن يزيد بن شريك به، بلفظ: أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام، فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت، قال: وإن جهرت.
قال الدارقطني عن طريق محمد بن عبد الله بن نوفل: رواته كلهم ثقات، وهو توثيق لمحمد بن عبد الله بن نوفل وأبيه، ولم أقف على توثيق لغيره، وهناك محمد بن عبد الله بن نوفل الهاشمي، فهذا متقدم، ومن شيوخ الزهري، بخلاف محمد بن عبد الله بن نوفل، عن أبيه، في هذا الإسناد فإنه متأخر.
ويغني عن طريق محمد بن عبد الله بن نوفل طريق أبي كريب، فإنه أصح منه، وكون الرواة ثقاتًا، فهذا لا يمنع من شذوذ إسناده؛ لأن الثقة إذا خالف الثقات في الإسناد حكم بشذوذ روايته، وهو ما يفهم من تفريق الدارقطني في حكمه بين رواية جَوَّاب عن يزيد بن شريك، فقال: إسناد صحيح، وبين رواية جَوَّاب التيمي، عن الحارث عن يزيد، فقال: رواته ثقات. لكن يعكر على هذا قول الدارقطني في العلل (2/ 225/238): «حدث به عن الشيباني جماعة، منهم: سفيان الثوري، وخالد الواسطي، وهشيم، وشريك، وحفص بن غياث، فأما شريك وحفص فزادا فيه زيادة حسنة، أغربا بها على أصحاب الشيباني، وهي قوله: (وإن جهر، قال: وإن جهر)، ولم يذكر الجهر غيرهما، وزيادتهما مقبولة؛ لأنهما ثقتان» .
وشريك ضعيف، وحفص قد تغير بآخرة، وقد اختلف عليه في الإسناد وقد خالف أصحاب الشيباني، فالأقرب أن المحفوظ في إسناده: عن جواب التيمي، عن يزيد بن شريك.
وقد قال البيهقي في السنن الكبرى (2/ 238): والذي يدل عليه سائر الرويات أن جَوَّابًا أَخَدَهُ عن يزيد بن شريك، وإبراهيم أخذه عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك. اهـ
قلت: الراجح في رواية إبراهيم بن محمد بن المنتشر:
ما رواه شعبة كما في الطبقات (6/ 147)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 239)، وفي القراءة خلف الإمام (191)، وفي الخلافيات له (1831).
وأبو عوانة كما في الأوسط لابن المنذر (3/ 109)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (192).
وسفيان الثوري كما ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (2/ 428)، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عباية بن رداد، قال: كنا نسير مع عمر بن الخطاب، فقال: لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها، قال: فقال رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كنت خلف الإمام، أو كان بين يدي إمام، قال: اقرأ بها في نفسك. .
وهؤلاء مقدمون على رواية حفص بن غياث، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جواب التيمي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك.
فقد خالف حفص أصحاب أبي إسحاق الشيباني في إسناده، كما خالف شعبة وسفيان =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأبا عوانة في روايتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر.
كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3624)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 101)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (193)، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عباية بن ربعي، قال: قال عمر: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدًا.
ولو صح أثر عباية بن رداد لحمل أثر عمر على قراءة المأموم في الصلاة السرية؛ لأنه لا يشرع للمأموم أن يقرأ في الصلاة الجهرية زيادة على فاتحة الكتاب، إلا أن هذا الأثر لا يصح؛ لأن في إسناده عباية بن رداد، وهو عباية بن ربعي على الصحيح، قاله أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال (2/ 170)، والبخاري في التاريخ الكبير، وعباية متكلم فيه، فهو شيعي غالٍ، ليس حديثه بشيء.
هذا ما وقفت عليه من الاختلاف في إسناده ولفظه. وأرى أن المعروف في لفظه، قوله:(وإن قرأت) وقد رواه أصحاب الشيباني بهذا اللفظ، ووافقهم عليه حفص بن غياث من رواية الحميدي، والذي يظهر لي أن لفظ:(وإن جهرت) من قبيل الرواية بالمعنى؛ لأن قوله: (وإن قرأت) لا يقصد به الصلاة السرية؛ لأن المأموم لا يعلم بقراءة إمامه في السرية، ولأن الإمام ليس له خيار في ترك القراءة، فالقراءة في حقه واجبة، بخلاف الجهر، فإن الإمام يجهر في بعض الصلوات دون بعض، فيناسب ذكر الشرط بقوله (وإن قرأت) فهو يقصد بهذا، وإن كنت أسمع قراءتك، فيكون لفظ (وإن جهرت) من الرواية بالمعنى.
وهناك لفظ ثالث: عن حفص بن غياث، ذكره البيهقي معلقًا في القراءة خلف الإمام (ص:90)، قال البيهقي: ورواه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله، عن عبد الله ابن سعيد الأشج، عن حفص بإسناده -يعني: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب التيمي، عن يزيد بن شريك، أن عمر رضي الله عنه قال: اقرأ خلف الإمام وإن جهر، واقرأ فاتحة الكتاب وشيئًا قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي.
ومع أن هذا الإسناد معلق، ما بين البيهقي وبين محمد بن إسحاق بن خزيمة، إلا أن فيه مخالفة في لفظه، وقد جاء من طريق حفص بن غياث، وحفص قد اختلف عليه كما سبق وبينت لك وقد جمع في هذا اللفظ بين الأمر بالقراءة في الصلاة الجهرية، في قوله:(اقرأ خلف الإمام وإن جهر)، وبين الأمر بالقراءة في الصلاة السرية المفهوم من قوله:(واقرأ فاتحة الكتاب وشيئًا).
فالذي يظهر لي أن حَفْصًا قد اضطرب في الحديث سندًا ولفظًا، والراجح من لفظ حفص بن غياث ما وافق رواية الجماعة:(وإن قرأت)، وأن لفظ (وإن جهرت) فهو من الرواية بالمعنى.
قال ابن عبد البر في التمهيد (11/ 35): «وهذا محله عندنا فيما أسر فيه الإمام؛ لأن ابن عيينة روى عن أبي إسحاق الشيباني عن رجل قال عهد إلينا عمر بن الخطاب أن لا نقرأ مع الإمام، وهذا عندنا على الجهر؛ لئلا يتضاد الخبر عنه، وليس في هذا الباب شيء يثبت من جهة الإسناد عن عمر، وعنه فيه اضطراب» . والله أعلم.
وهذا الطريق لا يثبت عن عمر؛ لإبهام شيخ أبي إسحاق، والله أعلم.
* ويجاب:
على فرض ثبوته عن عمر رضي الله عنه، فالصحابة مختلفون فيما بينهم في القراءة خلف الإمام، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فيطلب مرجح لأحد القولين.
(ث-321) ومنها ما رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام من طريق عقبة بن عبد الله الأصم، عن عطاء،
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اقرأ خلف الإمام جهر، أو لم يجهر
(1)
.
[ضعيف]
(2)
.
(1)
. القراءة خلف الإمام للبيهقي (210).
(2)
. في إسناده عقبة بن عبد الله الأصم ضعيف، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة. وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة.
وفي التقريب: ضعيف.
ورواه عبد الرزاق في المصنف (2773) عن التيمي،
وابن أبي شيبة في المصنف (3755)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 109) عن حفص.
والبيهقي في السنن (2/ 241) من طريق ابن علية،
وفي الخلافيات له (1974)، وفي القراءة خلف الإمام (211) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، أربعتهم عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء به، بلفظ: لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة خلف الإمام، جهر أو لم يجهر.
وهذا ضعيف أيضًا؛ في إسناده ليث بن أبي سليم.
والمعروف عن ابن عباس: ما رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر.
وهذا دليل على أنه يرى قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية فقط.
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3773)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 241)، وفي القراءة خلف الإمام (209) عن وكيع،
والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 206) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد به.
ورواه أبو إسحاق، عن العيزار به، بلفظ: لا تُصَلِّيَنَّ صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.
رواه عبد الرزاق في المصنف (2628) عن إسرائيل، واللفظ له.
والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 206) من طريق يونس بن أبي إسحاق، =
هذه الأدلة: إما عامة على وجوب الفاتحة، وعمومها يشمل الجهرية والسرية، وإما نص في القراءة في الجهرية، وإذا وجبت الفاتحة في الجهرية وجبت في السرية من باب أولى.
(ح-1389) وقد روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،
عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
= والبيهقي في القراءة خلف الإمام (435) من طريق زهير بن معاوية.
وابن المنذر في الأوسط (3/ 101) من طريق شعبة، كلهم (إسرائيل، ويونس، وزهير)، عن أبي إسحاق، عن العيزار به.
ولفظ يونس وزهير: لا تُصَلِّ صلاةً إلا قرأت فيها، ولو بفاتحة الكتاب.
ولفظ شعبة: من استطاع منكم أن لا يصلي صلاة إلا قرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها، فإن لم يستطع فلا يَدَع فاتحة الكتاب.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (3630) حدثنا ابن علية.
والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 206) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن أيوب، عن أبي العالية البراء، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما، أو سئل عن القراءة في الظهر والعصر، فقال: هو إمامك، فاقرأ منه ما قل وما كثر، وليس من القرآن شيء قليلًا.
وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (437) من طريق معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب به، بلفظ: كل صلاة قرأ فيها إمامك فاقرأ معه ما قل أو كثر، وليس كتاب الله قليلًا.
واللفظ الأول هو المحفوظ، قال الميموني: سمعته (يعني أحمد بن حنبل) وذكر عبد الوارث. فقال: .... قد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه، وهو عنده مع هذا ثبت ضابط». «سؤالاته» (423).
(1)
. سنن ابن ماجه (843).
(2)
. الأثر مداره على مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله،
رواه شعبة عنه كما في سنن ابن ماجه (843)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 243)، وفي القراءة خلف الإمام له (228)، بلفظ: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
ورواه وكيع عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (3633، 3728) بلفظ: كنا نتحدث أنه لا صلاة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.
ورواه أبو نعيم عن مسعر كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (176)، بلفظ: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وكنا نتحدث أنه لا تجزي صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
ورواه يحيى بن سعيد عن مسعر كما في شرح معاني الآثار (1/ 210)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (47)، بلفظ: عن جابر بن عبد الله، سمعته يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب قال: وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما فوق ذلك أو فما أكثر من ذلك.
ورواه إسماعيل بن عمرو البجلي عن مسعر كما في الحلية (7/ 269) بلفظ: كنا نقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وكنا نقول: لا صلاة إلا بقراءة.
ورواه معاوية بن هشام كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (48) بلفظ: كنا نرى أنه لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فما فوقها.
ورواه بكير بن بكار كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (359) بلفظ شعبة، وزاد: وكنا نتحدث أنه لا يجوز صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.
فيتفقون على قراءة فاتحة الكتاب وسورة في الأوليين وفي الأخريين فاتحة الكتاب فقط وزاد وكيع (فما زاد) وتابعه يحيى بن سعيد بلفظ: (فما فوق)، والله أعلم.
قال البيهقي: إذا قال الصحابي: كنا نتحدث، أو كنا نرى كان ذلك إخبارًا عن نفسه وعن جماعة من الصحابة تقدموا، وقد يكون تحدثهم بذلك عن سماع وقع لهم أو لبعضهم من المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ورواه عبد الرزاق في المصنف (2661)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (3/ 113)، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم قال: سألت جابر بن عبد الله قال: أما أنا فأقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
وسنده صحيح.
ورواه عبد الرزاق (2662)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 210) عن سفيان الثوري، عن أيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم به.
وهذه متابعة لداود بن قيس، وسنده صحيح.
ويشكل على هذا أن عبد الرزاق قد رواه في المصنف (2819) عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سألت جابر بن عبد الله، أتقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر شيئًا؟ فقال: لا.
ورواية داود بن قيس، وأيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم الموافقة لرواية يزيد بن صهيب الفقير أولى من رواية داود بن قيس المعارضة.
الدليل التاسع:
أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لحديث عبادة المتفق عليه، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وسبق تخريجه، فنفي الصحة دليل على ركنية الفاتحة، وإذا كانت ركنًا لم تسقط عن المأموم كسائر الأركان من ركوع وسجود وغيرهما.
* ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن هذا القياس يبطل بالمسبوق حيث يسقط عنه ركن القراءة إذا أدرك الإمام راكعًا، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا على المأموم مطلقًا لم تسقط عن المسبوق.
(1)
.
وإذا حمل الإمام القراءة عن المسبوق، حمل عنه قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.
الوجه الثاني:
أن القراءة تخالف سائر الأركان، فإن الإمام يجهر بها ليسمع المأموم فيحصل المقصود من القراءة للجميع، فإذا جهر الإمام كان المأموم مأمورًا حينئذٍ أن يستمع وينصت لقراءة إمامه.
* دليل من قال: تحرم قراءة المأموم في الصلاة مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204].
وجه الاستدلال:
قال الكاساني: «أمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكنًا عند المخافتة بالقراءة، فالإنصات ممكن فيجب بظاهر النص»
(2)
.
وقال الجصاص في أحكام القرآن: «أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة
(1)
. تفسير القرطبي (1/ 118).
(2)
. بدائع الصنائع (1/ 111).
القرآن، ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء، فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات، وإذا أخفى فعلينا الإنصات»
(1)
.
* ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأمر بالاستماع والإنصات ظاهره الوجوب، والأمر بهما يفيد النهي عن القراءة بلا شك؛ إلا أنه خاص فيما يجهر به الإمام؛ لأن الأمر بهما وقع جوابًا للشرط في قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} أي له، فالأمر بهما مشروط بسماع قراءة الإمام المستفاد من الشرط (إذا)، ولوكان الإنصات من أجل الصلاة لقال: إذا صليتم فأنصتوا، فكان الإنصات من أجل سماع القرآن.
ولأن الاستماع أخص من السماع؛ لأن الاستماع لا يحصل إلا بقصد الاستماع للتلاوة؛ من أجل الفهم والتدبر، وهذا لا يحصل للمأموم إلا بترك القراءة بخلاف السماع فإنه يحصل للسامع ولو لم يقصد.
وأما القول بأن المراد بالإنصات السكوت في الصلاة السرية فغير مُسَلَّمٍ.
جاء في لسان العرب: «والإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث، يقول: أنصتوه، وأنصتوا له»
(2)
.
واستنصت الناس: أي طلب سكوتهم.
وقال ابن فارس في مجمل اللغة: «نصت: الإنصات: السكوت للاستماع»
(3)
.
وقال الليث كما في تهذيب اللغة: الإنصات هو السكوت لاستماع الحديث
(4)
.
وقال ابن الأثير في غريب الحديث: «أنصت ينصت إنصاتًا: إذا سكت سكوت مستمع»
(5)
.
(1)
. أحكام القرآن (4/ 216).
(2)
. لسان العرب (2/ 99).
(3)
. مجمل اللغة لابن فارس (2/ 870).
(4)
. تهذيب اللغة (12/ 109).
(5)
. النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 62).
وقال الشافعي رحمه الله في القديم:
…
كيف ينصت لما لا يسمع؟
…
(1)
.
(ح-1390) ثم ساق البيهقي بإسناده ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، قال: حدثني أبو زرعة، قال: حدثني أبو هريرة، وفيه:
…
قال أبو هريرة: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد.
ورواه مسلم من طريق جرير، ومن طريق عبد الواحد كلاهما عن عمارة بن القعقاع به
(2)
.
قال البيهقي: فهذا الخبر الصحيح يُبَيِّن ويوضح أن الإنصات قد يكون ترك الجهر، وإن كان المنصت عن الجهر ذاكرًا لله عز وجل، أو قارئًا للقرآن؛ إذ لا فرق بين السكوت والإنصات عند العرب، وقد قال أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لَسْتُ بساكتٍ، ولكن أعلمه ما يقول في سكوته ذلك»
(3)
.
وإنما أمر بالسكوت من أجل تحقيق الاستماع، فإذا لم يسمع قراءة الإمام فلا فائدة من سكوته، فكان المشروع له أن يقرأ؛ لأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله.
الجواب الثاني:
أن الحنفية قالوا: يستفتح المأموم، ولو كان يسمع قراءة إمامه، فخالفوا ظاهر
(1)
. أحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي (1/ 77)، القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: 112).
(2)
. صحيح البخاري (744)، وصحيح مسلم (598).
(3)
. القراءة خلف الإمام (ص: 121، 122).
الآية حين أمروه ألا يستمع لقراءة إمامه إذا استفتح، مع أن الاستفتاح ليس بواجب، ومنعوه أن يقرأ في الصلاة السرية، مع أن الأصل في القراءة في الصلاة الوجوب، سقط الوجوب عن المأموم حال سماع قراءة إمامه امتثالًا لقوله تعالى:{فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} فإذا لم يسمع القراءة كان واجبًا عليه أن يقرأ، كما يجب عليه أن يقرأ إذا كان منفردًا، أو إمامًا.
الدليل الثاني:
(ح-1391) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، أو العصر، فقال: أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها
(1)
.
ورواه الدارقطني والبيهقي من طريق حجاج بن أرطاة، عن قتادة به، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ، قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإمام
(2)
.
* ونوقش:
تفرد حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، عن قتادة بزيادة (فنهاهم عن القراءة خلف الإمام) وهي زيادة منكرة، وقد رواه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وغيرهم، رووه عن قتادة، ولم يذكروا ما ذكره حجاج
(3)
.
(1)
. صحيح مسلم (47 - 398).
(2)
. سنن الدارقطني (1240، 1509)، والسنن الكبرى للبيهقي (2905)، وفي القراءة خلف الإمام (360)، وابن عدي في الكامل (2/ 525).
قال ابن صاعد كما في الخلافيات للبيهقي (2/ 477): «النهي عن القراءة خلف الإمام تفرد بروايته حجاج، وقد رواه شعبة، وسعيد، ومعمر، وإسماعيل بن مسلم، وحجاج بن حجاج، وأيوب بن أبي مسكين، وهمام، وأبان، وسعيد بن بشير، كلهم لم يذكروا ما تفرد به حجاج، بل قد قال شعبة: سألت قتادة، فقلت: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه» .
(3)
. أخرجه مسلم (47 - 398)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (64، 71)، والنسائي في =
قال الدارقطني: «ولم يقل هكذا غير حجاج، وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به» .
وأما رواية مسلم فليس فيها النهي عن القراءة، وإنما يفهم منها النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام.
وقد روى أبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق ومحمد بن كثير العبدي،
= الكبرى (992)، وفي المجتبى (918)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 207)، والطبراني في الكبير (18/ 211) ح 523، وابن حبان في صحيحه (1845، 1846)، من طريق أبي عوانة.
وأخرجه مسلم (48 - 398)، وأبو داود الطيالسي (891)، وأحمد (4/ 426، 441)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (61، 65)، وأبو داود (828)، والنسائي في الكبرى (991)، وفي المجتبى (917، 1744)، والبغوي في الجعديات (953)، والبزار كما في البحر الزخار (9/ 72)، والروياني في مسنده (106)، وأبو عوانة في مستخرجه (1693)، وابن حبان في صحيحه (1847)، والطبراني في الكبير (18/ 211) ح 520، والدارقطني في السنن (1510)، والبيهقي في معرفة السنن (3/ 77)، وفي القراءة خلف الإمام (363، 364)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 253)، من طريق شعبة،
وأخرجه أحمد (4/ 426، 431)، وابن أبي شيبة في المصنف (3582، 3777)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (66)، وأبو داود (829)، وأبو عوانة في مستخرجه (1694)، والطبراني في الكبير (18/ 212)، من طريق سعيد بن أبي عروبة،
وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (160)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (1/ 69)، من طريق همام،
وأخرجه عبد الرزاق (2799)، و الطبراني في الكبير (18/ 210) ح 519، عن معمر.
وأخرجه الحميدي (857) من طريق إسماعيل بن مسلم (المكي الضعيف)،
وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (63) من طريق موسى بن إسماعيل،
وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (161)، والطبراني في الكبير (18/ 211) ح 522، من طريق حماد (يعني ابن سلمة).
وأخرجه الطبراني في الكبير (18/ 212) ح 524 من طريق أبي العلاء القصاب (أيوب ابن أبي مسكين).
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 231) من طريق أبي الوليد (الطيالسي)، كلهم (أبو عوانة، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وإسماعيل بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأبو الوليد، وأبو العلاء) رووه عن قتادة به.
وشبابة عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين به، زاد في آخره: قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه
(1)
.
(2)
.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: «ليس في هذا الحديث دليل على كراهية ذلك (يعني: القراءة خلف الإمام في السرية)؛ لأنه لو كرهه لنهى عنه، وإنما كره رفع صوت الرجل بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} في صلاةٍ سُنَّتُها الإسرارُ بالقراءة»
(3)
.
(4)
.
وقال النووي عن قوله: (خالجنيها): «أي نازعنيها، ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة
(1)
. رواه أبو داود الطيالسي (891)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (1693)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 231)، وفي الخلافيات (1959)، وابن عبد البر في التمهيد (11/ 52).
والبخاري في القراءة خلف الإمام (56) حدثنا عمرو بن مرزوق.
وأبو داود (828)، وابن عبد البر في التمهيد (11/ 52) عن محمد بن كثير العبدي.
والدارقطني (1510) من طريق شبابة، أربعتهم عن شعبة، عن قتادة به.
(2)
. القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: 166).
(3)
. التمهيد (11/ 52).
(4)
. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 285).
في الظهر للإمام والمأموم»
(1)
.
الدليل الثالث:
(ح-1392) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا حسن ابن صالح، عن أبي الزبير،
عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة
(2)
.
[ضعيف مرفوعًا، والصواب عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وعن جابر موقوفًا]
(3)
.
(1)
. شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 109).
(2)
. المسند (3/ 399).
(3)
. حديث جابر رضي الله عنه له طرق،
الطريق الأول: عن أبي الزبير عن جابر.
رواه عن أبي الزبير، أربعة: أيوب السختياني، وابن لهيعة، وجابر الجعفي، والليث بن أبي سليم.
أما طريق أيوب السختياني:
فرواه الطبراني في الأوسط (7903)، والدارقطني (1501)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (346)، والخطيب في تاريخ بغداد، ط العلمية (13/ 95) من طريق سهل بن عباس الترمذي، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وهذا الطريق ضعيف جدًّا، فيه سهل بن عباس، قال الدارقطني:«هذا حديث منكر، وسهل بن العباس: متروك» ..
وقال البيهقي: هذا الخبر باطل بهذا الإسناد، ولو صح مثل هذا من حديث أيوب السختياني، عن أبي الزبير، عن جابر لكان كالأخذ باليد، وَلَمَا اختلف فيه أحد، وإنما الحمل فيه على سهل بن العباس هذا، فإنه مجهول، لا يعرف، ثم نقل عن الدارقطني كلامه السابق.
وقال الطبراني: «لم يرفع هذا الحديث أحد ممن رواه عن ابن علية إلا سهل بن العباس، ورواه غيره موقوفًا» .
وقال الدارقطني في العلل (2904): «رواه سهل بن العباس الترمذي، قيل له: ثقة؟ قال: لا، لو كان ثقة لم يَرْوِ هذا، عن ابن علية .... والصحيح، عن ابن علية ما رواه أحمد بن حنبل وغيره: عن أيوب، عن نافع، وأنس بن سيرين، عن ابن عمر، من قوله» .
وسوف يأتي تخريج ما يروى عن ابن عمر إن شاء الله تعالى.
وأما طريق ابن لهيعة:
فرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (347) من طريق أبي إسحاق محمد بن أحمد الماليني،
عن محمد بن أشرس، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
ورواه أيضًا (348) من طريق أبي إسحاق محمد بن أحمد المناديلي، أخبرنا محمد بن أشرس، أخبرنا بشر بن القاسم، أخبرنا عبد الله بن لهيعة به.
وهذان الطريقان مدارهما على محمد بن أشرس، وهو متهم في الحديث، قال البيهقي كما في القراءة خلف الإمام (353): محمد بن أشرس مرمي بالكذب، ولا يحتج بروايته إلا من غلب عليه هواه، نعوذ بالله من متابعة الهوى.
الطريق الثالث والرابع: جابر الجعفي، والليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير.
رواه الطحاوي في أحكام القرآن (492)، وفي شرح معاني الآثار (1/ 217) وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (3523)، وابن الأعرابي في معجمه (1755)، والدارقطني في سننه (1253)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 228)، وفي القراءة خلف الإمام (343، 345)، من طريق إسحاق بن منصور السلولي،
ورواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (3523)، وابن الأعرابي في معجمه (1755)، والدارقطني في سننه (1253)، والبيهقي في السنن (2/ 228)، وفي القراءة خلف الإمام (345)، من طريق يحيى بن أبي بكير، كلاهما (إسحاق بن منصور، وابن أبي بكير) عن الحسن بن صالح، عن ليث وجابر (هو الجعفي)، عن أبي الزبير، عن جابر به.
ورواه ابن ماجه (850) من طريق عبيد الله بن موسى،
وعبد بن حميد كما في المنتخب (1050)، وإتحاف الخيرة (1264)، والدارقطني في سننه (1254)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 334)، عن أبي نعيم (الفضل بن دكين).
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، البيهقي في القراءة خلف الإمام (395) من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس، ثلاثتهم (عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وابن يونس) عن الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي وحده، عن أبي الزبير، عن جابر.
وعلة هذا الطريق جابر الجعفي متهم، والليث بن أبي سليم متفق على ضعفه هذا إذا كان ذكرُ الليثِ في إسناده محفوظًا، فإنه لم يرد إلا من رواية محمد بن سعد العوفي (فيه لين) عن إسحاق بن منصور السلولي،
ومن رواية العباس بن محمد الدوري، عن إسحاق بن منصور السلولي (صدوق)، ويحيى بن أبي بكير (ثقة)، كلاهما (إسحاق ويحيى بن أبي بكير) عن الحسن بن صالح.
ورواه عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن عبد الله بن يونس ثلاثتهم رووه عن الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي وحده، عن أبي الزبير به.
ولهذا قال ابن عدي في الكامل (7/ 238): «وهذا معروف بجابر الجعفي عن أبي الزبير، يرويه عنه الحسن بن صالح إلا أن إسحاق بن منصور، ويحيى بن أبي بكير رويا عن الحسن بن صالح، عن ليث وجابر فجمع بينهما» . =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فأومأ إلى أن ذكر الليث فيه يحتمل أن يكون خطأ في الإسناد، والله أعلم.
ورواه أسود بن عامر، ومالك بن إسماعيل واختلف عليهما:
فرواه أحمد (3/ 339) حدثنا أسود بن عامر (ثقة)،
وابن أبي شيبة في المصنف (3802) حدثنا مالك بن إسماعيل (هو النهدي أبو غسان ثقة) كلاهما عن حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر به.
فلم يذكرا في إسناده جابرًا الجعفي.
قال ابن التركماني في الجوهر النقي (2/ 158): «وهذا سند صحيح، وكذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، ولم يذكر الجعفي، كذا في أطراف المزي، والله أعلم» .
قلت: قد رواه محمد بن إشكاب (ثقة) كما في سنن الدارقطني (1254) عن أبي نعيم، وشاذان (أسود بن عامر) وأبي غسان (مالك بن إسماعيل النهدي)، قالوا: أخبرنا الحسن بن صالح، عن جابر (هو الجعفي)، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به.
وسبق لنا أن عبد بن حميد والدارقطني رووه من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين بذكر جابر الجعفي.
فرجعت رواية أسود بن عامر، وأبي غسان وأبي نعيم إلى موافقة رواية الجماعة (عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وابن يونس، ويحيى بن أبي بكير، وإسحاق بن منصور) بذكر الجعفي في إسناده، وما وافق الجماعة أولى من غيره.
قال الدارقطني في السنن: «جابر وليث: ضعيفان» .
وقال البيهقي في السنن (2/ 228): «جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم، لا يحتج بهما، وكل من تابعهما على ذلك أضعف منهما أو من أحدهما» .
هذا ما يخص طريق أبي الزبير، عن جابر، ولم يصح كما رأيت.
الطريق الثاني: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد.
واختلف على موسى بن أبي عائشة،
فرواه سفيان الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (2797)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، وفي أحكام القرآن (490)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 227)، وفي الخلافيات له (1862)، وفي القراءة خلف الإمام (336، 337).
وجرير بن عبد الحميد، كما في مصنف ابن أبي شيبة (3779)، ومسند أحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (1075، 1264)، وابن عدي في الكامل (8/ 242).
وشعبة، كما في الكامل لابن عدي (8/ 243)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 227)، وفي الخلافيات له (1862)، وفي القراءة خلف الإمام (336، 337).
وسفيان بن عيينة، رواه ابن عدي في الكامل (8/ 242).
وشريك بن عبد الله النخعي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (3779).
ومنصور بن المعتمر كما في مجموع مصنفات أبي جعفر بن البختري (407 - 163)، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفي إسناده شيخ ابن البختري محمد بن مسلمة له ترجمة في لسان الميزان (7409) وساق له حديثًا باطلًا، وضعفه جماعة، وقال الدارقطني: لا بأس به.
وزائدة بن قدامة كما في الكامل لابن عدي (3/ 110) و (8/ 243)، ونقله عنه البوصيري في إتحاف الخيرة (2/ 80)، وعلل الدارقطني (13/ 373).
وزهير بن معاوية ذكر ذلك ابن عدي في الكامل (3/ 110) و (8/ 243)، ونقله عنه في إتحاف الخيرة (2/ 80).
وإسرائيل بن يونس، كما في زوائد محمد بن الحسن الشيباني على موطأ مالك (124)، وفي الحجة على أهل المدينة (1/ 121).
وأبو عوانة وأبو الأحوص ذكر ذلك ابن عدي في الكامل (3/ 110) و (8/ 243)، أحد عشر راويًا (الثوري، وشعبة، وجرير، وابن عيينة، ومنصور، وزائدة، وشريك، وزهير وإسرائيل، وأبو عوانة وأبو الأحوص) رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وخالفهم الإمام أبو حنيفة، فقد رواه، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
فقيل: عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا كرواية الجماعة.
رواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 227)، وفي الخلافيات له (1862)، وفي القراءة خلف الإمام (336، 337) من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة مقرونًا برواية شعبة والثوري. وهذا الطريق هو الصواب من رواية الإمام أبي حنيفة.
وقيل: عن أبي حنيفة، عن أبي موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر.
رواه محمد بن الحسن الشيباني كما في زياداته على موطأ مالك (117)، وفي الآثار له (86)، وفي الحجة على أهل المدينة (1/ 118، 119)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، والدارقطني (1233، 1234)، وابن عدي في الكامل (8/ 242، 243)، وأبو نعيم في مسند أبي حنفية (ص: 226)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 227)، وفي الخلافيات (1861)، وفي القراءة خلف الإمام (334، 335)، وفي معرفة السنن (3/ 78)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (1/ 132).
ولا شك أن مخالفة أبي حنيفة لهؤلاء الأئمة مثل شعبة والثوري وابن عيينة ومنصور وجرير ومن ذكر معهم تجعل روايته خطأ بلا ريب.
قال المقرئ أحد رواة هذا الحديث عن أبي حنيفة: «أنا لا أقول: عن جابر، أبو حنيفة يقول، أنا بريء من عهدته» . يريد أن العهدة على أبي حنيفة، الكامل (8/ 243).
وقال الدارقطني في العلل (13/ 373): «ويشبه أن يكون أبو حنيفة وهم في قوله في هذا الحديث عن جابر؛ فإن جماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله ابن شداد، مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: شعبة، والثوري، وزائدة، وشريك، وإسرائيل، وابن عيينة، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وجرير بن عبد الحميد، كلهم أرسلوه، وهذا أشبه بالصواب».
وقال أبو زرعة: أبو حنيفة يوصل الأحاديث
…
حدث عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله ابن شداد، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فزاد في الحديث، عن جابر. انظر: الضعفاء لأبي زرعة في أجوبته على أسئلة البرذعي (2/ 718، 719).
وفي العلل لابن أبي حاتم (2/ 157): «
…
لا يختلف أهل العلم أن من قال: موسى بن أبي عائشة، عن جابر؛ أنه قد أخطأ.
قال أبو محمد: قلت: الذي قال: عن موسى بن أبي عائشة، عن جابر، فأخطأ؛ هو النعمان بن ثابت؟ قال: نعم».
وقال ابن معين كما في كلام أبي زكريا في الرجال (397)،:«حديث يرويه أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان له إمام فقراءة إمامه له قراءة، قال: ليس هو بشيء، إنما هو عبد الله بن شداد» .
وقال البيهقي في المعرفة (3/ 79) بعد أن ساق رواية أبي حنيفة الموصولة، قال:«قد رواه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وأبو عوانة، وجماعة من الحفاظ، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة مرسلًا مختصرًا» .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (11/ 48): «روى هذا الحديث أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهادي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي عليه السلام، ولم يسنده غير أبي حنيفة، وهو سيئ الحفظ عند أهل الحديث، وقد خالفه الحفاظ فيه: سفيان الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وجرير، فرووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا وهو الصحيح فيه الإرسال وليس مما يحتج به» .
وضعفه ابن الجوزي في التحقيق، وقال (1/ 367):«وأما أبو حنيفة فغير متهم، وإنما يقع في حديثه غلط وخطأ» .
وقال المعلمي كما في آثاره (18/ 153): «والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ بالترجيح .... ومن المرجحات عندهم الكثرة» .
فاجتمع على إعلاله أبو زرعة وأبو حاتم، والدارقطني وابن معين، والبيهقي وابن عدي، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وابن عبد البر، وغيرهم.
تابع أبا حنيفة الحسن بن عمارة، فرواه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به.
رواه الدارقطني (1/ 325)، وابن عدي في الكامل (3/ 110)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (226)، والبيهقي في القراءة (338)، وفي المعرفة (2/ 49/914) من طريق يونس بن بكير عن أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، عن موسى بن أبي عائشة به.
قال الدارقطني في السنن (2/ 107): «لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان» .
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 380): «أسنده الحسن بن عمارة، وهو متروك، وأبو حنيفة، وهو ضعيف، كلاهما عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن جابر» .
وقيل: عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي الوليد، عن جابر، بزيادة أبي الوليد.
رواه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، واختلف عليه فيه:
فرواه يوسف بن يعقوب بن إبراهيم، كما في الآثار لأبي يوسف (113)،
وخلف بن أيوب كما في معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 177)، كلاهما عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي الوليد، عن جابر.
وأبو الوليد لا يعرف كما سيأتي النقل عن العلماء إن شاء الله تعالى عند الكلام على ترجمته.
وقد رواه يوسف بن يعقوب كما في الآثار (112) وغيره عن أبيه (أبي يوسف)، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به، من دون زيادة (أبي الوليد) في إسناده.
خالفهما بشر بن الوليد كما في الكامل لابن عدي (8/ 241)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (334)،
وعمرو بن عون الواسطي كما في مسند أبي حنيفة رواية أبي نعيم (ص: 226)،
وعبد الرحمن الواقدي كما في تاريخ بغداد (10/ 338)، ثلاثتهم رووه عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به، ولم يذكروا في إسناده أبا الوليد. كرواية الجماعة.
وعمرو بن عون ثقة ثبت مقدم على يوسف بن يعقوب وبشر بن الوليد، كيف وقد تابعه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عبد الرحمن الواقدي، وهو صدوق يغلط، وبشر بن الوليد الكندي، وهو صدوق إلا أنه تغير بآخرة، فإذا وافق الثقات فقد أمن ما كان يخاف من تغيره.
كما رواه ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن أبي يوسف، واختلف على ابن وهب فيه:
فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، وفي أحكام القرآن له (489).
وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (ص: 227) عن محمد بن حميد، حدثنا سُدَيٌّ، كلاهما (الطحاوي، وسُدَيٌّ)، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن ابن عمه، عن الليث بن سعد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد، عن جابر، دون ذكر أبي الوليد في إسناده، كرواية عمرو بن علي الواسطي ومن تابعه.
ورواه أحمد بن علي المدائني كما في الكامل لابن عدي (8/ 242)،
ومحمد بن نصر بن الحجاج المروزي كما في علوم الحديث للحاكم (ص: 178)، كلاهما عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي به، بذكر أبي الوليد في إسناده.
قال أبو عبد الله (يعني الحاكم): عبد الله بن شداد هو بنفسه، أبو الوليد، ومن تهاون بمعرفة الأسامي، أورثه مثل هذا الوهم، ثم ساق بسنده إلى عليَّ بن عبد الله المديني أنه قال:«عبد الله بن شداد أصله مديني، وكنيته أبو الوليد، قد روى عنه أهل الكوفة ..... » .
يريد أن يقول الحاكم: إن الإسناد، عن عبد الله بن شداد أبي الوليد، عن جابر، فوهم فيه أبو يوسف فزاد كلمة (عن) بين الاسم وكنيته.
وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب صدوق تفرد عن عمه ابن وهب وأكثر عنه حتى تكلم فيه من أجل ذلك، وقد تغير بآخرة، وهو في نفسه صدوق، قال الذهبي: قال أبو حاتم: خلط، ثم رجع، و قال ابن عدى: رأيت شيوخ المصريين مجمعين على ضعفه، و كل ما أنكروا عليه فمحتمل لعلَّ عمه خصه به.
وقد خالفه عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد (ثقة)، أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (339) من طريق أبي علي الحافظ، أخبرنا سليمان بن الأشعث، أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، أخبرنا ابن وهب: حدثني الليث بن سعد، عن طلحة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبي الوليد، عن جابر به.
فأسقط أبا يوسف وأبا حنيفة، واستبدلهما بطلحة.
قال أبو علي الحافظ (341): «هكذا كتبناه، وهو خطأ، إنما هو عن الليث بن سعد، عن يعقوب أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبي الوليد، عن جابر .... قال أبو علي: والوهم من عبد الملك بن شعيب» .
ورجح الدارقطني رواية أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال في أطراف الأفراد (1589): قول أحمد عن عمه: أشبه بالصواب. وانظر العلل (13/ 373).
ونقل البيهقي في الخلافيات (2/ 440) عن شيخه الحاكم أنه قال: «هذه الرواية لا تسوى =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= سماعها، ولا الكلام عليها؛ فإنا لا نعلم في الرواة من اسمه طلحة يروي عنه الليث، ويروي عن موسى، وعبد الله بن شداد كنيته أبو الوليد، وقد أفحش في الخطأ من قال: عن عبد الله ابن شداد، عن أبي الوليد».
وتابع أبا يوسف في ذكر أبي الوليد زفر، أخرجه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (ص: 228)، عنه عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة به، إلا أن في إسناده من لا يعرف.
وأبو الوليد هذا إن صح كلام أبي عبد الله الحاكم، وإلا فهو رجل مجهول،
جهله ابن خزيمة كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (151)، والدارقطني في السنن (2/ 111)، وفي العلل (13/ 373)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: 150)، وابن عبد البر في التمهيد (11/ 48) وغيرهم.
وقيل: عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة.
رواه الطحاوي في أحكام القرآن (491)، وفي شرح معاني الآثار (1/ 217)، من طريق أبي أحمد (هو الزبيري)، قال: حدثنا إسرائيل، عن موسى، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم .... فذكره، وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الرجل البصري.
قال ابن حجر في إتحاف المهرة (3/ 208): «رواية إسرائيل: أن عبد الله بن شداد رواه عن رجل من أهل البصرة، وهو مجهول» .
قال المعلمي كما في آثاره (18/ 154): «جابر بن عبد الله بن حرام لم يكن من أهل البصرة، ثم وجدت في الإصابة ترجمة لفظها: جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة، وقال أبو عمر: روى عنه أبو شدَّاد، وروى عنه ابن منده من طريق عمر بن برقان، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله الراسبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، قال: من عفا عن قاتله دخل الجنة. قال هذا حديث غريب إن كان محفوظًا، قال أبو نعيم: «قوله (الراسبي) وهم، وإنما هو الأنصاري» . فأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري، وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل:(عن رجل من أهل البصرة) ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد، فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة (عن جابر) يعكر على ذلك». اهـ
قلت: أبو الوليد هي كنية عبد الله بن شدَّاد على الأرجح، والله أعلم.
الطريق الثالث: عن وهب بن كيسان، عن جابر رضي الله عنه.
ورواه مالك، واختلف عليه فيه:
فرواه يحيى بن يحيى الليثي كما في موطأ مالك (1/ 84)،
وعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في القراءة خلف الإمام (354)،
وأبو مصعب الزهري كما في روايته للموطأ (233)،
ومحمد بن الحسن الشيباني كما في روايته للموطأ (113)، والحجة على أهل المدينة (1/ 117). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومعن بن عيسى كما في سنن الترمذي (313)،
وعبد الرزاق الصنعاني كما في المصنف (2745)،
إسماعيل بن أبي أويس كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (174)،
وعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 218)، وسنن الدارقطني (1242)،
وإسماعيل بن موسى السدي كما في شرح معاني الآثار (1/ 218)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (351)،
ويحيى بن عبد الله بن بكير كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 228)، وفي معرفة السنن (2/ 398)، وفي القراءة خلف الإمام (355)، كل هؤلاء رووه عن مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر من قوله بلفظ: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.
وخالف هؤلاء جماعة من الضعفاء منهم:
الأول: يحيى بن سلام البصري، رواه أبو علي المدائني في فوائده (27)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 218)، وابن عدي في الكامل (9/ 125)، والدارقطني في السنن (1241)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (349)، وفي الخلافيات (1834)، وعبد الله بن صالح كاتب الليث كما في نسخته المطبوعة ضمن فوائد ابن منده (1642)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (ص: 83)، كلهم رووه من طريق بحر بن نصر، أخبرنا يحيى بن سلام، عن مالك به مرفوعًا.
قال ابن عدي في الكامل (9/ 125): «لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام، وهذا الحديث في الموطأ من قول جابر موقوف» .
وقال الدارقطني في السنن (2/ 114): «يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف» . وانظر العلل للدارقطني (13/ 389).
وقال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله الحافظ فيما قرئ عليه: «وهم يحيى بن سلام على مالك بن أنس في رفع هذا الخبر، ويحيى بن سلام كثير الوهم، وقد روى مالك بن أنس هذا الخبر في الموطأ عن وهب بن كيسان عن جابر من قوله» .
الثاني: يحيى بن نصر بن حاجب القرشي.
أخرجه الدارقطني في غرائب مالك كما في اللسان (987)، من رواية أبي بكر أحمد بن محمد النيسابوري،
والبيهقي في القراءة خلف الإمام (352)، من طريق أبي محمد الحسن بن محمد بن جابر، كلاهما عن أبي عِصْمَة عاصم بن عصام، عن يحيى بن نصر به.
وذكره الدارقطني في العلل (13/ 389)،
وفي إسناده: يحيى بن نصر، ضعفه الحاكم، قال البيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: 161): «قال أبو عبد الله: يحيى بن نصر بن حاجب غير مستنكر منه مثل هذه الرواية، فقد روى =
الدليل الرابع:
(ح-1393) ما رواه البيهقي من طريق سويد بن سعيد أبي محمد، حفظًا، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة
(1)
.
[وهم فيه سويد بن سعيد فرفعه، وقد رواه غيره عن علي بن مسهر به موقوفًا، كما رواه أصحاب عبيد الله عن نافع به موقوفًا، وكذا رواه أيوب ومالك عن نافع به موقوفًا،
= عن مالك وغيره من الأئمة ما لم يتابع، قال الإمام أحمد رحمه الله: خلط يحيى بن نصر في هذا الحديث من وجهين: أحدهما في رفعه، والآخر في تغيير لفظه .... ».
وضعفه الدارقطني بعاصم بن عصام، حيث قال عنه: لا يعرف.
والظاهر أن يحيى بن نصر قد سمعه من يحيى بن سلام، فقد جاء في (العشرون من الخلعيات)(31) من طريق أبي الفوارس أحمد بن محمد بن الحسن الصابوني إملاء، قال: حدثنا يحيى بن نصر، قال: حدثنا يحيى بن سلام، قال: حدثنا مالك به، فرجع إلى رواية يحيى بن سلام.
الثالث: إسماعيل بن موسى السُّدِّي.
أخرجه البيهقي في القراءة (350) من طريق عبد الله بن محمود السَّعْدِيِّ، حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي به مرفوعًا.
وخالفه السَّرِيُّ بن خزيمة، فرواه البيهقي (351): من طريق السَّرِيِّ بن خزيمة، أخبرنا إسماعيل بن موسى السدي، أخبرنا مالك بن أنس به موقوفًا.
قال السري بن خزيمة: لا أجعل في حِلٍّ من روى عني هذا الخبر مرفوعًا؛ فإنه في كتابي موقوف.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، قال: ذكر هذا الحديث لأبي عبد الله بن يعقوب فقال: هذا كذب، سمعت السري بن خزيمة يحدث به موقوفًا، ثم قال: ما حدثت بهذا الحديث إلا هكذا، فمن ذكره عني مسندًا فقد كذب».
الرابع والخامس: إبراهيم بن رستم، وعلي بن الجارود بن يزيد.
أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (353) من طريق محمد بن أشرس، أخبرنا إبراهيم بن رستم، وعلي بن الجارود بن يزيد، قالا: حدثنا مالك بن أنس به مرفوعًا.
قال البيهقي: «محمد بن أشرس هذا مرمي بالكذب، ولا يحتج بروايته إلا من غلب عليه هواه، نعوذ بالله من متابعة الهوى» .
فصار المعروف من الحديث أنه روي عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وعن جابر رضي الله عنه موقوفًا، وكل من خالف ذلك فهو منكر، والله أعلم.
(1)
. القراءة خلف الإمام للبيهقي (393)، ورواه البيهقي في الخلافيات (1878).
كما رواه أنس بن سيرين، وعبد الله بن دينار عن ابن عمر موقوفًا]
(1)
.
(1)
. الحديث رواه نافع، وسالم عن ابن عمر رضي الله عنهما،
أما طريق نافع عن ابن عمر، فله طرق منها:
الطريق الأول: عبيد الله بن عمر، عن نافع،
رواه عن عبيد الله: عليُّ بن مسهر، واختلف عليه فيه:
فرواه سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا كما في إسناد الباب.
ورواه أبو همام كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (13/ 19) عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا.
قال الدارقطني: وكذلك رواه أصحاب عبيد الله، وهو الصواب: أي موقوفًا.
ونقل البيهقي بإسناده عن أبي عبد الرحمن التميمي أنه قال: «أستخير الله تعالى أن أضرب على حديث سويد كُلِّه من أجل هذا الحديث الواحد في القراءة خلف الإمام» .
وقال البيهقي: «سويد بن سعيد تغير في آخر عمره، وكثرت المناكير في حديثه، وهذا الحديث عند أصحاب عبيد الله بن عمر موقوف غير مرفوع» .
وقد رواه محمد بن الحسن الشيباني في زياداته على الموطأ (115)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 229)، وفي الخلافيات (1880)، وفي القراءة خلف الإمام (394)، من طريق ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام.
قال البيهقي: «هذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله، وبمعناه رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا
…
».
الطريق الثاني: أيوب، عن نافع:
أخرجه الدارقطني في السنن (1502)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (390، 391)، وفي الخلافيات (1872، 1877)، والخطيب في تاريخ بغداد (1/ 354)، من طريق خارجة بن مصعب، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. تفرد برفعه عن أيوب خارجة بن مصعب، وهو متروك.
وقد رواه ابن علية، أخبرنا أيوب، عن نافع وابن سيرين، أنهما حدثاه عن ابن عمر، أنه قال في القراءة خلف الإمام: يكفيك قراءة الإمام.
وسوف يأتي تخريجها في آخر البحث إن شاء الله تعالى ضمن من رواه موقوفًا.
قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب عن أيوب
…
ما حدثنا به محمد بن مخلد
…
ثم ساق بإسناده من طريق ابن علية به موقوفًا. انظر السنن (2/ 259، 260)، و العلل (13/ 18، 341).
ونقل البيهقي كما في الخلافيات (2/ 444) عن شيخه الحاكم أنه قال: «هذا الحديث ليس =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لرفعه أصل من حديث ابن عمر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث أيوب السختياني بوجه، وخارجة بن مصعب السرخسي قد قيل: إنه كان يدلس عن جماعة من الكذابين، مثل غياث بن إبراهيم وغيره، فكثرت المناكير في حديثه».
واستدل البيهقي على ضعفه أن مالكًا روى في الموطأ (1/ 86) عن نافع، عن ابن عمر إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وهذا موقوف، انظر الخلافيات للبيهقي (2/ 445).
كما ساق البيهقي في السنن الكبرى (2/ 229) بإسناده إلى عبدان بن محمد المروزي الحافظ أنه قال: حديث خارجة عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(من كان له إمام) غلط منكر، وإنما هو عن ابن عمر من قوله، على أنه قد روي عن ابن عمر خلافه، قال عبدان: حدثنا إسحاق بن أبي عمران، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن أبي الأزهر قال: سئل ابن عمر، عن القراءة خلف الإمام فقال: إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن، كذا قال».
الطريق الثالث: عن أبي حنيفة، عن نافع.
رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (400) من طريق أبي بكر محمد بن الحسين الهمداني، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا القاسم بن عبد الواحد، أخبرنا بكر بن حمزة قاضي قيسارية، أخبرنا أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام.
الطريق الرابع: عن عثمان بن عبد الله القرشي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: من صلى وراء الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة.
أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (396)، من طريق جعفر بن سهل، عن عثمان بن عبد الله القرشي به.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فالصواب من رواية نافع، ما رواه عنه مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي (1/ 86)، ومن رواية أبي مصعب الزهري (251)، ومن رواية ابن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 220) ومن رواية القعنبي كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (398)، ومن رواية يحيى بن بكير كما في القراءة خلف الإمام (397)، كلهم رووه عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
وتابع مالكًا على وقفه كل من:
أيوب من رواية ابن علية عنه، وسيأتي تخريجها إن شاء الله في آخر البحث.
وعبيد الله بن عمر من رواية ابن نمير عنه، وسبق تخريجها ثلاثتهم (مالك، وأيوب، وعبيد الله ابن عمر) عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.
ولم يخالف هؤلاء إلا ضعيف أو متهم، هذا ما يخص رواية نافع، عن ابن عمر.
وأما رواية سالم، عن ابن عمر:
فله طرق إلى سالم:
الطريق الأول: الزهري، عن سالم، واختلف على الزهري فيه:
فرواه ابن عدي في الكامل (8/ 139)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (404) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، شك في رفعه، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
ومعاوية بن يحيى الصدفي ضعيف، والحماني متهم بسرقة الحديث.
وقد خالفه معمر وابن جريج، فرواه عبد الرزاق في المصنف (2811) عنهما، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله قال: يكفيك قراءة الإمام فيما يجهر في الصلاة.
قال ابن جريج: وحدثني ابن شهاب، عن سالم، أن ابن عمر كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه.
هذا هو المعروف من رواية الزهري.
الطريق الثاني: الفضل بن عطية، عن سالم بن عمر.
رواه الدارقطني (1238)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (403) من طريق سليمان بن الفضل،
وأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (401، 402) من طريق سويد بن نصر، عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، كلاهما عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
قال الدارقطني: محمد بن الفضل متروك.
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول في عقيب هذا =
وعلى تقدير أن يكون المعروف من رواية ابن عمر أن يكون موقوفًا عليه، فإن ابن عمر من فقهاء الصحابة، وصاحب أثر، ويبعد أن يترك القراءة خلف الإمام في ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين إلا أن يكون ذلك عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يتصور أن تكون قراءة الفاتحة واجبة على المأموم وجوبًا عامًّا على جميع الصحابة، ثم يجهل مثل ذلك فقهاء الصحابة، كابن عمر، وجابر، وسوف يأتي مزيد بسط لهذا الاستدلال عند ذكر أدلة من قال: تستحب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولا تجب.
= الخبر: هذا كذب باطل، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم كذاب.
وقال ابن الجوزي في التحقيق (1/ 366): «فيه محمد بن الفضل، قال أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب. وكذا قال يحيى: ليس بشيء، لا يكتب حديثه، كان كذَّابًا. وقال الفلاس والنَّسائيُّ: متروك الحديث» .
والمعروف من رواية الزهري ما رواه معمر وابن جريج، عنه، عن سالم موقوفًا، وسبق تخريجها.
وقد رواه موقوفًا غير نافع وسالم، منهم أنس بن سيرين، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم.
أما رواية أنس بن سيرين:
فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (3805)، والدارقطني (1503)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: 180) من طريق أحمد بن حنبل، كلاهما (ابن أبي شيبة والإمام أحمد) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع وأنس بن سيرين، قالا: قال ابن عمر: يكفيك قراءة الإمام. وهذا موقوف، وسنده صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (2812) عن هشام بن حسان،
وأبو القاسم البغوي في الجعديات (1150)، عن شعبة.
ورواه أحمد (2/ 49) حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا أبي،
ورواه محمد بن الحسن في زوائده على الموطأ (116)، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، أربعتهم عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر به موقوفًا.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 220)، وفي أحكام القرآن (503) من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر موقوفًا.
ورواه محمد بن الحسن في زيادته على موطأ مالك (118)، عن أسامة بن زيد المدني، عن سالم، عن ابن عمر موقوفًا.
* ويجاب بجوابين:
الأول: أن الصحابة مختلفون في هذه المسألة، فمنهم من يوجب القراءة مطلقًا، ومنهم من ينهى عنها مطلقًا، ومنهم من يفرق بين السرية والجهرية، وإذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فيطلب مرجح من أدلة أخرى عدا قول الصحابي.
الثاني: أن أثر ابن عمر الموقوف عليه ظاهره أنه لا يرى القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السر ولا في الجهر.
(ث-322) ويؤيده ما رواه مالك في الموطأ عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام
(1)
.
وسنده في غاية الصحة إلا أن مالكًا رحمه الله ترجم لهذا الأثر عن ابن عمر بقوله: (باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به).
ويؤيد ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، حدثني ابن شهاب، عن سالم،
عن ابن عمر، كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه
(2)
.
[وسنده صحيح]
(3)
.
ومفهوم كلام ابن عمر أنه في الصلاة السرية يقرأ مع الإمام، وإن كان الحنفية لا يحتجون بالمفهوم بالنصوص المرفوعة فضلًا عن الآثار الموقوفة، والصواب أنه حجة في الجملة.
قال ابن عبد البر: «كل من روى عن نافع عن ابن عمر من رواية مالك وغيره من الألفاظ المجملة في هذا الحديث، فإنه يفسره ويقضي عليه حديث ابن شهاب عن سالم هذا، والله أعلم»
(4)
.
(1)
. الموطأ (1/ 138).
(2)
. المصنف (2811)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (3/ 103).
(3)
. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (3/ 103)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (330).
(4)
. الاستذكار (1/ 463).
(1)
.
(ث-323) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي العالية، قال:
سمعت ابن عمر يقول: إني لأستحيي من رب هذه البَنِيَّةِ أن أصلي صلاة، لا أقرأ فيها بأم القرآن، وشيء معها
(2)
.
ورواية معمر عن أيوب فيها كلام، لكن لم يتفرد به،
فقد رواه الطحاوي من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي العالية به
(3)
.
ويزيد بن هارون ممن سمع من سعيد قبل تغيره، قاله يحيى بن معين، وقال أحمد: سماع يزيد ين هارون من ابن عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، وقد تابعه أيوب في أبي العالية
(4)
.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن أبي الأزهر، قال: سئل ابن عمر
…
فذكره، وهذا سند ضعيف، خالد بن عبد الله سمع من الجريري بعد تغيره، وأبو الأزهر يزيد بن أبي يزيد الضبعي لم يسمعه من ابن عمر، وإنما سمعه من أبي العالية.
فقد رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام من طريق ابن المبارك، أخبرنا كهمس بن الحسن، عن أبي الأزهر الضبعي، عن أبي العالية،
أن عبد الله بن صفوان، قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن أفي كل صلاة تقرأ؟ قال: إني لَأَسْتَحْيِيِ من رب هذه البَنِيَّةِ أن أركع ركعتين لا أقرأ فيها بأم
(1)
. التمهيد (11/ 36).
(2)
. المصنف (2648).
(3)
. شرح معاني الآثار (1/ 206).
(4)
. شرح علل الترمذي لابن رجب (2/ 745).
الكتاب فزائدًا، أو قال: فصاعدًا
(1)
.
فرجع إلى أثر أبي العالية.
فقوله: (وشيء معها) وفي رواية الطحاوي: (وما تيسر) وفي رواية ثالثة: (فصاعدًا) يدل على قراءة المأموم في غير الجهرية؛ لأن المأموم في الجهرية لا يشرع له قراءة ما تيسر مع الفاتحة.
وعلى فرض أن يكون ابن عمر لا يرى القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السرية ولا في الجهرية فإن الصحابة مختلفون في هذه المسألة، وليس قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فينظر إلى أقربهم إلى الحق بالنظر في أدلة أخرى، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(ث-324) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح]
(2)
.
* ويجاب:
بأن قول جابر محمول على الصلاة الجهرية دون السرية:
(ح-1394) لما روى يزيد الفقير، عن جابر قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
[صحيح]
(3)
.
الدليل السادس:
(ح-1395) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا القاضي أبو عمرو محمد بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن محمد بن الهيثم رحمه الله، أنبأ أبو الحسين عبد الواحد ابن الحسن بنيسابور، أنبأ الحسين بن بهان العسكري، أنبأ عبد الله بن حماد، أنبأ
(1)
. القراءة خلف الإمام (213).
(2)
. سبق تخريجه، انظر:(ث-317).
(3)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1382).
سليمان بن سلمة، عن محمد بن إسحاق الأندلسي، أنبأ مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب،
عن النواس بن سمعان قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وكان عن يميني رجل من الأنصار فقرأ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى يساري رجل من مزينة يلعب بالحصا، فلما قضى صلاته قال: من قرأ خلفي؟ قال الأنصاري: أنا يا رسول الله قال: فلا تفعل، من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة، وقال للذي يلعب بالحصا: هذا حظك من صلاتك
(1)
.
[موضوع]
(2)
.
الدليل السابع:
(ح-1396) ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن محمد العجلاني مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخبرنا سفيان الثوري، عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة،
عن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، فلما سلم قال: أيكم قرأ خلفي؟ فسكت القوم، فقال: أيكم قرأ خلفي؟، فقال رجل: أنا يا رسول الله فقال: ما لي أنازع القرآن؟ إذا صلى أحدكم خلف إمام فليصمت؛ فإن قراءته له قراءة، وصلاته له صلاة
(3)
.
[لا أصل له من حديث سفيان، تفرد به العجلاني، وهو مجهول، والمعروف من حديث ابن مسعود أنه في النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام]
(4)
.
(1)
. البيهقي في القراءة خلف الإمام (442).
(2)
(3)
. القراءة خلف الإمام (367).
(4)
. ورواه البيهقي في الخلافيات (1914)، والخطيب في تاريخ بغداد (11/ 424).
قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله رحمه الله (يعني الحاكم): «هذا حديث لم نكتبه إلا عن هذا =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الشيخ بهذا الإسناد، ولا سمعنا أحدًا من فقهاء أهل الكوفة ذكره في هذا الباب، فلو ثبت مثل هذا عن الثوري، عن مغيرة لكان لا يخفى على أئمة أهل الكوفة، وأحمد بن محمد العجلاني هذا لا نعرفه، ولم نسمع بذكره إلا في هذا الخبر، وإنما الخبر المروي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلطتم عليَّ القرآن في الجهر بالقراءة خلفه».
قلت يشير الحاكم إلى ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3778)، وأحمد (1/ 451)، وأبو يعلى (5006)، والبزار في مسنده (2078)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (368)، والسراج في حديثه (188)، عن محمد بن عبد الله الأسدي (أبي أحمد الزبيري)،
ورواه أبو يعلى (5397)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (154)، وابن ماجه (1019)، والبزار في مسنده (2079)، والدارقطني في السنن (1290)، والسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (2533)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (369)، من طريق النضر بن شميل.
والسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (189، 2532) من طريق حجاج بن محمد،
والبيهقي في القراءة خلف الإمام (365) من طريق بكير بن بكار،
أربعتهم، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كنا نقرأ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: خلطتم علي القرآن، زاد النضر بن شميل كما عند البخاري في جزء القراءة، وابن ماجه، والدارقطني والسراج: وكنا نسلم في الصلاة، فقيل لنا: إن في الصلاة لشغلًا.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله إلا يونس بن أبي إسحاق» . اهـ
وقال الترمذي في العلل الكبير (109): سألت محمدًا، يعني ابن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث، فقال: لا أعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث يونس بن أبي إسحاق».
ويونس وإن كان صدوقًا إلا أن أحمد ضعف حديثه عن أبيه، وقال: حديثه مضطرب.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق به فاقتصر على قوله: إن في الصلاة لشغلًا.
وإسرائيل أوثق من يونس. أخرجه الطحاوي (1/ 455)، والطبراني في المعجم الكبير (10/ 112) ح 10131.
وعلى فرض صحته فلا حجة فيه للحنفية، لأن الإنكار لم يتوجه للقراءة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لنهاهم عنها، وإنما نهاهم عن جهر يخلط على الإمام والمصلي قراءته، وهذا ليس محل خلاف.
قال البيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: 166): «وهذا أيضا في جهرهم بالقراءة خلفه، ونحن نكره للمأموم الجهر بالقراءة، فأما أن يترك أصل القراءة فلا» .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (11/ 49): «يحتمل أن يكون هذا في صلاة الجهر، وهو الظاهر؛ لأنه لا يخلطون إلا برفع أصواتهم، فلا حجة فيه للكوفيين» .
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (23/ 284): «فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه وخلط عليه القرآن، وهذا لا يكون ممن قرأ في نفسه بحيث لا يسمعه غيره، وإنما يكون ممن أسمع غيره، وهذا مكروه لما فيه من المنازعة لغيره؛ لا لأجل كونه قارئًا خلف الإمام، وأما مع مخافتة الإمام فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه» .
الدليل الثامن:
(ث-325) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس أقرأ، والإمام بين يدي. فقال: لا
(1)
.
[لم يَرْوِهِ عن أبي جمرة إلا حماد بن سلمة، فهو حسن إن كان حفظه حماد عن أبي جمرة، فقد تغير حفظ حماد بآخرة]
(2)
.
(1)
. شرح معاني الآثار (1/ 220).
(2)
. ليس في الكتب التسعة حديثٌ واحدٌ لحماد بن سلمة عن أبي جمرة إلا حديثًا واحدًا رواه مسلم وأحمد، بلفظ:(أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا يوحى إليه)، روياه من مسند ابن عباس، وقد رواه البخاري وغيره من غير طريق حماد بن سلمة.
ولحماد بن سلمة عن أبي جمرة ثلاثة أحاديث أو أربعة خارج الكتب التسعة، منها:
حديث: (نهى عن الدباء والمزفت والنقير والحنتم). رواه الطحاوي والطبراني، وهو في الصحيحين عن أبي جمرة من غير طريق حماد بن سلمة.
وحديث: (من صلى البردين دخل الجنة). رواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم، والحديث في الصحيحين من رواية همام عن أبي جمرة.
وحديث: (أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل
…
) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، والحديث في مسلم من غير طريق أبي جمرة.
وهذا الأثر الموقوف، هذا كل ما وقفت عليه من حديث حماد، عن أبي جمرة: نصر بن عمران.
وأبو جمرة له ما يقارب خمسين حديثًا عن ابن عباس، ولو كان روى هذا عن ابن عباس لم ينفرد عنه حماد على قلة روايته عنه، فأخشى أن يكون قد أخطأ فيه حماد بن سلمة، خاصة أنه قد ثبت عن ابن عباس القراءة في الصلاة السرية بسند أقوى من إسناد حماد بن سلمة انظره في الدليل التالي.
وقد بينت أن حديث حماد بن سلمة على ثلاثة أقسام:
أحدها: صحيح بلا خلاف إذا روى عن شيوخ يعتبر مقدمًا فيهم، كروايته عن ثابت فهو من أثبت الناس فيه باتفاق أهل الحديث، وكذا روايته عن خاله حميد الطويل، وعمار بن أبي عمار.
القسم الثاني: ضعيف إذا روى عن شيوخ قد تكلم العلماء في روايته عنهم، مثل قيس بن سعد وزياد الأعلم. =
(ح-1397) وروى الدارقطني من طريق عاصم بن عبد العزيز، عن أبي سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة،
عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكفيك قراءة الإمام، خَافَتَ أو جَهَرَ
(1)
.
[ضعيف]
(2)
.
= القسم الثالث: من لم يتكلم في روايته عنهم، فالأصل أن حديثه مقبول ما لم يخالف غيره من الثقات، أو يختلف عليه فيه، هذا في الجملة، مع حاجة هذا القسم إلى التفتيش خشية الخطأ والوهم، خاصة إذا علمنا أنه قد تغير بآخرة، والله أعلم. انظر: الجرح والتعديل (9/ 66).
جاء في الجرح والتعديل (3/ 141): سئل أحمد بن حنبل عن حماد بن سلمة، فقال: صالح. اهـ
وقوله: (صالح) ولم يقيد ذلك بقوله: (صالح الحديث) يحمل على صلاح الدين، وإذا أردت كلام أئمة الجرح على صحة هذا التقسيم فارجع إلى مسألة تحول المنفرد إلى الائتمام بالنية فقد ذكرت هناك الكلام على أحاديث حماد بالتفصيل، واستشهدت بكلام أئمة الجرح والتعديل، وقد ذكر مثل هذا التقسيم الشيخ عبد الله السعد فيما قرأت له على الشبكة، والله أعلم.
(1)
. سنن الدارقطني (1252).
(2)
. ومن طريق عاصم بن عبد العزيز رواه أبو نعيم في الحلية (4/ 265)، والبيهقي في الخلافيات (1970)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (432، 433)، وابن الجوزي في التحقيق (534).
قال الدارقطني: عاصم ليس بالقوي، ورفعه وهم.
وقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (3089).
وقال البيهقي في الخلافيات (2/ 484): الغالب على حديثه الوهم والخطأ.
وقال أحمد بن حنبل عن حديث ابن عباس: هذا منكر. وانظر نصب الراية (2/ 11)، إتحاف المهرة لابن حجر (7/ 665).
ونقل البيهقي عن شيخه الحاكم أنه قال: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي الغالب على حديثه الوهم والخطأ.
وضعفه الحافظ ابن حجر في الدراية (1/ 163).
وروى البيهقي في القراءة خلف الإمام (434)، وفي الخلافيات (من طريق علي بن كيسان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلا صلاة؛ إلا وراء الإمام.
قال البيهقي في الخلافيات (2/ 484): رواه علي بن كيسان شيخ مجهول.
وقال أيضًا في القراءة خلف الإمام (ص: 197): «قال: لنا أبو عبد الله: لم نسمع بعلي بن كيسان إلا في هذا الإسناد، قال الإمام أحمد رحمه الله: كيف يصح هذا عن ابن عباس، وقد روينا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: اقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر.
وفي رواية أخرى عن عطاء عن ابن عباس: لا تدع فاتحة الكتاب جهر الإمام أو لم يجهر». اهـ
وقد عورض هذا بما هو أصح منه عن ابن عباس:
(ث-326) فقد روى ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث،
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
وهذا دليل على أن ابن عباس يرى قراءة الفاتحة للمأموم في السرية فقط.
الدليل التاسع:
(ث-327) روى محمد بن الحسن في زياداته على الموطأ، أخبرنا محمد بن أبان بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس،
أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما جهر فيه، وفيما يخافت فيه في الأوليين، ولا في الأخريين، وإذا صلى وحده قرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ولم يقرأ في الأخريين شيئًا
(3)
.
(1)
. المصنف (3773).
(2)
. هكذا رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار، عن ابن عباس في القراءة خلف الإمام نصًّا، وفي الصلاة السرية.
ورواه شعبة وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن العيزار، عن ابن عباس، قال: من استطاع منكم أن لا يصلي صلاة إلا قرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها، فإن لم يستطع فلا يدع فاتحة الكتاب.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (3/ 1016)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (435)
وقد يبدو للباحث أن الأثر واحد، والذي يظهر لي أنهما أثران إلا أن يكون أحدهما خطأ:
فرواية إسماعيل بن أبي خالد: كما بينت في السرية، وفي قراءة المأموم خلف الإمام، فلا يدخل فيه الإمام والمنفرد نصًّا.
والثاني: مطلق، إلا أنه لما نص على قراءة شيء مع الفاتحة خرج بذلك المأموم في الصلاة الجهرية؛ لأنه لا يشرع له خلف الإمام في الجهرية زيادة على الفاتحة إلا فيما يخافت فيه الإمام، وليس هذا محل البحث، فإن البحث في قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية.
(3)
. موطأ مالك رواية محمد بن الحسن (120).
[ضعيف]
(1)
.
(ث-328) وأصح منه ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن منصور،
عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإمام
(2)
.
[صحيح]
(3)
.
فقول ابن مسعود (أنصت للإمام) دليل على أنه عنى بذلك القراءة في الصلاة
(1)
. في إسناده محمد بن أبان بن صالح القرشي ضعيف، قال الذهبي في الميزان (3/ 453): ضعفه أبو داود، وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي.
وفي لسان الميزان: قال النسائي: ليس بثقة.
وقال أبو حاتم الرازي: ليس هو بقوي في الحديث، يكتب حديثه على المجاز، ولا يحتج به، بابه حماد بن شعيب.
وقال أحمد: أما إنه لم يكن ممن يكذب. الجرح والتعديل (7/ 1119).
(2)
. المصنف (2803)، وقد سقط من إسناد عبد الرزاق الثوري، وصحح من رواية الطبراني، ومن الأوسط لابن المنذر (3/ 102).
(3)
. هذا الأثر رواه الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (2803)، والحجة على أهل المدينة (1/ 120)، وزيادات محمد بن الحسن على موطأ مالك (121)، والمعجم الكبير للطبراني (9/ 264) ح 9311، والأوسط لابن المنذر (3/ 102) والخلافيات للبيهقي (1916)،، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 229)، وفوائد الحنائي (282 - 291).
وأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (3780)،
ووهيب بن خالد كما في شرح معاني الآثار (1/ 219)، وفي أحكام القرآن للطحاوي (501)
وأيوب كما في المعجم الأوسط (8049)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (257، 373، 374)، وفي الخلافيات له (1915)،
وعبد الوهاب الثقفي كما في المعجم الكبير (10/ 194) ح 10435، وفي المعجم الأوسط (8049)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (257)، وفي الخلافيات له (1915).
وسفيان بن عيينة كما في زيادات محمد بن الحسن على موطأ مالك (119)، وكما في الحجة على أهل المدينة (1/ 119).
وشعبة كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 229)، والتمهيد لابن عبد البر (11/ 30).
وروح بن القاسم كما في مجالس من أمالي ابن منده (410)، كلهم (السفيانان وأبو الأحوص، ووهيب، وأيوب، والثقفي، وشعبة، وروح بن القاسم) رووه عن منصور به.
الجهرية؛ لأن السرية لا يمكن للمأموم أن ينصت للإمام، ولو اقتصر ابن مسعود على قول: أنصت لشمل ذلك السرية، فلما قيد الإنصات بأن يكون للإمام، اختص ذلك بالجهرية حال سماع قراءة إمامه، والله أعلم.
الدليل العاشر:
(ث-329) روى مسلم في صحيحه من طريق يزيد بن خصيفة، عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء ....
(1)
.
* وأجيب:
بأن قوله: (لا قراءة مع الإمام) فيه إشارة إلى أنه يقصد بذلك الصلاة الجهرية، كما يفهم ذلك من لفظ المعية، وأما في السرية فلا يقال: قرأ معه، كما لا يقال: استفتح معه، وتشهد معه، وسبح معه في الركوع والسجود
(2)
.
(ث-330) وأصرح منه ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،
عن زيد بن ثابت سمعه يقول: لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات
(3)
.
[شاذ، فقد رواه يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بلفظ: (لا تقرأ مع الإمام في شيء) فدل على أن النهي عن القراءة في الجهرية]
(4)
.
(1)
. صحيح مسلم (106 - 577).
(2)
. انظر مجموع الفتاوى (23/ 303).
(3)
. شرح معاني الآثار (1/ 219).
(4)
. اختلف فيه على عطاء بن يسار:
فرواه يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم إذا هوى فلم يسجد.
فقوله: (لا قراءة مع الإمام) إشارة إلى أن النهي خاص بالصلاة الجهرية، فهي التي يصدق فيها أن المأموم يقرأ مع الإمام.
رواه مسلم في صحيحه (106 - 577)، والنسائي في الكبرى (1034)، وفي المجتبى =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (960)، وأبو عوانة في مستخرجه (1951)،والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 232)، من طريق يزيد بن خصيفة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط به.
ورواه البخاري في صحيحه (1072) من طريق ابن خصيفة به مقتصرًا على قصة السجود.
كما رواه البخاري (1073) وغيره من طريق ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط مقتصرًا على قصة السجود.
ورواه بكير بن عبد الله الأشج كما في شرح معاني الآثار (1/ 219)، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، بلفظ:(لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات).
لم يروه عن بكير بن عبد الله الأشج إلا ابنه مخرمة بن بكير، تفرد به عنه عبد الله بن واهب.
قال البخاري وأحمد وابن معين والنسائي وابن المديني: «مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا» .
قال أبو طالب: «سألته -يعني أحمد بن حنبل- عن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى من كتاب أبيه» . الجرح والتعديل (8/ 363).
وكذا نقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، انظر العلل رواية عبد الله (1907)، ومسائل حرب (ص: 465).
وقال يحيى بن معين كما في تاريخه رواية الدوري (3/ 254): «حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه» . وانظر الجرح والتعديل (8/ 363)، ورواية ابن محرز (1/ 56).
وقال البخاري في التاريخ الكبير (8/ 16): «قال ابن هلال: سمعت حماد بن خالد الخياط، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتبًا، فقال: هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئًا» . وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (830).
وقال ابن حبان كما في الثقات (7/ 510): يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه.
فإذا كانت روايته عن أبيه وجادة من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وثبت صحة ذلك الكتاب، كانت وجادة صحيحة، وهي أحد وجوه التحمل في أصح قولي أهل العلم، وإن كانت أدنى من غيرها، ويدل على صحة الكتاب أن مالكًا كان يعتد به.
قال ابن حجر: الوجادة فيها شائبة اتصال، وهي إحدى طرائق التحمل عند المحدثين.
وكان عبد الله بن أحمد كثيرًا ما يقول: وجدت بخط أبي، حدثنا فلان.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، ثلاثة أحاديث: حديث المذي (توضأ وانضح فرجك).
وحديث: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه).
وحديث (لا تبيعوا الدينار بالدينارين)، كما أخرج مسلم عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه هذه الترجمة، انظر الإلزامات والتتبع (ص: 509).
وقال العلائي في جامع التحصيل (742): «أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال، وقد انتقد ذلك عليه» . =
(ث-331) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد،
عن زيد بن ثابت، قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له
(1)
.
[ضعيف، وروي مرفوعًا، وهو موضوع]
(2)
.
= والذي يظهر لي أن إسناد مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء بن يسار حسن بشرط ألا يكون شاذًّا، وهو ما لم يتوفر هنا.
قال الإمام أحمد فيما نقله عنه البيهقي في القراءة خلف الإمام: والصحيح عن زيد بن ثابت رواية عطاء بن يسار، أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء.
فهنا الإمام أحمد صحح أثر زيد بن ثابت بلفظ: (لا قراءة مع الإمام في شيء)، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، بخلاف لفظ مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء به، فإنه رواه بلفظ:(لا تقرأ خلف الإمام في شيء)، فإما أن يحمل لفظ مخرمة على لفظ مسلم، ويكون المقصود بالنهي عن القراءة إنما هو في الصلاة الجهرية، وإما أن يحكم بشذوذ ما رواه الطحاوي من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، فرواية مسلم أصح، والله أعلم.
(1)
. المصنف (3788).
(2)
. أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب عن وكيع.
ورواه عبد الرزاق في المصنف (2802) عن داود بن قيس، كلاهما عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت.
وموسى بن سعد لم يسمع من جده زيد بن ثابت، ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب.
ورواه الثوري، واختلف عليه:
فأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 233) وفي القراءة خلف الإمام (448) من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن ابن زيد به.
فزاد في الإسناد ابن زيد بن ثابت.
قال البيهقي: وخالفه عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان، فقال عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، ورواه داود بن قيس وعبد الله بن داود، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن زيد، لم يذكر أباه في إسناده.
ولم يتبين لي اختلاف كبير في رواية سفيان الثوري، فقوله:(عن ابن زيد بن ثابت)، أو قال: عن موسى بن سعد، عن أبيه، فإن أباه سعدًا هو ابن لزيد بن ثابت، نعم زاد الثوري واسطة بين موسى بن سعد وجده زيد بن ثابت خلاف رواية وكيع وداود بن قيس، فإن كان حفظه الثوري، فيكون من المزيد في متصل الأسانيد، وتبقى علته هل سمع سعد بن زيد بن ثابت من أبيه، فإني لم أقف على سماعه منه، وسعد بن زيد ليس له رواية في الكتب الستة. =
قال ابن عبد البر: «منكر، لا يصح عنه، وقد أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه، فدل على فساد ما روي عن زيد بن ثابت»
(1)
.
(2)
.
الدليل الحادي عشر:
(ث-332) ما رواه الطحاوي من طريق أبي نعيم، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومر على دار ابن الأصبهاني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وكان قد قرأ على أبي عبد الرحمن (يعني السلمي)، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى قال:
= كما أن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب: مقبول: أي حيث يتابع، ولم يتابع هنا، والله أعلم، فيبقى الإسناد ضعيفًا.
وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: 210): قال البخاري: لا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله.
وقال الإمام أحمد: والصحيح عن زيد بن ثابت رواية عطاء بن يسار، أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وهو محمول عندنا على الجهر بالقراءة مع الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال في هذه المسألة قولًا يحتج به من لم يَرَ القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتمل أن يكون المراد به ترك الجهر بالقراءة».
وروى ابن حبان في المجروحين (1/ 163) من طريق أحمد بن علي بن سلمان أبي بكر، عن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.
وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين، ونقل الخطيب عن الدارقطني أنه قال: متروك، يضع الحديث. تاريخ بغداد (5/ 496).
(1)
. الاستذكار (1/ 470).
(2)
. المجروحين لابن حبان (2/ 5).
قال علي رضي الله عنه: من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة
(1)
.
[منكر، اضطرب فيه عبد الرحمن الأصبهاني]
(2)
.
(1)
. شرح معاني الآثار (1/ 219).
(2)
. اضطرب فيه عبد الرحمن الأصبهاني، وقد يكون الحمل على الرواة عنه:
فقيل: عنه، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 219)، وفي أحكام القرآن له (500)، وابن الأعرابي في معجمه (2323) من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين ثقة)، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن علي رضي الله عنه.
ورواه محمد بن الفضل بن سلمة (قال الخطيب: ثقة)، عن أحمد بن يونس (ثقة من شيوخ البخاري ومسلم)، حدثنا عمرو بن عبد الغفار (رافضي متهم)، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع ثقة، والحسن بن صالح (ثقة)، ثلاثتهم (عمرو، وأبوشهاب، والحسن بن صالح،) عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني به.
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (416) من طريق سعيد بن منصور، أخبرنا أبو شهاب، عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
قال البيهقي: قوله: (عن ابن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى) يحتمل أن يكون المراد به المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، كما رواه أحمد بن يونس عن أبي شهاب.
ورواه أبو علي الحافظ كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (415)،
وأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين (1/ 632)، قالا: أخبرنا إبراهيم بن شريك بن الفضل الأسدي (ثقة) أخبرنا أحمد بن يونس، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى به.
وخالفهما عبد الله بن جعفر بن حيان كما في القراءة خلف الإمام (414)، وفي الخلافيات للبيهقي (1904)، فرواه عن إبراهيم بن شريك الأسدي، أخبرنا أحمد بن يونس، حدثنا الحسن بن صالح، عن أخيه، عن الأصبهاني، عن المختار عن علي رضي الله عنه.
قال البيهقي: رواية أبي علي أصح. اهـ يعني أنه عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، ورواية علي بن صالح معروفة إلا أن المعروف أنها من رواية المختار، عن أبيه، وسيأتي تخريجها، إن شاء الله تعالى، ولم يتابع عبد الله بن جعفر بن حيان.
وعلة هذا الإسناد المختار بن عبد الله بن أبي ليلى مجهول، ولا يعرف له سماع من علي رضي الله عنه.
كما أن في إسناده محمد بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وقد اختلف عليه في إسناده،
فقيل: عنه، عن ابن الأصبهاني، عن المختار، عن علي رضي الله عنه، كما سبق.
وقيل: عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن عبد الله بن أبي ليلى، أن عليًّا كان ينهى عن القراءة خلف الإمام. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رواه عبد الرزاق في المصنف (2805)، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى به.
ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (2/ 316) من طريق أبي حفص الأبَّار (وثقه ابن معين وابن سعد وعثمان بن أبي شيبة والدارقطني وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس)، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه، عن علي، فزاد عبد الله بن أبي ليلى بين المختار وبين علي رضي الله عنه.
فهذه ثلاثة طرق من وجوه الاختلاف على محمد بن أبي ليلى.
وأَيًّا كان؛ فإن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، وعبد الله بن أبي ليلى مجهولان، ولا يعرف لهما سماع من علي رضي الله عنه، وسوف يأتي كلام أهل الجرح فيهما إن شاء الله تعالى.
ورواه ابن عيينة كما في مصنف عبد الرزاق (2804) أخبرنا أصحابنا عن زبيد (هو اليامي ثقة)، عن عبد الله بن أبي ليلى (لا يعرف)، عن علي رضي الله عنه، قال: ليس من الفطرة القراءة مع الإمام.
فهنا ابن عيينة أبهم أصحابه، فهل كان يقصد محمد بن أبي ليلى، فإنه من شيوخه، وفي إسناده عبد الله بن أبي ليلى لا يعرف، ومع ضعف هذا الإسناد، إلا أنه جعله في القراءة مع الإمام، وليس لمطلق القراءة خلف الإمام، ففيه إشارة إلى أن المقصود القراءة في الصلاة الجهرية.
وكذا رواه عبد الرزاق في المصنف (2806) عن داود بن قيس، عن محمد بن عجلان، قال: قال علي رضي الله عنه: من قرأ مع الإمام فليس على الفطرة.
فجعله في القراءة مع الإمام، وهذا لا يكون إلا في الجهرية، وابن عجلان تابعي صغير من شيوخ مالك، إن كان له رواية عن أحد من الصحابة فعن أنس بن مالك، وهو مدلس، فلم يسمعه من علي رضي الله عنه، ومع ذلك فلفظه ليس في القراءة خلف الإمام، وإنما في القراءة مع الإمام.
وقيل: عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، فزاد في الإسناد عبد الله بن أبي ليلى.
رواه وكيع، عن علي بن صالح، عن الأصبهاني به.
رواه الدارقطني في سننه (1255)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (417)، وفي الخلافيات له (1902).
ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام تعليقًا (ص: 12) قال: وروى علي بن صالح، عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه
…
وذكره.
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رواية أبي حفص الأَبَّار عنه، عن عبد الرحمن الأصبهاني عن المختار، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه. رواه العقيلي في الضعفاء (2/ 316)، وسبقت الإشارة إلى هذا الطريق.
قال البخاري: «وهذا لا يصح؛ لأنه لا يُعْرف المختار، ولا يُدْرى أنه سمعه من أبيه، ولا أبوه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله، وحديث الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي أولى وأصح». اهـ
يقصد البخاري أنه جاء عن علي رضي الله ما يخالفه من رواية الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين، رواه عن الزهري معمر، واختلف على معمر فيه، وسبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في ترجمة المختار: (8/ 310) «كوفي روى عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، روى عنه عبد الرحمن الأصبهاني
…
سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث».
وقال الدارقطني في العلل (4/ 20): «الصواب قول من قال، عن ابن أبي رافع، عن علي، موقوفًا.
وهذا الحديث، عن علي أحسن إسنادًا وأصح من الحديث الذي يرويه الكوفيون، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي، أخطأ الفطرة من قرأ خلف الإمام، والله أعلم».
وقيل: عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي.
رواه عبد الرزاق في المصنف (2801)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (1906) عن الحسن بن عمارة (قال فيه أحمد: متروك، وجرحه شعبة والثوري)، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى، قال: سمعت عليًاً
…
وذكر الأثر.
وقيل: عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن علي رضي الله عنه.
ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (2/ 456)، ولم يذكر إسناده.
وقيل: عن قيس بن الربيع، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
رواه الدارقطني في السنن (1257) من طريق الحسين بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا عمي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا قيس به.
وهذا إسناد منكر، لم يقل أحد: عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى غير قيس بن الربيع، وهو قد تغير حفظه لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، وفي إسناده الحسين بن عبد الرحمن الأزدي ترجم له أبو أحمد الحاكم في الكنى فلم يذكر فيه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جرحًا، ولا تعديلًا، فيه جهالة، وشيخه (عمه عبد العزيز بن محمد الأزدي) فيه جهالة أيضًا، فمثل هذا الإسناد لا يمكن التعويل عليه، وقد رواه علي بن صالح ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رواية أبي حفص الأَبَّار، فقالا: عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه.
وقال ابن أبي ليلى في رواية الجماعة عنه: عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
وقيل: عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3781) حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني (ضعفه النسائي، وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ما له قد أخطأ في غير شيء منه)، عن عبد الرحمن به.
فمن هو ابن أبي ليلى؟
أهو المختار بن عبد الله بن أبي ليلى: كما هي رواية ابن الأصبهاني، من رواية أبي نعيم الفضل بن دكين، وعمرو بن عبد الغفار، وأبي شهاب، والحسن بن صالح، أربعتهم عن محمد بن أبي ليلى عن ابن الأصبهاني.
أم هو عبد الله بن أبي ليلى، كما هي رواية زبيد اليامي، ورواية ابن الأصبهاني من رواية علي بن صالح، ومحمد بن ليلى، من رواية أبي حفص الأَبَّار والثوري عنه كلاهما (علي بن صالح ومحمد بن أبي ليلى) عن ابن الأصبهاني به.
أم هو أخوه عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما هي رواية قيس بن الربيع، والإسناد إلى الربيع فيه مجهولان، إضافة إلى ضعف قيس بن الربيع.
الراجح والله أعلم أن يحمل على رواية الأكثر، زبيد اليامي ومحمد بن أبي ليلى، وعلي بن صالح، فلا يحتمل إلا أحد راويين: إما عبد الله بن أبي ليلى وهو الأقرب، أو المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، فإن هذا الأثر لا يعرف إلا بهما، وقد رواه أبو شهاب من رواية أحمد بن يونس، عنه، فقال: عن محمد بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي رضي الله الله عنه،
ورواه سعيد بن منصور، عن أبي شهاب، عن محمد بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه.
فصار أبو شهاب: تارة يذكره بالاسم، فيقول: عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، وتارة يذكره بالكنية فيقول: ابن أبي ليلى.
قال البيهقي: قوله: (عن ابن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى) يحتمل أن يكون المراد به المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، كما رواه أحمد بن يونس عن أبي شهاب.
ولم يقل أحد: إن هذا الأثر من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا قيس بن الربيع، وهو ضعيف الحفظ كبر فتغير حفظه، والإسناد إليه فيه مجهولان، فقد يكون رواه على الجادة، خاصة أن عبد الله بن أبي ليلى لا يعرف إلا بهذا الأثر، والله أعلم، فكيف يصح أن يحمل هذا الإجمال على الرواية النادرة والشاذة، ولا يحمل على رواية الأكثر، فلو كان هذا الأثر معروفًا من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى لذكر ذلك البخاري وابن أبي حاتم والدارقطني، والعقيلي وابن حبان وغيرهم ممن تكلموا على هذا الأثر، فكل هؤلاء لم يشر واحد منهم إلى رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولو كان محفوظًا من رواية الثقة عبد الرحمن بن أبي ليلى لروى ذلك أصحابه عنه، فلا شك أن رواية قيس بن الربيع وهم منه، أو من الرواة عنه، والله أعلم.
(ث-333) وهو معارض بما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب
(1)
.
[صحيح، وسبق تخريجه]
(2)
.
* دليل من قال بوجوب القراءة في الصلاة السرية دون الجهرية:
أما الأدلة على وجوب القراءة في الصلاة السرية، فمنها:
الدليل الأول:
حديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. متفق عليه، وسبق تخريجه.
الدليل الثاني:
حديث أبي هريرة: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام. رواه مسلم، وسبق تخريجه.
وهذان العمومان خص منهما المأموم في الصلاة الجهرية من أجل سماع القرآن، لقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204]، وبقي الوجوب في حق المأموم في الصلاة السرية، وكذلك المنفرد والإمام، لعدم وجود المخصص، وقد سبق بيان وجه التخصيص في أدلة القول الأول.
الدليل الثالث:
(ث-334) روى ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث،
(1)
. مصنف عبد الرزاق (2783).
(2)
. انظر (ث-318).
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
الدليل الرابع:
(ث-335) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب
(3)
.
[صحيح، وسبق تخريجه]
(4)
.
الدليل الخامس:
(ث-1398) روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،
عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب
(5)
.
[صحيح]
(6)
.
وإذا خَصَّ ابنُ عباس وعلي، وجابر رضي الله عنهم الظهر والعصر في القراءة خلف الإمام، فإن مفهومه أنه لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه، كالمغرب، والعشاء، والصبح.
الدليل السادس:
(ث-336) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن ذكوانَ أبي صالح،
(1)
. المصنف (3773).
(2)
. سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر:(ث-321).
(3)
. مصنف عبد الرزاق (2783).
(4)
. انظر (ث-318).
(5)
. سنن ابن ماجه (843).
(6)
. سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر:(ح 1382).
عن أبي هريرة وعائشة، قالا: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به
(1)
.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان به، بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر
(2)
.
[حسن إن كان حفظه عاصم بن بهدلة]
(3)
.
فقولهما: (إذا لم يجهر) صريح بأن شرط قراءة المأموم في الصلاة إسرار الإمام.
الدليل السابع:
(ث-337) ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، حدثني ابن شهاب، عن سالم،
عن ابن عمر، كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه
(4)
.
[وسنده صحيح]
(5)
.
الدليل الثامن:
(ث-338) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن منصور،
عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإمام
(6)
.
[صحيح]
(7)
.
وجه الاستدلال من الأثرين:
أن الإنصات في أثر ابن عمر للإمام، وفي أثر ابن مسعود (للقرآن)، فكان الأمر بالإنصات من أجل سماع القرآن من الإمام، ومفهومه أنه إذا كان لا يسمع قراءة إمامه، كما في الصلاة السرية، فإنه لا يؤمر بالإنصات، بل يقرأ؛ لأن السكوت
(1)
. السنن الكبرى (2/ 244).
(2)
. الأوسط (3/ 103).
(3)
. سبق تخريجه، انظر (ث-319).
(4)
. المصنف (2811)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (3/ 103).
(5)
. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (3/ 103)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (330).
(6)
. المصنف (2803)، وقد سقط من إسناد عبد الرزاق الثوري، وصحح من رواية الطبراني، ومن الأوسط لابن المنذر (3/ 102).
(7)
. سبق تخريجه، انظر:(ث-328).
المجرد في الصلاة غير مشروع.
فهذه آثار الصحابة رضي الله عنهم: ابن عباس، وعلي، وجابر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، أيتصور أن تكون قراءة الفاتحة واجبة وجوبًا عامًّا على جميع المصلين في الصلاة السرية والجهرية، ثم يجهل هؤلاء مثل ذلك، وهم من الصحبة الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ وهم معدودون من الطبقة الأولى في الفقه والفتوى، فواجبات الصلاة التي لا تصح إلا بها يصعب تصور أن مثل ذلك لا يدركه فقهاء الصحابة، وهل ذلك إلا اتهام لهم بالتقصير في معرفة ما يجب عليهم في صلاتهم، -وحاشاهم- أو قدح في معلمهم، ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم كما وصفه القرآن {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 128]، فهو أحرص الناس على صحة صلاة أصحابه، وهي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وكل لفظ ورد عن هؤلاء مما يفهم منه القراءة خلف الإمام فإنه يحمل على الصلاة السرية دفعًا لتعارض أقوالهم، أو دعوى النسخ، والله أعلم.
* وأما الأدلة على أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية، فمنها:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204].
قال الإمام أحمد: «أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة»
(1)
.
وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: قال الإمام أحمد في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.
وقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله
(2)
.
وقال ابن المنذر: «لولا أنهم اتفقوا على أن الآية إنما أنزلت في الصلاة أو في
(1)
. فتح الباري لابن رجب (8/ 269) و (8/ 280).
(2)
. الفتاوى الكبرى (5/ 355)، المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 128)، وقد نقلت في المجلد السابع الآثار عن السلف في معنى الآية عند الكلام على تحية المسجد والإمام يخطب، فارجع إليه إن شئت.
الصلاة والخطبة؛ لوجب بظاهر الكتاب على كل من سمع قارئًا يقرأ أن يستمع لقراءته؛ لقوله: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} ، فلما أجمعوا على إسقاط وجوب الاستماع عن كل سامعٍ قارئًا يقرأ؛ إلا عن السامع لقراءة الإمام وهو خلفه، والسامع لخطبة الإمام خرج ذلك عن عموم الكتاب وظاهره بالاتفاق، ووجب استعمال الآية على المأموم السامع لقراءة الإمام .... ».
وقد نقل بعض الحنفية وجوب الاستماع لقراءة القرآن خارج الصلاة، وهو مخالف للإجماع
(1)
.
الدليل الثاني:
(ح-1399) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، (يونس بن جبير) عن حطان بن عبد الله الرقاشي،
عن أبي موسى قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبيَّنَ لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم
…
الحديث.
ورواه مسلم من طريق جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة بمثله، وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة:(وإذا قرأ فأنصتوا) .... قال أبو بكر ابن أخت أبي النظر في هذا الحديث (إشارة إلى تعليل هذه الزيادة)، فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح، يعني: وإذا قرأ فأنصتوا، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لم تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه
(2)
.
[زيادة سليمان التيمي (وإذا قرأ فأنصتوا) زيادة شاذة في أصح قولي أهل العلم، وليس من شرط مسلم في صحيحه أن لا يضع إلا ما أجمع عليه، ومنها هذه الزيادة، فإنها ليست محل إجماع، ومسلم يضع زيادات كثيرة ويشير إلى الاختلاف فيها]
(3)
.
(1)
. انظر البحر الرائق (1/ 364).
(2)
. صحيح مسلم (404).
(3)
. اختلف فيه على قتادة،
فرواه سليمان التيمي، عن قتادة بزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رواه مسلم (404)، وأحمد (4/ 415)، وأبو يعلى في مسنده (7326)، والنسائي في المجتبى (1173)، وابن ماجه (847)، الطحاوي في أحكام القرآن (484)، وأبو عوانة في مستخرجه (1697، 2021)، والبزار في مسنده كما في البحر الزخار (3058)، والطحاوي في أحكام القرآن (485)، والدارقطني في سننه (1250)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 222)، وفي القراءة خلف الإمام له (305)، وأبو نعيم في مستخرجه (898)، من طريق جرير.
ورواه أبو داود (973)، والنسائي في الكبرى (763)، وفي المجتبى (1173)، وأبو عوانة في مستخرجه (1696)، والبزار في مسنده (3059)، والطحاوي في أحكام القرآن (484)، والدارقطني في سننه (1250، 1332)، والبيهقي في الخلافيات (1946)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 105)، من طريق المعتمر بن سليمان،
ووراه الطبراني في الدعاء (578) من طريق سفيان الثوري، ثلاثتهم (جرير، والمعتمر بن سليمان، والثوري) رووه عن سليمان التيمي به بزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا).
تابع سعيد بن أبي عروبة سليمان التيمي، من رواية سالم بن نوح، عنه:
فقد رواه البزار (3060)، والروياني في مسنده (565)، والدارقطني في السنن (1249)، وابن عدي في الكامل (4/ 380)، والبيهقي في السنن (2/ 223)، وفي القراءة خلف الإمام (310)، وفي الخلافيات ط الروضة (1948) من طريق سالم بن نوح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، وعمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، وفيه: (
…
إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا).
وهي رواية شاذة، خالف فيها سالم بن نوح أصحاب سعيد القدماء ممن روى عنه قبل اختلاطه.
فقد رواه عن سعيد دون قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) كل من:
يزيد بن زريع، كما في مسند أبي يعلى (7224)، ومستخرج أبي نعيم (898)،
وعبدة بن سليمان كما في صحيح ابن خزيمة (1584، 1593)،
وابن علية كما في مسند أحمد (4/ 401، 405)، والسنن الكبرى للنسائي (906)، وفي المجتبى (830)، ومستخرج أبي نعيم (898)،
وأبي أسامة حماد بن أسامة، كما في صحيح مسلم (404)، ومصنف بن أبي شيبة (2595، 2988، 3529، 7158)، وفي تحقيق عوامة (8048)، ومستخرج أبي نعيم (898).
وخالد بن الحارث كما في السنن الكبرى للنسائي (655)، وفي المجتبى (1064)،
وسعيد بن عامر الضبعي كما في سنن الدارمي (1351، 1398)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 221، 264)، ومشكل الآثار (5423)، لمستخرج أبي عوانة (2020)،
وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما في سنن ابن ماجه (901)، ومسند البزار (3056).
ومحمد بن أبي عدي كما في صحيح ابن خزيمة (1584، 1593).
ومحمد بن عبد الله الأنصاري كما في مسند الروياني (570)، تسعتهم (يزيد بن زريع، وعبدة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وابن علية، وأبو أسامة، وعبد الأعلى، وخالد، وسعيد بن عامر، وابن أبي عدي، ومحمد الأنصاري) رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، وليس فيه:(وإذا قرأ فأنصتوا)، وهذا هو المعروف من رواية سعيد بن أبي عروبة.
قال الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.
وقال البيهقي: وهذه الزيادة وهم من سليمان التيمي، ثم من سالم بن نوح.
وقال في الخلافيات (2/ 474): «إنما رواه سالم بن نوح، وهو: وهم منه، فقد رواه: يزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، وابن علية، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن أبي عروبة، دون هذه الزيادة» .
وقد يكون سالم بن نوح روى هذا اللفظ عن عمر بن عامر، وليس عن سعيد بن أبي عروبة، وبعض الرواة إذا جمع شيوخه في لفظ واحد، كان اللفظ لأحدهم، ولا يبين ذلك، فيوهم الباحث أن اللفظ لجميع شيوخه، وليس كذلك، فإن كان اللفظ لعمر بن عامر السلمي، وهذا احتمال، فهو مختلف فيه:
قال الدارقطني في الإلزامات والتبع (171): ليس بالقوي، تركه يحيى القطان، واختلف قول ابن معين فيه.
وقال أحمد: كان عبد الصمد بن عبد الوارث يروي عنه، عن قتادة مناكير، وذكره العقيلي في جملة الضعفاء.
وقال أحمد بن صالح: بصري ثقة. والله أعلم.
كما رواه أبو عوانة في مستخرجه (1698) من طريق أبي عبيدة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي به، وفيه:(فإذا قرأ فأنصتوا).
وأبو عبيدة: مجاعة بن الزبير ضعيف.
فلم يروه ثقة عن قتادة بذكر (فإذا قرأ فأنصتوا) إلا سليمان التيمي، وقد خالفه كبار أصحاب قتادة، فلم يذكروا ما ذكره سليمان التيمي.
قال الدارقطني في التتبع (43): «وقد خالف التيمي جماعة، منهم: هشام الدستوائي، وشعبة، وسعيد، وأبان، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر، وعدي بن أبي عمارة، رووه عن قتادة، لم يقل أحد منهم: (وإذا قرأ فانصتوا)» .
وإليك تخريج ما وقفت عليه من هذه الطرق:
الأول: أبو عوانة، كما في صحيح مسلم (62 - 404)، وسنن أبي داود (972)، ومسند البزار (3057)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 238)، وفي مشكل الآثار (5424)، والدعاء للطبراني (578)، ومستخرج أبي عوانة (1684)، ومستخرج أبي نعيم (897)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (306)،.
الثاني: هشام الدستوائي كما في صحيح مسلم (63 - 404)، ومسند أبي داود الطيالسي (519)، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مسند أحمد (4/ 409)، وسنن أبي داود (972)، والسنن الكبرى للنسائي (762، 1204)، وفي المجتبى (1172، 1280)، وسنن ابن ماجه (901)، ومسند الروياني (548)، وصحيح ابن خزيمة (1584، 1593)،وصحيح ابن حبان (2167)، ومستخرج أبي عوانة (1681)، ومستخرج أبي نعيم (897).
الثالث: معمر، كما في صحيح مسلم (64 - 404)، ومصنف عبد الرزاق (2647، 2913، 3065)، مسند أحمد (4/ 393، 394)، ومستخرج أبي عوانة (1684)، ومستخرج أبي نعيم (899).
الرابع: همام، كما في شرح معاني الآثار (1/ 221، 238، 265)، ومشكل الآثار (5424)، ومستخرج أبي عوانة (1683).
الخامس: أبان بن يزيد العطار كما في شرح معاني الآثار (1/ 238)، وفي شرح مشكل الآثار (5424)، ومستخرج أبي نعيم (897)،
السادس: شعبة، ذكر ذلك الدارقطني في السنن (1250)، وفي الإلزامات والتتبع (43)، العلل (7/ 254)، والبيهقي في الخلافيات (2/ 473)، وفي القراءة خلف الإمام (ص: 131)، وفي الأحكام الوسطى (1/ 382)، وفي إتحاف المهرة لابن حجر (10/ 16).
السابع: عدي بن أبي عمارة كما ذكر ذلك الدارقطني في السنن (1250)، وفي العلل (7/ 252) ح 1333، وفي الإلزامات والتتبع (43) وسيأتي نقل كلامه بتمامه إن شاء الله تعالى.
الثامن والتاسع: حماد بن سلمة، وأبو هلال الراسبي ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (2/ 473) ح 1947.
كل هؤلاء رووه عن قتادة به، ولم يذكروا ما ذكره سليمان التيمي، فلم يذكر أحد منهم في لفظ:(وإذا قرأ فأنصتوا).
ولقد ضعف هذه الزيادة الإمام البخاري وأبو داود، والدارقطني، والحافظ أبو علي النيسابوري، وغيرهم.
قال البخاري في القراءة خلف الإمام (263 و 264): «وروى سليمان التيمي وعمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان، عن أبي موسى الأشعري -في حديثه الطويل- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ فأنصتوا» ، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير.
وروى هشام، وسعيد، وهمام، وأبو عوانة، وأبان بن يزيد العطار، وعبيدة، عن قتادة، ولم يذكروا:(إذا قرأ فأنصتوا).
ولو صح لكان يحتمل سوى فاتحة الكتاب، وأن يقرأ فيما يسكت الإمام، وأما في ترك فاتحة الكتاب فلم يتبين في هذا الحديث».
وقال أبو داود في السنن (973): «وقوله: «فأنصتوا» ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث». =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال الدارقطني في السنن (2/ 121): «
…
رواه هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعدي بن أبي عمارة، كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم:(وإذا قرأ فأنصتوا)، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه».
وقال أيضًا: «هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ، فلم يذكروها، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه» . انظر: إكمال المعلم (2/ 300)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (2/ 39)، وعلل الدارقطني (7/ 254).
وقال أبو الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمار: «وقوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) هو عندنا وهم من التيمي، ليس بمحفوظ، لم يذكره الحفاظ من أصحاب قتادة، مثل سعيد، ومعمر، وأبي عوانة، والناس» . علل أحاديث في صحيح مسلم (ص: 73) ح 10.
وقال الحافظ أبو علي النيسابوري كما في سنن البيهقي (2/ 222): «خالف جرير عن التيمي، أصحاب قتادة كلهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبي عوانة، والحجاج بن الحجاج ومن تابعهم على روايتهم، يعني دون هذه اللفظة» .
وصحح هذه الزيادة الإمام أحمد ومسلم في صحيحه، وقد نقلت كلام الإمام مسلم في صلب الكتاب، واعتمد الإمام مسلم على حفظ التيمي، فقال: تريد أحفظ من سليمان؟
وأصحاب قتادة مقدمون في قتادة على سليمان التيمي، والله أعلم.
وجاء في الجوهر النقي (2/ 155) عن علل الخلال، «قال: قلت -يعنى لابن حنبل- يقولون: أخطأ التيمي. قال: من قال: أخطأ التيمي فقد بَهَتَ التيمي». اهـ
ولولا أني أخاف أن هذا الكلام من الإمام أحمد قد غلب فيه النظر الفقهي على الصناعة الحديثية لم أتجرأ على ترجيح ما يخالف قول الإمام أحمد رحمه الله حتى ولو كان ترجيحي مؤيدًا بقول الإمام البخاري والدارقطني، وأبي داود، لعلمي أن الإمام أحمد في الصناعة الحديثية يَرْجِحُ هؤلاء كلهم على إمامتهم، وليس ذلك تعصبًا للإمام، وإنما ذلك من باب العدل، والإنصاف، ولو كان كلامي هذا منزعه التعصب للإمام أحمد ما خالفت الإمام أحمد في الترجيح الفقهي، لكن الكلام في الفقه باب، والكلام في العلل باب آخر.
وقد يكون لترجيح كلام الأئمة البخاري وأبي داود والدارقطني على الإمامين مسلم وأحمد هو أن الإعلال بالتضعيف أدق من القول بصحة الحديث، أو بالعمل به؛ لأن الصحة قد يحكمها عوامل كثيرة، تُحيط بها منها أحاديث الباب وآثاره ومقاصد الشريعة وقواعدها ومصالحها، وما عليه أكثر السلف من حيث العمل، فلا ينشط الإمام لإعلال الحديث إلا لو كان لا يوجد في الباب إلا هذا الحديث، وأما التضعيف فيكون الاحتياط فيه أشدَّ؛ لأنه إبطال للدليل، والغالب أنه لا يصير إليه إمام من الأئمة إلا مع انقطاع النظر في إمكان تصحيحه، لهذا كان إعلال الحديث بالتضعيف مقدمًا على القول بالصحة، وهذا في الجملة، وإلا فكل واقعة لها حكمها، وأدوات الترجيح كثيرة ومتشعبة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-1400) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين
…
الحديث
(1)
.
[زيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست محفوظة]
(2)
.
(1)
. المصنف (7137).
(2)
. الحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2596، 3799، 7137، 36137)، وأحمد (2/ 420)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (2/ 420)، والنسائي في الكبرى (995)، وفي المجتبى (921)، وابن ماجه (846)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 217)، وفي أحكام القرآن (482، 483)، والدارقطني في السنن (1243)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (182)، وتمام في فوائده (972)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (311)، عن أبي خالد الأحمر،
ورواه النسائي في الكبرى (996)، وفي المجتبى (922)، والبزار (8898)، والدارقطني (1244)، من طريق محمد بن سعد الأنصاري (ثقة)،
ورواه الدارقطني (1245)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 223)، وفي الخلافيات (1936)، من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي (متروك)، ثلاثتهم رووه عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به.
وهذا الحديث له علتان:
العلة الأولى: الاختلاف على ابن عجلان في إسناده:
فتارة يرويه ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وليس فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).
وهذه رواية الليث وبكر بن مضر، عن ابن عجلان، ذكر ذلك الإمام البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: 62)، وذكر رواية الليث الدارقطني في العلل (8/ 187).
ورواية أبي الزناد، عن أبي الأعرج، عن أبي هريرة مخرجة في صحيح البخاري (734)، ومسلم (86 - 414) من غير طريق ابن عجلان، وليس فيها زيادة (فإذا قرأ فأنصتوا).
وتارة يرويه ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بزيادة (فإذا قرأ فأنصتوا).
وقد تابع ابن عجلان يحيى بن العلاء الرازي، كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (8/ 187)، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلا أن يحيى بن العلاء الرازي متروك.
العلة الثانية: الاختلاف في ذكر زيادة (وإذا قرأ فأنصتوا).
فحديث أبي هريرة هذا قد رواه عن أبي هريرة كل من:
الأول: الأعرج، كما في البخاري (734)، ومسلم (414)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.
الثاني: همام بن منبه، كما في صحيح البخاري (722)، وصحيح مسلم (414)، روياه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام أنه سمع أبا هريرة، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.
الثالث: أبو يونس مولى أبي هريرة، كما في صحيح مسلم (89 - 417)، ومستخرج أبي نعيم (927) من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن أبي يونس.
الرابع: أبو سلمة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (2594)، في مسند أحمد (2/ 230، 411، 438، 475)، ومسند أبي يعلى (5909)، وسنن ابن ماجه (1239)، والدارمي (1281)، وشرح معاني الآثار (1/ 238، 404)، وفي مشكل الآثار (5640، 5642)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 80)، رواه بعضهم من طريق محمد بن عمرو، وبعضهم من طريق عمرو بن أبي سلمة، كلاهما عن أبي سلمة.
الخامس: أبو علقمة، كما في صحيح مسلم (88 - 416)، (2 - 1835)، ومسند أحمد (2/ 386، 416، 467)، وعبد بن حميد (1462)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 238، 404)، وفي مشكل الآثار (5643)، وصحيح ابن خزيمة (1597)، ومستخرج أبي عوانة (1629، 7087، 7089)، وغيرهم، كلهم (الأعرج، وهمام، وأبو يونس، وأبو سلمة، وأبو علقمة) رووه عن أبي هريرة به، فلم يذكر أحد منهم لفظ (فإذا قرأ فأنصتوا).
ورواه أبو صالح السمان، عن أبي هريرة، واختلف على أبي صالح:
فرواه الأعمش، كما في صحيح مسلم (87 - 415)، ومسند أحمد (2/ 440)، والنسائي في الكبرى (11905)، وسنن ابن ماجه (960)، ومسند البزار (9213)، وصحيح ابن خزيمة (1576)، ومستخرج أبي عوانة (1630، 1631)، وحديث السراج (697)، وسنن البيهقي (2/ 131).
وسهيل بن أبي صالح، كما في صحيح مسلم (76 - 410)، وصحيح ابن خزيمة (1575)، وحديث السراج (1171)، ومستخرج أبي نعيم (925)، وسنن البيهقي (2/ 132).
والقعقاع بن حكيم، كما في الكنى للبخاري (38)، وحديث السراج (491) مقرونًا بغيره.
ومصعب بن محمد بن شرحبيل، كما في مسند أحمد (2/ 341)، وسنن أبي داود (603)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 238، 404)، وفي مشكل الآثار (5641)، والطبراني في الأوسط (5971)، والبيهقي في السنن (223) أربعتهم (الأعمش، وسهيل، والقعقاع ومصعب) رووه عن أبي صالح، فلم يذكروا فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).
وخالفهم زيد بن أسلم، فرواه عن أبي صالح به، وذكر زيادة:(وإذا قرأ فأنصتوا). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رواه عن زيد بن أسلم محمد بن عجلان، ورواه عن ابن عجلان الليث وأبو خالد الأحمر، ومحمد بن سعد الأنصاري،
أما رواية الليث بن سعد: فأخرجها البخاري في الكنى (38) وأبو العباس السراج في حديثه (491)، عن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، وعن زيد بن أسلم، وعن القعقاع بن حكيم، كلهم يحديث عن أبي صالح به، وليس فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).
وقد يكون ابن عجلان حين جمع شيوخه لم يقدم لفظ زيد بن أسلم.
وأما رواية أبي خالد الأحمر، ومحمد بن سعد الأنصاري عن ابن عجلان فقد اتفقا في الرواية عنه على ذكر زيادة:(فإذا قرأ فأنصتوا).
واختلف العلماء، أكان هذا الوهم من ابن عجلان، أم كان ذلك من قبل الراوي عنه أبي خالد الأحمر.
قال أبو داود: وهذه الزيادة: «(وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوَهْمُ عندنا من أبي خالد» .
وقال نحو ذلك البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: 62).
ورجح البخاري أن الوهم من أبي خالد الأحمر في القراءة خلف الإمام (ص: 62)؛ لأن الليث بن سعد رواه عن ابن عجلان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وعن ابن عجلان عن مصعب بن محمد، والقعقاع، وزيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه البخاري من طريق بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا (فأنصتوا)، ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر. قال أحمد: أراه كان يدلس. اهـ
وقال البيهقي: «هذا حديث يعرف بأبي خالد الأحمر عن ابن عجلان،
…
».
ومن أهل العلم من رأى أن الوهم من ابن عجلان، ولعله رأى أن أبا خالد الأحمر لم يتفرد به، فقد تابعه ثقة، محمد بن سعد الأنصاري، من هؤلاء أبو حاتم الرازي.
قال في العلل لابنه (2/ 395): «ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا، وتابع ابن عجلان، وخارجة أيضًا ليس بالقوي» . وانظر القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: 132).
وقال النسائي في الكبرى (996): «لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا)» .
ولعل كلام أبي حاتم والنسائي أرجح من كلام البخاري وأبي داود؛ لأن أبا خالد الأحمر قد تابعه ثقة محمد بن سعد، فخرج من عهدته، فصار الحمل على شيخه ابن عجلان.
وقال البزار كما في مسنده (8898): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا قال فيه: (فإذا قرأ فأنصتوا) إلا ابن عجلان، عن زيد، عن أبي صالح، ولا نعلم رواه عن ابن عجلان، عن زيد إلا أبو خالد، ومحمد بن سعد، وقد خالفهما الليث» .
وقال ابن عبد البر: «بعضهم يقول: أبو خالد الأحمر انفرد بهذا اللفظ في هذا الحديث، =
* ونوقش:
أن حديث: (وإذا قرأ فأنصتوا) لا يثبت من جهة الإسناد كما تبين من تخريج الحديث والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ح-1401) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي،
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
[صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة
…
) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة]
(2)
.
= وبعضهم يقول: إن ابن عجلان انفرد به».
وسواء كان الحمل فيه على ابن عجلان أو على الراوي عنه، فلا فرق في الحكم، المهم أن التفرد بمثل هذا يجعل زيادة (فإذا قرأ فأنصتوا) زيادة شاذة، كيف وقد رواه عن أبي صالح الأعمش، وهو مقدم في أصحابه ومكثر عنه، والقعقاع بن حكيم، وسهيل بن أبي صالح، ومصعب بن محمد بن شرحبيل، كلهم رووه عن أبي صالح، ولم يذكروا هذه الزيادة.
كما روى الحديث الأعرج وهو مقدم في أبي هريرة على غيره، وهمام بن منبه، وأبو علقمة، وأبو يونس مولى أبي هريرة، وأبو سلمة، وغيرهم كلهم رووه عن أبي هريرة، فلم يذكروا فيه:(فإذا قرأ فأنصتوا).
لهذا ذهب الإمام البخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي إلى شذوذ هذا الحرف من الحديث.
وخالفهم الإمام أحمد فصحح هذا الحرف، كما صححه الإمام مسلم، وقد نقلت ذلك عنهما في الحديث السابق عند تخريج حديث أبي موسى، وأجبت عنه، فانظره هناك غير مأمور.
(1)
. الموطأ (1/ 86).
(2)
. الحديث مداره على الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة.
ورواه عن الزهري كبار أصحابه، إلا أنه أُعِلَّ بعلتين:
العلة الأولى: في إسناده ابن أكيمة: واسمه عمارة، وقيل: عمار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، قال ابن حبان في الثقات: يشبه أن يكون المحفوظ أن اسمه عمار. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لم يُرْوَ عنه إلا هذا الخبر، ولم يَرْوِ عنه أحد غير الزهري.
قال البيهقي في السنن الكبرى (2/ 226): «رجل مجهول، لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب
…
».
ونقل البيهقي عن الحميدي أنه قال: هذا حديث رواه رجل مجهول، لم يرو عنه غيره قط. القراءة خلف الإمام (ص: 142).
ونقل عن ابن خزيمة نحو ذلك. القراءة خلف الإمام (ص: 142).
وقال أبو بكر البزار: ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا الزهري. تهذيب التهذيب (7/ 411).
وقال النووي في المجموع (3/ 368): «الحديث ضعيف؛ لأن ابن أكيمة مجهول» .
وقال في الخلاصة (1177): «قال الترمذي: حسن، وأنكره عليه الأئمة، واتفقوا على ضعف هذا الحديث، لأن ابن أكيمة مجهول» .
وتحسين الترمذي تصريح بتضعيفه، وهو ذهول من النووي عن اصطلاح الترمذي.
وهذه العلة ليست بشيء، قال فيه ابن معين: ثقة، وقال أيضًا: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، فالتقط هذا ابن عبد البر، فقال: إصغاء ابن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم، وقال في التمهيد (11/ 22): كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال ابن شهاب. اهـ وخرج له مالك حديثه في الموطأ.
وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (6/ 362): «هو صحيح الحديث حديثه مقبول» .
العلة الثانية: اختلفوا في قوله: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه) فبعضهم ذكرها مدرجة في الحديث، وبعضهم رواها من كلام الإمام الزهري رحمه الله.
وممن رواها جزءًا من الحديث جماعة من أصحابه منهم:
الأول: مالك بن أنس رحمه الله كما في الموطأ (1/ 86)، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (2/ 301)، والشافعي في السنن (33)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (67)، وأبو داود (826)، والترمذي (312)، والنسائي في الكبرى (993)، وفي المجتبى (919)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، وفي أحكام القرآن (495)، والبزار في مسنده (8781)، وابن حبان (1849)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 224)، وفي معرفة السنن (3/ 75)، وفي القراءة خلف الإمام له (317).
الثاني: يونس بن يزيد، رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (68)، وفي التاريخ الأوسط (825) من طريق عبد الله بن محمد.
ورواه البخاري في باب الكنى من التاريخ الكبير (9/ 38) من طريق أبي صالح كلاهما، عن الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، سمعت ابن أكيمة الليثي، يحدث سعيد بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة، رضي الله عنه يقول: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة جهر=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فيها بالقراءة، ولا أعلم إلا أنه قال: صلاة الفجر، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس، فقال: هل قرأ معي أحد منكم؟ قلنا: نعم قال: ألا إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام.
قال البخاري في القراءة خلف الإمام: وقوله: فانتهى الناس من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن صباح قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر. وقال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البخاري: كما في باب الكنى في التاريخ الكبير (9/ 38): وقال أبو صالح: حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب به بذكر (فانتهى الناس عن القراءة .... ) وقال الليث: حدثني ابن شهاب، ولم يقل فانتهى الناس. فصار الليث سمعه من يونس، عن ابن شهاب بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة) مدرجة في الحديث، وسمعه الليث من ابن شهاب نفسه فلم يذكر هذه الزيادة، وسيأتي تخريج طريق الليث، عن ابن شهاب إن شاء الله تعالى.
الثالث: أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي.
رواه ابن عبد البر في التمهيد (11/ 26،27) من طريق إبراهيم بن أبي العباس، قال: حدثنا أبو أويس، عن الزهري، عن ابن أكيمة الكناني ثم الليثي، عن أبي هريرة
…
وفيه: فانتهى الناس عن قراءة القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر به من القراءة في الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر: يقولون إن سماع أبي أويس ومالك بن أنس من الزهري كان واحدًا بعرض واحد، كذلك قال محمد بن يحيى النيسابوري وغيره، والله أعلم. اهـ
الرابع: معمر بن راشد، واختلف عليه على أربعة وجوه:.
الوجه الأول: رواه يزيد بن زريع كما في المعجم الأوسط (5397)، والخطيب في تاريخه (7/ 88)، عن معمر، ولم يذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة
…
) إلخ.
الوجه الثاني: رواية هذه الزيادة مدرجة في الخبر كرواية مالك ويونس بن يزيد، وأبي أويس.
رواه عبد الرزاق في المصنف (2795)، وعنه أحمد (2/ 284)،
وابن ماجه (849) من طريق عبد الأعلى، كلاهما (عبد الرزاق وعبد الأعلى)، عن معمر به بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة
…
).
الوجه الثالث: رواها معمر عن الزهري، وظاهر الرواية أنها من قول الزهري.
جاء ذلك من رواية سفيان بن عيينة، عن معمر عن الزهري، إلا أن سفيان بن عيينة، رواه عن الزهري مباشرة، وانتهت روايته إلى قوله:(ما لي أنازع القرآن)؟ ولم يسمع منه قوله: (فانتهى الناس عن القراءة .... ) إلخ باتفاق كبار أصحاب سفيان عنه، وبَيَّن سفيان أنه سمع هذه الزيادة من معمر، عن الزهري.
فكان بعض أصحاب سفيان إذا رووا عن سفيان حديث الزهري ذكروا أولًا روايته عن الزهري من دون هذه الزيادة ثم أتبعوها بروايته عن معمر، بذكر هذه الزيادة، كالإمام الحميدي والإمام =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أحمد وعلي بن المديني، ومسدد وغيرهم.
فرواه أحمد بن حنبل كما في المسند (2/ 240)، عن سفيان عن الزهري من دون هذه الزيادة، ثم قال:«قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان: خفيت عليَّ هذه الكلمة» .
قال أحمد كما في مسائل صالح (889) بعد أن ذكر الخلاف في رواية معمر بين رواية عبد الرزاق وابن عيينة: «
…
فالذي نرى أن قوله: فانتهى الناس عن القراءة أنه قول الزهري».
ورواه أبو بكر الحميدي كما في مسنده (983) عن سفيان عن الزهري ثم أتبعه بقوله: «قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أفهمه، فقال لي معمر بعدُ: إنه قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 225) من طريق علي بن المديني، عن سفيان، عن الزهري به، إلى قوله: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال علي بن المديني: قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أحفظه، انتهى حفظي إلى هذا، وقال معمر: عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .... إلخ.
ورواه مسدد وعبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان، عن الزهري، كما في سنن أبي داود (827) ثم قال مسدد، عن سفيان: قال: معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عبد الله بن محمد الزهري: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس
…
».
وقد روى الحديث جماعة عن سفيان، عن الزهري وانتهت روايتهم إلى قوله (ما لي أنازع القرآن)؟ ولم يذكروا روايته عن معمر: منهم ابن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وحامد بن يحيى البلخي، وأحمد بن محمد بن ثابت، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، وسيأتي تخريج طرقهم في قسم من روى الحديث دون هذه الزيادة.
الوجه الرابع: رواه معمر، عن الزهري به بذكر هذه الزيادة من قول أبي هريرة.
رواه أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر كما في سنن أبي داود (827)، عن سفيان، عن الزهري، ثم قال: قال معمر: عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس.
وقد تفرد به ابن السرح عن سفيان، فوهم فيه، والقول ما قاله أحمد والحميدي وابن المديني والله أعلم.
وخالف كل من سبق: حوثرة بن محمد (ثقة) وخالد بن يوسف (ضعيف) كما في مسند البزار (8780)،
وعبد الغني بن أبي عقيل (ثقة) كما في أحكام القرآن للطحاوي (496).
وأبو غسان مالك بن إسماعيل، كما في الاعتبار للحازمي (ص: 98)، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بذكر الزيادة مدرجة في الحديث، كرواية مالك، ويونس بن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يزيد، ومن وافقهما.
وهذه الرواية شاذة من رواية سفيان بن عيينة، فقد صرح الإمام أحمد والحميدي ومسدد وغيرهم أن سفيان قد صرح أنه لم يسمع هذا الحرف من الزهري، وإنما سمعه من معمر، من قول الزهري، والله أعلم.
الوجه الخامس: أسامة بن زيد، ذكر ذلك أبو داود في السنن على إثر ح (826)، قال أبو داود:«روى حديث ابن أكيمة هذا: معمر، ويونس، وأسامة بن زيد، عن الزهري، على معنى مالك» . يعني بذكر لفظ: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة.
الوجه السادس: ابن أخي الزهري، عن عمه، فذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك) إلا أنه أخطأ في إسناده.
فقد رواه أحمد (5/ 345)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/ 215)، والبزار في مسنده (2313)، والبيهقي في السنن (2/ 226)، وفي القراءة خلف الإمام له (326)، من طريق ابن أخي الزهري، عن عمه (الزهري)، قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .... وذكر الحديث.
قال يعقوب بن سفيان: وهذا خطأ لا شك فيه، ولا ارتياب، رواه مالك، ومعمر، وابن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد
…
كلهم عن الزهري عن ابن أكيمة
…
».
هذه الطرق التي ورد فيها كلام الزهري مدرجًا في الحديث.
وقد رواه جماعة من أصحاب الزهري، فاقتصروا منه على المسند فقط، إلى قوله:(ما لي أنازَعُ القرآن)؟ ولم يذكروا زيادة (فانتهى الناس من القراءة .... )، منهم:
الأول: الليث بن سعد، عن الزهري.
رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (69)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (318)، عن أبي الوليد (هشام بن عبد الملك)،
ورواه ابن حبان (1843) من طريق يزيد بن هارون،
ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (319) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، ثلاثتهم رووه عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب الزهري به، إلى قوله: (
…
مالي أنازع القرآن)؟ ولم يذكر فيه: (فانتهى الناس عن القراءة .... ).
وخالفهم يحيى بن يحيى كما في الفصل للوصل المدرج للخطيب (1/ 291)، فرواه عن الليث، عن ابن شهاب، بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله بالقراءة
…
) مدرجة في الحديث. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأخشى أن يكون الوهم ليس من يحيى بن يحيى، فإنه إمام، وإنما يكون من الرواة بعده، فإن إسناد الخطيب نازلٌ مقارنة لرواية البخاري وابن حبان، وكل ما نزل السند كان عرضة للوهم، وقد يكون حمل لفظ الليث، عن الزهري على روايته عن يونس بن يزيد، فإن الليث قد رواه عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب بذكر اللفظ المدرج، وسبق تخريجها، وكلا الطريقين محفوظٌ عن الليث، والله أعلم.
الثاني: ابن جريج، رواه عبد الرزاق في المصنف (2796)،
ورواه أحمد (2/ 285)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (320) عن محمد بن بكر، كلاهما (عبد الرزاق وابن بكر) روياه عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب به، واقتصر فيه على المسند فقط.
الثالث: عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري.
رواه أحمد (2/ 487)، ومسدد في مسنده (1074)، حدثنا إسماعيل (يعني: ابن علية)، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به، إلى قوله:(ما لي أنازع القرآن)؟ مقتصرًا على المسند فقط.
الرابع: سفيان بن عيينة، عن الزهري.
رواه سفيان عن معمر، عن الزهري بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة .... ) من قول الزهري، وتقدم تخريجه.
ورواه سفيان عن الزهري، واقتصر فيه على المسند فقط.
رواه أحمد بن حنبل (2/ 240)،
وابن أبي شيبة كما في المصنف (3776)، وسنن ابن ماجه (848)،
والحميدي في مسنده (983)،
وعلي بن المديني كما في سنن الكبرى للبيهقي (2/ 225)،
ومسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 79)، وسنن أبي داود (827)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 225)،
وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي الخلف وابن السرح كما في سنن أبي داود (827)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 225).
وعبد الله بن محمد الزهري كما في سنن أبي داود (827)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 225)، وفي القراءة خلف الإمام له (321) تسعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، ولم يذكر فيه زيادة (فانتهى الناس عن القراءة
…
).
…
وخالف هؤلاء حوثرة بن محمد وخالد بن يوسف، وعبد الغني بن أبي عقيل (ثقة)، وأبو غسان مالك بن إسماعيل، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بذكر الزيادة مدرجة في الحديث، وسبق تخريجها والإشارة إلى شذوذ هذا الحرف من رواية سفيان، عن الزهري، وإنما سمعه ابن عيينة من معمر، عن الزهري، والله أعلم.
الخامس: الأوزاعي، عن ابن شهاب. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (826)، وأبو يعلى الموصلي (5861)، من طريق مبشر بن إسماعيل،
ورواه البزار في مسنده (7759) من طريق بشر بن بكر.
والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 217)، وفي أحكام القرآن (497)، وابن حبان (1850)، والخطيب في المدرج (1/ 298، 299)، من طريق الفريابي (محمد بن يوسف)،
ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 226)، وفي القراءة خلف الإمام له (322)، من طريق الوليد بن مزيد.
وأبو نعيم في الحلية (9/ 320)، والخطيب في المدرج (1/ 300)، من طريق أبي إسحاق الفزاري،
والخطيب في الفصل للوصل المدرج (1/ 298) من طريق المفضل بن يونس وأبي المغيرة (عبد القدوس بن الحجاج)، ويحيى البابلتي، تسعتهم (مبشر، وبشر، والفريابي، والوليد، وأبونعيم، والفزاري والمفضل وأبو المغيرة، والبابلتي)، رووه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة، قال: قرأ ناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة جهر فيها بالقراءة، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم، فقال: هل قرأ معي أحد؟، قالوا: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أقول ما بالي أنازع القرآن؟.
قال الزهري: فاتعظ الناس بذلك، ولم يكونوا يقرؤون فيما جهر.
كلهم فصل قول الزهري عن قول الحديث المسند إلا المفضل بن يونس فقد أدرج قول الزهري في المسند.
كما أن الأوزاعي وهم بجعل الحديث من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وإنما أصحاب الزهري رووه عنه أنه سمع ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة، فنسي الأوزاعي رحمه الله قول الزهري: سمعت ابن أكيمة، وظن أنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
قال أبو حاتم في العلل لابنه (493): هذا خطأ خالف الأوزاعي أصحاب الزهري في هذا الحديث، إنما رواه الناس عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه ابن حبان في صحيحه (1851) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن من سمع أبا هريرة، فأبهم الواسطة دفعًا لوهم الأوزاعي، كما كان يسقط الشيوخ الضعفاء للأوزاعي، فقال له الهيثم بن خارج ما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء. انظر تهذيب الكمال (31/ 97).
قال ابن حبان: «وهم فيه الأوزاعي؛ إذ الجواد يعثر، فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فعلم الوليد بن مسلم أنه وهم، فقال: عمن سمع أبا هريرة، ولم يذكر سعيدًا
…
».
وقد فصل الأوزاعي قول الزهري، عن الحديث المسند، وبَيَّن أن قوله: (فانتهى الناس =
وجه الاستدلال:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لي أنازع القرآن)؟ دليل على أن القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية جائزة؛ لأن المنازعة في القرآن إنما تكون مع الجهر خاصة.
وقول الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة
…
) فإذا قطع الزهري بأن الصحابة انتهوا عن القراءة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يجهر به، فإن هذا من أَدَلِّ الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالزهري من أعلم أهل زمانه، بالسنة، فلا يجزم بمثل هذا النقل العام إلا عن علم أنهم تركوا القراءة خلفه، وهو ينقل خبرًا، والثقة إذا نقل خبرًا فسبيله القبول والتصديق بخلاف ما يقوله من باب الاستنباط والفقه فهذا قد يدخله الخطأ والصواب
(1)
.
* ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن، فالنهي متوجه لجهر المأموم بالقراءة خلف الإمام، لا مطلق القراءة.
= عن القراءة فيما يجهر فيه الإمام) أن ذلك من قول الزهري.
وقد تقدم لنا قول الإمام أحمد كما في مسائل أبي الفضل (889): الذي نرى أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة) أنه من قول الزهري.
وقال البخاري في الكنى: «قال بعضهم: هذا قول الزهري، وقال بعضهم: عن سعيد، هذا قول ابن أكيمة، والصحيح قول الزهري» .
وقال البيهقي في المعرفة (3/ 75): قال أحمد: قوله: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه من قول الزهري.
وقاله محمد بن يحيى الذهبي صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث، وجعله من قول الزهري، فكيف يصح ذلك عن أبي هريرة؟ وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَرَ به، وفيما خَافَتَ». وقال نحو ذلك في الخلافيات (2/ 491)، وأقره النووي في المجموع (3/ 363)، وقال ابن حجر في التلخيص (1/ 565)«مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود ويعقوب بن سفيان، والذهلي والخطابي، وغيرهم» .
(1)
. انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 291).
وأما قول الزهري (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة) فهذا الخبر لا ينقله الزهري عن مشاهدة، وإنما سبيله الإسناد، ولم يوقف على إسناده، وأما قبوله استنادًا إلى ديانة الزهري وعلمه فإن هذا لا يكفي، فالزهري لو قال: أخبرني الثقة لم يقبل حتى يُبَيِّن، فقد يكون ثقة عنده فقط، فكيف يقبل إذا أرسل كلامه، والصحابة مختلفون في المسألة، وقد أفتى أبو هريرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: إنا نكون وراء الإمام، فقال له: اقرأ بها في نفسك، ولو كان هذا إجماعًا من الصحابة ما أفتى أبو هريرة بخلافه.
ويمكن الجواب عن فتوى أبي هريرة:
بأنه قد ثبت عن أبي هريرة أيضًا قوله: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به. وسبق تخريجه، فدل على أنه عنى بقوله:(اقرأ بها في نفسك) في الصلاة السرية جمعًا بين قوليه.
الوجه الثاني:
أن كلام الزهري ليس نصًّا في دلالته على ترك القراءة، فيحتمل أنه عنى بذلك ترك الجهر بالقراءة محل الاستنكار، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن.
قال ابن حبان: «(فانتهى الناس عن القراءة): أراد به رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعًا منهم لزجره عن رفع الصوت، والإمام يجهر بالقراءة في قوله:(ما لي أنازع القرآن؟)
(1)
.
* ورد هذا:
بأن كلام الزهري لو أراد به ترك الجهر دون القراءة لم يقيد الترك بقوله: (فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة)، فالمأموم مأمور بترك الجهر مطلقًا، فيما جهر فيه الإمام وفيما لم يجهر، فلما خص الترك حال جهر الإمام علم أن المراد ترك القراءة، لا ترك الجهر.
(ث-339) ولأن عبد الرزاق قد روى عن معمر، عن الزهري، قال: إذا جهر
(1)
. صحيح ابن حبان (5/ 161).
الإمام فلا تقرأ شيئًا
(1)
.
الدليل السابع:
(2)
.
فهذا الإمام أحمد يحكي الإجماع على صحة صلاة من ترك قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، مع ما يعرف من تشدده في حكاية الإجماع، وهذا الإجماع لا ينافي الخلاف المحفوظ في وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، فهناك فرق بين مسألة وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، وبين إبطال الصلاة بترك قراءتها إلا عند من يقول: إن ترك الواجب عمدًا يبطل الصلاة كما هو مقرر في مذهب الحنابلة والشافعية، وهي مسألة خلافية.
فإن لم يصح هذا الإجماع فلا أقَلَّ من أن يَدُلَّ على أنه قول أكثر أهل العلم، ذهب إليه الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية
(3)
.
وإن صح الإجماع كان دليلًا على أن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أريد به غير المأموم.
(1)
. مصنف عبد الرزاق (2784).
(2)
. المغني (1/ 404).
(3)
. إذا ركع الإمام قبل أن يتم المأموم الفاتحة، كما في بطيء القراءة، ففي مذهب الشافعية ثلاثة أوجه:
أحدها: تسقط عنه الفاتحة، ويتحملها الإمام كما يتحملها عن المسبوق؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا ركع فاركعوا، ولأنه لو دخل فركع الإمام قبل أن يقرأ لزمته متابعته في الركوع، فكذلك هذا مثله.
والوجه الثاني: أنه يقضي ركعة بعد فراغه من الصلاة.
وفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة، ولا يضر التأخر عن الإمام؛ لأنه معذور.
…
وانظر: الحاوي الكبير (2/ 416)، البيان للعمراني (2/ 376)، بحر المذهب للروياني (2/ 32)، المجموع (4/ 237)، فتح العزيز (4/ 392، 393)، المهذب (1/ 138)، نهاية المحتاج (2/ 195).
وقد قال جابر رضي الله عنه بسند صحيح: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام
(1)
.
قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تَأَوَّلَ قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أن هذا إذا كان وحده
(2)
.
وكذلك فسره ابن عيينة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام إذا لم يقرأ، وقرأ من خلفه لم تنفعهم قراءتهم، فدل على أن قراءة الإمام هي التي تراعى
(3)
.
(ح-1402) وقد روى مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي،
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث
(4)
.
[صحيح]
(5)
.
وجه الاستدلال:
فلو كانت القراءة واجبة على المأموم في الجهرية لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة جهرية: هل قرأ معي منكم أحد؟ ولم تقع القراءة إلا من واحد ممن صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم دَلَّ هذا على أن عامة من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ، وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القراءة.
وسوف يأتي مناقشة هذا الدليل إن شاء الله تعالى عند أدلة من قال: تستحب القراءة في الصلاة السرية.
وقد اعترض بعضهم على دعوى الإجماع من الإمام، بمذهب أبي هريرة، أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الإمام قائمًا، وقد فهم البخاري من أثر أبي هريرة أنه يرى
(1)
. رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(2)
. سنن الترمذي (2/ 121).
(3)
. انظر التمهيد (11/ 47)، شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص: 1442).
(4)
. الموطأ (1/ 86).
(5)
. سبق تخريجه، انظر:(1401).
أن الركعة تفوت بفوات قراءة الفاتحة.
(ث-340) فقد روى البخاري في القراءة خلف الإمام من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا
(1)
.
وهذا القول الذي انفرد به أبو هريرة رضي الله عنه دون سائر الصحابة هو في اشتراط إدراك القيام؛ لإدراك الركعة، لا في اشتراط إدراك قراءة الفاتحة لإدراكها، والقيام ركن بنفسه، فما فهمه البخاري تبعًا لشيخه علي بن المديني ليس ظاهرًا.
(2)
.
وقد انفرد به محمد بن إسحاق، وقد روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن المقبري، عن أبي هريرة قوله: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، وذكره مالك في الموطأ بلاغًا عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يكن أمثل من ابن إسحاق فهو مثله، وسوف تأتينا هذه المسألة عند الكلام على إدراك الركعة بإدراك الركوع
(3)
،
فلا أحب أن يتشعب بنا البحث.
(1)
. رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (93) حدثنا مسدد (ثقة)، وموسى بن إسماعيل (ثقة)، ومعقل بن مالك (وثقه ابن حبان)، قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن محمد بن إسحاق به.
ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (94) حدثنا عبيد بن يعيش (ثقة)، قال: حدثنا يونس (هو ابن بكير صدوق)، قال: حدثنا ابن إسحاق (صدوق) به.
(2)
. فتح الباري لابن رجب (7/ 114).
(3)
. وقد اختلف العلماء في الراجح من هذين الأثرين عن أبي هريرة:
ذهب البخاري وشيخه علي بن المديني وابن خزيمة وبعض الظاهرية إلى ترجيح رواية محمد بن إسحاق، وأن من فاتته الفاتحة فقد فاتته الركعة، ونقل البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: 36) عن شيخه علي بن عبد الله المديني أنه قال: «إنما أجاز إدراك الركوع من =
(ث-341) وروى البخاري معلقًا في القراءة خلف الإمام، قال أبو عبد الله:
قال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة، وكذلك قال عبد الله بن الزبير
(1)
.
ولم يَسُقْ البخاري إسناده، والمعلق من قسم المنقطع حتى يوقف على إسناده.
الدليل الثامن:
العلماء مجمعون على أنه لا يجب على الإمام السكوت ليقرأ المأموم، والجمهور على أنه لا يستحب له السكوت من أجل قراءة المأموم خلافًا للشافعية، فلو كانت قراءة الفاتحة على المأموم واجبة لشرع السكوت من الإمام بقدر قراءة المأموم
=
…
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لم يروا القراءة خلف الإمام، منهم ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة رضي الله عنه قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي وقال: لا تعتد بها حتى تدرك الإمام قائمًا.
ويشكل عليه: أن أبا هريرة لم يقل: حتى تقرأ الفاتحة، وقد نقلت عن أبي هريرة أنه لا يرى القراءة في الجهرية، فيحمل قوله: اقرأ بها في نفسك على الصلاة السرية.
وذهب عامة العلماء إلى إدراك الركعة بإدراك الركوع.
وانتقد الحافظ ابن رجب الإمام البخاري كما في شرحه للبخاري (7/ 112) ترجيح رواية ابن إسحاق على عبد الرحمن بن إسحاق، وقارن بينهما، فنقل عن ابن المديني أنه سوى بينهما فقال عن كل واحد منهما: إنه صالح وسط، وهذا تصريح منه بالتسوية بينهما.
ونقل الميموني، عن يحيى بن معين، أنه قال في محمد بن إسحاق: ضعيف. وفي عبد الرحمن ابن إسحاق: ليس به بأس، وفي رواية: ثقة. ففهم منه تقديمه على ابن إسحاق.
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: محمد بن إسحاق قدري معتزلي، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري، إلا أنه ثقة.
وهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق، فإنه وثقه دون ابن إسحاق، ونسبه إلى القدر فقط، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال.
وعامة ما أنكر عليه هو القدر، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أُخَرَ كالتشيع والاعتزال؛ ولهذا خَرَّج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن إسحاق، ولم يخرج لمحمد بن إسحاق إلا متابعة .... إلخ كلامه.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 62): «روي عن أبي هريرة: (من أدرك القوم ركوعًا فلا يعتد بها، وهذا قول لا نعلم أن أحدًا قال به من فقهاء الأمصار، وفيه وفي إسناده نظر» .
(1)
. القراءة خلف الإمام للبخاري (ص: 10، 11)، ونقله البيهقي عنه في القراءة خلف الإمام (ص: 105).
الفاتحة، فإذا شرع للإمام الجهر بالقراءة فإنما يجهر بذلك لا ليسمع نفسه، وإنما ليسمع المأمومين، فإذا كان المأموم منشغلًا عنه بالقراءة، فما الفائدة من جهر الإمام؟
(1)
.
الدليل التاسع:
(ح-1403) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أَمَّنَ الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه
(2)
.
وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الأول: لو أمر المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية لحفظ الأمر له بالتأمين إذا فرغ من قراءتها كما حفظ الأمر له بالتأمين على قراءة إمامه، فلما لم يحفظ الأمر له بالتأمين علم أنه لم يؤمر بالقراءة.
الثاني: لو أمر المأموم بالقراءة لشغله ذلك عن استماع قراءة إمامه والتأمين على قراءته.
يقول ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر، لا بأم القرآن، ولا بغيرها؛ لأن القراءة بها لو كانت عليهم، لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن يؤمن كل واحد منهم بعد فراغه من قراءته؛ لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن، أن يؤمن عند فراغه منها.
ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يكادوا يسمعون
(1)
. مجموع الفتاوى (23/ 276).
(2)
. صحيح البخاري (780)، وصحيح مسلم (72 - 410).
فراغه من قراءة فاتحة الكتاب، فكيف يؤمرون بالتأمين عند قول الإمام: ولا الضالين، ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك، هذا مما لا يصح، وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة الكتاب»
(1)
.
* ويناقش:
قراءة الإمام منها ما هو واجب، كقراءته الفاتحة، ومنها ما هو مستحب، كقراءته لما زاد عليها، فإذا شرع الإمام في القراءة الواجبة استمع المأموم وأنصت لإمامه؛ وإذا شرع الإمام في القراءة المستحبة شَرَعَ المأموم في قراءة الفاتحة، ليكون انشغاله عن الاستماع والإنصات في القدْر المستحب من القراءة، وليس في القدر الواجب منها.
* ورد هذا النقاش من وجهين:
الوجه الأول:
إذا كان استماعه لإمامه، وهو يقرأ الفاتحة لن يغنيه ذلك عن قراءة الفاتحة، كانت قراءة الإمام له، وليست للمأموم، فكيف يجب على المأموم الاستماع والإنصات، والوجوب خاص بالإمام وحده، فالمأموم يقرأ من جنس ما يقرأ الإمام حرفًا وحكمًا، فما الحرج في قراءة المأموم الفاتحة في وقت قراءة الإمام لها، ولو صح حديث عبادة:(ما لي أنازع القرآن لا تفعلوا إلا بأم القرآن) كان ذلك إذنًا مفتوحًا بالقراءة من غير تقييد، إلا أن الحديث ضعيف كما علمت، وهذا على القول بأن قراءة الفاتحة تجب على المأموم في الجهرية.
الوجه الثاني:
تحديد وقت للمأموم يقرأ فيه الفاتحة، وآخر يمنع منه من القراءة يحتاج إلى توقيف، فلو كان مثل هذا مشروعًا لحفظ في ذلك سنة نبوية، فإذا لم يصح في التوقيت دليل متى يقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية دَلَّ ذلك على أحد أمرين:
إما أن يقال: لا يوجد فرق في وقت قراءة المأموم للفاتحة، سواء أقرأ ذلك والإمام يقرأ الفاتحة أم كان يقرأ غيرها.
(1)
. التمهيد (22/ 17).
أو يقال: إن هذا دليل على أنه لا يشرع للمأموم القراءة خلف الإمام في الجهرية، وهو الأقرب، والله أعلم.
الدليل العاشر:
أن الإمام إذا قرأ الفاتحة كانت قراءة له، وقراءة لكل من أمَّنَ على دعائه، لأن المُؤَمِّنَ على الدعاء هو أحد الدَّاعِيَيْنِ؛ لقوله تعالى:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيم} [يونس: 88]، فقال الله تعالى:{قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} [يونس:89] فنسب الله تعالى الدعاء لموسى وهارون، مع أن الداعي كان موسى؛ لتأمين هارون على دعائه، فدل ذلك على أن قراءة الإمام في الجهرية التي يسمعها المأموم ويُؤَمِّنَ عليها قراءة للمأموم
(1)
.
* ويناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: بأن التأمين سنة، فلو تركه المصلي صحت صلاته بالاتفاق.
الثاني: أن المُؤَمِّنَ داعٍ لا شك في ذلك، ولكنه ليس قارئًا، وإنما كان المؤمِّنُ داعيًا؛ لأن معنى قوله:(آمين) اللهم استجب، وهذا حقيقة الدعاء، فهو سائل كما أن الداعيَ سائل، فكل مُؤَمِّنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مُؤَمِّنًا.
الثالث: لم يقل أحد: إن التأمين بدل عن وجوب قراءة الفاتحة؛ لأن ذلك يعني أنه إذا فات البدل وجب الرجوع إلى الأصل، فليس سقوط الفاتحة عن المأموم مشروطًا بإدراك التأمين.
* دليل من قال: يستحب للمأموم القراءة في السرية:
الدليل الأول:
(ح-1404) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي،
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفًا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث
(2)
.
(1)
. انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (2/ 289).
(2)
. الموطأ (1/ 86).
[صحيح، وسبق تخريجه]
(1)
.
وجه الاستدلال:
لو كانت القراءة واجبة على المأموم مطلقًا، لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل قرأ معي منكم أحد؟ دَلَّ ذلك على أمرين:
الأول: أن القراءة لو كانت واجبة على المأموم لكان قد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولو أمرهم لفعله عامة الصحابة.
الثاني: صحة ترك القراءة خلف الإمام، حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم تركهم للقراءة خلفه، ولم يخالف في ذلك إلا واحد منهم.
* وأجيب:
بأن ذلك منسوخ بحديث عبادة، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، أو أنه أراد قراءة غير الفاتحة.
ورد: بأنه لا يصح دعوى النسخ إلا مع العلم بالمتأخر منهما، ولا يعلم.
والقول بأنه أراد قراءة غير الفاتحة، فهذا تخصيص لما أطلق من قوله صلى الله عليه وسلم: هل قرأ معي منكم أحد؟ فإن إطلاقه يشمل الفاتحة وغيرها.
والقول بأن الإنكار توجه للمنازعة: بقوله: (ما لي أنازع القرآن)؟ فهذا صحيح، وليس هذا موضع الاستدلال، فمحل السؤال غير محل الإنكار، فالسؤال توجه: هل قرأ معي منكم أحد؟ والإنكار توجه للمنازعة، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل قرأ معه أحد؟ دل على أن ترك القراءة لا يبطل الصلاة.
الدليل الثاني:
استدلوا بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).
جاء مرسلًا عن عبد الله بن شداد بإسناد صحيح وسبق تخريجه، وله شواهد كثيرة من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وسبق تخريجها، وهي وإن كانت آحادها ضعيفة إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج، فإذا انضمت إلى المرسل الصحيح صارت حجة.
(1)
. انظر: (ح 1401).
* ويناقش:
بأن التصحيح بالشواهد والمتابعات له شروطه، والتي من أهمها ألا تخالف نصًّا صحيحًا، فقد عارضت هذه الأحاديث: حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه.
وعارضت حديث أبي هريرة: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، رواه مسلم.
وعلى التنزل بقبول الاعتبار بمجموعها، فإنها تحمل على القراءة التي يشارك فيها المأموم الإمام في القراءة، فالإمام يجهر، والمأموم يستمع، فهذه وإن كانت قراءة من الإمام إلا أن المأموم قد شاركه فيها بالاستماع، ولم يجهر الإمام إلا من أجل إسماع المأموم، فيصح أن تكون قراءة الإمام لهما، ولذلك لو استمع الرجل لقراءة آخر، ولو خارج الصلاة، ومَرَّ القارئ على آية سجدة، وسجد، شرع للمستمع أن يسجد للمشاركة، وأما الصلاة السرية؛ حيث يقرأ الإمام لنفسه، والمأموم لنفسه، فلا تكون قراءة الإمام قراءة للمأموم، كما أن تسبيح الإمام وتشهده وسلامه من الصلاة مختص به ليس للمأموم منه شيء، فكذلك قراءته في السرية مختصة به، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-1405) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية حدير بن كريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال:
سمعت أبا الدرداء، يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال: رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه، فقال: يا ابن أخي ما أرى الإمام إذا أَمَّ القوم إلا قد كفاهم
(1)
.
[حسن، وروي قول أبي الدرداء مرفوعًا، ولا يصح]
(2)
.
(1)
. مسند أحمد (6/ 448).
(2)
. الحديث رواه معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء، والإسناد رجاله كلهم ثقات إلا معاوية بن صالح، فإنه صدوق له أوهام.
رواه بشر بن السري كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (17، 57) وفي خلق أفعال العباد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (ص: 105)، عن معاوية مقتصرًا على المرفوع فقط، ولم يذكر الموقوف.
ورواه عبد الرحمن بن مهدي، رواه عنه أحمد (5/ 197) مقتصرًا على المرفوع.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 216) من طريق محمد بن المثنى،
والبيهقي في القراءة خلف الإمام (380) من طريق إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به بتمامه ذاكرًا كلام أبي الدرداء.
كما رواه بتمامه كل من:
عبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار (1/ 216)، وسنن الدارقطني (1280)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 232)، وفي القراءة خلف الإمام (381).
وعبد الله بن صالح من رواية بكر بن سهل عنه كما في مسند الشاميين للطبراني (1955)،
وحماد بن خالد كما في سنن الدارقطني (1505)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (382)، ثلاثتهم (ابن وهب، وأبو صالح، وحماد بن خالد) رووه عن معاوية بن صالح به، بتمامه مع ذكر كلام أبي الدرداء الموقوف عليه.
ورواه زيد بن الحباب، واختلف عليه:
فرواه علي بن المديني كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (183)،
وعبدة بن عبد الله كما في مسند البزار (4120)، كلاهما عن زيد بن الحباب به، مقتصرًا على المرفوع.
ورواه أحمد (6/ 448) حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح به بتمامه، كرواية الجماعة، وقال بعد أن ساق الحديث المرفوع، وفيه: (فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه
…
) وذكره موقوفًا صريحًا على أبي الدرداء.
قال البيهقي في الخلافيات (2/ 486): وهكذا رواه الفضل بن أبي حسان، ومحمد بن إشكاب، عن زيد بن الحباب، وجعله من قول أبي الدرداء
…
اهـ
ورواه هارون بن عبد الله (ثقة) كما في السنن الكبرى للنسائي (997)، وفي المجتبى (923). وشعيب بن أيوب (صدوق)، كما في سنن الدارقطني (1262)،
وابن أبي شيبة (ثقة) كما في مسنده (34)،
والعباس بن محمد الدوري (ثقة) كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (378)، وفي الخلافيات له (1975) أربعتهم رووه عن زيد بن الحباب به، مرفوعًا، بعضهم قال:(فالتفت إلي .. ) وبعضهم قال: (فالتفت إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا أن هذا الكلام من قول أبي الدرداء.
فأخطأ في رفعه زيد بن الحباب في إحدى الروايتين عنه، والمحفوظ عنه ما رواه أحمد عنه في التفريق بين المرفوع وبين كلام أبي الدرداء.
وتابعه عبد الله بن صالح من رواية محمد بن إسحاق عنه كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 232)، وفي القراءة خلف الإمام (377)، قال البيهقي: كذا رواه أبو صالح كاتب الليث وغلط فيه، وكذلك رواه زيد بن الحباب في إحدى الروايتين عنه، وأخطأ فيه، والصواب أن أبا الدرداء قال ذلك لكثير بن مرة.
قال النسائي في المجتبى: «هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء» .
وقال الدارقطني في السنن: «كذا قال، وهو وهمٌ من زيد بن الحباب، والصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إلا قد كفاهم» . وانظر علل الدارقطني (6/ 218).
وجه الاستدلال:
فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه، وهو يروي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ العموم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم: أي في كل صلاة قراءة؛ لأن السؤال معاد في الجواب، ونصه هذا يشمل المأموم، كما يشمل الإمام والمنفرد، المستفاد من صيغة (كل صلاة)، وهي صريحة في العموم، وخشية أن يفهم التابعي هذا العموم، بادر أبو الدرداء من قوله موقوفًا عليه، فقال: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم، إشارة منه إلى إخراج المأموم من هذا العموم، وأن هذا العموم قد خُصَّ منه المأموم، ولا يظن بالصحابي أنه يقول ذلك من رأيه، فإن هذا استدراك من الصحابي على النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشى الصحابة رضوان الله عليهم أن يستدركوا على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ولم يشرعه، فلو كانت القراءة واجبة على المأموم وجوبًا عامًّا لعامة المصلين لكان أولى الناس بمعرفته هم الصحابة؛ لأن ذلك متعلق بالبيان والتبليغ الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعَلِّمَ صحابته ما تصح به صلاتهم، ولاشتهر ذلك بينهم كاشتهار أن المصلي لا يدخل الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، فلا يَخُصُّ الصحابي المأموم من هذا العموم برأيه إلا أن يكون ذلك متلقًّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عمل الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكن هذا رأيًا لأبي الدرداء وحده، بل كان رأيًا لجابر رضي الله عنه وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعلي، وابن عباس، فكيف يظن أن قراءة الفاتحة تجب على المأموم ثم يجهل هؤلاء الصحابة فقه هذه المسألة، وهم على رأس الفقه والفتوى؟ وكل ذلك يؤيد ما قاله الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدليل الرابع:
(ث-342) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.
[صحيح]
(1)
.
الدليل الخامس:
(ث-343) روى مالك في الموطأ عن نافع،
أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام
(2)
.
وسنده في غاية الصحة.
فكون الصحابة رضي الله عنهم يطلقون هذه الأقوال، ولا يستثنون السرية من الجهرية دليل على أن القراءة ليست واجبة، ولو كانت قراءة المأموم واجبة في السرية لما أطلق الصحابة هذا الكلام دون قيد، وقد جمع الله لهؤلاء الصحابة أنهم من أهل اللسان، وأعلم بدلالات الألفاظ، ومن فقهاء الصحابة وأهل الفتوى، وكانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، فحين يقول جابر رضي الله عنه:(من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يُصَلِّ إلا أن يكون وراء الإمام)، فالاستثناء معيار العموم، فالمأموم لو ترك القراءة لم يضره، وكذلك الكلام ينطبق على قول ابن عمر رضي الله عنهما، ولا يعارَضُ كلامهم هذا بأنه قد جاء عنهم القراءة في الصلاة السرية؛ فإنهم لم يحرموا القراءة في الصلاة السرية، وفعلهم في السرية لا يدل على الوجوب، بل يدل على استحباب القراءة؛ ولأن دلالة القول أبلغ من دلالة الفعل.
قال ابن تيمية: «وابن عمر من أعلم الناس بالسنة، وأتبعهم لها، ولو كانت القراءة واجبة على المأموم، لكان هذا من العلم العام الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًّا. ولو بين ذلك لهم، لكانوا يعملون به عملًا عامًا، ولكان ذلك في الصحابة لم يَخْفَ مثل هذا الواجب على ابن عمر حتى يتركه مع كونه واجبًا عام الوجوب على عامة المصلين قد
(1)
. سبق تخريجه، انظر:(ث-317).
(2)
. الموطأ (1/ 138).
بُيِّن بيانًا عامًّا، بخلاف ما يكون مستحبًّا؛ فإن هذا قد يخفى»
(1)
.
* دليل من قال: تكره القراءة في الجهرية:
أدلة هذا القول هي أدلة من منع القراءة خلف الإمام مطلقًا، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، وعلى الصلاة الجهرية دون السرية.
* الراجح من الخلاف:
لقد رأيت أخي الكريم -إن كنت قرأت البحث كاملًا- كيف يكون الدليل الواحد في هذه المسألة يستدل به أكثر من قول، والراجح في هذه المسألة الشائكة لن يكون بين قول قوي وضعيف، وإنما بين قول قوي وأقوى منه، وأضعف الأقوال عندي هو مذهب الحنفية القائلين بأن قراءة الفاتحة تحرم في السرية، فإذا كان لا يحرم على المصلي دعاء الاستفتاح، ولا أذكار الركوع والسجود، فكيف يحرم عليه قراءة القرآن، وهو لا يسمع قراءة إمامه؟ ما بال القرآن؟
وأقوى الأقوال عندي أن الفاتحة في الصلاة الجهرية ليست واجبة على المأموم؛ لأن حديث عبادة بن الصامت: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) بَيِّن الضعف، وذلك بسبب كثرة الاختلاف على مكحول، وإعلاله بالوقف، وقد ضعفه الإمام الترمذي مع ما يقال من تساهله، كما ضعفه الإمام أحمد، والإمام أحمد إذا ضعف حديثًا فالغالب أن الباحث لا يستطيع أن ينهض به، بخلاف التصحيح فقد يُغَلِّب الإمام أحمد أحيانًا النظر الفقهي على الصناعة الحديثية، ويكون الحكم على الحديث عنده مشمولًا بالنظر إلى عمل أكثر السلف وما ورد في المسألة من آثار، كما شرحت لك ذلك عند الكلام على تصحيح الإمام أحمد لحديث:(وإذا قرأ فأنصتوا)، والله أعلم.
وأما قراءة الفاتحة في الصلاة السرية فإنها واجبة احتياطًا؛ لعموم حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وإن لم يكن وجوبها على المأموم كوجوبها على الإمام والمنفرد، والباعث على التفريق ما ورد من آثار عن ابن عمر وجابر، وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وابن عباس، رضي الله عنهم، فيصعب تصور وجوبها وجوبًا عامًّا، ثم يجهل هؤلاء الصحابة هذا الحكم، وهو يتعلق بأهم الأعمال في الإسلام، وكانوا ملازمين
(1)
. مجموع الفتاوى (23/ 324).
للرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، فالخلاصة أن مذهب الجمهور القائلين بأن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية هو أقرب هذه الأقوال للصواب، ولا أحب له تركها في الصلاة السرية، وأخشى على تاركها ألا تصح صلاته، وإن كنت لا أتجاسر على الحكم ببطلان ما صلاه المأموم مما ترك فيه الفاتحة، والله أعلم.
* * *