الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع فيما نزل من القرآن فى التائبين الثلاثة فى غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة: 117.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى: ذكره لقد رزق اللَّه الانابة الى أمره وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، المهاجربن فتركوا ديارهم، وعشيرتهم الى دار السلام، وهم انصار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. الذين اتبعوه فى ساعة العسرة منهم، على قلة النفقة والزاد والماء. {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} يقول من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك فى دينه، ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة فى سفره وغزوه، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} يقول: ثم رزقهم جل وعلا الإِنابة. والرجوع الى الثبات على دينه، وابصار الحق الذى كان قد كاد يلتبس عليهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} يقول: ان ربكم بالذين خالط قلوبهم ذلك -لما نالهم فى سفرهم من الشدة والمشقة
روؤف رحيم أن يهلكهم، فينزغ منهم الايمان بعد ما قد أبلوا فى اللَّه ما أبلوا مع رسوله صلى الله عليه وسلم، وصبروا عليه من البأساء والضراء (1).
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (54/ 11) انظر المفردات فى غريب القرآن ص 76. قال ابن كثير فى تفسيره (257 - 258/ 4) مع البغوى قال مجاهد، وغير واحد: نزلت هذه الآية فى غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا اليها فى شدة من الامر فى سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء -وقال قتادة: خرجوا الى الشام عام تبوك، فى لهبان الحر على ما يعلم اللَّه من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كان يشقان التمره بينهما، وقال ابن الجوزى فى زاد المسير (511/ 3) قال المفسرون: تاب عليه من اذنه للمنافقين فى التخلف. وقال أهل المعانى: هو مفتاح كلام، وذلك انه لما كان سبب توبه التائبين، ذكر معهم. كقوله تعالي:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} . انظر الكشاف للزمخشرى (570 - 571/ 1) والبحر المحيط لابى حيان (107 - 108/ 5) وأسباب النزول للسيوطى ص 127. وروح المعانى للالوسى (41 - 42/ 11) قلت: لم تكن العسرة ساعة معينة فى الغزوة، بل المراد من الآية: الوقت كله الذى عاشوا فيه من البداية الى النهاية ومن خروجهم الى تبوك حتى رجوعهم الى المنازل.
والانصار، وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم اللَّه فى هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناءه:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فتاب عليهم عزّ ذكره، وتفضل عليهم. فتأويل الكلام اذن: ولقد تاب اللَّه على الثلاثة الذين خلفهم اللَّه عن التوبة، فأرجأ عمن تاب عليه، ممن تخلف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (56/ 11).
قال ابن الجوزى فى زاد المسير (512/ 3): {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، والشعبى، وابن يعمر، "خالفوا" بألف. وقرأ معاذ القارئ وعكرمة، وحميد:"خلفوا" بفتح الخاء واللام المخففة. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو العالية: خلفوا بفتح الخاء واللام مع تشديدها. وهؤلاء هم المرادون بقوله: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} ، وقال القرطبى فى تفسيره (281/ 8): تحت هذه الآية: قيل خلفوا عن التوبة، وهو منقول عن مجاهد وأبى مالك. وقال قتادة: عن غزوة تبوك. وحكى عن محمد بن زيد معني خلفوا تركوا لان معني خلفت فلانا تركته وفارقته قاعدًا عما نهضت فيه. ثم قال: والثلاثة الذين خلفوا: هم كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعه العامرى، وهلال بن امية الواقفى، وكلهم من الانصار، وقد أخرج البخارى ومسلم وغيره حديثهم ثم ذكر الحديث بطوله نقلا عن مسلم. انظر تفسير ابن كثير مع البغوى (258 - 266/ 4). وفتح البيان (213 - 214/ 4) انظر روح المعانى للالوسى (42 - 45/ 11) فانه نسب اخراج حديث كعب بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه. الى عبد الرزاق فى مصنفه، وأبو بكر بن أبى شيبة ايضا فى مصنفه وأحمد والبخارى، ومسلم والبيهقى، عن طريق الزهرى.
وقال أبو جعفر:
قال: حدثنا أبو داود الحفرى (1)، عن سلام أبى الأحوص (2)، عن سعيد بن مسروق (3)، عن عكرمة {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} قال: هلال بن أمية ومرارة، وكعب بن مالك (4).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد اللَّه (5)، عن اسرائيل (6)، عن
(1) أما أبو داود فهو عمر بن سعد بن عبيد، أبو داود، الحفرى، بفتح المهملة والفاء، نسبة الى موضع بالكوفة، ثقة عابد من التاسعة مات سنة 203/ م عم انظر التقريب (56/ 2) قلت: هذا شيخ لسفيان بن وكيع وليس شيخا لابى جعفر لأن فى هذا الاسناد سقطا فى الاول فانتبه.
(2)
أما سلام بن أبى الأحوص، فهو سلام بن سليم الحنفى، مولاهم، أبو الأحوص الكوفى، ثقة، متقن، من السابعة، مات سنة 179/ ع انظر التقريب (342/ 1).
(3)
أما سعيد بن مسروق فهو سعيد بن مسروق الثورى، والد سفيان، ثقة من السادسة. مات سنة 126، وقيل: بعدها/ ع انظر التقريب (305/ 1).
(4)
تفسير ابن جرير الطبرى (58/ 11).
قلت: هذا الاثر مقطوع ضعيف من كلام عكرمة بن عبد اللَّه مولى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه لانه روى عن طريق سفيان بن وكيع وهو ضعيف كما مر عدة مرات.
ولم أجد له مرجعا آخر غير ابن جرير الطبرى لعله انفرد باخراجه، واللَّه أعلم.
(5)
هو عبيد اللَّه بن أياد بن لقيط السدوسى، أبو السليل، بفتح المهملة وكسر اللام وآخره لام أيضا، الكوفى، كان عريف قومه، صدوق، لينه البزار وحده من السابعة، مات سنة 169/ بخ م - د - ت - س. انظر التقريب (531/ 1).
(6)
اسرائيل: هو اسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى الهمدانى، أبو يوسف الكوفى، ثقة تكلم =
السدى (1) عن أبى مالك (2)، قال:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة (3).
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} الى قوله. . {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلفوا فى غزوة تبوك، ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه الى سارية فقال: لا أطلقها، أو لا أطلق نفسى حتى يطلقنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واللَّه لا أطلقه حتى يطلقه ربه ان شاء.
= فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة 160 هـ وقيل بعدها/ ع انظر التقريب (64/ 1).
(1)
السدى هو اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة السدى (السدة: الباب الكبير) بضم المهملة، وتشديد الدال، أبو محمد الكوفى، صدوق يهم، ورمى بالتشيع، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرة مائة/ م عم انظر التقريب (72/ 1).
(2)
اما أبو مالك فهو غزوان الغفارى، أبو مالك، الكوفى، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة/ خت و - س - ت/ انظر التقريب (105/ 2).
قلت: هذا الاثر مقطوع ضعيف من كلام غزوان الغفارى وسبب ضعفه، لانه روى عن طريق سفيان بن وكيع بن الجراح وهو ساقط الحديث.
ولم يرده السيوطى فى الدر المنثور ولا غيره من أهل التأويل لعل أبا جعفر انفرد باخراجه واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(3)
تفسير ابن جرير (58/ 11)
وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله صدقة فى سبيل اللَّه. وقال: واللَّه لا أطعمه. وأما الآخر فركب المفاوز يتبع أثر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ترفعه أرض وتضعه أخرى وقدماه تشلشلان دما (1).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية (2)، عن الأعمش (3)، عن
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (57/ 11).
قلت: هذا الاثر مقطوع صحيح الاسناد من كلام قتادة إلا أنه أثر غريب ولم يأت بطريق متصل آخر فيما أظن والغرابة التى فيه أن كعب بن مالك وثق نفسه بالسوارى. مع أن الآثار الاخرى لم تشر الى هذا المعنى.
ولم يرد ذكره عند السيوطى فى الدر المنثور (286/ 3) ولا الشوكانى فى فتح القدير ولا الامام ابن كثير فى تفسيره. والقرطبي لم يذكره أيضا فى تفسيره. لعل أبا جعفر انفرد به واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ولا ابن الجوزى فى زاد المسير ولا الزمخشرى فى الكشاف ولا صاحب البحر المحيط تحت هذه الآية.
(2)
أبو معاوية فى هذا الاسناد هو: محمد بن خازم بمعجمتين أبو معاوية الضرير الكوفى، عمى وهو صغير ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش من حديث غيره من كبار التاسعة/ ع انظر التقريب (157/ 2).
(3)
هو سليمان بن مهران انظر نزهة الالباب فى الالقاب لابن حجر ص 8.
وقال أبو جعفر فى تفسيره (57/ 11): حدثنى عبيد بن الوراق، قال: ثنا أبو اسامة، عن الأعمش، عن أبى سفيان، عن جابر بنحوه. الا أنه قال: مرارة بن ربيع أو ابن ربيعة، شك أبو اسامة. وأما أبو سفيان فى هذا الاسناد هو طلحة بن نافع الواسطى، أبو سفيان، الاسكاف، نزل مكة، صدوق، من الرابعة/ ع انظر التقريب (380/ 1) =
أبى سفيان، عن جابر، فى قوله {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ربيعة، وكلهم من الأنصار (1).
قال أبو جعفر:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وعمن سمع عن عكرمة، فى قوله {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} قال: خلفوا عن التوبة (2).
= انظر الدر المنثور للسيوطى (286/ 3) فإنه أشار الى هذه الرواية فقال: أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ وابن مندة، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد اللَّه ثم ذكر النص كما ذكره ابن جرير.
(1)
تفسير ابن جرير الطبرى (56 - 57/ 11).
قلت: هذا الاثر ضعيف موقوف من كلام جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنه. ورجال الاسناد كلهم ثقات الا سفيان بن وكيع الذى هو شيخ أبى جعفر قال فيه الحافظ ابتلى بوراقة فنصع فلم ينتصع فسقط حديثه. انظر التقريب (312/ 1)
(2)
تفسير ابن جرير الطبرى (56/ 11).
قلت: ان هذا الاثر لم يثبت عن عكرمة بن عبد اللَّه مولى ابن عباس لان معمر لم يسمع منه مباشرة والسياق هذا فى الاسناد يدل أن الواسطة التى سقطت بين معمر وعكرمة ضعيفة ولذا لم تذكر واللَّه تعالى أعلم. ولو كانت الواسطة ثقة لكان الاثر مقطوعا حسنا من كلام عكرمة بن عبد اللَّه البريرى رحمه اللَّه تعالى. والحسن بن يحيى الجعد العبدى صدوق ذكره الحافظ فى التقريب (172/ 1).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال أبو جعفر (56/ 11) فى تفسيره: حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده، قوله {خلفوا} {فخلفوا} عن التوبة {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}. يقول: بسعتها غما وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} بما نالهم من الوحده والكرب بذلك، {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ} يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شئ لهم يلجئون اليه مما نزل بهم من امر اللَّه من البلاء، بتخلفهم خلاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب اللَّه إلا اللَّه، ثم رزقهم الإنابة الى طاعته، والرجوع الى ما يرضيه عنهم لينيبوا اليه، ويرجعوا الى طاعته، والانتهاء الى أمره ونهيه {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} يقول: إن اللَّه هو الوهاب لعباده الانابة الى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة، والانابة ولا يتوب عليه.
قلت: رجال هذا الاسناد كلهم ثقات: وهذا الاثر مقطوع من كلام قتاده بن دعامة السدوسى رحمه اللَّه تعالى.
قال الشيخ محمود شاكر فى تحقيقه على تفسير ابن جرير الطبرى (543/ 14) الاثر 17433 مرارة بن ربيعة المشهور مرارة بن الربيع ولكنه هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة ثم جاء فى الاخبار الربيع وقد مضى مثل هذا الاختلاف فى اثر 17177 - 17178 و 17183 قلت: ذكره مسلم فى بعض نسخه هكذا كما جاء هنا.
* * *