الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون فى نفقة عمر بن الخطاب فى غزوة تبوك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم
قال ابن عساكر: (1)
أخبرنا أبو محمد هبة اللَّه بن أحمد الاكفانى (2)، ثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني (3) أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن
(1) هو علي بن الحسن بن هبة اللَّه، أبو القاسم، ثقة، حافظ، كبير، محدث، صاحب المؤلفات النافعة فى الاسلام، منها تاريخ دمشق الكبير، ومنها الاشراف على معرفة الاطراف للسنن الاربعة والموطأ، والكتاب موجود بمكتبة مكة المكرمة فى مجلدين ومخطوط، انظر: وفيات الاعيان لابن خلكان (335/ 1). وطبقات الشافعية للسبكى (273/ 4).
(2)
هو أبو محمد بن الاكفانى، هبة اللَّه بن أحمد بن محمد الانصارى، الدمشقى الحافظ، وله ثمانون سنة، وكان ثقة، فهما، شديد العناية بالحديث، والتاريخ، وكان من كبار العدول، توفى 6 محرم سنة 524 هـ انظر: العبر فى خبر من غير (63/ 5).
(3)
هو أبو محمد الكتانى، عبد العزيز بن أحمد التميمى الدمشقى الصوفى الحافظ، وكان يفهم، ويذاكر، قال ابن ماكولا: مكثر متقن، توفِى فى جماد الآخرة سنة 460 هـ انظر العبر فى خبر من غبر للذهبى (261/ 3).
أبى نصر (1) وأبو نصر محمد بن أحمد بن هارون بن الجندى (2) قالا أنبأ أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبى العقب (3) أنا أحمد بن ابراهيم القرشى (4) نا محمد بن عائذ (5) أخبرنى محمد بن شعيب (6)، عن عثمان بن عطاء (7) عن أبيه عطاء الخراسانى (8)، عن عكرمة (9) عن ابن عباس، قال: لبث
(1) ذكره الذهبي مختصرا فى العبر (246/ 2) ووثقه، وقال: هو عبد الرحمن بن أبى نصر الدمشقى.
(2)
هو أبو نصر بن الجندى، محمد بن أحمد بن هارون الغسانى الدمشقى، امام الجامع ونائب الحكم، ومحدث البلد، وقال الكتانى: كان ثقة، مأمونا، توفي فى صفر سنة 417 هـ. انظر العبر (126/ 1).
(3)
هو أبو القاسم، علي بن يعقوب بن أبى العقب الدمشقى، المحدث، المقرئ مات سنة 393 هـ انظر العبر 298/ 2.
(4)
هو أحمد بن ابراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أرطاة، بفتح أوله، وآخره تاء مربوطة، البسرى بضم الموحدة، بعدها مهملة يكنى أبا عبد الملك، صدوق من الحادية عشرة، مات 289/ س التقريب (10/ 1) والتهذيب (11/ 1).
(5)
هو محمد بن عائذ، بتحتانية، الدمشقى، أبو أحمد، صاحب المغازى، صدوق من العاشرة، رمى بالقدر، مات 233 هـ، وله 83 سنة/ د س التقريب (173/ 2).
(6)
محمد بن شعيب بن شابور، بالمعجمة، والموحدة الاموى مولاهم، الدمشقى، نزيل بيروت، صحيح الكتاب، من كبار التاسعة مات سنة 200 وله 84 سنة عم التقريب (170/ 2).
(7)
هو عثمان بن عطاء بن أبى مسلم الخراسانى، أبو سعيد المقدسى، ضعيف من السابعة مات سنة 155 هـ وقيل سنة 151/ حذ ق التقريب (12/ 2).
(8)
هو عطاء بن أبى مسلم، أبو عثمان الخراسانى، اسم أبيه، ميسرة، وقيل عبد اللَّه، صدوق يهم كثيرا، ويرسل، ويدلس، من الخامسة، مات سنة 135 هـ لم يصح أن البخارى أخرج له/ م عم التقريب (23/ 2).
(9)
عكرمة مولى ابن عباس، ثقة، إمام، معروف، لم يثبت تكذيبه عن ابن عباس.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره اللَّه بغزو تبوك، وهى التى ذكر اللَّه ساعة العسرة، وذلك فى حر شديد، وقد أكثر النفاق. وكثر أصحاب الصفة، والصفة بيت كان لاهل الفاقة، يجتمعون فيه فتأتيهم صدقة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإذا حضر غزو عمد المسلمون اليهم، فاحتمل الرجل الرجل أو ما شاء اللَّه يشبعه. فجهزوهم، وغزوا معهم، واحتسبوا عليهم، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين بالنفقة عليهم فى سبيل اللَّه والحسبة، وأنفقوا احتسابا، وأنفق رجال غير محتسبين، وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ احد عبد الرحمن بن عوف، تصدق بمأتى أوقية، وتصدق عمر بن الخطاب بمائة أوقية وتصدق عاصم الانصارى بتسعين وسقا من تمر، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه إنى لا أرى عبد الرحمن إلا قد احتوب، ما ترك لاهله شيئا. فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هل تركت لأهلك شيئا؟ قال: نعم، أكثر مما أنفقت، وأطيب، قال: كم؟ قال: ما وعد اللَّه ورسوله من الرزق والخير، وجاء رجل من الانصار يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فتصدق، وعمد المنافقون حين رأوا الصدقات فإذا كانت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مرائي. وإذا تصدق الرجل بيسير من طاقته تمرا، قالوا: هذا أحوج الى ما جاء به، فلما جاء أبو عقيل بصاعه من تمر، وقال وهو يعتذر ويستحي: وتركت الآخر لاهلى، فقال المنافقون: هذا أفقر الى صاعه من غيره، وهم فى ذلك ينتظرون يصيبون من الصدقات غنيهم، وفقيرهم، فلما
أزف خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أكثروا الاستئذان، وشكوا شدة الحر، وخافوا، وزعموا الفتنة، إن غزوا، ويحلفون باللَّه على الكذب، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يأذن لهم. لا يدرى ما فى أنفسهم. وبنى طائفة منهم مسجد النفاق، يرصدون به الفاسق أبا عامر، وهو عند هرقل وقد لحق به كنانة بن عبد ياليل، وعلقمة بن علاثة العامرى، وسورة براءة تنزل فى ذلك ارسالا. ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد، فلما أنزل اللَّه عز وجل:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} اشتكى الضعيف الناصح للَّه ورسوله، والمريض، والفقير الى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا أمر لا رخصة فيه. وفى المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر، حتى كان بعد ذلك، وتخلف رجال غير مستيقنين، ولا ذوى علة، ونزلت هذه السورة بالتبيان والتفصيل فى شأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسار بمن اتبعه، حتى بلغ تبوك. فبعث منها علقمة بن مجزز المدلجي الى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد الى دومة الجندل، فقال إسرع لعلك أن تجده خارجا يتقنص، فتأخذه، فوجده فأخذه وارجف المنافقون فى المدينة، بكل خبر سوء فإذا بلغهم، أن المسلمين أصابهم جهد، وبلاء تباشروا به وفرحوا، وقالوا: قد كنا نعلم ذلك، ونحذر منه، فإذا اخبروا بسلامتهم وخير اصابوه حزنوا، وعرف ذلك منهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبق أحد من المنافقين اعرابي ولا غيره الا استخفى بعمل خبيث، ومنزلة خبيثة، واستعلن. ولم يبق ذوعلة إلا وهو ينتظر الفرج فيما ينزل اللَّه فى كتابه. ولم تزل سورة براءة تنزل حتى ظن المؤمنون الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير أحد
أذنب فى شأن التوبة قط ذنبا، إلا أنزل فيه أمر بلاء، حتى انقضت، وقد وقع بكل عامل تبيان منزله، من الهدى، والضلالة (1).
(1) تاريخ دمشق لابن عساكر 408 - 409/ 1.
قلت: هذا الخبر ضعيف بهذا الاسناد لأن فيه عثمان بن عطاء بن أبى مسلم الخراسانى.
قال الحافظ فى التهذيب (138 - 7/ 139): قال ابن معين: ضعيف الحديث، قال عمرو ابن علي: منكر الحديث، وقال مرة: متروك الحديث قال الجوزجاني: ليس بالقوى فى الحديث.
قال الذهبى فى الميزان (48 - 3/ 49) ضعفه مسلم، ويحيى بن معين. والدارقطني ثم ذكر بعض الاحاديث الى رويت عن طريقه، ثم قال. . .: هذا باطل، واسناده مظلم.
قلت: فى بعض ألفاظ المتن فيها نكارة شديدة منها:
قوله: أفضل ما تصدق به يومئذ عبد الرحمن بن عوف الخ.
ليس الأمر كذلك. إنما أحسن صدقة قدمها يومئذ عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه كما سيأتى إن شاء اللَّه تعالى.
ومنه قوله: وبنى طائفة منهم مسجد النفاق. يرصدون به الفاسق ابا عامر، وهو عند هرقل، قد لحق به الخ. . .
قلت: قال الامام ابن القيم فى زاد المعاد (3/ 9): معقبا على ابن إسحاق فيما ذكر من قصة أبى عامر الفاسق فى ذهابه الى هرقل، قال: الرابع قوله: كان أبو عامر رأسهم. . فى بناء مسجد الضرار. . وهذا وهم ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر قصة أبى عامر هذا فى قصة الهجرة عن عاصم ابن عمرو بن قتادة، إن أبا عامر لما هاجر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة خرج الى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف، خرج الى الشام، فمات بها طريدا،=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وحيدا، غريبا فأين كان الفاسق، وغزوة تبوك ذهابا وأيابا؟. انتهى كلامه.
قلت: يقصد الامام ابن القيم من هذا التعقيب على ابن اسحاق الى أن أبا عامر الفاسق لم يكن على قيد الحياة عند بدء غزوة تبوك.
قلت اخرج ابن جرير الطبرى فى تفسيره (24 - 26/ 11) عدة آثار فى هذا المعنى ولم يصح منها شئ من حيث الاسناد. لأن فيها الحسين بن الفرج وهو منهم بالكذب انظر لسان الميزان (307/ 2) قال الحافظ: قال ابن معين: كذاب يسرق الحديث، وفيها أيضا عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم. وهو ضعيف انظر التقريب (480/ 1).
أما قصة تصدق أبى عقيل التى وردت فى هذا الخبر فهى قصة صحيحة. وقد أخرجها البخارى فى صحيحه فى كتاب المسير، تحت قوله تعالى:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية (56/ 6). وأسباب النزول لعلى الواحدى ص 172 والسيوطى فى لباب النقول ص 121. ومسلم فى صحيحه فى كتاب الزكاة (88/ 3). وفى كتاب التوبة (107/ 8) وزاد المسير لابن الجوزى (476/ 3). والسيوطى فى الدر المنثور (263/ 3). والطبرى بتحقيق محمود شاكر (388/ 14). انظر فتح الباري (8/ 249): فقد استوفى الحافظ ابن حجر الكلام على أبى عقيل هذا. قلت: الخبر الذى أورده ابن عساكر فى تاريخه، مأخوذ من مغازى محمد بن عائذ الدمشقى، وهو كتاب حافل ذكره صاحب كشف الظنون (1747/ 2). وقد وجدت الكتاب وهو فى متحف لندن.
وذكر ابن عساكر فى تاريخه (414 - 417/ 1) حديثا آخر باسناد وفيه الواقدى ومحمد بن شجاع الثلجى وكلاهما متروك، قال: بعد ذكر الصديق الذى جاء فى هذا الخبر أنه حمل المال كله الى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهى أربعة آلاف درهم.=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وجاء عمر رضي اللَّه تعالى عنه بنصف ماله. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هل أبقيت شيئا؟ قال: نعم. نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق فقال: ما استبقنا الى خير قط الا سبقنى اليه، وحمل العباس بن عبد المطلب الى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مالا، وحمل طلحة بن عبيد اللَّه الى النبي صلى الله عليه وسلم مالا. وحمل محمد بن مسلمة اليه مالا، تصدق عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر، وحمل عبد الرحمن بن عوف اليه مالا مأتى أوقية، وحمل سعد بن عبادة مالا.
وجهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكان من أكثرهم نفقه، حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤنتهم، حتى ان كان ليقال: ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم ضنق اسقيتهم. فيقال: ان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: ما يضر عثمان ما عمل بعد هذا. ورغب أهل الغنى فى الخير، والمعروف، واحتسبوا فى ذلك الخير. وقوى ناس دون هؤلاء ممن هو أضعف منهم حتى ان الرجل ليأتى بالبعير الى الرجل، والرجلين، فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتى الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج -حتى ان النساء كن ليعن بكل ما قدرن عليه، لقد قالت أم سنان الاسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم فى بيت عائشة، فيه مسك، ومعاضد، وخلاخل، وأقرطة، وخواتيم، وخدمات مما يبعث به النساء يعن به المسلمين فى جهازهم، والناس فى عسرة شديدة، وحين طابت الثمار الحديث.
قلت: هكذا أخرجه الواقدي فى مغازيه (991 - 994/ 3) وصاحب السيرة المحمدية فى سيرته ص 370 وصاحب السيرة الحلبية (100 - 103/ 3) وكل هؤلاء نقلا عن الواقدى. وأما بعض الالفاظ التى ورت فى هذا السياق وهي تشير الى نفقة الصديق وعمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما فإنها رويت باسانيد حسان فى الترمذي فى المناقب (137 - 139/ 3). والدارمى فى سننه فى =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كتاب الزكاة (391 - 392/ 1) والامام احمد فى مسنده (253/ 2) إلا أن هذه الروايات لم تعين نفقة الصديق وعمر رضي اللَّه تعالى عهما فى غزوة تبوك. وورد أيضا انفاق عثمان رضي اللَّه تعالى عنه باسانيد جياد كما سيأتي فى موضعه ان شاء اللَّه تعالى. والباقى لم أطلع على اسنادها الا عند الواقدى فقط وفى نفسى منه شيء.
وأما ما ذكر النساء وتصدقهن بهذا أيضا ورد باسانيد جياد فقد أخرج الامام احمد فى مسنده (220/ 1) و (226، 231، 357، 368/ 1)، (34/ 3) إذ قال حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس، أشهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى قبل الخطبة فى العيد، ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهن، فذكرهن، ووعظهن، وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقى الخرص، والخاتم، والشيء، وقد أخرج البخارى أيضا فى كتاب العلم والآذان، والعيدين، والزكاة والنكاح هذا الحديث وأبو داود فى كتاب الصلاة، وابن ماجه فى الاقامة، وسنن الدارمى فى كتاب الصلاة، والنسائي فى العيدين الا أن هذا السياق لم يكن فى غزوة تبوك. واللَّه تعالى أعلم انظر تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 38. قاله السندى. الفقير الى مولاه. . .
* * *