الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع والعشرون فيما نزل من القرآن فى منافقى الأعراب الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
قال اللَّه تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة: 97.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: الأعراب أشد جحودا لتوحيد اللَّه، نفاقا من أهل الحضر فى القرى والأمصار، وإنما وصفهم جل ثناءه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقل علما بحقوق اللَّه، وقوله:{وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه على رسوله، وذلك فيما قال قتادة: السنن (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (3/ 11).
قال ابن الجوزى فى زاد المسير: (488/ 3) قال ابن عباس: فى أعاريب أسد وغطفان، وأعراب من حول المدينة، أخبر اللَّه أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل المدينة، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر. =
قال اللَّه تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} التوبة: 98.
= قال القرطبى فى تفسيره (231/ 8): فيه مسألتان: الأولى: لما ذكر عز وجل أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا عنها من الأعراب فقال: كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن، وقل: لأنهم أقسى قلبا، وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل، ولذلك قال اللَّه تعالى فى حقهم:{وَأَجْدَرُ} أى أخلق.
والثانية: ولما كان ذلك دل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عمن سواهم.
قلت: وأخرج الإمام أحمد فى مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن طريق سفيان الثورى، وقال الترمذى حسن غريب انظر تفسير ابن كثير مع البغوى (227/ 4). وقال الرازى فى التفسير الكبير (165/ 16). المراد بهذه الآية منافقوا الأعراب الذين إشتد كفرهم ونفاقهم. انظر التسهيل فى علوم التنزيل (83 - 84/ 2) وروح المعانى للألوسى (4 - 5/ 11) والبحر المحيط لأبى حيان (90/ 5) والكشاف للزمخشرى (565/ 1) وفتح البيان لصديق حسن خان (182 - 183/ 4) والقاسمى (3237 - 3239/ 8). وأسباب النزول للواحدى ص 174 وفتح القدير للشوكانى (376 - 377/ 2) والدر المنثور (268/ 3) واقتضاء الصراط ص 147 والصواعق المرسلة (165/ 2) انظر مسند الإمام أحمد (357/ 1)، وأبو داود فى كتاب الأضاحى، الباب رقم 24، والترمذي كتاب الفتن باب رقم 69، والنسائي فى كتاب الفتن باب رقم 24.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يعد نفقته التى ينفقها فى جهاد مشرك أو فى معونة مسلم، أو فى بعض ما ندب اللَّه إليه عباده، مغرما، يعنى غرما لزمه، لا يرجو له ثوابا، ولا يدفع به عن نفسه عقابا، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} يقول: ينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالى، الى مكروه، ونفي محبوب، وغلبة عدو لكم، يقول اللَّه تعالى ذكره:{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} يقول: جعل اللَّه دائرة السوء عليهم ونزول المكروه بهم، لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم، واللَّه سميع لدعاء الداعين، عليم بتدبيرهم، وما هو بهم نازل من عقاب اللَّه، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (4/ 11).
قال ابن الجوزى فى زاد المسير (488/ 3) تحت هذه الآية: إذا خرج فى الغزو، وقيل: ما يدفعه من الصدقة {مَغْرَمًا} لأنه لا يرجو له ثوابا. قال ابن قتيبة: المغرم: هو الغرم والخسر وقال ابن فارس: الغرم: ما يلزم اداؤه، والغرام: اللازم، وسمى الغريم لإلحاحه. وقال غيره: الغرم: إلتزام ما لا يلزم. إلخ. انظر تفسير القرطبى (234/ 8) وتفسير ابن كثير مع البغوى (227 - 228/ 4). والبحر المحيط لأبى حيان (90 - 91/ 5) وروح المعانى للألوسى (5 - 6/ 11) وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل (87 - 84/ 2) والتفسير الكبير للرازى (165 - 166/ 16) والكشاف للزمخشرى (565/ 1) وفتح البيان لصديق حسن خان (184 - 185/ 4) والقاسمى (3239 - 3240/ 8) وفتح القدير للشوكانى (337/ 2) والدر المنثور للسيوطى (269/ 3) وقال السيد قطب =
قال أبو جعفر:
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل ثم قال:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قول اللَّه {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء، اتقاء أن يغزوا، أو يحاربوا، أو يقاتلوا ويرون نفقتهم مغرما، ألا تراه يقول {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} .
ثم قال أبو جعفر: واختلفت القراء فى قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل المدينة والكوفة. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سوءته أسوءه سواء ومساءة ومسائية. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} بضم السين، كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء
= فى ظلال القرآن (12/ 11) تحت هذه الآية: وربما عجل بذكر المنافقين من الأعراب، قبل المؤمنين فيهم إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين كان يتحدث عنهم فى نهاية المقطع السالف، وليتصل جو الحديث عن المنافقين من هؤلاء ومن هؤلاء.
قلت: يريد السيد منافقى المدينة وغيرهم من الأعراب الذين اتحدوا على إطفاء نور النبوة ورسالة الإسلام وثبطوا المؤمنين عن لحوقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك انظر الحسنة والسيئة لابن تيمية ص 171.
والعذاب، ومن قال {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} فضم، لم يقل هذا رجل السوء بالضم، والرجل السوء، ثم قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التى تسوءهم سوءا، كما يقال هو رجل صدق، على وجه النعت (1).
قال اللَّه تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التوبة: 99.
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (4 - 5/ 11).
قلت: أثر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوى أثر معضل إلا إذا كان لهذا الأثر إسناد آخر متصل. وابن زيد هذا ضعيف قال الحافظ فى التقريب (480/ 1) ضعيف من الثامنة مات سنة 182/ ت - ق. انظر الدر المنثور للسيوطى (269/ 3) فإنه نسب إخراج هذا الأثر الى ابن أبى حاتم. وقال ابن الجوزى فى زاد المسير (488 - 489/ 3): فى قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم السين، وقرأ نافع، وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: والسوء بفتح السين، انظر وجوه الأعراب وتوجيهها فى التفسير الكبير للرازى (165 - 166/ 16) وروح المعانى للألوسى (5 - 6/ 11). وانظر ما قال ابن حيان فى البحر المحيط (90 - 91/ 5) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (184 - 185/ 4).
قلت: الصواب من القراءة ما رجحه ابن جرير الطبرى لأن فيه معنى النعت وهى أرجح أوجه القراءات واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
قال أبو جعفر مفسرا لهذه الآية:
يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدق اللَّه، ويقر لوحدانيته، وبالبعث بعد الموت والثواب والعقاب، وينوى بما ينفق من نفقة فى جهاد المشركين، وفى سفره مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم {قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} القربات: جمع قربة، وهو ما قربه من رضا اللَّه ومحبته. {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} يعنى بذلك، يبتغى بنفقة ما ينفق مع طلب قربته من اللَّه دعاء الرسول واستغفاره له (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (5/ 11).
قال ابن الجوزى فى زاد المسير (489/ 3). قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} قال ابن عباس: وهم من أسلم من الأعراب، مثل جهينة وأسلم، وغفار وفى قوله:{وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ} قولان:
أحدهما: فى الجهاد.
والثانى: فى الصدقة. فأما القربات، فجمع قربة، وهي: ما يقرب العبد من رضي اللَّه ومحبته.
قال ابن كثير فى تفسيره (228/ 4) مع البغوى: هذا هو القسم الممدوح من الأعراب وهم الذين يتخذون ما ينفقون، فى سبيل اللَّه قربة يتقربون بها عند اللَّه، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} أى ألا إن ذلك حامل لهم {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال الرازى فى تفسيره (168 - 171/ 16): المراد بصلوات الرسول: دعاءه لهم واستغفاره لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة. ويستغفر لهم. كقوله "اللهم صل على آل أبى أوفى" وقال تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} فإذا كان ما ينفق سببا لحصول القربات والصلوات، ثم ذكر الرازى فى هذه الآية خمس مسائل تتعلق بالإنفاق فى سبيل اللَّه. انظر الكشاف للزمخشرى (91/ 5). =
{ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق قربات عند اللَّه وصلوات الرسول} قال: دعاء الرسول، قال: هذه ثنية اللَّه من الأعراب (1).
قال اللَّه تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة: 101.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون، من أهل مدينتكم أيضا أمثالكم أقوام منافقون، وقوله:{مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} يقول: مرنوا عليه ودربوا به، ومنه شيطان مارد ومريد: وهو الخبيث العاتى، ومنه قيل: تمرد فلان على ربه: أى عتا ومرد على معصيته واعتادها (2).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (5/ 11).
قلت: هذا الأثر مقطوع من كلام قتادة بن دعامة السدوسى التابعى المعروف وإسناده صحيح.
قال السيوطى فى الدر المنثور (269/ 3): أخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله تعالى ومن الأعراب من يؤمن باللَّه ثم ذكر الأثر. .
قلت: وإلى هذا الأثر أشار ابن الجوزى فى زاد المسير (489/ 3) والسيد صديق حسن خان فى فتح البيان (185/ 4) انظر تفسير القرطبى (235/ 8) والتفسير الكبير للرازى (168/ 16) وهكذا قال ابن كثير فى تفسيره (228/ 4) مع البغوى: المراد بصلوات الرسول دعاؤه للمنفقين المتصدقين.
(2)
تفسير ابن جرير الطبرى (9/ 11). =
"قال أبو جعفر فى معنى صلوات الرسول":
حدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:{وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} يعنى استغفار النبي صلى الله عليه وسلم (1).
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:
= قلت: لما ذكر اللَّه تعالى منافقى الأعراب ثنى بذكره جلا وعلا مؤمنى الأعراب الذين عكس المنافقين فى أعمالهم الصالحة. انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 139.
(1)
تفسير ابن جرير الطبرى 5/ 11.
قلت: هذا الاسناد فيه انقطاع كما مر بكم لأن علي بن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس، وقد توفى ابن عباس سنة 68 وعلي بن أبى طلحة وفاته سنة 143 وترجمة المثنى لم أجد فى المراجع التى بين يدى وقال الشيخ محمود شاكر إنه المثنى بن إبراهيم الآملى.
قلت: لم أجد له أيضا ترجمة فاللَّه تعالى أعلم: انظر الدر المنثور للسيوطى فإنه أشار الى هذه الرواية (269/ 3) أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس ثم ذكر الأثر. انظر زاد المسير لابن الجوزى (489/ 3) وتفسير القرطبى (235/ 8) وروح المعانى للألوسى (6/ 11) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (185/ 4) والبحر المحيط لأبى حيان (91/ 5) والكشاف للزمخشرى (565/ 1) وقال الكلبى فى كتاب التسهيل فى علوم التنزيل (83/ 2): المراد من صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم دعواته واستغفاره وهو عطف على قربات أى يقصدون من نفقاتهم التقرب الى اللَّه، واغتنام دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر التفسير الكبير للرازى 168/ 16.
قلت: إن هذا الأثر وإن كان ضعيفا سندا إلا أنه صحيح المعنى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قوله تعالى:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال:
= قال ابن الجوزى فى زاد المسير (491/ 3): قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} قال ابن عباس: مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون. قال مقاتل: وكانت منازلهم حول المدينة. وقول اللَّه تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} قال ابن عباس: مرنوا عليه، وثبتوا، منهم عبد اللَّه بن أبيّ، وجد بن قيس، والجلاس ومتعب، ووحوح، وأبو عامر الراهب، وقال أبو عبيدة: عتوا ومرنوا عليه، وهو من قولهم: تمرد فلان، ومنه شيطان مريد. انظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر (441 - 442/ 14) ومجمع الزوائد (33/ 7) والدر المنثور للسيوطى (269/ 3) وتفسير ابن كثير مع البغوى (230 - 232/ 4) وتفسير القرطبى (240 - 241/ 8) وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى (83 - 84/ 2) وروح المعانى للألوسى (10 - 11/ 11) والبحر المحيط لأبى حيان (93 - 94/ 5) والتفسير الكبير للرازى (172 - 173/ 16) والكشاف للزمخشرى (566/ 1) وقال فيه: المراد من قوله: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قيل: هما القتل، وعذاب القبر، وقيل: الفضيحة، وعذاب القبر ثم ذكر عن ابن عباس رواية وفيها هذا المعنى واللَّه تعالى أعلم. وقال السيد صديق حسن خان فى فتح البيان (189/ 4) المراد بالمرتين فى الآية: عذاب فى الدنيا بالقتل والسبي وعذاب فى الآخرة بالنار: وقيل الفضيحة بإنكشاف نفاقهم والعذاب فى الآخرة، وقيل: المصائب فى أموالهم وأولادهم وعذاب القبر.
قلت: لا مانع من أن يكون المراد هذا المذكور جميعا، واللَّه تعالى أعلم.
القتل والسباء (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (10/ 11).
قلت: إن هذا الأثر مقطوع من كلام مجاهد بن جبر المكى وقد صح الاسناد إليه. انظر الدر المنثور للسيوطى (271/ 3) فإنه أشار الى أثر مجاهد نسب إخراجه الى ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم.
قال ابن الجوزى فى زاد المسير (492 - 493/ 3): فى قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} فيه عشرة أقوال:
1) أن العذاب الأول فى الدنيا، وهو فضيحتهم بالنفاق، والعذاب.
2) عذاب القبر، قاله ابن عباس، وعذاب فى الدنيا بإقامة الحدود عليهم.
3) إن أحد العذابين: الزكاة التى تؤخذ عنهم، والآخر: الجهاد الذى يؤمرون به. قاله الحسن. قلت: هذا غير وجيه واللَّه تعالى أعلم.
4) الجوع، وعذاب القبر، رواه شبل عن ابن نجيح عن مجاهد، وبه قال أبو مالك.
5) الجوع - والقتل رواه سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، وبه قال ابن قتيبة:
6) قال أيضا: القتل، والأسر.
7) أنهم عذبوا بالجوع مرتين، رواه خصيف عن مجاهد.
8) أن عذابهم فى الدنيا بالمصائب فى الأموال، والأولاد، وفى الآخرة بالنار قاله ابن زيد:
9) أن الأول: عند الموت، تضرب الملائكة وجوههم، وأدبارهم، والثانى: فى القبر بمنكر ونكير، قاله مقاتل بن سليمان.
10) أن الأول بالسيف، والثانى عند الموت، قاله مقاتل بن حيان.
انظر تفسير القرطبى (241/ 8) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (179 - 190/ 4) والتفسير لابن كثير مع البغوى (231/ 4).
قلت: قد يكون هناك أنواع العذاب فى الدنيا والآخرة وقد أريد كل هذه التى ذكرها المفسرون، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
قال أبو جعفر:
وقال آخرون: معنى ذلك سنعذبهم عذابًا فى الدنيا، وعذابًا فى الآخرة. حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} عذاب الدنيا، وعذاب القبر، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} ذكر لنا أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم أسر الى حذيفة باثنى عشر رجلا من المنافقين، فقال: ستة منهم، تكفيهم الديبلة {سراج من نار جهنم} ، يآخذ فى كتف أحدهم، حتى يفضى الى صدره وستة يموتون موتا، ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر الى حذيفة، فإن صلى عليه، صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك اللَّه أمنهم أنا؟ قال: لا واللَّه، ولا أؤمن منها أحدا بعدك (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (10 - 11/ 11).
قلت: إن هذا الأثر مرسل بإسناد صحيح الى قتادة. وقد أخرج مسلم فى صحيحه. بعض أجزاء هذا الأثر فى المنافقين انظر صحيح مسلم (122/ 8) وهذه الرواية أوردها ابن كثير فى تفسيره (232/ 4) مع البغوى وقال السيوطى فى الدر المنثور (271 - 272/ 3) أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ والبيهقى فى عذاب القبر عن قتادة ثم ذكر الأثر. انظر تفسير القرطبى (241/ 8) وفتح البيان (190 - 191/ 4) وروح المعانى للألوسى (11 - 12/ 11) فإنه عدد الروايات كلها وذكر رواية قتادة المذكورة عند ابن جرير الطبرى.
قلت: يظهر لى واللَّه تعالى أعلم أن قول قتادة وجيه لأنه عام فى الدنيا والآخرة وهم عذبوا فى الدنيا بأنواع العذاب كما لا يخفى وسوف يعذبون بعذاب الآخرة بأنواعه المختلفة، وكذلك عذبوا فى القبر وهذا داخل فى عذاب الآخرة، واللَّه تعالى أعلم.
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن بشار (1)، ومحمد بن العلاء (2)، قالا: ثنا بدل بن المحبر (3)، قال: ثنا شعبة (4) عن قتادة {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال: عذابًا فى الدنيا، وعذابًا فى القبر (5).
(1) أما محمد بن بشار، فهو محمد بن بشار بن عثمان العبدى، البصرى، أبو بكر، بندار، بضم الباء وفتحها وسكون النون، ثقة من العاشرة مات 252 وله بضع وثمانون/ ع انظر التقريب (147/ 2).
(2)
أما محمد بن العلاء، فهو محمد بن العلاء بن كريب الهمدانى، أبو كريب الكوفى مشهور بكنيته، ثقة، حافظ، من العاشرة، مات سبع وأربعين ومائتين وهو ابن سبع وثمانين سنة / ع انظر التقريب (197/ 2).
(3)
أما بدل بن المحبر، هو بدل -بفتحتين- ابن المحبر ينسب الى قبيلة بالمهملة ثم الموحدة، أبو المنير بوزن مطيع، التميمى البصرى، أصله من واسط ثقة، ثبت إلا فى حديثه عن زائدة، من التاسعة، مات بضع عشرة ومائتين خ عم انظر التقريب (94/ 1).
(4)
أما شعبة فهو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكى مولاهم، أبو بسطام بكسر فسكون، الواسطى، ثم البصرى، ثقة، حافظ متقن، كان الثورى يقول: هو أمير المؤمنين فى الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا من السابعة، مات سنة ستين ومائة/ ع انظر التقريب (351/ 1).
(5)
انظر تفسير ابن جرير الطبرى (2/ 11)
قلت: هذا الأثر مقطوع من كلام قتادة رحمه اللَّه تعالى: وقد صح هذا الاسناد إليه انظر الدر المنثور للسيوطى (271/ 3).
* * *