الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع والثلاثون فيما نزل من القرآن فيمن بنى مسجد الضرار
قال اللَّه تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} التوبة: 107.
قال أبو جعفر:
فتأويل الكلام: والذين ابتنوا مسجدا ضرارا لمسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كفرا باللَّه، لمحادتهم بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويفرقوا به المؤمنين، ليصلى فيه بعضهم دون مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبعضهم فى مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا، {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} يقول: وأعدوا له، لأبى عامر الكافر، الذى خالف اللَّه ورسوله، صلى الله عليه وسلم، كفر بهما، وقاتل رسول اللَّه من قبل: يعنى من قبل بنائهم ذلك المسجد، وذلك أن أبا عامر هو الذى كان حزب الاحزاب، يعنى حزّب الاحزاب لقتال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما خذله اللَّه لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كتب الى أهل مسجد الضرار، يأمرهم ببناء المسجد الذى كانوا بنوه فيما ذكر عنه، ليصلى فيه فيما يزعم إذا رجع إليهم، ففعلوا ذلك وهذا معنى قوله تعالى {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى}. . يقول: جل ثناءه: وليحلفن بانوه ان اردنا إلا الحسنى
ببنائنا، الى الرفق بالمسلمين، والمنفعة، والتوسعة، على أهل الضعف والعلة، ومن عجز عن المسير الى مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه، وتلك هي الفعلة الحسنة {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى حلفهم ذلك، قيلهم ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى، ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السوأى، ضرارا لمسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كفرا باللَّه، وتفريقا بين المؤمنين، وارصادا لأبى عامر الفاسق (1).
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا عبد اللَّه، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} وهم أناس من الانصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فاني ذاهب الى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلى فيه، وتدعو لنا بالبركة، فأنزل اللَّه فيه {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ
(1) تفسرر ابن جرير الطبرى (33 - 34/ 11). انظر المصاحف لابن أبى داود فى اختلاف الواو ص 39 انظر زاد المسير لابن الجوزى (498 - 500/ 3) فانه عدد أسماء المنافقين الذى ن بنوا مسجد الضرار عليهم من اللَّه ما يستحقون، والدر المنثور للسيوطى (276 - 278/ 3). وروح المعانى للالوسى (18 - 19/ 11) والبحر المحيط لابى حيان (98 - 99/ 5) وتفسير ابن كثير مع البغوى (238 - 244/ 4) وفتح القدير للشوكانى (383 - 388/ 2) وكتاب التسهيل للكلبى (84 - 85/ 2) والقرطبى فى تفسيره (253 - 258/ 8) والرازى (192 - 194/ 16).
أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ} إلى قوله {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (24/ 11).
قلت: إن هذا الاسناد وقد احتجت به أهل التفسير وإنى لراجع عن تضعيفه الآن بعد اثنتى عشرة سنة وللَّه الحمد والمنة. انظر مجمع الزوائد (331/ 2)، (268/ 4)، (17/ 10)، تلخيص الحاكم للذهبى (344/ 3)، ونصب الراية للزيلعى (328/ 3)، والتلخيص الحبير المطبعة الهندية (373)، انظر مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 182 وبقية رجال الاسناد كلهم ثقات ماعدا المثنى وعبد اللَّه بن صالح كاتب ليث بن سعد المصري، انظر المراسيل لابن أبى حاتم ص 52، والرد على البكرى 16، 17، وتفسير ابن جرير. قال السيوطى فى الدر المنثور (276 - 277/ 3): أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وابن مردويه، والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس ثم ذكر هذا الحديث. انظر زاد المسير لابن الجوزى (498/ 3)، وتفسير القرطبى (252 - 258/ 8) فانه استوعب الروايات كلها التى تتعلق ببناء هذا المسجد الظالم أهله. وفتح القدير للشوكانى (283 - 388/ 2) وابن كثير فى تفسيره مع البغوى (239 - 246/ 4) انظر اسباب النزول لعلى الواحدى (175 - 176) ولباب النقول: أسباب النزول للسيوطى (124 - 125) وانظر الرواية هذه أوردها الالوسي فى روح المعانى (18/ 11)، والسيد صديق حسن خان فى فتح البيان (196/ 4) القاسمي فى تفسيره (3261/ 8) وكتاب التهسيل للكلبى (85/ 2).
وقال الرازى فى تفسيره الكبير (193 - 194/ 16) قال الواحدى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير رضي اللَّه تعالى عنهم: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء، وأقول: انه تعالى وصفه بصفات أربعة: (1) ضرار، (2) كفرا، (3) تفريقا بين المؤمنين، (4) ارصادًا لمن حارب اللَّه ورسوله.
قلت: كل من يعمل هذا العمل يكون مصيره كهؤلاء المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار انظر مسالك الابصار فى ممالك الامصار (129 - 130).
قال أبو جعفر:
حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} قال: لما بنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، خرج رجال من الأنصار، منهم بخدج جد عبد اللَّه بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصارى، فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لبخدج: ويلك؟ ما أردت الى ما أرى؟ فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب، فصدقه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يعذره، فأنزل اللَّه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعنى رجلا منهم يقال له: أبو عامر، كان محاربا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان قد إنطلق الى هرقل، فكانوا يرصدون أبا عامر أن يصلى فيه، وكان قد خرج من المدينة محاربا للَّه ولرسوله {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (24/ 11).
قلت: هذا الاسناد ضعيف جدا وواه لكونه ورد عن طريق سلسلة الضعفاء وهو طريق العوفى. ويقال: إنه من أوهى الطرق الى ابن عباس واللَّه تعالى أعلم انظر ترجمة عطية العوفى فى الثقات لابن شاهين ص 76.
قلت: وإلى هذا الأثر أشار السيوطى فى الدر المنثور (276/ 3) بقوله أخرج ابن أبى حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس ثم ذكر هذا النص بعينه. كذا الشوكانى فى فتح القدير (386/ 2) وتفسير ابن كثير مع البغوى (239/ 4) وزاد المسير لابن الجوزى (499/ 3) والبحر المحيط لإبى حيان (97/ 5) وفى هذا الاسناد حسن بن عطية بن سعد وقد ذكره ابن حبان فى المجروحين (228/ 1).
قال أبو جعفر:
حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثنا الحجاج، عن ابن جرج، قال: قال ابن عباس: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} قال أبو عامر الراهب: انطلق الى قيصر، فقالوا إذا جاء يصلى فيه، كانوا يرون انه سيظهر على محمد صلى الله عليه وسلم (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (24/ 11).
قلت: إن هذا الاسناد ضعيف مع انقطاعه لأن سنيد بن داود ضعيف وابن جريج لم يلق عبد اللَّه ابن عباس وقد مر بكم هذا البحث فى مثل هذا الاسناد. قال القرطبى فى تفسيره (257/ 8): {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعنى أبا عامر الراهب، وسمى بذلك لانه كان يتعبد، ويلقن العلم، فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك لأقاتلنك معهم، فلم يزل يقاتله الى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج الى الروم يستنصر، وأرسل الى المنافقين وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح الخ وقال ابن الاعرابى: لا يقال: إلا أرصدت، ومعناه ارتقبت.
وقال ابن الجوزى فى زاد المسير (500/ 3): والارصاد: الانتظار فانتظروا به مجيء أبى عامر، وهو الذى حارب اللَّه ورسوله من قبل ببناء مسجد الضرار. وقال الرازى فى التفسير الكبير (193/ 16): المراد بالآية أبو عامر الفاسق والد حنظلة الذى غسلته الملائكة، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاسق وقد كان قد تنصر فى الجاهلية، وترهب وطلب العلم، فلما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عاداه، لأنه زالت رياسته.
قال الطبرى فى تفسيره (24/ 11) حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، والذين اتخذوا مسجدا ضرارا كفرا، قال: المنافقون ممن حارب اللَّه ورسوله لابى عامر الراهب.
قلت: اسناد هذا الأثر صحيح وليس بينهم انقطاع والأثر مقطوع من كلام مجاهد ابن جبر المكى.
قال أبو جعفر:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أنا معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أبو عامر الراهب انطلق الى الشام، فقال الذين بنوا مسجد الضرار: انما بنيناه ليصلى فيه أبو عامر (1).
(1) تفسير ابن جرير الطبرى (25/ 11).
قلت: إن هذا الاسناد حسن بعد دراسة رجاله كلهم ثقات إلا الحسن بن يحيى بن الجعد، صدوق، وقد مر بكم ترجمته قريبا. انظر التقريب (172/ 1).
وقال أبو حيان فى البحر المحيط (98 - 99/ 5) وانتصب ضرارا على أنه، مفعول من أجله، أى مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء تعاونا بهم، فأرادوا أن يفترقوا عنه وتختلف كلمتهم، إذا كان ممن كان يجاوز سجدهم، يصرفونه إليه، وذلك داعية الى صرفه عن الإيمان. ثم قال أبو حيان: ارصادا أى اعدادا لاجل من حارب اللَّه ورسوله وهو أبو عامر الراهب، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاسق وكان سيدا فى قومه، ولم يزل مجاهرا بذلك وقال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: بعد محاورة لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله، فلما فتح مكة هرب الى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف، هرب الى الشام يريد قيصرا مستنصرا على الرسول صلى الله عليه وسلم فمات وحيدا طريدا حزينا بقنسرين الخ ولا حاجة بنا أن نطول قصته. انظر قصة هذا الفاسق فى تفسير القرطبى (257/ 8).
* * *