الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى حديث الحارث بن مالك الأنصارى رضى الله عنه ما يعطينا الصورة المشرقة لهذا الإيمان.
فقد مر حارثة برسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال له الرسول: «كيف أصبحت يا حارثة؟» ؛ قال: أصبحت مُؤمنًا حقًا؛ قال: «انظر ماذا تقول، فإن لكل شىء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» ؛ قال: عزَفتْ نفسى عن الدنيا، فأسْهَرْت ليلى، وأظمأت نهارى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزًا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغَوْن (1) فيها؛ فقال:«عرفت يا حارثة فالزم» (2).
*
الانحراف عن منهج الرسل وأثره:
ومنذ قامت دولة التوحيد على يدى خاتَم أنبياء الله ورسله، بقيت العقيدة تستمد قدسيتها من وحى الله وتعاليم السماء، وتعتمد أوَّل من تعتمد على الكتاب والسنة، وتتّجه فى الدرجة الأولى إلى تربية الملكات، وإعلاء الغرائز، وتهذيب السلوك، كى ترفع الإنسان إلى السمو اللائق بكرامته، وتجعل منه قوة إيجابية فى الحياة.
ثم كانت الخلافات السياسية، والاتصال بالمذاهب الفكرية والمذاهب الدينية الأخرى؛ وتحكيم العقل فيما لا قدرة له عليه .. سببًا فى العدول عن منهج الأنبياء؛ كما كانت سببًا فى تحول الإيمان من بساطته وإيجابيته وسموّه إلى قضايا فلسفية، وأقيسة منطقية، ومناقشات كلامية، أقرب ما تكون إلى المناقشات البيزنطية.
(1) يتضاغون: يصرخون.
(2)
رواه الطبرانى بسند ضعيف.
ولم يَعُد الإيمان هو الإيمان الذى تزكو به النفس، أو يصلح به العمل، أو ينهض به الفرد، أو تحيا به الأمة.
ولقد كان من أثر الخلافات السياسية، والعدول عن نهج الفطرة، والتأثر بالمذاهب الطارئة، وتحكيم العقل .. أن انقسم حملة العقيدة إلى مدارس مختلفة، كل مدرسة منها تُمثِّل لونًا معينًا من التفكير؛ وتستأثر هى وحدها بالحق دون غيرها فى زعمها، ومن لم يدخل فى دائرة تعاليمها يُعَدّ فى نظرها خارجًا عن الإسلام: فمدرسة لأهل الحديث، ومدرسة للأشاعرة، ومدرسة للماتريدية، ومدرسة للمعتزلة، ومدرسة للشيعة، ومدرسة للجهمية .. إلى آخر هذه المدارس المختلفة المتعددة المذاهب والمتنوعة الآراء:
وكل يدّعى وصْلاً بليلَى
…
وليلى لا تُقرّ لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموعٌ فى جفون
…
تَبيّن من بكى ممن تباكا
وأشهر الخلافات التى وسَّعَت الهُوّة بين الأمة الواحدة، هو ما وقع من خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة.
وكان أهم الموضوعات التى ثار حولها الخلاف هى ما يأتى:
1 -
هل الإيمان تصديق فقط، أو هو تصديق وعمل؟
2 -
هل صفات الله الذاتية ثابتة، أو منفية عنه؟
3 -
هل الإنسان مُسيّر، أو مُخيّر .. ؟
4 -
هل يجب على الله فعل الصلاح أو الصلح، أو لا يجب؟
5 -
هل الحسن والقبح يعرفان بالعقل، أو الشرع؟
6 -
هل يجب على الله أن يثيب الطائع، ويعذب العاصى، أو لا يجب ذلك؟
7 -
هل يرى الله فى الآخرة، أو أن ذلك مستحيل؟
8 -
ما حكم مرتكب الكبيرة التى لم يَتُب منها حتى مات؟
إلى آخر هذه المسائل التى كانت مثار فرقة بين المسلمين؛ والتى مزقت الأمة شيعًا وأحزابًا.
ولقد كان من نتائج هذا التنازع، ومن آثار هذا الانقسام .. أن جنى المسلمون على أنفسهم جنايات خطيرة: فتزعزعت العقيدة فى النفوس، واهتز الإيمان فى القلوب، فلم يعد للعقيدة السيطرة على سلوك الأفراد، ولم يبق للإيمان السلطان على تصرفاتهم.
وتَبعَ ضعف العقيدة الضّعف العام فى الفرد، وفى الأسرة، وفى المجتمع، وفى الدولة، وفى كل جانب من جوانب الحياة، وأخذ هذا الضعف يَدِبّ فى كل ناحية، حتى أصبحت الأمة عاجزة عن النهوض بتبعاتها، والاضطلاع بمسئولياتها داخليًا وخارجيًا، ولم تَبْق الأمة كما أرادها الله أن تكون .. صالحة لقيادة المم وهداية الشعوب.
وإذا كان سبب تخلف الأمة عن غاياتها الكبرى، هو ضعف العقيدة كان من الضرورى - ونحن نعمل على إعادة مجد أمتنا - أن نسعى جاهدين فى غرس العقيدة فى نفوسنا، وأن نترسم الخطة التى رسمها الرسول صلى الله علية وسلم فى تعهدها بالتربية والتنمية حتى تبلغ غايتها من القوّة وتصل إلى النهاية من اليقين الذى يدفعنا إلى مجد الحياة، ويرفعنا إلى أسمى درجات العز والشرف.
وهذا الكتاب ما هو إلا محاولة من المحاولات التى تبرز العقيدة، وتوضح أثرها فى النفس وفى الحياة.
وقد اعتمدنا فى ذلك على المصدر الأساسى للإسلام من كتاب الله وسنة رسوله.
وأملنا فى الله عظيم، ورجاؤنا كبير فى أن تلقى هذه الدراسات من الترحيب والقبول ما يُمكِّن لها حتى تكون لنا العقيدة التى نسود بها فى الدنيا، ونسعد بها فى الآخرة؛ والله الموفق وهو حسبنا، ونعم الوكيل.