الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعرض عليه، وأنه يرى ويدرى ما يُفْعَل عنده، ويسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا .. وروى أن عائشة رضى الله عنها، بعد أن دفن عمر رضي الله عنه، كانت تستتر وتقول:" كان أبى وزوجى، فأما عمر فاجَنَبىُّ " .. تعنى أنه يراها، وروى أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم، فيعرفهم أحوالهم، وأنه وُلِدَ لفلان ولد، وتزوّجت فلانة ".
*
السؤال فى القبر:
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قُبِر أم لم يُقْبَر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادًا، ونسف فى الهواء، أو غرق فى البحر، لسئل عن أعماله، وجوزى بالخير خيرًا، وبالشر شرًا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معًا، قال ابن القيم:" مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى ".
وفى مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وصحيح أبى حاتم، أو النبى صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الميت إذا وضع فى قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فان كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلى مدخل، فيقول له اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعونى حتى أصلى، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك (1) هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا شهدت عليه؟ قال: فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال: هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدئ منه فيجعل نسمته (2) فى النسيم الطيب، وهى طير تعلق فى شجرة الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} (3)
»، وذكر فى الكافر ضد ذلك إلى أن قال: «ثم يضيَّق عليه فى قبره إلى
(1) أرأيتك: أى أخبرنا.
(2)
نَسَمَنَهُ: أى رُوحَه.
(3)
سورة إبراهيم - الآية 27 ..
أن تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضَّنْكُ التى قال الله تعالى:{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (1)».
وقال الحافظ فى الفتح: " وذهب ابن حزم، وابن هبيرة، إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عَوْد إلى الجسد، وخالفهم الجمهور، فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد، أو بعضه كما ثبت فى الحديث، ولو كان على الروح فقط، لم يكن للبدن من ذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه؛ والحامل للقائلين: بأن السؤال يقع على الروح فقط، أن الميت قد يشاهد فى قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق فى قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب؛ وجوابهم: أن ذلك غير ممتنع فى القدرة، بل له نظير فى العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة وألمًا، لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألمًا ولذّة لما يسمعه، أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم، إبقاء عليهم، لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت، إلا من شاء الله، وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله:«إنه ليسمع خفق نعالهم» ، وقوله:«تختلف أضلاعه لضمّة القبر» ، وقوله:«يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق» ، وقوله:«يضرب بين أُذنيه» ، وقوله:«فيُقعِدانه» ، وكل ذلك من صفات الأجساد.
(1) سورة طه - الآية 124.