الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العمل الثانى: أنه صلى الله عليه وسلم قضى على رذائل الجاهلية ونقائصها، وأقام مقامها الفضائل والمكارم والآداب.
العمل الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم أقام الدين الحق الذى يصل بالإنسان إلى أقصى ما قدر له من كمال.
العمل الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم أحدث ثورة كبرى غيرت الأوضاع، والعقول، والقلوب، ونظام الحياة الذى درج عليه أهل الجاهلية.
العمل الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم وحّد الأمة العربية، وأقام دولة كبرى تحت راية القرآن الكريم.
هذه هى الأعمال التى تمثل نجاح الرسول صلى الله عليه وسلم فى مهمته؛ وهى كما تبدو كلها أمور كبيرة، وإقامتها، بل إقامة واحد منها، من الخطورة بمكان.
وإنه لا يمكن أن يتأتى النجاح لفرد فى بعض هذه الأعمال، فضلاً عن توفر النجاح فى كل ناحية من هذه النواحى.
إن القيام بهذه الأعمال والنجاح فيها على هذا النحو، لهو المعجزة الكبرى لحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا كان عيسى عليه السلام له معجزة إحياء الموتى، وموسى عليه السلام له معجزة العصا، فإن هاتين المعجزتين فى جانب هذه الانتصارات، وإلى جانب هذه المعجزات، لا تساوى شيئًا.
*
دلائل صدقه:
ومن دلائل الصدق على أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مرسل من عند الله ما يأتى:
أولاً: أنه كان زاهدًا فى الدنيا، فلم يكن يطلب على عمله أجرًا، فقد كان زاهدًا فى المال، وفى كل ما هو مادى، كما كان زاهدًا فى الجاه والمنصب.
أما زهده فى المال، فإن طبيعة حياته تدل على ذلك أبلغ دلالة، فهو لم يفترش الحرير، ولم يلبس الديباج، ولم يتزين بالذهب؛ كان بيته كأبسط بيوت الناس، وكان يمر عليه الشهران، ولا يوقد فى بيته نار؛ قال عروة وهو يسمع خالته عائشة تتحدث بهذا إليه: يا خالتى، ما كان يُعَيِّشُكم؟ قالت: إنما هما الأسودان: التمر والماء.
وذات مرة رأى عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم نائمًا على حصير بالية، وقد أثر فى جسمه، فبكى، فقال له الرسول:«ما يبكيك؟» فقال: ما بال كسرى وقيصر ينامان على الديباج والحرير، وأنت رسول الله يؤثر فى جنبك الحصير، فقال صلى الله عليه وسلم:«يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!» .
ولقد جاءت الغنائم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد انتصار المسلمين، فرأى نساؤه أن يستمتعن بشىء من هذه الغنائم، وطلبن منه أن يكون لهن نصيب منها، فإذا بالآية الكريمة ترد على سؤال هؤلاء النسوة:
فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه، وقال لهن:«هل تردن الله ورسوله والدار الآخرة؟ أم تردن الدنيا وشهواتها؟»
فاختارت كل واحدة منهن الله ورسوله والدار الآخرة، فمدحهن وأنزل فى حقهن:
(1) سورة الأحزاب - الآية 28، 29.
ولقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى، وقد عاش طول حياته وما شبع من خبز الشعير قط.
أما زهده فى الجاه، فهو يتمثل فى كل حال من أحواله.
أراد الصحابة أن يمتدحوه، ويثنوا عليه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:«لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح بن مريم» .
وجاءه الوليد بن المغيرة مندوبًا عن المشركين ليفاوضه، وعرض عليه من كل متع الحياة، فكان جوابه أن قرأ عليه افتتاحية سورة حم فصلت.
هذا هو الزهد الذى كان طبيعة من طبائع الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أنه كان أُمِّيًّا، وأقام هذه الأعمال الكبار وهى أُمّىّ لم يقرأ ولم يكتب، ولم يدخل معهدًا، ولم يتتلمذ على أستاذ؛ ولكنه نجح، وبلغ هذه المرتبة التى لم يبلغها أحد قبله، ولا أحد بعده.
والقرآن يسجل هذه الحقيقة ليجعلها أمارة صدقه ودليل أمانته، يقول الله عز وجل:
(1) سورة الأحزاب - الآية 32.
(2)
سورة الشورى - الآية 52، 53.
وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم شيئًا من النبوة، ولا ما يتصل بالذات العلية، فجريان هذه الأعمال على يديه، إنما هو دليل الإعجاز؛ لأن المتعلمين الذين ينقطعون للعلم والبحث، ليعجزون أن يصنعوا شيئًا مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا ريب أن هذا تأييد وتوفيق من الله تبارك وتعالى، والقرآن يقول:
ولقد كان ذلك معروفًا لدى خصومه، وكان يواجههم به، ولم يستطع أحد منهم أن يشكك فى هذه الحقيقة السافرة، فيقول الله تعالى:
ثالثًا: الصدق، فلم يُعلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كذب قط قبل البعثة ولا بعدها، ولقد جاءه الوحى، فذهب إلى خديجة، وقال لها:«لقد خشيت على نفسى» ، فقالت له: كلا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق
(1) سورة العنكبوت - الآية 48.
(2)
سورة يونس - الآية 15، 16.