الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبواب القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
قوله [يقطع قراءته] أي يجعلها قطعاً (1) ولا يرسلها مرة واحدة.
قوله [ثم يقف] فعلم أن الوقوف على الآية التي فوقها (لا) غير محظور كما اشتهر بين القراء. قوله [وبه يقرأ أبو عبيد إلخ] قراءة أبى عبيد هي القراءة
(1) قال القاري: من التقطيع، أي يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات، وقوله يقول: الحمد لله رب العالمين، بيان لقوله: يقطع، قاله الطيبي، وهو يحتمل أن يكون بدلا أو استئنافا أو حالا، ثم قيل: هذه الرواية ليست بسديدة بل هذه لهجة لا يرتضيها أهل البلاغة، والوقف التام عند مالك يوم الدين، ولهذا استدرك عليه بقوله: وحديث الليث أصح، ذكره الطيب، وفيه أن الوقف المستحسن على ثلاثة أنواع: الحسن، والكافي، والتام، فيجوز الوقف على كل نوع عند القراء، وقد أشار إليها الجزري بقوله: وهي لما تم فان لم يوجد تعلق أو كان معنى فابتد= =فالتام فالكافي ولفظاً فأمعن إلا رؤس الآي جوز فالحسن وشرحه يطول، ثم اختلف أرباب الوقوف في الوقف على رأس الآية إذا كان هناك تعلق لفظي كما فيما نحن فيه، واستدل بهذا الحديث وعليه الشافعي، وأجاب عنه الجمهور بأن وقفه كان ليبين للسامعين رؤس إلى، فالجمهور على أن الوصل أولى فيها، والحزرى على أنه يستحب الوقف عليها بالانفصال، انتهى.
الثامنة (1) وليست من السبعة المتداولة المتواترة، وليس المراد أنه لم يقرأها كذلك إلا أبو عبيد، بل المراد أن هذه قراءة أبى عبيد وإن كانت من السبعة أيضاً.
قوله [وحديث الليث أصح] فيحمل على (2) أن يحي بن سعيد ترك فيه
(1) إطلاق الثامنة عليها مجاز، والمعنى أن أبا عبيد ليس من القراء السبعة المشهورين، بل قراءته خارجة من السبعة المتواترة معدودة من الشواذ، ثم في اللفظ قراءات كثيرة عدها صاحب البحر المحيط ثلاث عشرة قراءة، منها ما حكى عن أبي عبيد وهي قراءة مالك برفع الكاف والتنوين، ونصب اليوم، وأما القراء السبعة فاختلفوا على قولين، قرأ عاصم والكسائي بالألف، والباقون بدونها، وأبو عبيد هذا قاسم بن سلام الإمام المشهور، قال الحافظ في تهذيبه: ذكره الترمذي في الجامع في غير موضع منها في القراءات، قال: وقرأ أبو عبيد والعين بالعين بضم النون، انتهى. واختلفت الروايات في كتابة هذا اللفظ من روايات أم سلمه ليس هذا محل تفاصيلها، والظاهر عندي أن الصحيح في حديث أم سلمه مالك بالألف، ومن كتب (ملك) أراد أيضاً الأول، وبالألف ضبطه الشيخ في البذل خلافا للقاري في شرح الشمائل.
(2)
اختلف في وجه الحكم بالأصحية على حديث الليث، وكلام الشيخ يشير إلى أنه لزيادة راو فيه، هذا هو المشهور عند الجمهور، وتقدم ما أشار إليه الطبي من أن استدراك الترمذي لما أن حديث ابن جريج فيه لهجة غير مرضية، وتعقبه القاري إذا قال: وأغرب الطيبي حيث قال: ولذا قال حديث الليث أصح، إذ لا دخل للمبحث بأن يكون بعض طرق الحديث أصح من بعض انتهى. وتبع ابن الملك الطيبي حيث قال: هذه الرواية ليست بسديدة سنداً ولا مرضية لهجة لأن فيها فصلا بين الصفة والموصوف، انتهى
راوياً وهو يعلى بن مملك، ولا يبعد (1) أن يقال فيه مثل ما مر من أنه يمكن روايته عنهما معاً، فلعل ابن أبي مليكه روى الحديث عن أم سلمه رضي الله تعالى عنها تارة، وعن يعلى بن مملك أخرى، فذكر مرة هذا ومرة هذا.
قوله [العين بالعين] حملا على محل (2) اسم إن لا على لفظة.
قوله [هل تستطيع ربك] بصيغة (3) الخطاب من المضارع ونصب ربك، والمعنى هل تطيق أن تسأل ربك ونستطيع استطاعة حاصلة من ربك.
قوله [وليس إسناده بالقوى] ولا يلزم بضعف الإسناد في هذا الحديث خلل في القراءة (4).
(1) هذا أوجه مما قاله الماوى وغيره في شرح الشمائل، أن سماع ابن أبى مليكه من أم سلمه ثابت عند علماء الرجال، فراوية اللبث نحتمل كونها من المزيد في متصل الأسانيد، انتهى. ويؤيد الشيخ اختلاف سياق الروايتين وأيضاً أن المحدثين عامتهم سكتوا عليهما معاً.
(2)
وهكذا بالرفع قرأ الكسائي العين بالعين وما بعده إلى الجروح، ورفع ابن كثير وأبو عمرو وأبو عامر الجروح فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، هكذا في البذل.
(3)
قرأ الكسائي بالتاء على الخطاب وفتح الموحدة من ربك، والباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء، هكذا في المكرر، قال البيضاوي: هل تستطيع ربك أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك، انتهى.
(4)
كيف وهي من السبعة المتواترة كما تقدم على أن ضعف الحديث عند الترمذي لا يستلزم الضعف عند غيره، فقد قال السيوطي في الدر: أخرج الحاكم وصححه، والطبراني وابن مردوية عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين، هل يستطيع ربك أو تستطيع ربك فقال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم-هل تستطيع ربك بالتاء، انتهى. وقد أخرج المعنى بعدة روايات أخر، فلو سلم الضعف في طريق فهو مؤيد بالروايات الأخر، وقد أخرجه الحاكم بسنده إلى محمد بن سعيد عن عبادة بن نسى بهذا الإسناد، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره عليه الذهبي، فقول الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث رشدين محمول على علمه أو مخصوص بطريق عبد الرحمن بن زياد، فتأمل.
قوله [إنه عمل غير صالح] على زنة المفرد (1) الغائب من معروف الماضي وغير صالح مفعوله.
قوله [وقد روى هذا الحديث أيضاً عن شهر إلخ] يعني أن المتبادر المنساق إلى الذهن أن أصحاب شهر بن حوشب اختلفوا عليه، فأكثرهم رووء عن أم سلمه، وبعضهم رواه عن أسماء بنت يزيد مع أنه لا اختلاف إذا الذين ذكروه
(1) وهكذا قراءة الكسائي، والباقون بفتح الميم ورفع اللام منونة ورفع الراء، كذا في المكرر، وقال البيضاوي: إنه عمل إلخ تعليل لنفي كونه من أهله وأصلة أنه ذو عمل فاسد، فجعل ذاته العمل للمبالغة، وقرأ الكسائي ويعقوب إنه عمل، أي عمل غير صالح، انتهى. ووجه الرازي في تفسيره قراءة الجمهور بوجوه، فقال: الضمير إلى السؤال أي هذا السؤال عمل غير صالح. وإن كان الضمير إلى الدين ففي وصفه بكونه غير صالح وجوه: الأول أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له إنه علم وكرم وجود، فكذا هاهنا لما كثر أقسام (كذا في الأصل) ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل، والثاني أنه يحذف المضاف أي ذو عمل باطل، والثالث قال بعضهم: أي إنه ولد زنا، وهذا القول باطل قطعاً، انتهى.
بلفظ عن أم سلمه لم يريدوا بها أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم، بل المراد بها هي (1) أم سلمه الأنصارية التي هي أسماء بنت يزيد فلا اختلاف إلا في التعبير.
قوله [يروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص إلخ] استدل بهذه القرينة على أن الراوية السابقة غير صحيحة، وإن (2) أمكن أن يكون المرافعة إلى الكعب لذهول له عن الراوية إذا، أو ليسلمه الخصم أحسن تسليم، وقد يستدل المستدل على مرامه بحجة هي دون الحجة الأخرى القوية القائمة عنده فلعله لم يذكر الرواية ليثبت المرام بدليل هو دون الموجود عنده، ولا يذهب عليك أن (3) كعب الأحبار كان من التابعين.
(1) هذا هو الظاهر من كلام المصنف، بل هو المتعين من كلام عبد بن حميد، لكن الأوجه عندي أن الرواية لأم سلمه أم المؤمنين، ولأم سلمه الأنصارية كلتيهما معاً، ولي على ذلك قرائن عديدة فلا إشكال بأن الشيخ في البذل فسر أم سلمه بأم المؤمنين، وقد أخرجه الإمام أحمد بطريقتين في مسانيد أم سلمه أم المؤمنين، وبطريق واحد في ترجمة أسماء بنت يزيد، وهكذا أخرجه الطالسي في مسنده عن أم المؤمنين أم سلمه وأسماء كلتيهما.
(2)
إشارة من الشيخ إلى أن ما استدل به الإمام الترمذي على تضعيف الحديث ليس بتام، فان المرافعة تحتمل وجوهاً عديدة، فلا تكون حجة لتضعيف الحديث، كيف والحديث أخرجه أبو داود وسكت عليه فهو حجة عنده، وأخرجه الحاكم برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في عين حمئة، ثم قال: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره عليه الذهبي، وفي المكرر قرأ شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر بالألف بعد الحاء وياء مفتوحة بعد الميم، والباقون بغير ألف بعد الحاء وبعد الميم همزة مفتوحة، انتهى.
(3)
وكان ماهر التوراة ولذلك سألاه كما ورد في عدة روايات عند السيوطي في الدر منها ما أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وغيرهم ان ابن عباس رضي الله تعالى عنه ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ في عين حامية، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرأها إلا حمئة. فسأل معاوية عبد الله بن عمر كيف تقرأها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة، الحديث.
قوله [ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من غلبهم سيغلبون، الآية] فيه قراءتان (1) غلبت على زنة المعروف، وغلبت على المجهول، وعلى حسبه يختلف قوله سيغلبون (2) فان كان الأول معروفا كان الثاني مجهولا، وبالعكس،
(1) كما ذكرنا هما عامة المفسرين وغيرهم، إلا أن القرأة الأولى وهي غلت ببناء المعلوم ليست بمتواترة، ولذا لم يذكرها من اعتنى من أهل الفن ببيان اختلاف القراء، ولذا حكى بعض المفسرين الإجماع على قراءة غلبت ببناء المجهول، وحكى صاحب البحر المحيط القراءة الأولى عن بعض الصحابة، ثم قال: والجمهور مبيناً للمفعول، وسيغلبون مبيناً للفاعل، انتهى. والقراءة الأولى هي قراءة نصر بن على كما حكاه الشهاب على البيضاوي إذا قال: غلبت بالفتح هي قراءة نصر بن على كما ذكره الترمذي، وهو ثقة ولا يرد عليها اعتراض الزجاج بأنها مخالفة للرواية، ولما أجمع عليه القراء، انتهى. وكذا قال الفتوى على البيضاوي.
(2)
قال ابن عطية: القراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على سيغلبون بفتح الياء، يراد به الروم، وروى عن ابن عمر أنه قرأ سيغلبون بضم الياء، قال صاحب البحر المحيط: قوله أجمعوا ليس كذلك، إلا ترى أن الذين قرأوا غلبت بفتح الغين هم الذين قرأوا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام، وليست هذه مخصوصة بابن عمر، انتهى.
والذي يتوقف عليه فهم معنى هذه الكريمة أنه كانت بين الفارس والروم (1)
(1) قال المخازن وغيره: سبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون، أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس لكونهم مجوساً أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى وقيصر جيشين التقيا بأذرعات وبصري وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك بمكة فشق على المسلمين، وفرح المشركون، وتفاعلوا بذلك وقالوا للمسلمين: عنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس أميون وقد ظهر أخواتنا فأنكم إن قاتلتونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، وهي مكية بالإجماع، فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى كفار مكة فقال: لا تفرحوا فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبى خلف الجمحي فقال: كذبت أجعل بيننا أجلا أناحبك، والمناحبة بالحاء المهملة القمار- فجعلا الأجل ثلاث سنين، والمناحية على عشر قلائص، ثم مادا الأجل والخطر فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبى من جرحه صلى الله عليه وسلم بعد القفول من أحد، وظهرت الروم على فارس في السنة السابعة من الالتقاء الأول، فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخطر من ورثه أبى، ملخص من الخازن، والبيضاوي، والجلالين، وفي أخذ أبى بكر رضي لله عنه القمار حجة للحنفية في جواز الربوا في دار الحرب، وما أجاب به الشافعية من أنه كان قبل التحريم وبه جزم الطحاوي، يأباه الأمر بتصدقه، وقوله صلى الله عليه وسلم: إنه سحت، ولا يشكل على الحنفية هذا اللفظ لأنه سحت صورة ثم لا يذهب عليك أن الشيخ تعقب هذه القصة كما سيأتي في تفسير سورة
حرب فغلب الفارس الروم، فتفاءل بذلك مشركوا مكة وعيروا المسلمين بأنا كالفارس وأنتم كالروم، لما أنكم أهل كتاب مثلهم، والفارس مشركون، فكما ظهرت الفارس على الروم نغلب عليكم، فساء ذلك المؤمنين، فنزلت "ألم غلبت الروم في أدنى الأرض أي صاروا مغلوبين في الأرض القريبة من أرض العرب، وهم من بعد ما صاروا مغلوبين سيغلبون في أقل من عشرة سنين، فكان كذلك أنهم ظهروا على الفارس بعد ذلك (1)، والإضافة في غلبهم من إضافة المصدر إلى المفعول، وأما إذا قرأت على زنة المعروف (2) فالمعنى أن الروم قد غلبت على فارس، وهم من
(1) أي بعد سبع سنين من الالتقاء الأول، وبذلك جزم صاحب الجلالين وغيره، قال صاحب الجمل: كانت هذه الواقعة (أي الالتقاء الأول) قبل الهجرة بخمس سنين على القول بأن الوقعة الثانية كانت في السنة الثانية من الهجرة يوم يدر، وقيل: إن الوقعة الثانية كانت عام الحديبية سنة ست، وعليه تكون الوقعة الأولى قبل الهجرة بسنة، انتهى. قلت: حديث الباب يؤيد الأول لكن أكثر المفسرين اختاروا القول الثاني، وذكروا الأول بلفظ قيل، حتى قال القنوى تحت قول البيضاوي: وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية: وكان ذلك في السنة السادسة أو السابعة من الهجرة في ذي القعدة، وفي رواية أنه يوم بدر وهو ضعيف، انتهى.
(2)
قال البيضاوي: قريء غلبت، ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلوبهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل، انتهى. واختلف شراح البيضاوي في المراد بالسنة التاسعة من نزولة، فقيل: المراد التاسعة من نزوله مرة ثانية ببدر، واختار الشهاب بأنه لا حاجة إليه بل المراد هي النزول الأولى، والمراد بالسنة التاسعة غزوة موتة.
بعد ما صاروا غالبين سيغلب عليهم المسلمون، والإضافة إذا على الفاعل، ويكون التعبير عن ظهورهم بلفظ الماضي، وإن لم يكن وقع بعد تفاؤلا وتعبيراً عن المتوقع بلفظ الواقع ليتيقن وقوعه حتى لا يتصور فيه التخلف كما في قوله تعالى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ومعنى (1) قوله فنزلت فقد كانت نزلت، والفاء هاهنا ليس لتعقيب القصة حتى يتعقب هذا ذاك، مع أن نزول الآية كان قبل ذلك بل المحض تأخير البيان.
قوله [كيف سمعت إلخ] ولعله وقع في شك من حفظه حين لم ير أحداً يوافقه على القراءة التي اختارها. وازدحم (2) المنكرون عليه في ذلك فسأله عنه.
(1) هذا دفع إشكال يرد على الحديث على كلنا القراءتين، وهو أن ظاهر الحديث أنها نزلت بعد بدر، وتقدم الإجماع على أن السورة مكية، قال البيضاوي: سورة الروم مكية إلا قوله فسبحان الله الآية، قال الشهاب على البيضاوي: لم يستثن في الإتقان والتيسير شيئاً، قيل: وهو الأصح والاستثناء مبنى على قول الحسن، وهو خلاف مذهب الجمهور، وما أجاب به الشيخ أوجه مما حكاه الشهاب على البيضاوي، ونصه: التوفيق بين القراءتين أنها نزلت مرتين مرة بمكة غلبت بالضم، ومرة يوم بدر بالفتح، انتهى. وهذا التوجيه كان أوجه لكنه لم يوجه لما أن أهل الفن لم يذهبوا إلى تكرار النزول، ولذا تعقبه الشهاب بنفسه، لكن وجهه القنوى بأنه يحتمل أن يكون هذه الآية خاصة مكية ومدنية، ورجح هذا القول مجيباً عما أشكله الشهاب فارجع إليه لو شئت التفصيل وهذا المختصر لا يتحمل طول المباحث.
(2)
كما هو صريح مدلول قوله: وهؤلاء يريدوني إلخ، ولفظ البخاري قال: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا. وهؤلاء يردوني على أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} والله لا أتابعهم، وحكى الحافظ لفظ مسلم: وإن هؤلاء يريدوني أن أزول عما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: اقرأ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} .
قوله [وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود] وقد ثبت أن بعض (1) ألفاظ القرآن كانت تنزل بعد سائر الآية كما ورد في الحديث من نزول قوله تعالى {مِنَ الْفَجْرِ} بعد آية الصيام، وكذلك قوله تعالى {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} نزل بعد ما نزلت الآية {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ " فقال ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه ما قال، فنزل قوله تعالى " غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ" فعل (2) الله تعالى أنزل أولاً {الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} ثم نزل بعد ذلك لفظة {وَمَا خَلَقَ} إلا أنه لم يبلغ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(1) قال الحافظ بعد ما حكى حديث الباب: وقراءة أبى الدرداء، وابن مسعود وأصحابه، ثم هذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هاهنا، ومن عداهم قرأوا {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} وعليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبى الدرداء ومن ذكر معه، ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود، وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبى الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا، فهذا مما يقوى أن التلاوة= =بها نسخت، انتهى. وقريب منه ما في العيني، وحكى عن المازرى يجب أن يعتقد في هذا وما في معناه أنه كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف النسخ فبقى على النسخ، انتهى.
(2)
لغة في (لعل) ففي المغنى وحواشيه: في لعل إحدى عشرة لغة أشهرها لعل وعل، انتهى. وما أفاده الشيخ من التوجيه لا يحتاج فيه إلى النسخ، فهذا أوجه مما اختاره الشراح من احتمال النسخ كما تقدم، انتهى.
قوله] إلا من أنس وأبى الطفيل] فأنهما آخر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفاتاً، وآخرهما أبو الطفيل (1).
قوله [وهذا عندي مختصر] أي اختصره ولم يذكر الرواة بأسرها حيث لم يذكر فيه عن حسن، فأراد المؤلف بالمختصر المنقطع (2).
(1) وبذلك جزم عامة أهل الفن، ففي التدريب: آخر الصحابة موتاً مطلقاً أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة، قاله مسلم في صحيحة، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل: مات سنة 102 وجزم ابن حبان وجماعة أنه مات سنة 107 وصحيح الذهبي سنة 110، وأما كونه آخر الصحابة موتاً مطلقاً فجزم به مسلم معصب الزبيري وابن مندة والمزى في آخرين، وآخرهم موتاً قبله أنس، وقيل: منهما من تأخر وفاته عن أنس، والبسط في التدريب.
(2)
لعل الشيخ اضطر إلى هذا التوجيه البعيد لما أن المصنف ذكر لفظ عندي مختصر بموضعين، أولهما في ذيل الكلام على السند، والثاني بعد ذكر طول الحديث، فحمل الشيخ أولهما على المعنى اللغوي ليخلو الكلام عن مجرد التكرار، ففي هذا التوجيه وإن كان نوع من البعد لكنه أقرب من التكرار بلا فائدة، والظاهر عندي أن المراد في كلا الموضعين واحد، وأيا ما كان فالمراد بالحديث الطويل ما سيأتي عند المصنف في تفسير سورة الحج، وأما اختلاف القراء في ذلك ففي المكرر قوله تعالى {وَتَرَى النَّاسَ} قرأ السوسي بالامالة في الوصل بخلاف عنه والباقون بالفتح، هذا في حال الوصل، وأما الوقف فوقف بالإمالة المحضة أبو عمرو وحمزة والكسائي وورش بين بين والباقون بالفتح، وقوله تعالى {سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} قرأ حمزة والكسائى بفتح السين وسكون الكاف فيهما، والباقون بضم السين وفتح الكاف وبعد الكاف ألف، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائى محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح، انتهى.
قوله [بئسما لأحدهم إلخ] يعني لابد من (1) تعاهده والمحافظة حتى لا يقول نسيت، ويمكن أن يكون البؤس نسبة إلى نفسه، فإن فيه إساءة أدب بالقرآن، أو الوجه ذكر معاصاته والجهر بذنبه، وإنما كان عليه أن يستره.
قوله [إن القرآن انزل على سبعة إلخ] ولعل (2) الحق في ذلك أن المراد
(1) قال القاري: قال النووي: يكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيتها، وقال الطبي قوله: بل نسى إشارة إلى عدم تقصيره في المحافظة لكن الله أنساه لمصلحة، قال عز اسمه:{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} الآية. وقوله نسيت يدل على أنه لم يتعاهد القرآن، وقال غيره: يحتمل أن هذا خاص بزماته صلى الله عليه وسلم ويكون معنى قوله نسى أي نسخت تلاوته، نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن، وقال ابن حجر: إن الله سبحانه هو الذي أنساها له بسبب منه تارة بأن ترك تعه القرآن، فان ترك تعده سبب في نسيانه عادة= =لا يسبب منه أخرى، وقال أبو عبيدة: أما الحريص على حفظ القرآن الذي يدأب لكن النسيان يغلبه فلا يدخل في هذا الحكم، وقيل: معنى نسى عوقب بالنسيان على ذنب أو سوء تعهد بالقرآن، وهو مأخوذ من قوله تعالى:{أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} انتهى.
(2)
هذا الحديث من أهم الأحاديث بحثا وتحقيقاً وتنقيحاً، وأطال الشراح في تنقيره قديماً وحديثاً، وأجمل الكلام على ذلك في الأوجز في عشرة أبحاث لطيفة هي زبدة أقوالهم، وعطر أزهارهم: الأول في المراد بالأحرف السبعة، وفيه أقوال كثيرة حتى بلغها القاري إلى أحد وأربعين قولا، والثاني في أن لفظ السبعة للاحتراز أو لمجرد التكثير، والثالث في المرجح من الأقوال المذكورة، والرابع في أن اللغات المذكورة لجميع العرب أو لقبائل خاصة، الخامس أن التغيير بين هذه السبعة كان مقصورا على السماع أو كان الخيار لهم على حسب ما شؤا، السادس متى ورد التخفيف والتيسير بهذه السبعة، السابع هل هي السبعة باقية إلى الآن أو ذهبت، الثامن ذهاب السبعة واستقرار الأمر كان في زمنه صلى الله عليه وسلم أو بعده، التاسع القراءات السبع المتعارفة المتداولة في هذا الزمان هل يمكن أن يفسر بها الحديث أم لا، العاشر أن الأحرف السبعة المنزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدينا أو ليس فيها إلا حرف واحد، فهذه عشرة أبحاث بسطت في الأوجز، فلو كان لك فراغ من التنزه في البساتين والتمشي بين الدكاكين، فارجع إليه.
بسبعة أحرف ليس هو هذه القراءات السمع المتواترة المتداولة بين الأقوام بل الأمر في الأول كان متسعاً يقرأه كل أهل لغة بما تيسر له من السبعة، وإنما هذه السبعة ستة منها وراء لغة قرش، ونسبة الإنزال إليها مجاز، لأنه وإن كان نزل من السماء بلغة واحدة هي لغة قريش إلا أنه التحقته الإجازة بالقراءة في أي السبعة تيسر كانت الستة كالسابعة في جواز الصلاة وأجر التالي إلى غير ذلك، فكان القرآن كالمنزل على سبعة لغات، ولما كانت (1) التوسعة للسهولة عليهم
(1) كما ذكره الحافظ بحثاً أن القراءات التي لا يوافق الرسم، فهي مما كانت القراءة به جوزت توسعه على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكفر بعضهم بعضاً اختار الاقتصار على اللفظ المأذون في كتباته وتركوا الباقي، قلت: وقد أخرج البخاري في صحيحة أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصه إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصه، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال الحافظ: في رواية الأكثرين أن يخرق بالخاء المعجمة، ورواه الأصيلي بالوجهين والمعجمة أثبت، وفي رواية شعيب عند الطيراني وغيره: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، قال: فذاك زمان حرقت المصاحف بالعراق بالنار، وفي رواية سويد بن غفلة عن على: لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيراً، ومن طريق مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرين حين حرقت عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد، وفي رواية أبي قلابة: فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم، والمحو أعم أن يكون بالغسل أو التحريق، أو أكثر الروايات صريح في التحريق، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من بيده شيء من ذلك، وقد جزم عياش بأنهم غسلوها بالماء ثم احرقوها مبالغة في إذهابها، انتهى.
وصار الأمر في زمن عثمان رضي الله عنه على خلاف ذلك حيث وقع بذلك
خلاف ما بين المسلمين جمعة عثمان رضي الله عنه على لغة قريش، وأخذ سائر الصحف المكتوبة في غير لغاتهم فغسلهم، ولم يبق شيء منها موجوداً، ولما كان ذلك بإجماع من صحابة هذا العصر وتابعيهم، كان واجب الإتباع لكل من نشأ بعدهم، فلو قرأ بعد ذلك (1) قارئ قرآن على حسب شيء من هذه القراءات لم تصح (2) صلاته، ولا يتوهم أن الإجماع المذكور وقع ناسخا للسنة، فكيف
(1) قال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر عثمان بنسخة في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم، هكذا في الفتح.
(2)
أي تفسد صلاته، أو لا تصح الصلاة لعدم القراءة المعتبرة قولان، وتوضيح ذلك ما في الدر المختار: قرأ بالفارسية أو التوراة أو الإنجيل إن قصة تفسيد، وإن ذكراً لا، وألحق به في البحر الشاذ، لكن في النهر: الأوجه أنه لا يفسد ولا يجزئ، قال ابن عابدين: قوله لكن في النهر الخ حيث قال: عندي بينهما فرق، وذلك أن الفارسي ليس قرآ أصلا لانصرافه في عرف الشرع إلى العربي، فإذا قرأ قصة صار متكلماً بكلام الناس بخلاف الشاذ فأنه قرآن، إلا أن في قرآنيته شكاً فلا تفسد ولو قصة وحكرا الاتفاق فيه على عدمه، فالأوجه ما في المحيط من تأويله قول شمس الأئمة بالفساد بما إذا اقتصر عليه، انتهى. أي فيكون الفساد لتركه القراءة بالمتواترة لا للقراءة بالشاذ، لكن يرد عليه أن القرآن هو ما لا شك فيه، وأن الصلاة يمنع فيها عن غير القراءة والذكر قطعًا، وما كان قصة ولم تثبت قرآنيته لم يكن قراءة ولا ذكراً فيفسد، بخلاف ما إذا كان ذكراً فإنه وإن لم تثبت قرآنيته لم يكن كلامًا، لكن إن اقتصر عليه تفسد، ثم القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في المصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان إلى الأمصار، انتهى.
المحيص لأنه ليس نسخًا لأمر أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم، بل رفع رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقعت منها مفاسد، فكان من قبيل ارتفاع الحكم بارتفاع علته، ولا ضير فيه.
قوله [عبد الرحمن بن عبد القاري (1)] القاري صفة لعبد الرحمن، وهو منسوب إلى بني قارة.
قوله [فيهما (2) هكذا أنزلت] قد عرفت تأويله آنفًا. قوله [باب حدثنا محمود بن غيلان إلخ] أورد الحديث هاهنا، وكذلك ما سبق عن قليل من
(1) قال الحافظ في الفتح: بتشديد الياء التحتية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة، والقارة لقب، واسم أثيع بالمثلثلة مصغراً ابن مليح بالتصغير، وقيل: بل القارة هو الديش بكسر المهملة وسكون التحتية من ذرية أثيع المذكور، وليس هو منسوب إلى القراءة، انتهى.
(2)
هذا من كلام الشيخ لا الترمذي، يعني قوله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت في بيان قراءة عمر وقراءة هشام كليهما، ومعنى قوله عرفت تأويله يعني هاتان القراءتان أيضًا من جملة الأحرف السبعة التي أذن في القراءة فيها. وقال الحافظ: لم أقف في شتى من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، ثم بسط الحافظ جملة ما اختلف فيه القراء في هذه السورة من لدن الصحابة ومن بعدهم.
قوله بئسما لأحدهم لما لهما من مناسبة (1) بقراءة القرآن.
قوله [ورخص فيه بعض أهل العلم] لأن النهي (2) إنما هو لمخالفة الأولى لا لكراهة فيه.
قوله [الحال المرتحل] بينه في الحاشية (3) ومما ينبغي أن يذكر هاهنا أن
(1) يني ذكر المصنف هذه الروايات لما هي من لواحق القراءة وتوابعها لما فيها من ذكر صفات القراءة والحفظ وغيرها.
(2)
ويشير إليه لفظ الحديث بانه لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث، فعلم أن علة النهي عدم التفقه بأقل من هذه الأيام، فمن لا يفقه في أربعين يومًا أيضًا يتساوى له الأربعينة والليلة، هذا وقد ثبت بآثار كثيرة شهيرة ختم جماعة من الصحابة والتابعين في يوم وليلة، كما في الأوجز.
(3)
…
بأنه فسر بالخاتم المفتتح، وهو من يختم القرآن بتلاوته ثم يفتتح التلاوة من أوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه ثم يفتتح سيره أي يبتدئه، ولذا قراء مكة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أول البقرة إلى مفلحون، وقيل: أراد الغازي الذي لا يقفل عن غزو إلا عقبه بآخر، انتهى. قلت: والمراد هاهنا المعنى الأول كما يدل عليه نسخة الحاشية، وهي في متن النسخة المصرية، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل، انتهى. والحديث أخرجه الحاكم بثلاث طرق عن صالح المرى بسنده إلى ابن عباس وفيه: قال يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟ قال: يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، وفي أخرى: قال صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ومن آخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل، وذكر في شرح الأحياء والإتقان برواية الدارمي بسند حسن عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى {وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} ثم دعا بدعاء الختمة ثم قام، انتهى. وهذا هو المتعين في مراد الحديث لوروده عن صاحب الكلام نصًا، ولو أريد به الغازي كما قال به بعض الشراح فجدير عندي أن يراد به السالك كما أشار إليه الشيخ العارف.
أي برادر بي نهاية در كهيا ست *** هرجه بروى مي رسى برر ومى ما است
الرجل يستحب له إذا قرأ سورة أن يترك منها آية أو آيتين أو ثلاثًا لليوم الثاني، أو يبتدئ من السورة الأخرى الآتية كذلك ليبقى في كنف حمايتها ونظر رحمتها، فإن السورة إذا تركها لم تتم تبقى لها علاقة خاصة بالقارئ بخلاف ما إذا أتمها كملاً، وقد ورد مثل ذلك في رواية (1).
(1)
…
لعل الشيخ أراد ما تقدم عن الأحياء والإتقان وإلا فترك السورة لم أجده نصًا في الرواية، لكن القواعد لا تأباه على أن عدم وجدان مثلي الذي هو قليل النظر على العموم ليس بشيء، ولا يذهب عليك أن حديث الباب رجح الترمذي إرساله على وصله، وذكره الحاكم بثلاث طرق عن ابن عباس موصولاً ثم قال: تفرد به صالح المرى، وهو من زهاد أهل البصرة، وله شاهد من حديث أبي هريرة ثم ذكره، وتعقبه الذهبي، وله شاهد من حديث أنس، ذكره النووي في الأذكار.