الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله [الحمد لله إلخ] إنما قال (1) ذلك نظرًا إلى عاقبة أمره ومثوبته في آخرته، لا شماتة بما دهمه من البلاء، بل شكرًا لما أولاه الله من كفارات الذنوب.
[سورة الزخرف]
قوله [ما ضربوه لك الآية] فكان عاقبتهم الهلاك والدمار بأيدي المسلمين يوم بدر وغيره.
[سورة الدخان]
قوله [إنه يخرج من الأرض الدخان إلخ] قد ورد ذلك في الروايات (2)
(1) هذا هو الظن بالمسلم ألا يظهر الشماتة بأخيه المسلم.
(2)
يعني كون الدخان من أشراط الساعة ورد في روايات كثيرة ذكرها الحافظ في الفتح، والسيوطي في الدر في تفسير هذه السورة، منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، الحديث. قال الحافظ بعد ما ذكر الروايات وتكلم على بعض طرقه: تظافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلاً، ولو ثبت طريق حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في الحديث.
وعد من أشراط الساعة. واختلف في تفسير الآية {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح (1) الذي لا يحول حماه ريب ويكون مطابقًا للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود، وإن
(1) أي الصحيح في تفسير الآية، وإلا فكون الدخان من أشراط الساعة مروي في عدة روايات كما تقدم، وعلى هذا القول اكتفى المحلى في الجلالين إذ قال بعد قوله تعالى:{بِدُخَانٍ مُبِينٍ} : فأجديت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان، قال صاحب الجمل: هذا هو المراد بالدخان هاهنا، وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون: أحدها أن الدخان هو ما أصاب قريشًا من الجوع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانًا، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، واختيار الفراء والزجاج، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا، والقول الثاني ونقل عن علي وابن عباس أيضًا، وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن علي والحسن أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب وما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يومًا وليلة، والقول الثالث أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام جنود الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنه قولهم:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ} ثم عللوا ذلك فقالوا: {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم.
كان (1) يصح حمل الآية على ما ذكره القاص أيضًا فإنه يبقى أربعين يومًا ثم يكشف بعد ذلك، والقول الثالث (2) الذي قيل إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على التقدير، أي لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما رد ابن مسعود على القاص قوله ذلك ظنًا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فظاهر أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل، وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن قصد ابن مسعود (3) رد الرواية التي ذكرها
(1) بسط الزازي في الكبير في انطباق الآية على هذا القول، وأجاب عما تقدم من الاستدلال في كلام الجمل، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(2)
وهذا غير القول الثالث المذكور في كلام الجمل، ولم يذكره عامة المفسرين بل اكتفوا على القولين فقط إلا ما ذكره صاحب البحر المحيط، قال علي ابن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وزيد بن علي والحسن: هو دخان يجيء يوم القيامة، وفي حديث حذيفة: أول الآيات خروج الدجال، والدخان، ونزول عيسى بن مريم، الحديث. فإن كان هو الذي رأته قريش فالناس (أي في قوله تعالى {يَغْشَى النَّاسَ}) خاص بالكفار من أهل مكة، وقد مضى كما قال ابن مسعود، وإن كان من أشراط الساعة أو يوم القيامة فالناس عام فيمن أدركه وقت الأشراط وعام بالناس يوم القيامة، انتهى.
(3)
قلت: لكن الظاهر من الروايات التي رويت عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة أن كون الدخان من الأشراط مسلم عنده وهو مراد الآية، لكن مصداقه هو القحط، ويوضح ذلك ما في الدر برواية ابن مردوديه من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: آية الدخان قد مضت، ومن طريق عتبة عنه قال: الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمضة وجوع شديد، الحديث. ومن طريق محمد بن سيرين قال: قال ابن مسعود =كل ما وعدنا الله ورسوله فقد رأيناه غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال. والدابة، ويأجوج ومأجوج، فأما الدخان فمضى، وكان سنى كسنى يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر، وغير ذلك من الروايات.
القاص فأنها مسلمة، بل المقصود الرد على كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه.
وله [من المتكلفين] بإظهار ما ليس عندي (1) من العلم. قوله [اللهم أعني عليهم] ولم يكن قصد بذلك إلا هدايتهم، فإن النعمة والثراء مما يمنع القياد (2) وقبول الحق، فكان حقيقته (3) لهم وإن كان ظاهره أنه دعاء عليهم.
قوله [العظام] أي ذكر العظام (4) موضع الميتة. قوله [فهذا لقوله إلخ] وقال آخر لقوله إلخ يعني إنما اختلفا بعد ذلك في ذكر ما قاله ابن مسعود
(1) قال الحافظ: قوله: إن من العلم إلخ أي إن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدري نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف، انتهى.
(2)
ككتاب: حبل يقاد به، كذا في القاموس، والظاهر الانقياد.
(3)
وهذا أوجه مما ذهب إليه الشراح من الاستدلال بذلك على جواز دعاء الهلاك على الظالم، فإن الدعاء بالشدة والقحط غير الدعاء بالهلاك، ثم لما كانت قريش بالغت في الانتهاك لحرمة الدين وإيذاء المسلمين بخلاف دوس لم يبلغوا هذا المبلغ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد دوسًا وأت بهم.
(4)
كما يدل عليه حديث البخاري في التفسير برواية غندر عن شعبة عن الأعمش ومنصور بلفظ: فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود، فقال أحدهم: حتى أكلوا الجلود والميتة، الحديث. وقد اختلفت رواياتهما في ذكر مفعول أكلوا، ففي بعضها اكتفى على ذكر الميتة فقط، وفي أخرى ذكر غيرها أيضًا، ومقصود الكل واحد وهو بيان شدة القحط.
بعد ذكر القصة، فذكر أحد الراويين جزء من الآية، والآخر جزء آخر منها، وإن كان مرادهما واحدًا، هو الإشارة إلى تمام الآية بقراءة بعض منها.
قوله [فهل يكشف عذاب الآخرة] هذه (1) قرينة على ما ذكره ابن مسعود في تفسير الآية، والمنظور فيها قول الله عز وجل:{إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} لا مجرد الدعاء التي ذكرها بقوله: (2)، وقد سمعت (3) عذرهم.
قوله [البطشة واللزام] هذا غير متعرض به في الآية أوردها استطرادًا وتبعًا تتميمًا للفائدة، لعل حاملاً يقص لغير ذلك ويحملهما على غير محملهما.
(1) يعني أن القرينة على أن المراد بالدخان ما أصابهم في القحط لا ما ينتظر قرب القيامة أن انطباق قوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ} على الأول أظهر، ومعنى قوله (المنظور فيها) أن المقصود من ذكر هذه القصة هي الآية المذكورة لا مجرد دعائه صلى الله عليه وسلم بالقحط، لأن مجرد الدعاء لا يدل على صحة ما قاله ابن مسعود بخلاف زوال القحط.
(2)
والمقولة محذوفة لظهورها.
(3)
يعني من حمل الآية على الدخان قرب القيامة قد عرفت جوابه عن استدلال ابن مسعود وهو أن هذا الدخان أيضًا يبقى أربعين يومًا ثم يكشف عنهم، فينطبق عليه أيضًا {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ} .