الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة الأحزاب]
قوله [ما عنى بذلك] إنما سألوا ابن عباس عن ذلك لأن ظاهره هو التنبيه، على ما يعلمه كل أحد من أن لكل رجل قلباً، والقرآن كتاب الله كله هدى وبيان، وأحكام وشرائع، فالمراد بذلك لا يمكن أن يكون هو الظاهر منه، لأنه ليس من الشرائع والمواعظ في شتى:
قوله [سميت به] جملة معترضة بين بها الوجه الذي كان في تسميته به. قوله [فهاب أن يقول غيرها] يعني أنه لو قال: لأفعلن كذا وكذا فاعله لا تساعده المقادير فيكون ناكثاً معاهدته مع الله، فلذلك أجمل فيما قال، وهو ليرين الله ما يفعله
قوله [فاستقبله سعد بن معاذ] وكان منصرفاً عن جهة الكفار وأنس مقبلاً عليهم فتحقق الاستقبال. قوله [ما فعلت أنا معك] جملة شرطية قالها سعد بن معاذ أي أنا معك فيما تفعله.
قوله [فلم استطع] هذه مقولة سعد (1) أيضا، يعني إني اشترطت معيته ثم لم أكن لأقوم بما قام به. قوله [ألا أبشرك] أراد بذلك دفع ما عسى أن يختلج في قلب ابنه حين استشهد أبوه في مقابلة عليّ رضي الله عنه أنه مات في
(1) كما هو نص رواية البخاري بلفظ: فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد ابن معاذ، الجنة ورب النضرا إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: قلت: فما استطمت يا رسول الله ما صنع، الحديث.
الظاهر خارجاً على الخليفة، وعرض بذاك معاوية إلى كونه لم يستحق بذلك كبيرة لأنه كان قاتل علياً كرم الله وجه (1).
قوله [هذا من قضى نحبه] من هاهنا يستنبط أن الإشارة فرق التسمية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر التسمية (2) طلباً للإشارة، ويتفرع على ذلك جملة من المسائل، وفي الحديث دلالة على تأخير البيان إذا لم بخش ضياعاً.
قوله [اللهم هؤلاء أهل بيتي إلخ] لاشك أن المراد بأهل البيت في الآية إنما هن أزواجه المطهرات، يدل على ذلك سياق الآيات وسباقها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم (3) أراد أن يشترك أهل البيت في إطلاق واحد وهم أهل البيت الذين
(1) وقد تأيد هذا المعنى بما أجاب على حين سأله الناس، ففي الدر: أخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي رضي الله عنه أنهم قالوا: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك إمرؤ نزل فيه آية من كتاب الله «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر» طلحة ممن قضى نحبه، لا حساب عليه فيما يستقبل، انتهى.
(2)
يعنى لم يخبر من أول الأمر أن طلحة منهم حتى أقبل طلحة فأشار إليه بأنه منهم، فتأمل.
(3)
يعني أصل مصداق الآية النساء كما يدل عليه سباق الآية وإلا اختل نظم. الآيات، ولأنهن أحق بهذا اللفظ لملازمهن البيت، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل أولاده وعلياً أيضاً في الدعاء تعميماً للإطلاق، قال البيضاوي: تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلى وابنيهما لهذه الرواية، والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف، لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم، انتهى. وفي البحر المحيط: قوله: «أقمن الصلاة» أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة إذ هما عمود الطاعة البدنية والمالية، ثم جاء بهما في عموم الأمر بالطاعة، ثم بين أن نهيهن وأمرهن ووعظهن إنما هو لإذهاب المأثم عنهن وتصونهن بالتقوى، واستعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى، لأن عرض المقترف للعاصي يتدنس بها ويتلوث كما تلوث بدنه بالأرجاس، وأما الطاعات فالعرض معها نقى مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة تنفير عما نهى الله عنه وتزغيب فيها أمر به، والرجس يقع على الإثم وعلى العذاب، والنجاسة والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت، وقال الحسن: الرجس هاهنا الشرك، وقال السدي: الإثم، وقال ابن زيد: الشيطان، وقال الزجاج: الفسق، وقيل: المعاصي كلها، ذكره الماوردي، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل: الأهواء والبدع، وانتصب. «أهل» على النداء أو على المدح أو على الاختصاص، ولما كان أهل البيت، يشملهن وآبائهن غلب المذكر على المؤنث في الخطاب في عنكم ويطهركم، وقول عكرمة ومقاتل وابن السائب أن أهل البيت في هذه الآية مختص بزوجاته صلى الله عليه وسلم ليس بجيد، وإن كان هذا القول مروياً عن ابن عباس، فلعله لا يصح عنه، وقال أبو سعيد الخدري: هو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وفاطمة والحسن والحسين، وروى نحوه عن أنس وعائشة وأم سلمة، وقال الضحاك: هم أهله وأزواجه، وقال زيد بن أرقم والثعلبي: بنو هاشم الذين يحرمون الصدقة آل عباس وآل علي وآل عقيل وآل جعفر، ويظهر أنهم زوجاته وأهله، فلا تخرج الزوجات عن أهل البيت، بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم لملازمتهن بيته صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عطية: والذي يظهر أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وقال الزمخشري: في هذا دليل على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، ثم ذكر لهن أن بيوتهن= =مهابط الوحي، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب، انتهى. وأخرج البغوي في المعالم بسنده إلى عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت: في بيت نزلت «إنما يريد الله» الآية، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلى والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي، قالت: فقلت: أما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله، وفي الدر برواية ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: نزلت في نساء النبي خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إلى آخر ما بسط من الآثار في ذلك، قلت: وأصرح من ذلك كله رواية أحمد في مسند عن أم سلمة وفيها: قلت: يا رسول الله الست من أهلك؟ قال: بلى، فأدخلي في الكساء، الحديث، وإنما بسطت في ذلك لما قد جار عن الحق في ذلك فريقان: أحدهما الشيعة المبتدعة أرادوا إخراج الأزواج عن مفهوم الآية، والثاني بعض مخالفيهم أرادوا تخصيص الآية بالأزواج وأنكروا روايات الباب وما في معناها، وكلاهما عدول عن الحق، والصواب ما أفاده الشيخ وهو مؤيد برواية البغوى في المعالم وأحمد في مسنده.
جالهم بكساء في الفضيلة والتطهير فدعا لهم، ولذلك حين سألته أم سلسة قال لها: أنت على مكانك، أي المرتبة التي لك من غير مسألتي، فانكن مراد الآية ومصداقها، وأما أنه حصر أهل البيت في هؤلاء وليست أزواجه بمرادات فمما يمجه اللغة (1) والعقل، أما اللغة فظاهر أن أهل البيت من هو في بيته، وأما
(1) قلت: وكذا يأباه الروايات. أن إطلاق أهل البيت على النساء في الأحاديث شائع، منها ما في البخاري في تفسير الأحزاب من حديث أنس في قصة البناء بزينب بلفظ: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، الحديث.
العقل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هل فعل ذلك ليعلم الرب تبارك وتعالى معنى لفظ أهل البيت الذي في الآية.
قوله [الصلاة يا أهل البيت] يذكرهم (1) بذلك دعاءه لهم ليجتهدوا في الطاعات قوله [ما كان ليعيش له فيكم ولد] دفع بذلك ما يتوهم (2) من أنه صلى الله عليه وسلم قد ولد من الأولاد الذكور بأن المراد عيشهم وبقاؤهم، وفي الآية إشارة
(1) من التذكير، يعني كان قصده صلى الله عليه وسلم بذلك أن يذكرهم ما تقدم من دعائه صلى الله عليه وسلم ليجتهدوا في العبادات حتى يتحقق ويثبت دخولهم في آية التطهير، ويظهر إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم في ذلك.
(2)
يعني ظاهر الآية ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أبا الذكر وقد ولد النبي صلى الله عليه وسلم من الأولاد الذكور، فوجه الشعبي الآية بأن النفي يصرف إلى أولاد تحيى وتعيش، ومن ولد فمات لم يدخل في الآية، وفي الدر برواية عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله:«ما كان محمد أبا أحد» قال: نزلت في زيد أي إنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والطبيب والمطهر، انتهى. وفي البيضاوي:«ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» على الحقيقة، فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ولا ينتقض عمومه بكونه أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم، لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال، ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم، انتهى.
إليه حيث قال: «من رجالكم» ولا يكون رجلاً إلا بعد ما بلغ.
قوله [فكانت تفتخر] فيه التحديث بنعمة ربه) (1) إذا لم يكن فيه إعجاب بنفسه. قوله [ومن يكفر بالإيمان] هذا كالدليل على الأول وبيان فائدة التقييد بالإيمان فإن الكافرة ليست بضجيعة مؤمن لأنها في الآخرة من الخاسرين (2).
قوله [قبل بيت عائشة] إنما قال ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ذهب في بيتها
(1) وقد قال عز اسمه: «أما بنعمة ربك فحدث» قال الرازي في تفسيره: روى عن الحسين بن على أنه قال: إذا عملت خيراً فحدث إخوانك ليقتدوا بك، إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياءً وظن أن غيره يقتدى به، انتهى. وفي الدر برواية عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أنس مرفوعاً: التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، وبرواية أبي داود عن جابر مرفوعاً: من أبلى بلاء فذكر فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، وذكر في الباب روايات وآثار أخرى.
(2)
قال إمام الحرمين: قد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي: الصحيح عندي تحريمها عليه، وهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم على المؤمنات، ولذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر، كذا في القرطبي، وأما تسريه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل، لأنه صلى الله عليه وسلم استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وفي شرح الروض لشيخ الإسلام: ومما خص به صلى الله عليه وسلم أنه حرم عليه نكاح الكتابية لأنها تكره صحبته، ولقوله تعالى:«وأزواجه أمهاتهم، ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني، رواه الحاكم وصحح إسناده، كذا في الجمل، قلت: لكن الكتابية تجوز أن تكون أم المؤمن، وتوضيح الحديث أنهم اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة وفي المراد بها، كما بسطها أهل التفسير، ومذهب ابن عباس أن الله عز اسمه حرم على النبي صلى الله عليه وسلم غير الأصناف الأربعة فقال: «لا تحل لك النساء من بعد» الآية، ومعنى قوله (من بعد) أي من غير الأصناف المذكورة الأربعة في قوله تعالى:«إنا أحللنا لك» الآية، وهي الأزواج الموجودات إذ ذاك، والأمة المؤمنة، وبنات العم والعمات، والخال والخالات، المؤمنات المهاجرات، وامرأة مؤمنة واهبة نفسها، وفي الدر برواية ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى:«يا أيها النبي إنا أحللنا لك» الآية، قال: فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل الله عليه أني قد حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت أعجب ذلك نساءه، قال الصاوي: اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية «يا أيها النبي أنا أحللنا لك» فقيل: المعنى أن الله أحل له أن يتزوج بكل امرأة دفع مهرها، فعلى هذا تكون الآية ناسخة للتحريم الكائن بعد التخيير المدلول عليه بقوله:«لا تحل لك النساء من بعد» فهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في النزول عن الآية المنسوخة بها، كآية الوفاة في البقرة، وقيل: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن أخترنك على الدنيا، ويؤيده قول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج من أي النساء شاء، وكان يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها لنسائه إلا من سمى سر نساؤه بذلك، والأول اصح، انتهى.
خاصة بل أقبل على سائر أزواجه المطهرات (1) وسلم عليهن وتحدث معهن، ومنهن عائشة رضي الله عنها.
قوله [فرأى رجلين جالسين] أي حين انصرف ألفاهما جالسين فكر ثانياً يهم الانصراف، فلا رأيا ذلك قاما وذهبا.
قوله [قال ابن عون حدثناه] أي قال أشهل: حدثنا هذا الحديث ابن عون، فابن عون مبتدأ خبره حدثناه. قوله [قال: فأني باب امرأة عرس بها إلخ] فيه تقديم وتأخير، ويجب حمله على ما ذكرناه من قبل من أنه قصد القيام والذهاب فيما يبدو للناظر (2) ثم احتبس ولم يذهب، ثم قام ثانياً فمضي إلى
(1) كما في البخاري برواية أنس قال: بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب ابنة جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعو، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحداً أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، الحديث. قال الحافظ: وفي رواية حميد: ثم خرج إلى أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه. انتهى.
(2)
ويؤيد ذلك حديث أبي مجلز عن أنس عند البخاري قال: لما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، الحديث. قال الحافظ: وفي رواية عبد العزير: وبقي ثلاثة رهط، وفي رواية حميد: فلما رجع إلى بيته رأى رجلين، ووافقه بيان بن عمرو عن أنس عند الترمذي، واصله عند المصنف أيضاً، ويجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثة، وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين، وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وهم، وجوز الكرماني أن يكون التحديث وقع من اثنين فقط والثالث كان ساكتاً، فمن ذكر الثالث لحظ الأشخاص ومن ذكر الاثنين لحظ سبب القعود، ولم أقف على تسمية أحد منهم، انتهى.
بيوت أزواجه ثم انصرف راجعاً، وكان قد ذهب قوم حين رأوه قام ليذهب، وآخرون حين قام وذهب، إلا رجلين فإنهما بقيا جالسين، فلما رجع عن بيوت أزواجه ورآهما كما كانا هم بالانصراف ثانياً يريهما ذلك، فلما رأياه قاما وذهبا، وحمل الرواية على ما ذكرناه سهل، أو يقال: أتى باب امرأة من داخل بيتها بريد الخروج فلم يخرج فإذا هما لم يذهبا، فانطلق إلى بيوتهن ثم رجع وهما كما كانا، فانطلق أي فهم ثانياً بالانطلاق ولم ينطلق، وإنما أخذ فيه يريهما أنه منطلق فرجع وكانوا قد خرجوا حين رأوا ذلك، وعلى هذا فترتيب الكلمات منتظم.
قوله [فأكلوا حتى شبعوا] فيه جواز الجمع (1) بين طعامين فإن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) قال الحافظ: قد استشكل عياض ما وقع في هذا الحديث من أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم وأن المشهور من الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم، قال عياض: هذا وهم من راوية وتركيب قصة على أخري، وتعقبه القرطبي بأنه لا مانع من الجمع بين الروايتين، والأولى أن يقال: لا وهم في ذلك، فلعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم. فأكلوا وشبعوا وذهبوا لم يرجعوا، ولما بقي النفر الذين كانوا يتحدثون جاء أنس بالحيسة، فأمر بأن يدعو ناساً آخرين ومن بقي فدخلوا فأكلوا أيضاً، واستمر أولئك النفر يتحدثون، قال الحافظ: هو جمع لا بأس به، وأولى منه أن يقال: إن حضور الحيسة صادف حضور اللحم والخبر، فأكلوا كلهم من كل ذلك، انتهى. قلت: وعلى هذا الأخير يبنى كلام الشيخ.
قد كان ذبح في هذه الولية شاة، ودلت الرواية على أن الضيافة ليس شرطاً فيها الاطلاع من قبل. قوله [مولية وجهها] أي حياء إذ لم يكن نزل الحجاب (1) بعد. قوله [ثم رجع] فيه حذف، أي فوجدهما جالسين فهم بالانصراف أخرى، فلما رأوا إلخ.
قوله [أنا أحدث الناس] أي ممن سمعها أولاً، لا أنني سمعتها (2) قبل كل أحد قوله [ظننا أنه لم يسأله إلخ] فيه حذف، أي حتى ظننا السكوت خيراً وظننا أنه لو لم يسأله لكان خيراً، وفي رواية: حتى تمنينا (3) وهر ظاهر.
قوله [وطفق بالحجر ضرباً بعصاه] فيه جواز ضرب الحيوان إذا تأذي
(1) بل نزل بعد ذلك في هذه القصة كما هو نص حديث الباب.
(2)
كما يدل عليه رواية الجعد بن عثمان عن أنس عند مسلم بلفظ: فرجع فدخل، البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول:«يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي» إلى قوله «من الحق» .
(3)
وهو كذلك في النسخة المصرية بلفظ. (تمنينا) وهكذا في رواية أبي داود وغيره.