المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

تحت الآية حتى يترتب على من ارتكبها العذاب، كيف وأن - الكوكب الدري على جامع الترمذي - جـ ٤

[رشيد الكنكوهي]

فهرس الكتاب

- ‌[باب في فضل فاتحة الكتاب]

- ‌[باب في آخر سورة البقرة]

- ‌[باب في سورة الكهف]

- ‌[باب ما جاء في يس]

- ‌[باب ما جاء في سورة الملك]

- ‌[باب في إذا زلزلت]

- ‌[باب في سورة الإخلاص]

- ‌[باب في المعوذتين]

- ‌[باب في فضل قارئ القرآن]

- ‌[باب في تعليم القرآن]

- ‌[باب من قرأ حرفاً من القرآن]

- ‌أبواب القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[من سورة آل عمران]

- ‌[سورة النساء]

- ‌[سورة المائدة]

- ‌[ومن سورة الأنعام]

- ‌[سورة الأنفال]

- ‌[سورة التوبة]

- ‌[من سورة يونس]

- ‌[من سورة هود]

- ‌[من سورة يوسف]

- ‌[من سورة الرعد]

- ‌[من سورة إبراهيم]

- ‌[من سورة الحجر]

- ‌[من سورة النحل]

- ‌[من سورة بني إسرائيل]

- ‌[سورة الكهف]

- ‌[من سورة مري

- ‌[من سورة طه]

- ‌[من سورة الأنبياء]

- ‌[من سورة الحج]

- ‌[من سورة المؤمني

- ‌[سورة النور]

- ‌[من سورة الفرقان]

- ‌[سورة الشعراء]

- ‌[سورة النمل]

- ‌[من سورة الروم]

- ‌[سورة السجدة]

- ‌[سورة الأحزاب]

- ‌[سورة سبأ]

- ‌[سورة الملائكة]

- ‌[سورة يس]

- ‌[سورة الصافات]

- ‌[سورة ص]

- ‌[سورة الزمر]

- ‌[سورة السجدة]

- ‌[سورة الشورى]

- ‌[سورة الزخرف]

- ‌[سورة الدخان]

- ‌[سورة الأحقاف]

- ‌[سورة محمد صلى الله عليه وسلم]

- ‌[سورة الفتح]

- ‌[سورة الحجرات]

- ‌[سورة ق]

- ‌[سورة الذاريات]

- ‌[سورة النجم]

- ‌[سورة القمر]

- ‌[سورة الواقعة]

- ‌[سورة الحديد]

- ‌[سورة المجادلة]

- ‌[سورة الحشر]

- ‌[سورة المممتحنة]

- ‌[سورة الصف]

- ‌[سورة الجمعة]

- ‌[سورة المنافقين]

- ‌[سورة التغابن]

- ‌[سورة التحريم]

- ‌[سورة ن والقلم

- ‌[سورة الحاقة]

- ‌[سورة سأل سائل

- ‌[سورة الجن]

- ‌[سورة المدثر]

- ‌[سورة القيامة]

- ‌[سورة عبس]

- ‌[سورة المطففي

- ‌[سورة إذا السماء انشقت]

- ‌[سورة البروج]

- ‌[سورة الضحى]

- ‌[سورة ألم نشرح]

- ‌[سورة القدر]

- ‌[سورة لم يكن]

- ‌[سورة ألهاكم التكاثر

- ‌[سورة الكوثر]

- ‌[سورة الفتح

- ‌[سورة المعوذتين]

- ‌[باب]

- ‌أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب الداعي يبدأ بنفسه]

- ‌[باب ما يقول إذا رأى الباكورة]

- ‌[باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إل

- ‌مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه

- ‌باب الصدقة مشتمل على أبواب شتى

- ‌[مناقب عمر]

- ‌[مناقب عثمان]

- ‌[مناقب علي]

- ‌[مناقب الحسن والحسي

- ‌[مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[باب في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه

- ‌[باب في فضل فاطمة]

- ‌[فضل عائشة]

- ‌[باب في فضل المدينة]

- ‌[باب فضل مكة]

الفصل: تحت الآية حتى يترتب على من ارتكبها العذاب، كيف وأن

تحت الآية حتى يترتب على من ارتكبها العذاب، كيف وأن الصلاة ومثلها من الطاعات ليست جناية حتى يمنع عن الفرح بها بل الأمر بالعكس، قال النبي صلى الله عليه وسلم (1): إذا سرتك حسنتك وساءتك معصيتك فأنت مؤمن حقًا أو كما قال، وهذا غاية توجيه المقال وانحل منه بفضل الله المتعال كل عقدة معضلة وشبهة وإشكال، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وبيده أزمة الإفهام والتفهيم، وهو المنجى عن ليل الشك والجهل البهيم.

[سورة النساء]

قوله [حتى نزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ}] لعل الراوي (2) أشار إلى بعض

(1) كما في المشكاة برواية أحمد عن أبي أمامة أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن، الحديث.

(2)

الحديث هكذا أخرجه البخاري برواية ابن جريج عن ابن المكندر، قال الحافظ: هكذا وقع في رواية ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك وإن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هي الأخيرة من النساء {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} لأن جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد، والنسائي عن محمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المكندر، فقال في هذا الحديث: حتى نزلت عليه آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} قال ابن العربي: بعد أن ذكر الروايتين: هذا=

ص: 100

القصة وترك سائرها، والمراد نزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} وآية الكلالة التي في آخر السورة، فإن الذي سيق لأجله الكلام أي قضية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ليس (1) في {يوصيكم الله} لأنه كان ذا أخوات ليس له ولد، فافهم.

(1) = تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أِشار إلى ترجيح آية المواريث وتوهيم {يستفتونك} قال الحافظ: ويظهر أن يقال إن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الأخوة من الأم كما كان ابن مسعود يقرأ وله أخ أو أخت من أم استفتوا عن ميراث غيرهم من الأخوة فنزات الخيرة، فيصبح أن كلا من الآيتين نزلت في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض قوله {يوصيكم الله} إلى قوله {والله عليم} ثم ساق حديث جابر المذكور بلفظ: حي نزلت آية الميراث قوله {وإن كان رجل يورث كلالة} وأما الآية الأخرى، وهي قوله {يستفتوك} فإنها من آخر ما نزل، فكان الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا عنها فنزلت الأخيرة، فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المكندر أنه قال: آية= =الميراث أو آية الفرائض والظاهر أنها {يوصيكم الله {كما صرح به في رواية ابن جريج، وأما من قال إنها يستفتونك فعمدته أن جابراً لم يكن له حينئذ ولد وإنما يورث كلالة، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة إلى آخر ما بسطه، وهذا القدر يكفي لهذا المختصر.

() أي في هذه الآية خاصة وهو ظاهر، وإن كان المراد إلى آخر الركوع فيقال: إن قوله {وإن كان يورث كلالة} المراد به الأخ لأم كما تقدم عن قراءة ابن مسعود، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص كما أخرجه البيهقي بسند صحيح.

ص: 101

قوله [فكرهن رجال إلخ] لما كانوا نهوا عن بذل الذكور والفروج على المحصنات وهن (1) ذوات الأزواج فنزلت، أي رخصوا في وطيهن إذا انقضت عدتهن، ولم يذكر الراوي (2) اعتدادهن هاهنا لما كان معلوما.

قوله [الشرك بالله الخ] والمراد (3) عدها فيها لا حصر فيها، فإن الكبيرة هي ما أوعد عليها الله ورسوله بالنار.

(1) فقد أخرج السيوطي في الدر بروايات عديدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح حنيناً أصاب المسلمون سبايا، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت: إن لي زوجاً، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فأنزلت الآية.

(2)

يعي لم يذكره الراوي هاهنا اختصارا وكان معلوما. وقد زاد في حديث الباب عند أبي داؤد أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن، وقد أخرج أيضاً برواية أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رفعة أنه قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تصنع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضنه، وأخرج عن رويفع قال: قام فينا خطيباً، قال: أما إني لا أفول لكم إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين: لا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالي، ولا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، الحديث. وفي الباب روايات غير ذلك.

(3)

فأنهم اختلفوا في عدد الكبائر وتعريفها على أقوال كما بسطها ابن حجر المكي في الزواجر عن افتراف الكبائر، وهو كتاب مبسوط في مجلدين طبع بمصر، ذكر فيه أكثر من عشرة أقوال في حدها، وعد الكبائر سبعة وستين وأربع مائة مفصلا.

ص: 102

قوله [وجلس وكان متكئاً] لما كان الصحابة كافة علموا قبح الشرك، وكذلك كل مسلم يعلم ما في الإشراك بالله من الضرر، وكذلك عقوق الوالدين كانت العرب بأسرها يستقبحه حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (1): من الكبائر أن يشم الرجل أباه، تعجب منه الحضار وسألوه يا رسول الله، وهل يشم الرجل أباه؟ فكأنهم لم يروا ذلك واقعاً بين الناس وعدوه متعذراً، لم يحتج إلى اهتمام في المنع عنهما ولا إلى مزيد تأكيد فيهما، وأما قول الزور أو شهادة الزور فقد شاع وذاع وسهل أمره كل مطبع ومطاع.

قوله [ليته سكت] ترحما عليه صلى الله عليه وسلم (2) وشفقة منهم بحالة، وقد أخذ النهي بمجامع قلوبهم، وتبينوا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الاعتناء بتركه.

قوله [يمين صبر] هي (3) ما توقف الحكم عليها من الصبر والحبس،

(1) فقد أخرج أبو داؤد بسنده إلى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه، قال: يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه، انتهى. وفي المشكاة برواية الشيخين عنه رفعه: من الكبائر شتم الرجل والديه، الحديث.

(2)

وهكذا جزم الحافظ كما تقدم في هامش مبدء أبواب البر والصلة، ومن الغرائب أن المصنف ذكر الحديث بهذا السند هناك فقال: هذا حديث حسن صحيح، ثم أعاده بهذا السند والمتن في أبواب الشهادة فقال: هذا حديث صحيح، ثم أعاده ما هنا فقال: حسن صحيح غريب، ومثل هذا كثير في كلام المصنف.

(3)

ذكر في الحاشية عن ألامات: يمين صبر بالإضافة، والصبر في الأصل الحبس واللزوم. وإنما سميت يمين صبر لتوقف الحكم عليها، وكونها لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الحالف فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب المال، انتهى. قال النووي: قيل لها مصورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيف إليه مجازاً، قال القاري توضيحه ما قاله ابن الملك أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وعلى بمعنى الباء، والمراد المحلوف عليه تنزيلا للحلف منزلة الحلوف عليه، فعلى هذا قيل لها مصبورة مجازا، انتهى. وفي المجمع: يمين صبر بالإضافة، أي ألزم بها وحبس لها شرعاً ولو حلف بغير أحلاف لم يكن صبراً، انتهى.

ص: 103

فكان الحكم أو الحق محبوساً بها. قوله [قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء [يعني أنها اشتكت نقصاً لهن في الأمور الدينية حتى أنهن ممنوعة من الخروج إلى المغازي، وكذلك في الحقوق الدنيوية وأعطيها، فان البنت والأخت والزوجة على نصف من حظ الابن والأخ والزوج، وكذلك غيرهم من الورثة، وأما أولاد الأم فإنما سوى بينهم لما أن جهة الأم لما كانت هي الموجبة للحق لهم وإلا كانوا من ذوي الأرحام فكأنها أخذت بنفسها وأتتهم، ولذلك لا ترى نصيب أولاد الأم إلا كنصيب الإناث، والله أعلم.

قوله [وأنزل فيها] لما أنها (1) كانت تقول: مالنا ليس لنا في كتاب الله ذكر فنزلت {إن المسلمين والمسلمات} الآية.

(1) يعني قوله عز اسمه {إن المسلمين والمسلمات} الآية تزل في سؤال أم سلمه لما أنها كانت تقول إلخ، قال السيوطي: أخرج أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني وغيرهم عن أم سلمه قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: يا أيها الناس إن الله تعالى يقول {إن المسلمين والمسلمات} إلى آخر الآية، وأخرج الفريابى وابن أبي شيبة وابن سعد وابن جرير والنسائي وغيرهم عن أم سلمه أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى {إن المسلمين والمسلمات} الآية، وسيأتي في تفسير الأحزاب أن نزولها في سؤال أم عمارة، ولا مانع من الجمع، وذكر البغوي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله إن الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف ألا يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، وذكر عن مقاتل أن أم سلمه بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية قالتا نحو ذلك.

ص: 104

قوله [غمزني] من هاهنا يرخص في المنع من النوافل وإن لم يكن فيه كثير مضرة، كمن يذكر الله جهراً أو يقرأ القرآن بصوت غال والنائمون يتضررون به، فأنه لا ضير أن يمنعه فأنه صلى الله عليه وسلم منعه من القرآن بقوله: حبك مع أنها لم تكن تضره، ثم في قراءة عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على أن السماع من غيره قد يربو في حق التدبر على قراءة نفسه، فمن الناس من ينتفع بقراءته أكثر مما ينتفع بقراءة غيره، ومنهم من أمره على خلاف ذلك، وكلاهما مشروع.

قوله [وعيناه تدمعان] لما علم من أحوال أمته وإقبالهم على مولاهم بمعصية. قوله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ إلخ] وكان (1) إشارة إلى

(1) قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أنزلت هذه الآية: قد تقرب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يقرب في تحريم الخمر، ثم نزلت آية المائدة فحرمت الخمر عند ذلك، انتهى.

ص: 105

حرمته عن قريب، ثم نزل (1) بعد ذلك قوله تعالى {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ} ثم حرمت قطعاً

(1) هذا يخالف الروايات الواردة في الباب، فان السيوطي أخرج في الدار بروايات مختلفة كثيرة مرفوعة وموقوفة ما يدل على أن أول شتى نزل في الخمر {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ} ثم نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} ثم نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية ولعل منشأ كلام الشيخ إن لم يكن سبقه قلم ما حكي السيوطي في الإتقان عن بعضهم أن النساء مكية، وهو خلاف قول الجمهور بل هي مدنية، وأخرج الطيالسي وابن جرير والبهقي في الشعب وابن مردويه وغيرهم عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شتى نزل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ} الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم، ثم نزلت {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر. وأخرج ابن أبي شبيه وأحمد وأبو داؤد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وأبو يعلى وجماعة عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فأنها تذهب المال والعقل فنزلت التي في سورة البقرة، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت التي في سورة النساء، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ {فهل أنتم منتهون} قال عمر انتهينا انتهينا، انتهى مختصراً، وسيأتي هذا الحديث عند المصنف قريباً.

ص: 106

قوله [إن كان ابن عمتك إلخ] قالوا: لعلة كان منافقاً، وهذا سوء أدب (1) نسبة إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، فالجراءة على مثل هذا القول لا ينبغي إلا بعد نقل صحيح من أحد منهم، كيف والخيرية قطعية فيهم والتأويل ممكن، وتفصيل الكلام بحيث يتضح المرام أنه كان الماء لا يستقي منه لضعف جريه ما لم يسد مخرجه إلى أسفل، وكان بستان الزيير في أعلى جانب منه وهو جانب منبع الماء، وأرض الأنصاري كانت أسفل منه، والمسألة (2).

(1) وبذلك جزم التوربشتي كما تقدم في الجزء الثاني في هامش أبواب الأحكام وإليه مال الحافظ في الفتح، وسط الأقاويل في اسم ذاك الرجل الذي خاصم الزيير رضي الله عنه.

(2)

ففى الفتح قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغنى الأعلى، انتهى. وقال القاري بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث أن مياه الأدوية والسول التي لا يملك منابعها ومجاربها على الإباحة، والناس شرع وسواء. وأن من سبق إلى شتى منها كان أحق به من غيره، وأن أهل الشرب الأعلى مقدمون على من أسفل منهم لسبقهم إليه وليس له حبسه عمن هو أسفل منه بعد ما أخذ منه حاجته، أنتهى. قلت: فما حكى العيني عن بعض الشافعية فيه حجة على ما حكى عن أبي حنيفة من أن= =الأعلى لا يقدم على الأسفل وإنما يسقون بقدر حصصهم إلخ، فالظاهر عندي أنه غلط في النقل، فان مذهب الحنيفة ذاك في الماء المملوك المشرك بين المتخاصمين لا في غير المملوك كما في الفروع.

ص: 107

في مثل ذلك أن يستقي صاحب الجهة العليا، ويستوفى حقه الذي يتعين فيما بينهم من وصول الماء إلى مبلغ معلوم تضرر بذلك صاحب السفلى أو لا، وإذا استوفى حقه أرسل الماء إلى من دونه فيستقى منه إن بقيت في الماء فضله، وكان الأنصاري يزعم في نفسه أن الحقي في الأولية إنما هو لصاحب الأسفل، فأنه لو أعلم أن الحق لصاحب الجهة العليا لما اختصم مع الزيير وأرضاه بترك استسقاء حقه والتوائه إلى ما بعد سقاية الأنصاري أرضه، فلما كان (1) كذلك وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الزيير بأمر أوهم الأنصاري كونه على حق مما يعلم فقد قال للزيير: يا زيير اسق أي قليلا حتى لا يأخذ أشجارك جفاف، ثم أرسل إلى جارك الأنصاري، فإذا استقى الأنصاري فاستوف منه نصيبك الذي كان لك أن تأخذه قبل، فزعم الأنصاري في نفسه أن هذا السقي القليل الذي رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم للزيير إنما هو مراعاة لابن عمته، وأن الحق للأنصاري كما بينا لك من أنه كان يزعم الحق لصاحب الأسفل، وقوى بذلك زعمه، وحاصلة أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يأمر زييراً أن يستوفي حقه ثم يرسل إلى الأنصاري لم يكن له أن يتوهم ماتوهم، وكذلك لو أمره بالسقاية القليلة ثم ترك الماء إلى الأنصاري بعد أن يبين للأنصاري ما هو حق في ذلك لم يتوهم الأنصاري ما توهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمر أخاه زييراً بالإحسان إلى جاره بحيث لا يستضر أحد منهما ففهمه الأنصاري مراعاة منه له، فقال ما قال، وكانت تلك كبيرة منه لا أنه يكون بذلك مورداً للنفاق حتى يجترأ عليه، والله أعلم بحقيقة الحال.

قوله تعالى [لا يُؤْمِنُونَ] معناه على ما قررنا (2) نفى كمال الإيمان لأنفي نفسه، فان

(1) يعنى فهم الأنصاري أولوية حقه لا حق الزيير.

(2)

يعني على ما بسط قبل ذلك من أن خصم الزيير كان مؤمناً أنصارياً حمله الغضب أو التوهم على ذلك، وأما عل ما قيل: إنه كان منافقاً فنفى الإيمان على ظاهره، وهذا كله إذا كان سبب نزول الآية هذه القصة، وقال الحافظ في الفتح بعد ما ذكر من قال بنزولها فيها: وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية. فزودي إسحاق بن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمى قبل أن يسلم ويصحب. رجح الطبري في تفسيره وعزاه إلى أهل التأويل في تهذيبه أن سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزيير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، انتهى. قال العيني: وهاهنا سبب آخر غريب جداً، قال ابن أبى حاتم بسنده إلى أبى الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقا إليه، فقال الرجل: يا عمر بن الخطاب! قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال ردنا إلى عمر، فردنا إليك. فقال: أكدلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضى بينكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي ولوما أني أعجزته لقتلى، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل رجل مؤمن، فأنزل الله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر، انتهى.

ص: 108

تسليم أوامر الشرع بحيث لا يجدوا حرجا في النفس أيضاً مرتبة فوق مرتبة نفس الإيمان (1).

قوله [وفريق يقول: لا] يعني كانوا يقولون (2) في عدم قتلهم وجوهاً

(1) كما يدل عليه ما روى عنهم في صلح الحديبية، وفسخ الحج إلى العمرة، وعنده قوله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت بعد ما سمع القراءات المختلفة عنهم، وغير ذلك من الروايات الواردة في ذلك.

(2)

أعلم أولا أنهم اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات على أقوال بسطها المفسرون، قال الخازن قيل: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين ذك ذكر حديث الباب برواية الشيخين، ثم قال وقيل: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع، فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف فيهم المسلمون، وقيل: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة واسلوا، ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المنتزهين، فلما بعدوا عن المدينة كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجتوينا المدينة، ثم خرجوا إلى الشام، وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي المنافق لما تكلم في حديث آلافك، انتهى. قال صاحب البحر المحيط: وما كان من هذه الأقوال يتضمن كونهم بالمدينة يرده قوله تعالى: {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلا إن حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه، انتهى. واختار السيوطي في الجلالين الأول إذا قال: ولما رجع الناس من أحد اختلف الناس فيهم فنزل، قال صاحب الجمل: يعني لما رجع ناس من المنافقين اختلفت الصحابة فيهم، فقال بعضهم: اقتلهم يا رسول الله للأمارة الدالة على كفرهم، وقال فريق: لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين، والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القاتل لا تقتلهم، والمراد بالهجرة هاهنا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال في سبيله مخلصين صابرين محسبين، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة للمؤمنين في أول الإسلام، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً، وهي المادة هاهنا وهجرة عن جميع المعاصي، كما قال عليه الصلاة: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، انتهى مختصراً.

ص: 110

هي دالة على حبهم معهم، ولم يكن منعهم (1) عن قتلهم لخوف فتنة أو غير ذلك من المصالح، حتى يعذروا بأن المشير إنما يعرض ما تصوبه من التدبير، بل لما هم من القرابات معهم والمودات بهم، وكانو يقولون: أنها طيبة (2)، وإنها تنفي المنافقين كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم ذلك قبل فأنهم يخرجون أو يموتون على حسب ما

(1) وذلك لأن منعهم عن القتل إن كان لمصلحة شرعية دينية، فلا وجه للعتاب على الظاهر.

(2)

اضطر الشيخ إلى هذه التوجيه لما أن قوله-صلى الله عليه وسلم: إنها طيبة لا تعلق له على الظاهر بما سبق، وحاصل توجيه الشيخ أنهم استدلوا بما قاله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك على أنهم سيموتون بأنفسهم أو يخرجون من المدينة، وعامة الشراح سكتوا عن بيان المناسبة إلا ما في هامش البخاري عن الخير الجاري إذا قال: إن كان هذا كلاماً مستنانفاً فظاهر وإن كان مربوطاً بما قبله كان فيه إشارة إلى أن هؤلاء سينفيهم الطيبة أي يخرجهم المدينة، انتهى. وقال القسطلاني: الألف واللام العهد أي شرارهم وأخساؤهم، أي تميز وتظهر شرار الرجال من خيارهم، انتهى.

ص: 111

قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فعوتب هذا الفريق المشير بعدم القتل أن (1) داهنوا في أمر أعداء الله تعالى، بل كان عليهم بأسرهم أن يشيروا بالقتل، فعلم أن الإيمان الكامل لا يرضي أن يعامل بأعداء الله معاملة إغماض، فكيف بأحباب واسترضاء.

قوله [فقال: إنها طيبة] داخل في العتاب يعني إني أعلم أنها تنفيهم، ولكنكم قصرتم وأخطأتم في مداهنتكم في أمرهم.

قوله [وأوداجه] أي أوداج المقتول. قوله [فجزاؤه جهنم إلخ] وهذا لا يقتضي أن يجازي بذلك، فأنه ارتكب ما لو جوزى بها كملا لم يخرج من نار جهنم أبداً إلا أن الله تعالى لا يجازيه على جنايته كمال جزائها، أو المعنى خالداً فيها مسدة معهودة عند الله في هذا الإثم، والتأيد هو تأييد استيفاء هذه المدة المعهودة، والخلود هو المكث المكيث.

قوله [وأني له التوبة] وهذا مذهبه (2) وقد علمت معنى الآية.

(1) بفتح الهمزة علة للعتاب يعني عوتبوا لمداهنتهم في ذلك.

(2)

أي مذهب ابن عباس كما هو المشهور، ففي البيضاوي: قال ابن عباس: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً، ولعله أراد به التشديد إذ روى عنه خلافه، والجمهور على أنه مخصوص يمن لم يتب لقوله تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له، كما ذكره عكرمة وغيره، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضباية، وجد أخاه هشاماً قتيلا في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرتم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتداً، أو المراد بالخلود المكث الطويل، فان الدلائل متظاهرة على أن عصاه المسلمين لا يدوم عذابهم، انتهى. وفي الجلالين: هذا مؤول بمن يستحله، أو بأن هذا جزاؤه إن جوزي، ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة، انتهى. وفي الجمل عن الخطيب: ما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً كما رواه الشيخان عنه أراد به التشديد كما قاله البيضاوي، إذ روى عنه خلافه رواه البيهقي في سنته، انتهى.

ص: 112

قوله [فأنزل الله هذه الآية {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ] فهؤلاء (1) استثنوا عن الحكم، فكان النص ساكتاً عنهم لا أنهم ساووا بذلك المجاهدين، بل يجزون ثواب نيتهم فحسب. قوله [لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ] ليس المعنى

(1) يعني أن أهل الضرر للاستثناء خرجوا من الاشتراك في الحكم بالقاعدين لا أنهم دخلوا بذلك في حكم المجاهدين وساووا بهم، وعلى نحو ذلك بني التفسير اليسوطي في الجلالين إذا قال:(فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين) لضرر (درجة) أي فضيلة لاستوائهما في= =النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة (وكلا) من الفريقين (وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين) لغير ضرر (أجراً عظيماً) ويبدل منه (درجات منه) منازل بعضها فوق بعض (ومغفرة) الآية، وحمل البيضاوي القاعدين في كلا الموضعين على محمل واحد، وهو المقيد بغير العلة، وفرق بينهما بالإجمال، والتفصيل إذا قال بعد قوله تعالى {عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق، ثم قال بعد قوله تعالى {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} الآية: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالا وتفصيلا للجهاد وترغيباً فيه، وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة، وقيل: الدرجة ارتفاع منزلهم عند الله والدرجات منازلهم في الجنة، وقيل: القاعدون الأول هم الأضراء والقادون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار، والآخرون من جاهد نفسه، وعليه قوله صلى الله عليه وسلم: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، انتهى. وقال صاحب الجمل بعد قوله تعالى:{عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هاهنا أولى الضرر أي فضل الله المجاهدين على أولى الضرر دحرجة، لأن لمجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية، وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدين درجة، انتهى.

ص: 113

أنها نزلت فيهم بل الكلية (1) شاملة على حكم البدر أيضاً كما هي شاملة لسائر جزئياتها، فإن وقعة بدر كانت دفعة (2) ولم يخبر بذلك أحد حتى تصل النوبة إلى ابن أم مكتوم رضي الله عنه.

(1) وبذلك جزم العيني إذا قال بعد حديث الباب: إن سبب النزول هاهنا خلاف سبب النزول في الأحاديث المذكورة قبل، فإن قلت: ما وجه التوفيق بين السببين؟ قلت: القرآن إذا نزل في الشئ يستعمل في معنى ذلك الشئ، انتهى. قلت: ويؤيد ذلك ما في البحر المحيط: الظاهر أن نفى الاستواء ليس مخصوصاً بقاعد عن جهاد مخصوص، ولا مجاهد جهاداً مخصوصاً، بل ذلك عام، وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها، وعن مقاتل: إلى تبوك، انتهى.

(2)

ففي حديث كعب الطويل في توبته: غير أني تختلفت عن بدر، ولم يعاتب أحد تختلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، قال الحافظ: يعني لم يرد القتال حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم بغير إرادة قتال، انتهى.

ص: 114

قوله [ومقسم يقال مولى إلخ] وهما (1) بنو أعمام، فنسب تارة إلى ابن عم وتارة إلى ابن عم.

قوله [فثقلت حتى همت ترض] فاعل (2) الأفعال الثلاثة هي؟ ؟ ؟ أو العائد إليها، والثقل إما لترك تعلق روحه صلى الله عليه وسلم بالجسم وتوجيهها بحذافيرها إلى حضرة القدس ولذة الخطاب، فإن النائم أثقل بدنا من اليقظان والميت من الحي، لذلك أو لعظمة كلامه تعالى وتبارك الذي لو أنزل على الجبال لتصدعت وتفرقت هباء منبثاً، أو لما أن الملك يؤثر فيه صلى الله عليه وسلم ليورث ذلك تناسباً بينهما، فقد ورد في الروايات الصحيحة من أن الملك كان يضغطه في بدو أمره ووجهوه (3) بذلك، والله أعلم.

(1) فأنهما عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الحارث بن نوفل ابن عبد المطلب، وقال الحافظان ابن حجر والعيني: مقسم بكسر الميم مولى ابن عباس هو في الأصل مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، وإنما قيل له مولى ابن عباس لشدة لزومه به، انتهى.

(2)

وفي الحاشية عن المجمع: ترض بفتح فوقية ويجوز ضمها وتشديد معجمه، وفخذي مفعول أو نائب فاعل، انتهى. وفي المجمع: الرض الدق الجريش.

(3)

أي بالتناسب مع الملك كما بسطه شيخ مشائخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في تفسيره إذا قال: إن للتوجه في اصطلاح أهل الفن أربعة أنواع، ولها درجات باعتبار التأثير، أضعفها التأثير الانعكاسي كتأثير رائحة الرجل الطيب ثم فوق ذلك التأثير الإلقائي كمن أسرج السراج= =يبقى إلى غيبة المسرج أيضاً، لكن لا يبقى بعد المزاحم كالصرصر، ثم فوق ذلك التأثير الإصلاحي كمن أصلح مجاري الماء وأجرى الماء من المخزن، والرابع التأثير الاتحادي وهو أقواها وهو المراد هاهنا.

ص: 115

قوله [صدقة تصدق الله بها] والتصدق (1) فيما لا يقبل التمليك إسقاط محض والساقط لا يعود، أو كان منسوخاً فحرم العمل به، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبوله والأمر حقيقته الوجوب، والآية بظاهرها لا توافق شيئاً من المذهبين (2) فان مقتضاها جواز القصر عند الخوف، وأما عند الأمن فليس إلا الإتمام، ولذلك سأل يعلى بن أمية، وكذلك عمر رضي الله عنه حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم الصلاة وقد أمن الناس، وقد رأى أن القصر في الآية منوط بالخوف استشكل عليه فسأل، وحاصل الجواب أنه ليس قيداً ينفي الحكم عند عدمه، بل هو بيان لما كانوا عليه إذ ذاك من المخافة، وإنما هي صدقة تصدق الله سبحانه على عباده على الدوام فليس بمشروط بالخوف.

قوله [أو كما قال الرجل] يعني كانوا (3) يقولون في بشير هذا أو مثله

(1) يعني يصح الاستدلال بالحديث على الوجوب بوجوه: منها لفظ التصدق، ومنها أنه يدل على نسخ ما قبله، ومنها أنه عليه السلام أمر بقبوله، وغير ذلك. قال صاحب المدار: فيه ذليل على أنه لا يجوز إلا كمال في السفر، لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزمه طاعته كولي القصاص إذا عفى، فمن تلزمه طاعته أولى، أنتهى.

(2)

يعني لا توافق مذهب الحنفية القائلين بالوجوب، ولا بمذهب غيرهم القائلين بجواز القصر، وغرض الشيخ بهذا الكلام بان إشكال عرضهم ومنشأ سوالهم.

(3)

وعلى هذا فالمراد بالرجل أحد من الناس كائناً من كان، ويكون المعنى كما أفاده الشيخ يقولون: ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، ويقولون كما قال رجل آخر بمعنى هذا اللفظ، ويحتمل أن يكون لفظ أو كما قال إشارة إلى الشك في لفظ الخبيث، ومن عادتهم أنهم ينبهون على الشك بمثل هذا اللفظ، فيكون المراد بالرجل هو قاتل لفظ الخبيث، ولفظ السيوطي في الدر: قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة - أضمو فقالوا ابن الأبيرق قالها

ص: 116

من الألفاظ، أو يقول بعض الأصحاب هذا وبعضهم غير ذلك، أو المراد بالرجل هو ابن الأبيرق نفسه، وبمقالته (1) تلك نسبة الشعر إليه، يعني أن الصحابة كانوا يقولون: إن ابن الأبيرق هو الذي قاله مع احتمال أن يكون الأمر على ما يقوله ابن الأبيرق من أن المنسوب إليه الشعر هو الذي قاله (2) الشعر، فافهم.

قوله [وقالوا: ابن الأبيرق قالها] أي كانوا يعلمون جميعاً أن قائلة هو ابن الأبيرق. قوله [فخص بها نفسه] فعلم أن تخصيص الرجل نفسه بطعام أفضل جائز. قوله [فعدى عليه إلخ] أي نقبوا السقف من تحت.

قوله [فتحسسنا] التحسس بالحاء المهملة هو التفتيش على ظهور، وبالجيم هو التنقيش (3) سرآ، وكان ثمة هو الأول فهو بالحاء.

قوله [وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار-: والله ما نرى إلخ] هذه مقولة بني أبيرق، واعترض بين القول ومقولته جملة حالية هي: ونحن نسأل في الدار.

(1) يعني يكون مقولة قال محذوفاً، والمعنى أو يكون صحيحاً ما قاله ابن الأبيرق: إن فلاناً الشاعر قال هذا الشعر الذي هجيت به المسلمون.

(2)

هكذا في الأصل والظاهر بدون الضمير المنصوب بلفظ قال الشعر.

(3)

قال المجد: النقش تلوين الشئ بلونين أو ألوان كالتفتيش واستقصاءك الكشف عن الشئ، انتهى.

ص: 117

قوله [رجل منا له صلاح] مقولة قتادة بن النعمان يزكيه بها (1).

قوله [قالوا: إليك عنا] أي قال بنو أبيرق: أنت لست فيما هنالك، ومن يسميك ونحن لا نظن بك ذلك، فكيف أن نقوله.

قوله [فلما نزل القرآن أتى] على رنة المجهول. قوله [وكنت أرى إسلامه مدخولا] الفعل مجهول والمدخول أراد به ما دخل فيه الضعف والنفاق، وكان ظنه ذلك لقلة حضوره عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان عدم حضوره لكبر سنه (2) ولضعف بصره، إلا أنه لما تصدق بالسلاح في سبيل الله شكراً لما أولاه الله من البراءة عن العيب والكذب وذهب عن سخط النبي صلى الله عليه وسلم فعلم قوة إسلامه.

قوله [على سلافه] وكانت (3) مشركة، وإنما لم يقطع لأن السارق

(1) أي يزكى لبيدآ بذلك يعني رموا بالسرقة لبيدآ، وهو رجل من قومنا من أهل صلاح وإسلام، ولفظ السيوطي في الدر برواية ابن سعد: فأتى قتادة بن النعمان النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فدعا بشيراً فسأله فأنكر، ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد، الحديث،

(2)

كما يدل عليه لفظ عشى أو عسى، وهو بالشك في النسخ التي بأيدينا من الترمذي، وكذا في جمع الفوائد، وتيسير الوصول، وفي آخرة عسى بالمهملة كبر وأسن، وبالمعجمة قل بصره وضعف، انتهى.

(3)

كما يدل عليه سياق الحديث بلفظ: الحق بالمشركين، فنزل على سلافه بنت سعد، وفي الدر برواية ابن سعد: فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً كافراً، فنزل على سلافه بنت سعد، بن الشهيد فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن فيه وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع (كذا في الأصل) سنة أربع من الهجرة، انتهى. وفي أسد الغابة: بشير بضم الباء وفتح الشين المعجمة، كان شاعراً منافقاً يهجو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرق من رفاعة بن زيد درعه، ثم ارتد في شهر ربيع الأول سنة أربع من الهجرة، انتهى.

ص: 118

إنما كان هو بشير وقد ذهب، وأما سائر أهل بيتهم فكانوا لم يشرقوا.

قوله [فأخذت رحلة] أي لما وصلتها أشعار (1) حسان أخرجته من بيتها.

قوله [قاربوا وسددوا] أي افعلوا فعل القرية وأصلحوا أعمالكم حسب وسعكم والتسديد: التسوية وإصلاح العمل، ثم إن صدرت جنايات ففي النكبات والكربات كفارات.

قوله [اقتصاماً] انكساراً [فتمطأت لها] لهول ما تضمنته الآية والأحوال النفسانية تؤثر في ظاهر الأجسام إذا اشتدت كيفياتها.

قوله [أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون إلخ] لما بني الأمر على الإيمان

(1) وهي في ديوانه أولها:

وما سارق الدر عين إن كنت ذا كراً

بذى كرم من الرجال أوادعة

فقد أنزلته بنت سعد فأصبحت

ينازعها جلد إستها وتنازعه

ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم

وفينا نبي عنده الوحي واضعه

إلى آخر ما بسطها، والحديث أخرجه الطبري في تفسيره بزيادة بعض ألألفاظ فيها زيادة توضيح، وأخرجه أيضاً صاحب الدر والتيسير وجمع الفوائد مفصلا باختلاف بعض الألفاظ.

ص: 119

فتكفير الذنوب في الدنيا إنما هو على قوة الإيمان وكثرة المصائب، لا أن المؤمنون (1) كافة يلقون الله من غير ما ذنب وإن لم يكن الإيمان كاملا والشدائد كثيرة.

قوله [خشيت سوده أن يطلقها إلخ] لما أن (2) النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين أزواجه مع قلة رغبته صلى الله عليه وسلم في بعضهن وكثرة رغبتهن إليه صلى الله عليه وسلم، فعلمت سوده (3) أنه عليه الصلاة والسلام لو طلقها لم يبق لها معه تعلق، فهونت في نفسها أن تهب يومها لعائشة رضي الله عنها، وهذا إسقاط والساقط لا يعود مع أن عودها في حقها كان سائغاً لها لو فعلت، وهذا لأن الإسقاط لم يوجد إلا في الحقوق

(1) كان الظاهر المؤمنين، وللرفع توجيهات لا تخفى.

(2)

الروايات متظافرة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لنسائه، وهل كان القسم واجباً عليه أو تبرعاً منه صلى الله عليه وسلم مختلف فيه.

(3)

قال الحافظ: هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان تزوجها وهو بمكة بعد موت خديجة، ودخل عليها بها، وهاجرت معه، ووقع لمسلم قالت عائشة: وكانت أول امرأة تزوجها بعدى، ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، انتهى. ثم ذكر الروايات المختلفة في أنها لما أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، يومي لعائشة، ومن جملتها ما أخرجه ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي برزة مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها فقعدت له على طريقة، فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نساتك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتي لموجدة وجدتها على؟ قال: لا، قالت: فأنشدك لما راجعتي، فراجعها، قالت: فأنى جعلت يومي وليلى لعائشة حبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.

ص: 120

والنوابات التي وجدت وليس بجائز أن تعود فيها، وأما الأيام (1) التي لم توجد بعد من أيام حقها فأنما فيها عدة بحتة، وليس إسقاطاً فإن السقوط يقتضى ثبوتاً ما ولم يوجد.

قوله [آخر آية أنزلت] أي في المواريث (2) وإلا فقد نزل بعد هذه الآية كثير من القرآن.

(1) قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قسم الزوج لها يوم ضرتها، فإن كان تالياً ليومها فذاك، وإلا لم يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضاً من بقى، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها فان قبل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يقبل لم يكره على ذلك، وإذا وهبت يومها لزوجها ولم تتعرض للضرة فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من اثنتين أو يوزعه بين من بقى، وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت، لكن فيها يستقبل لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسوده الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، ُ كذا في الفتح وقال أيضاً: اختلف السلف فيما إذا تراضينا على أن لا قسمة لها، هل لها أن ترجع في ذلك؟ فقال الثوري والشافعي وأحمد: إن رجعت فعليه أن يقسم لها، وإن شاء فارقها، وعن الحسن ليس لها أن تنفض، وهو قياس قول مالك في الأنظار والعارية، انتهي هو في الهداية: إن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمتها لصاحبتها جاز، لأن سوده بنت زمعة سألت رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ويجعل يوم نوبتها لعائشة، ولها أن ترجع في ذلك، لأنها أسقطت حقاً لم يجب بعد فلا يسقط، انتهى.

(2)

وبذلك الوجه جزم جمع من شراح الحديث، وعلى هذا فلا يشكل بما في البخاري عن ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربوا، وكذا لا يشكل بما روى عن ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية، أخرجه الطبري من طرق عنه، وزاد عن ابن جريج قال: يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال إلى آخر ما بسطه.

ص: 121

قوله [تجزئك آية الصيف] فقيل: هي (1) هذه الآية بعينها، وحاصل الجواب أن الذي تسألينه ظاهر بأدنى تأمل منك في الآية، ولعل الرجل سأل عن الكلالة ما هي؟ أو سأل عن تفسير الآية، وأياماً كان فأحاله النبي صلى الله عليه وسلم على أن بتدبره

(1) غرض الشيخ بهذا الكلام دفع ما يشكل على ظاهر الحديث من اتحاد السؤال والجواب، ودفعة الشيخ بثلاثة وجوه: الأول أن غرض السائل كان السؤال عن تعريف الكلالة، فأحاله النبي صلى الله عليه وسلم على الآية نفسها بأنه موجود فيها، والثاني أن غرضه كان السؤال عن تفسير الآية، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن آية الشتاء وهي ما في أول النساء وإن كان فيه نوع إجمال لكن آية الصيف واضحة لا تحتاج إلى التفسير، والثالث أنه صلى الله عليه وسلم تيههم وحرضهم على الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وعلى هذا فالمراد بآية الصيف ليست آية الكلالة، بل آية إكمال الدين، وهذه الآية وإن لم تشهر بآية الصيف لكنها معدودة في جملة الآيات الصيفية كما في الإتقان، هذا خلاصة ما أفاده لأشيخ، وهذا كله على سياق النسخ التي بأيدينا من المصرية والهندية للترمذي، ولا يبعد عندي أن يكون لفظ {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} في السؤال مزيداً من أحد الرواة رعاية لنظم القرآن، ويكون السؤال {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} وعلى هذا لاغبار في انطباق الجواب عليه، ويؤيد ذلك سياق أبي داؤد برواية منصور بن أبي مزاحم عن أبي بكر بهذا السند بلفظ {يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلالَةِ} فما الكلالة؟ قال: يجزئك آية الصيف، وهذا يدل أيضا على أن غرض السائل كان السؤال عن حقيقة الكلالة ما هي؟ ويؤيد هذا الغرض الآثار الكثيرة التي أخرجها السيوطي في الدر دالة على أن الصحابة كانوا مترددين في حقيقتها هل هي من لا ولد له؟ أو من لا والد له ولا ولد؟ أو غير ذلك؟ ولا يذهب عليك أنه نزلت في الكلالة آيتان أحدهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، والثانية في الصيف، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء.

ص: 122