الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمر على من يلزم بصرفها ولكنهم احتاروا فيمن يوصله إليه لصعوبة ذلك فقدر أنَّ أحدهم أخذ الكتاب وفكر في أن يجعله ملفوفًا بحصاة تثقله ويرميه في سيارته ولكن الكتاب وقع في جبهة الملك لما رمى في السيارة فكشفه ودعي بصاحبه ولكن فأين صاحبه لقد فرَّ إلى مسافة بعيدة حينما رآه وقع في وجه الملك خوفًا وخجلًا، فأحضر بين يديه وأمره أن يراجعوا شلهوب لصرفها سريعًا بعد ما تبسم ضاحكًا من تصرفه ولم يغضب بل علم مقصده. ولمَّا كان في بعض الأيام جرى من محكمة الطائف في آخر رمضان عدم اهتمام بإنجاز المعاملات في القضاء ونجم عن عدم هذا الاهتمام بقاء بعض المتداعين في السجن حتى يتم شهر رمضان، فبساعة وصل الخبر إلى مسامعه أصدر أمره الصارم بحجز القاضي وجميع رجال المحكمة في دار المحكمة ليلًا ونهارًا حتى ينجزوا الفصل فيما لديهم من قضايا وترتب على ذلك أن انكبَّ القاضي ومن معه على نظر القضايا أواخر شهر رمضان وأيام عيد الفطر وما بعده حتى أنجزوا ما لديهم من القضايا وفصلوا فيها. وكان لا يبالي في الحق أحدًا وكثيرًا ما يلهج بهذه الآية {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}
كرمه وجوده
أمَّا كرمه وجوده فحدث عن البحر ولا حرج فوالله الذي لا رب غيره لو كان في عصرنا هذا من يولع بتسجيل حوادث الكرم والجود والحلم والعفو والعدل كما كان في العصور السابقة لخفيت أسماء أجواد العرب المتقدمين ولزاحم الملوك كهارون الرشيد والمأمون وسيف الدولة ولظهر ابن سعود عليهم. كيف لا وهو يعطي كل من قصده غنيًا كان أو فقيرًا ولمَّا كانت النفوس قد جبلت على حب المال لأنَّه قوام الحياة وكان كل جواد لا بدَّ أن يمسك كما قيل:
ولو سئل النَّاس التراب لأوشكوا
…
إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
فكان المترجم له لا يمسك قليلًا ولا كثيرًا وبذلك ملك القلوب وأحبته الأمة حبًا جمًا وكان يقول وما أغنت عن عبد الحميد كنوزه فمن ذلك أنَّ خمسة من الأعراب وفدوا على قصره في الرياض وكان البدوي قنعًا بما يناله فأمر لكل واحد بنصف كيس أرز وقلة تمر وعباءة وخمسين ريالًا فلما قبضها الأعراب ركبوا إبلهم وساروا راجعين إلى أهاليهم وقد عجزت الألسن أن تعبر عن المديح والثناء فلما كانوا في الدرعية جعلوا يتحدثون في شأنه فقال أحدهم لأصحابه أترون هذا ملكًا بفتح اللام وبالغوا في الإِطراء والمديح وكان من بين الذين يتقلبون بفضله بقية آل رشيد وآل مهنا وهم الذينَ كانوا قبل ذلك أعداء فلما حبوا في ضيافته منَّ عليهم بالإِكرام وغمرهم بالجود فتجد الفرد من هؤلاء يسكن القصور العالية ويركب مراكب الملوك كأنجال الملك ولكل فرد خدم واحتشام وجعل لهم المرتبات من ألوف النقود شهريًا وأكياس الأرز والقهوة والسكر والهيل ومصفحات العسل والسمن ومشالح الوبر وغير ذلك. وأكرم العلماء ورفع من أقدارهم وقرر لهم رواتب وأرزاقًا تجري عليهم كل ذلك شهريًا. وأكرم آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأجزل لهم العطاء وأكرم عشيرته ورفع من أقدارهم وأجزل لهم المرتبات ووصل قرابته وذوي رحمه وأوسع لهم في النفقات فكان بذلك موضع التقدير والإِجلال. وكان هؤلاء في الحشمة كالملوك بل كان خدمهم كالملوك، وكان يحرص على نفع الضعفاء والمساكين ويعطف عليهم فكان إذا رأى أعمى داعبه لأن يكون مطوعًا لإحدى البنات أو القصور حتى كان أمة من هؤلاء يتلون القرآن في تلك القصور ويتمتعون بالنعم والكرامة ويؤمون النساء في صلاة التراويح في شهر رمضان. ولا يزالون محترمين تجرى عليهم النفقات ويلبسون الكسوة الفاخرة ويركبون السيارات الفاخرة ويتقلبون في تلك النعمة والحبرة. وطبع على نفقته الألوف من كتب أهل
السنَّة والجماعة وجعلها وقفًا تبذل مجانًا لطلاب العلم، ونذكر شيئًا منها فمن ذلك تفسير الحافظ ابن كثير وتفسير الإمام الحسين بن مسعود البغوي، جعل الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بحاجز، فبلغت تسع مجلدات وظهر التفسيران في رونق حسن حتى أنَّهما لم يطبعا قبل ولا بعد بأحسن من تلك الطباعة وكان طبعهما بمطبعة المنار، وطبع المغني وكتاب الشرح الكبير للمقنع طباعة حسنة كان الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بفاصل، فظهرت الطباعة كأحسن ما يكون وهما من أكبر كتب الفقه وكان يعد طبعهما إذ ذاك معجزة للإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن لقلة المادة بين أيدي الناس حتى قال الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مطبعة المنار التي طبعتهما في مديح الملك عبد العزيز لولاه لما أقدمنا على طبعهما ولم يقدم غيرنا وقال: لا يسعنا إلَّا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على مسدي هذا الخير العظيم إلى الأمة الإِسلامية بالأمر بطبعه والإِنفاق عليه من ماله الخاص به إمام السنة ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الأئمة مؤسس المملكتين وخادم الحرمين الشريفين عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد وعاهل العرب في كل غور ونجد أعزه الله تعالى وأعزَّ به العرب والإِسلام ونفع به الأنام. وذكر أنَّه هو السبب في وجود الكتاب. وذكر في المقدمة قوله ما زلت أفكر في السعي لطبعه إلى أن هداني الله تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد وملحقاتها. وذكر صاحب المطبعة أنَّه شرع في طبع الكتابين وغيرهما من مطبوعات صاحب الجلالة والمطبعة غير مستعدة لإِنجاز مطبوعات كبيرة كثيرة وطبع المترجم له الآداب الشرعية الكبرى لابن مفلح وطبع مجموع الرسائل والمسائل لأئمة هذه الدعوة الإِسلامية الذين قاموا بالحق وبه يعدلون آل الشيخ ومن اقتفى أثرهم وقد بلغت مجلدات المغني والشرح الكبير اثني عشر مجلدًا كلها
ضخمة كما أن الآداب الشرعية كانت في ثلاثة مجلدات. ومن مطبوعاته أجزل الله له الأجر والثواب شرح الطحاوية توحيد الإِمام ابن خزيمة مختصر طبقات الحنابلة لأبي يعلى وروضة المحبين لابن قيم الجوزية مجموعة التوحيد مجموعة الحديث مجموع المتون في كتب كثيرة البداية والنهاية للحافظ ابن كثير وغيرها. ونحيل القارئ إلى مواضع ذكرها هناك من هذا التاريخ.
ولقد كانت الأعراب تفد عليه كل يوم ينزل على القصر الملكي عدد منها فينزلون في دور الضيافة وبعد أن يقضي القادمون أيام الضيافة وهي ثلاثة في الغالب يرفع وكيل بيت المال إلى الملك كشفًا بأسمائهم ليأمر لهم بإعطياتهم فيكتب إلى جانب اسم كل واحد منهم المبلغ الذي يعطى له مراعيًا حالته ومقامه، فهذا يأخذ 50 ريالًا، وهذا 100 مائة ريالًا، وهذا خمسمائة ريال، وهذا يأمر له بعشر نياق، وذاك بخمسة أكياس أرز. ومن تقاليده أن يمنح كل زائر كسوة عدا الطعام، والعطاء والكسوة عبارة عن عباءة وبدلة كاملة وغترة صوف. وتختلف الجوائز على حسب الوفود، فما يعطى للأمير أو لشيخ القبيلة لا يعطى للزائر العادي فيعطى بعض الأمراء سيارات وألوفًا. ومن أعجب ما نذكره أنَّه بعث إلى شيخ قبيلة من قبائله لما كانت الأرض مجدبة وجهته بعيدة أن لا يقدم هذه السنة مراعاة لحالته، بل تأتيه كسوته وشرهته في جهته فأمر بسيارة خمس طن وملأها نقودًا وسكرًا وقهوة وشاي وهيل وأرزًا وبعثها إليه ووهبها له. ويمنح كبار الضيوف وعظماؤهم السيوف المذهبة أو الخناجر المطعمة أو الساعات الثمينة، كل بمرتبته ودرجته، ولا يغادر قصره زائر من دون هدية وقد يغتنم البدو فرصة خروجه من مكان إلى مكان فيلحقون به فيدنو أحدهم منه ويهمس في أذنه من الوراء أنَّه في حاجة إلى مال ليتزوج فيقول: لمن يكون وراءه من رجاله أعطوه جهازًا (الجهاز في لغة نجد المهر الكافي للزواج). ثم يأتي غيره ويهمس في أذنه يا طويل
العمر (وهي كلمة دعاء في نجد) أريد بشتًا ويأتي آخر يقول أريد ناقة فيعطى كل سائل ما سأل. وكان في وقت الشرهات يفد على قصره من العلماء والأمراء والرؤساء وأصحاب العوائد ما يزيد عن خمسمائة ألف. أمَّا البيوت التي تصرف لها الرواتب الشهرية من الأشراف والسادة والأئمة والخطباء السابقين فتقدر بثلاثة آلاف بيت، هذا عدى ما يصرف في حنادس الظلم سرًا على الأرامل وذوي الحاجات وما يوزع على العموم في سائر البلدان. وكان الموزع يسير في منتصف الليالي المظلمة فيطرق البيت سرًا فيدخل يده في الكوة ويعطيهم ما لا يعلمه إلَاّ الله ويوصي أهل البيت أن لا يبوحوا بمصدر تلك الصدقات، ولقد جاء إليه رجل من أهل مسقط فقدم لجلالته نوقًا عمانية أصيلة فأمر له بشرهة قدرها عشرة آلاف ريال وقيد اسمه ضمن ضيوف ذلك اليوم فكان يعطى كل سنة عشرة آلاف ريال. فقدر أنَّ رجلًا شابه اسم هذا الرجل مرة من السنين فأعطي العشر الآلاف، فأخذها وانصرف. وفي صبيحة اليوم الثاني جاء صاحب النوق وسلم على جلالته فقال له المغفور له: هل أعطيت شرهتك؟ فقال: لا. فغضب وسأل عن سبب ذلك. فقال أمين المال: إنَّه دفع المبلغ وأخذ إيصالًا من صاحبه. ولدى البحث عن صحة ذلك. ظهر لهم تشابه الاسم وأرسلوا خلف البدوي وأحضروه فلما حضر وفهم بما حصل خشي أن يسترجع منه المبلغ الذي أعطي له غلطًا لتشابه الاسم، ولكنهم لم يفعلوا بل جاؤوا به إلى الملك. فقال له جلالته: كم أخذت؟ قال: عشرة آلاف. فقال له الملك: هي لك من عند الله. فخرج من مجلسه يحمد الله ويدعو للملك. وأمر لصاحب النوق بمثلها أيضًا. واستوقفته امرأة عجوز مرة في الطريق وقالت: يا عبد العزيز أسأل الله أن يعطيك في آخرتك كما أعطاك في دنياك. فسر لهذه الدعوات أعظم السرور وأمر أن يعطى لها كل ما كان لديه في السيارة فإذا بها عشرة أكياس، كل كيس فيه خمسمائة ريال، الجميع خمسة آلاف ريال.
فلما أعطيت لها عجزت عن حملها فأمر لها بذلول تحمل عليها هذا المبلغ وأمر لها بخادم يوصلها إلى منزلها في قلب الصحراء.
وترفع له كل يوم مئات الطلبات من كثير من طبقات الشعب فلا يخيب طالبًا، فمنهم من يعطه أرضًا، ومنهم من يبنى له دارًا، ومنهم من ييسر له سبيل الزواج، ومنهم من يرسله إلى خارج المملكة للعلاج إذا استعصى شفاؤه. ولقد بعث بعالم من العلماء إلى مصر وكان قد أصيب بداء عجزت عن كشفه الأطباء فأجريت له هناك عملية وأخذ عليه أن لا يقرب النساء شهرين فقدر أنَّه بعد وصوله أنس من نفسه العافية ولم يلتزم بالحمية فانتقض عليه جرحه فجعل الملك يأسى على حالته ويقول: لو أنني توليت حميته. وكان يبعث من يريد التزود في طلب أنواع العلوم إلى الخارج ويخصص لهم مرتبات ولقد كان موضع ضيافة ثليم في الرياض أعدت فيه الأطعمة للفقراء والمسافرين ورجال البادية وينتابه ألوف من الوافدين وكان من أوانيه قدر يسع عشرة أكياس من الأرز وكان يصعد إليه بسلالم من حديد وإذا أرادوا غسل هذا القدر فإنَّه ينزل إليه بدرج وكنت قد تحدثت إلى صاحب الضيافة عن صحة هذا الخبر فقال: صحيح وأنَّه يوجد في المربع قدر آخر يسع خمسة جمال تلقى فيه جميعًا وجعل يروي عن الخبز الذي يخبز يوميًا على نفقة الحكومة في الرياض أنَّه بلغ ستة وتسعين كيسًا من الدقيق وكان له مكارم يضايق بها أجواد العرب الأقدمين وإذا سألت كل من له صلة بديوان جلالته ففي كل يوم يرون العجائب من أنواع الحاجات والطلبات ومختلف الرغبات. ومما يروى عنه أن رجلًا شكى إليه مضايقة الغرماء له وإنَّ عليه مائة جنيه ذهبًا وطلب من جلالته المساعدة لسدادها فأمر أن يحقق عن مقدار الدين فثبت أنَّه كما ذكر فكتب الملك بخطه على الطلب بإعطائه مائة جنيه ولكنه تغلب عليه الكرم فكتبت يمناه ثلاثة أصفار بدلًا من صفرين يعني ألف جنيه ولما وصل الأمر إلى شلهوب مدير مالى الخاصة الملكية لاحظ ذلك