الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمارة الحكومة السعودية قد امتازت بالقوة وسعة الفضاء وإقامة تلك الأعمدة التي تفوق بحسن المنظر وقوة التركيب فقد أُقيصت من أس كان على الماء وارتفعت حتى أقيم عليها السقف الجميل والسطح الحسن وجعل في أعلى كل عمود أربعة وجوه من لمبات الكهرباء وجعل مضافًا إلى ذلك في المسجد أقلام من اللمبات المثلجة حتى كان نوره في الليل أحسن منه في النهار وبالجملة فما رأيت أحسن منه عمارة في سائر المساجد ولحسنه ترتاح فيه النفوس ولا تمل الجلوس فيه وكانت تقدر قيمة تكاليفه بخمسين مليونًا من الريالات وأصبحت تلك العمارة تفخر على عمارة الدولة العثمانية بكثير ولقد جعل حوالي المسجد إلى الجهة الغربية مراحيض وحمامات كافية بعيدة عن المسجد ووسع ما حواليه من الشوارع، وفرش بالبلاط المرخم ولا سيما الجهة الغربية حتى كان المسجد وما يليه قرة للعيون ومسليًا للقلب المحزون وذلك لأن الحكومة اشترت تلك البيوت وهدمتها للتوسعة.
النهضة الثقافية في نجد
لمَّا دفعنا التاريخ إلى هذا التقدم فلا بدَّ وأن نشير إلى ما قامت به الحكومة السعودية من النهوض الزراعي والنهوض الديني والنهوض العسكري والنهوض الثقافي وأن حكومة تقوم بهذه النهضة الشريفة ليبشر مستقبلها بقوة وتقدم ونشاط وتشجيع لكل فرد من أفراد الشعب ليلقى عنه رداء الكسل ويسير إلى الإمام والتقدم ومساهمة الدول الأخرى وأنَّها لبارقة أمل كريمة يلوح من ورائها صرح المجد الإسلامي التالد يعود مأوى للمسلمين على أصوات تلك اليقظة التي تدق أجراسها يد قوية هي يد جلالة الملك سعود بن عبد العزيز وإخوانه قادة الأمة الإسلامية أدام الله توفيقهم وتسديدهم وأيدهم بروح منه يؤذن بالخير والرشد والسعادة ونصر الأمة العربية إن شاء الله تعالى. فأمَّا عن النهضة الدينية فهي قوام السعادة ونور الحياة إذ لا حياة إلَاّ بها ولا تقدم ولا رقي إلَاّ بسلوك طريقها وهي الاعتصام
بالكتاب والسنة وتحكيمها. والتحاكم إليها قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} . وما تقدم شعب وما نهضت أمة إلَاّ بالقيام بدين الله جلت عظمته والثبات على النواميس السماوية. إنَّ الإِسلام دين ودنيا فلا راحة للنفس ولا طمأنينة لها حتى تؤمن قوتها وإن الدين لا يتنافى عن طلب المعيشة والسعي في مصالح الحياة. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا يقعدن أحدكم عن جانب طلب الرزق ويقول: اللَّهُمَّ ارزقني وقد علم أنَّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة وإنما يرزق الله النَّاس بعضهم من بعض). وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على السعي في طلب الرزق فعن أنس رضي الله عنه: أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: أما في بيتك شيء. قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء. قال: إئتنني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري مني هذين؟ قال: رجل أنا آخذهما بدرهم. قال رسول صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا: قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه. فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدومًا فائتني به فأتاه فشدَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة". رواه أبو داود والنسائي والترمذي. فصلوات الله وسلامه عليك يا نبي الرحمة ويا رسول الهدى، علمتنا كيف نعيش أنَّه لا وجود للقدوم إلَاّ بصانع وحداد ولا وجود للعود إلَاّ بسقي ولا وجود للثوب إلَاّ بنسيج ولا وجود للطعام إلا بزراعة فإن لم يسع بنو آدم للإِنسان بوجودها فمن أين.
فأمَّا عن النهضة الدينية فقد قدمنا شيئًا عن إقامة هيئات للأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ومكافأة حفاظ القرآن بالألوف من النقود وتشجيع الأئمة والمؤذنين. وها قد بذلت الحكومة جهدًا في طباعة كتب السنة كمجموعة التوحيد ومجموعة الحديث وكتاب الإنصاف للمرداوي الذي فاق بكثرة صفحاته باهظة نفقاته واستجلبت كتاب كشاف القناع وطبع عدة مرات. كما قد طبع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وشرح السنة للبغوي، وتحفة الأشراف للمزّي وجامع الأصول وشرعت في استجلاب مسند الإمام أحمد وتفسير ابن جرير الطبري وتفسير الحافظ ابن كثير والبغوي وطبع مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأنجاله وأهل بيته، وقامت الوكلاء توزع هذه الكتب بالمئات والألوف مبذولة للعلماء والطلاب. فإنَّ جلالة الملك أسس نهضة ثقافية لتعليم النشئ ما يعود عليهم وعلى بلادهم بالمصلحة العامة بعدما خفت صوتها زمنًا لا يقل عن خمسمائة سنة فعادت نجد زمننا هذا لتتمتع بالحضارة والرقي بعدما كان لا يوجد فيها سيارة ولا طيارة وأورد تذكرة للمعتبر بأيام الله أنَّه قدم سيارة إلى بريدة في سنة 1344 هـ فشخصت إليها الأبصار وعطلت الأمة أعمالها وخرجوا لرؤيتها والتفكر عليها. ومن أعجب ما رأيت أنَّ تلك السيارة التي قدمت إلى بريدة في السنة المذكورة لما علم الأهالي بأنَّها ستقوم من بريدة ظهرًا مسافرة بعد لبثها خمسة عشر يومًا في كراج أعدَّ لها كانت فيه مزارًا لرؤيتها من خلف الأبواب فعطلت المدارس الأهلية وخرج الآباء والأبناء لرؤيتها لما برزت أمام قصر الحكم في بريدة فكانت ترى كنجم يلوح على البعد وأحدثت انزعاجًا بصفتهم لم يعرفوها ولم يعتادوا رؤيتها. ولقد كانت الأمة محيطة بها فكان المتخلف عن الحضور في وقت بروزها يحول بينه وبينها ما لا يقل عن مائتي متر مملوءة بالرجال والصبيان وكنت أذكر أنَّ أهالي نجد في ذلك الزمان وقبله كانوا يذهبون مسافرين إلى مصر والشام والعراق والكويت يطلبون الرزق في تلك الأعصار ويؤلفون رعايا الإِبل والغنم من نجد لبيعها
على تلك الأمصار وهم العقيلات.
وفي هذه الأزمنة الأخيرة انعكس الأمر وتغيرت الأحوال والله على كل شيء قدير. فأصبح أهل مصر والشام واليمن يسافرون من أمصارهم وديارهم إلى نجد يطلبون الرزق والمعيشة فيها تاركين أهاليهم وأولادهم يسترزقون الله في المملكة السعودية، هذا بوظيفة التعليم في المدارس والمعاهد، وآخر في البناء والتعمير، وذاك بخبز في أفران نجد، والعاطلون من أهل الشام واليمن يشحذون في المساجد والأسواق وجلبت إليها الإبل من تلك الجهات والأغنام والأدهان وشحنت الطائرات والسيارات بعلب المربيات وأنواع الفواكه من مصر والشام ولبنان والأردن وبيروت، وإنَّها لنكتة غريبة عجيبة أن يؤتى بالعوائل من مصر والعراق والشام تاركين نيلها وفراتها ودجلة إلى نجد يسكنون فيها ويؤثرونها موطنًا ومقرًا. ولولا أن الحكومة قامت برد هذا التيار الجارف لامتلئت المدن السعودية من أولئك الأجانب، غير أنَّ الحكومة مانعت من تلك الهجرة ولا تزال ترحل من لا مصلحة فيها عائدة للشعب فسبحان القادر على كل شيء لا رب غيره ولا إله سواه وقدرة الله صالحة والدنيا دول فاعتبروا يا أولى الأبصار.
وفيها قام أمين مدينة الرياض فهد بن فيصل بن فرحان بأعباء منصبه فقفز بمدينة الرياض قفزة في ميادين الإِصلاح والتنظيم فأحال أزقتها الضيقة إلى شوارع واسعة منسقة وإنشاء الميادين الفسيحة والحدائق الغناء وشاد دارًا فخمة لأمانة مدينة الرياض وأنشأ منتزهًا من أجمل المنتزهات في منطقة سباق الخيل وجمع أهل البادية في مكان خصصه لهم مزودًا بالماء العذب والمراكز الاجتماعية وأماكن العبادة.
ومن هذه المشاريع الضخمة التي تمت في عهده وصول مياه الجائر المكان الذي يبعد 38 كيلو عن الرياض وكان لنبإ وصول ماء الجائر إلى
الخزان الرئيسي الواقع في محلة الشميسي من مدينة الرياض طلائع البشائر وهو من المشروعات الإِصلاحية العظيمة التي أولاها صاحب الجلالة كبير عنايته واهتمامه لا سيما وقد احتفل بوصول المياه العذبة بحضور صاحب الجلالة احتفالًا جميلًا وقام سمو الأمير فهد بن فيصل أمين مدينة الرياض فغرس الأشجار ونظم الحدائق حتى قيل إنَّه غرس في هذه السنة الموسمية ما يقارب من ثلاثين ألف شجرة وكان موظفو الرزاعة في البلدية يشتغلون ليلًا ونهارًا في تنسيق الحدائق وتنظيمها. ومن الأعمال التي تمت سفلتة الشوارع الرئيسية بعد تعبيدها، وكانت هذه الشوارع قد فتحت حديثًا وأصلح مجرى السيل العظيم الذي يخترق شارع الملك سعود وأخذ أمين العاصمة يدرس هو وموظفوه إنشاء ثلاثة خزانات للمياه كل واحد منها لثلاثة ملايين جالون من المياه. وهذه المشاريع تعتبر من أبدع ما يكون لأنَّها بعد عامين من إسناد الرئاسة إليه. وكانت مدينة الرياض قبل ذلك محاطة بسور حولها ليس بها شارع واحد على طريقة منظمة وكل ما كان بها إنَّما هي أزقة ضيفة تضطر السيارة للرجوع مرات حتى تفسح الطريق للسيارة الآتية أمامها ولم يكن داخل المدينة سوى ميدان واحد يسمى ساحة دخنة تباع فيه الماشية والتمور.
وفيها قام الأمير محمد بن سعود الكبير بإمداد بلدة السيح في الخرج بالماء العذب بإجرائه في الأنابيب من بئر يملكها تبعد عن البلدة بما يقارب عشرة كيلوات وقد وصل الماء إليها ووزع في أحيائها جزاه الله خيرًا. وقد أقيم لذلك احتفال حضره الوجهاء والأعيان تحت رعاية صاحب الجلالة الملك سعود.