الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه السلام: «الرّياء الشّرك الأصغر» «1» .
[سورة يوسف (12) : الآيات 108 الى 111]
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
وقوله سبحانه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
…
الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي «2» وال بَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.
وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنّ في «أدعو» و «مَنْ» معطوفٌ عليه وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.
قال ص: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و «على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و «مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك.
وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
…
الآية: تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البشر، والْقُرى: المُدُن. قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية «3» .
قال ع «4» : والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى
(1) أخرجه أحمد (5/ 428) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 343- بتحقيقنا) ، من حديث محمود بن لبيد، والحديث ذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 294) ، وعزاه لأحمد، والبيهقي، وقال: ورجاله ثقات.
(2)
أخرجه الطبري (7/ 315) برقم: (19983) ، وذكره ابن عطية (3/ 285) ، والسيوطي (4/ 76) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره ابن عطية (3/ 286) .
(4)
ينظر: «المحرر» (3/ 286) .
الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
…
الآية.
قال ص: وَلَدارُ الْآخِرَةِ: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله:«ولَلدَّارُ الآخرة» ، والبصريّون على أنه عن حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله:«ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ» . انتهى.
ويتضمَّن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلَاتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.
وقرأ نافع وابن كثير «1» وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» /- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون:«كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و «الظَّنُّ» هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم «2» ، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا.
وأسند الطبريُّ «3» أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغ:«حتّى إذا استيأس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ» فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد،
(1) ينظر: «السبعة» (351) ، و «الحجة» (4/ 441) ، و «إعراب القراءات السبعة» (1/ 317) ، و «حجة القراءات» (366- 367) ، و «الإتحاف» (2/ 156) ، و «المحرر الوجيز» (3/ 287) ، و «البحر المحيط» (5/ 347) ، و «الدر المصون» (4/ 218) .
وينظر: «معاني القراءات» (2/ 52) ، و «شرح الطيبة» (4/ 388) ، و «العنوان» (111) ، و «شرح شعلة» (442) . [.....]
(2)
أخرجه الطبري (7/ 316، 318) برقم: (19988) وبرقم: (20008) ، وذكره ابن عطية (3/ 288) ، والسيوطي (4/ 77) ، وعزاه لأبي عبيد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
(3)
أخرجه الطبري (7/ 319) برقم: (20010) .
فاعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك «1» .
قال ع «2» : فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.
ت: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا على قراءة التخفيف؟ قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي الله عنها مَعَاذَ اللَّهِ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم «3» وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر «4» وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ:«كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا» .
وقوله سبحانه: جاءَهُمْ نَصْرُنا: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.
فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: أي: من أتباع الرسلِ.
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: أي: الكافرين، و «البَأْسُ» : العذاب.
وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.
ت: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وقد كانَ حصل في القلب عبرة في أمره صلى الله عليه وسلم وأفاضِل أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلَامٌ على عباده الذين اصطفى/ وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
(1) ذكره ابن عطية (3/ 288) ، وابن كثير (2/ 497) ، والسيوطي (4/ 77) ، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.
(2)
ينظر: «المحرر» (3/ 288) .
(3)
ذكره ابن عطية (3/ 288) .
(4)
ذكره ابن عطية (3/ 288) .