الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله سبحانه: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
…
الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيس للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ: يحتمل أنْ يريد ب الْيَوْمَ يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.
وقوله سبحانه: إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لِتُبَيِّنَ: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إلا لأجل البيان، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.
ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلَاكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.
وقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ.
وقوله سبحانه: سائِغاً لِلشَّارِبِينَ/ «السائغ» : السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ.
ت: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزدنا منه» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» «1» ، رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح» .
[سورة النحل (16) : الآيات 67 الى 70]
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
(1) أخرجه أبو داود (2/ 365) كتاب «الأشربة» باب: ما يقول إذا شرب اللبن، حديث (3730)، والترمذي (5/ 506- 507) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا أكل طعاما، حديث (3455)، وفي «الشمائل» برقم:(206)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» برقم:(286- 287) ، وأحمد (1/ 220، 225، 284) ، من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن.
وقوله سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
…
الآية:
«السَّكَر» : ما يُسْكِرُ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ «1» ، وأراد ب «السَّكَر» : الخمرَ، وب «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة «2» وصحَّح ابنُ العربيِّ «3» هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن» ، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ «4» .
قال الطبريُّ «5» : والسّكَر أيضاً في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.
وقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
…
الآية: الوحْيُ في كلام العرب:
إلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5]، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعرش: معناه: هيّأ، والسبل الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، وذُلُلًا: يحتمل أن يكون حالاً من «النحل» ، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة «6» . قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحل
(1) ذكره البغوي (3/ 75) ، وابن عطية (2/ 405) ، وابن كثير (2/ 575) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 228) ، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وأبي داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن مردويه، والحاكم صححه.
(2)
أخرجه الطبري (7/ 609) برقم: (21707) ، (21708) ، (21709) ، وذكره البغوي (3/ 75) ، وابن عطية (3/ 415) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 229) ، وعزاه للنسائي. [.....]
(3)
ينظر: «أحكام القرآن» (3/ 1153) .
(4)
أخرجه الطبري (7/ 611) برقم: (21737) بنحوه، وذكره البغوي (3/ 75) ، وابن عطية (3/ 405) ، وابن كثير (2/ 577) .
(5)
ينظر: «تفسير الطبري» (7/ 611) .
(6)
أخرجه الطبري (7/ 613) برقم: (21748) ، وذكره ابن عطية (3/ 406) ، وابن كثير (2/ 575) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 230) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر.
ينتجعون، وهي تتبعهم «1» وقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
…
[يس: 71] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من «السُّبُل» ، أي: مسَّهلةً مستقيمةً قاله مجاهد «2» ، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه.
ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة- أمْرَ العَسَل في قوله:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب آختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى.
وقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعَسَل قاله الجمهور: / قال ابن «3» العربيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل «4» ، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: أنّ رجلا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ:«اسقه عَسَلاً» ، ثُمَّ أتاه فَقَالَ:
فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَاّ استطلاقا، فَقَالَ عليه السلام:«صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلاً» فسَقَاهُ، فَبَرأ «5» ، وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟
فَقَالَ: ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق: 9]
(1) أخرجه الطبري (7/ 613) برقم: (21749) بنحوه، وذكره ابن عطية (3/ 406) ، وابن كثير (2/ 575) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 230) ، وعزاه لابن أبي حاتم.
(2)
ذكره البغوي (2/ 76) ، وابن عطية (3/ 406) .
(3)
ينظر: «أحكام القرآن» (3/ 1157) .
(4)
أخرجه البخاري (9/ 557) كتاب «الأطعمة» باب: الحلوى والعسل، حديث (5431)، ومسلم (2/ 1101) كتاب «الطلاق» باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (21/ 1474) ، وأبو داود (2/ 361)، كتاب «الأشربة» باب: في شراب العسل، حديث (3715)، والترمذي (4/ 273- 274) كتاب «الأطعمة» باب: ما جاء في حب النبي صلى الله عليه وسلم الحلواء والعسل، حديث (1831) ، وفي الشمائل (164)، وابن ماجه (2/ 1104) كتاب «الأطعمة» باب: الحلواء، حديث (3323) ، والدارمي (2/ 107)، وأحمد (6/ 59) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» ص:(203) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 84- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح غريب.
(5)
أخرجه البخاري (10/ 139) كتاب «الطب» باب: الدواء بالعسل، حديث (5684)، ومسلم (4/ 1736) كتاب «السلام» باب: التداوي بسقي العسل، حديث (91/ 2217) ، وأحمد (3/ 19) ، والبيهقي (9/ 344) ، وفي «دلائل النبوة» (6/ 164) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 249- بتحقيقنا) .