الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال ابْنُ أَبْزَى «1» : نَزَلَ قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكَّة إِثر قولهم: أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، ونزل قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، عند خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
…
إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم.
ت: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار» . انتهى.
قال ع «2» : وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أن اللَّه عز وجل لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ.
وقوله عز وجل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضمير في قوله:
أَوْلِياءَهُ: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن «3» .
وقال الطبريُّ «4» : عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ناسخ لقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
قال ع «5» : وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 35 الى 36]
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)
(1) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث، روى اثني عشر حديثا، وعن أبي بكر، وأبي، وعن عمار.
قال البخاري: له صحبة، وقال ابن أبي داود: تابعي.
ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 772) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 132) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 123) ، «الكاشف» (2/ 154) ، «الجرح والتعديل» (5/ 2009) .
(2)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 521) .
(3)
ذكره ابن عطية (2/ 522) .
(4)
ينظر: «الطبري» (6/ 232) .
(5)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 523) . [.....]
وقوله سبحانه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ/ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المُكَاء: الصَّفير قاله ابن عباس «1» والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلَايتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية.
قال ع «2» : والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيّدون فيهما وقت النبيّ صلى الله عليه وسلم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة.
وقوله سبحانه: فَذُوقُوا الْعَذابَ
…
الاية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف قاله الحسن وغيره «3» فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ.
قال ع «4» : والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ حكايةً عما مضَى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
…
الآية:
لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كان سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ.
وقوله سبحانه: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، الحسرة: التلهّف
(1) أخرجه الطبري (6/ 238) برقم: (16037- 16038) ، وذكره ابن عطية (2/ 523) ، والبغوي (2/ 247) ، وابن كثير (2/ 306) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 332) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه والضياء.
(2)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 524) .
(3)
ذكره ابن عطية (2/ 525) .
(4)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 525) .