المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ويستفاد من قصة لوط عليه السلام مع قومه: - تفسير العثيمين: الشعراء

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌ومن فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (3)

- ‌الآية (4)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآية (7)

- ‌الآية (8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآيتان (10، 11)

- ‌فوائد الآيتينِ الكريمتينِ:

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآية (16)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآية (21)

- ‌الآية (22)

- ‌الآيتان (23، 24)

- ‌الآية (25)

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌الآيات (30 - 35)

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآيتان (39، 40)

- ‌الآية (41)

- ‌الآية (42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌ومن فوائد الآيةِ:

- ‌الآية (45)

- ‌الآيات (46 - 48)

- ‌فوائد الآيَات الكريمة:

- ‌الآيتان (49، 50)

- ‌الآية (51)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآية (52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآيتان (57، 58)

- ‌فوائد الآيتين الكريمتينِ:

- ‌الآية (59)

- ‌الآية (60)

- ‌الآيتان (61، 62)

- ‌فوائدُ الآيتينِ الكريمتينِ:

- ‌الآية (63)

- ‌فَوَائِد الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآيات (64 - 66)

- ‌الآية (67)

- ‌الآية (68)

- ‌الآيتان (69، 70)

- ‌الآية (71)

- ‌الآية (72)

- ‌الآيتان (73، 74)

- ‌الآيات (75 - 86)

- ‌الآية (87)

- ‌فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

- ‌الآيتان (88، 89)

- ‌فوائِدُ الآيتَينِ الكريمتين:

- ‌الآيات (90 - 93)

- ‌فوائدُ الآيَاتِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (94، 95)

- ‌فوائدُ الآيتينِ الكريمتينِ:

- ‌الآيات (96 - 98)

- ‌فوائدُ الآيَاتِ الكريمةِ:

- ‌الآية (99)

- ‌الآية (100)

- ‌فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (101)

- ‌الآية (102)

- ‌الآيتان (103، 104)

- ‌الآية (105)

- ‌فوائدُ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيات (106 - 110)

- ‌الآيات (111 - 115)

- ‌فوائدُ الآيَاتِ الكريمة:

- ‌الآيات (116 - 118)

- ‌الآيات (119 - 122)

- ‌فوائدُ الآيَات الكريمة:

- ‌فوائد الآيَات الكريمة:

- ‌الآيتان (129، 130)

- ‌الآيات (131 - 134)

- ‌فوائد الآيَات الكريمة:

- ‌الآيات (135 - 138)

- ‌فوائدُ الآيَاتِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (139، 140)

- ‌الآيات (141 - 145)

- ‌الآيات (146 - 152)

- ‌الآيتان (153، 154)

- ‌الآيات (155، 159)

- ‌من فوائد ذِكر قومِ صالحٍ:

- ‌الآيات (160 - 164)

- ‌الآيتان (165، 166)

- ‌الآيات (167 - 175)

- ‌ويُستفاد من قِصَّة لُوطٍ عليه السلام مع قومه:

- ‌الآيات (176 - 180)

- ‌الآيات (181 - 184)

- ‌الآيات (185 - 191)

- ‌ويُستفاد من قِصَّة شُعيب عليه السلام:

- ‌الآيات (192 - 196)

- ‌الآيات (197 - 204)

- ‌الآيتان (208، 209)

- ‌فوائد الآيتين الكريمتينِ:

- ‌الآيات (210 - 212)

- ‌الآية (213)

- ‌الآيات (214 - 216)

- ‌الآيات (217 - 220)

- ‌الآيات (221 - 222)

- ‌الآيات (224 - 226)

- ‌الآية (227)

الفصل: ‌ويستفاد من قصة لوط عليه السلام مع قومه:

قوله سبحانه وتعالى: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} أي: مَطَر هؤُلاءِ القومِ، وإنَّما قال:{الْمُنْذَرِينَ} ؛ لِبيانِ أنَّها قد قامتْ عليهم الحُجَّة ولم يُنْذَرُوا بالعذابِ إلَّا بعدَ أنْ أعذرَ مِنهم.

قَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} في هذه الآيةِ وغيرِها منَ الآيَاتِ ما يدلُّ على أنَّ قومَ لُوطٍ أُهلِكوا بهذه الحِجارةِ: بالتدميرِ بالحجارةِ وليسَ بالقلبِ كما هو مشهورٌ عندَ أهلِ العِلْمِ وكثيرٍ من المُفَسِّرينَ، أنَّ بلادهم حُملتْ إلى عَنانِ السَّماء ثم قُلِبت، فهذا ليسَ في القُرآنِ ما يدلُّ عليه، والّذي في القُرآنِ قَوْلُهُ:{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر: 74]، وجَعْلُ العالي سافلًا يكونُ بغيرِ القلبِ؛ فإنَّ هذه الحجارةَ إذا نزَلتْ على المنازلِ وهَدَّمَتْهَا صار العالي منَ المنازلِ سَافلًا، ثم إنَّها إذا قُلبتْ - مثلًا - وصارَ النَّاسُ في باطنِ الأَرْضِ، فليسَ للحِجارة حِينَئذٍ قيمة.

والمهمُّ أنَّه ليس في الأمرِ عنِ النَّبيّ عليه الصلاة والسلام ما يدلُّ على أنّ أرضَهم حُملتْ فقُلبتْ، وما دام أنَّه ليسَ في الأمرِ ما يدلُّ على ذلكَ، فالأَولى أن يُقال: إنّهم دُمِّروا بهذه الحجارةِ.

‌ويُستفاد من قِصَّة لُوطٍ عليه السلام مع قومه:

الْفَائِدَةُ الْأُولَى: الدُّعاءُ إلى توحيدِ اللهِ والأمر بِتَقْوَاهُ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإخلاصُ في الدَّعوة إلى اللهِ تعالى، وأنَّه لا يَنْبَغي للدَّاعي أن يأخذَ على دَعْوَتِهِ أَجْرًا.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ مِن بني آدمَ مَن تُقلَب طَبِيعَتُه وتُصْرَف حتى يَسْتَحْسِنَ الخبيثَ؛ لأنَّ هؤُلاءِ هذا حالهُم.

ص: 266

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: زيادةُ الإنكارِ فيما إذا كَان للإِنْسانِ مَنْدُوحَةٌ عنِ الحرامِ، لِقَوْلهِ:{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} .

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جوازُ الإستمتاعِ بالزوجةِ استمتاعًا مُطْلَقًا؛ لقَوْلهِ: {مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} .

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَن تجاوزَ الحلالَ إلى الحرامِ، فهو عادٍ ظالمٌ لنفسِهِ ولغيرِه؛ لقَوْلهِ:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} .

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: في الآيَات دليلٌ على أنَّ المعانِدِينَ لِلرُّسُل إنَّما يَلْجَئُون إلى قُوَّتِهِم وسُلْطَتِهِم، لا إلى العقلِ والإقناعِ، قالوا:{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167]، وقال ذلكَ قومُ نوحٍ:{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116]، لكنَّه عذابٌ آخرُ، وكذلك أيضًا قالَهُ فِرعون لمِوسى:{لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]، وقالَه آزرُ لابنِه إبراهيمَ:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: 46].

كلُّ هذا ممَّا يدلُّ على أنَّ هؤُلاءِ الَّذينَ يُهَدِّدُونَ بالسُّلطة لا بالإقناعِ والعقلِ، هؤُلاءِ لا حُجَّةَ لهم.

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ أن يُبغِضَ ما أبغضَهُ اللهُ؛ لأنَّ هذه طريقةُ الرُّسُلِ؛ قال: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168].

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه لا غِنى لأحدٍ عن دعاءِ اللهِ: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 169]، وأمَّا قولُ بعضِ العارِفِينَ الجاهلينَ:"عِلْمُهُ بِحالي يُغْنِي عن سُؤَالِي"

(1)

،

(1)

يُروى عن إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار، انظر تفسير البغوي (5/ 327)، وانظر تنزيه =

ص: 267

فهذا قولٌ باطلٌ، فالله يعلمُ بحالِ كلِّ أحدٍ، ومع ذلك ما زالتِ الرُّسُلُ وأَتْبَاعُهم يَدْعُون اللهَ تبارك وتعالى.

الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: وُجودُ الربِّ سبحانه وتعالى؛ لقَوْله: {رَبِّ نَجِّنِي} [الشعراء: 169]، وقَوْلِه:{فَنَجَّيْنَاهُ} [الشعراء: 170]، وهذا دليلٌ حِسِّيٌّ ظاهرٌ.

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إجابةُ اللهِ للدُّعاء، وهذه الإجابةُ تَتَضَمَّن عِدَّةَ صفاتٍ، فتتضمَّن العِلْمَ، والقُدْرَة، والرَّحمة.

الْفَائِدَةُ الثَّانيةَ عَشْرَةَ: في الآيَات دليلٌ على أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُنْقِذ أهلَ الحقِّ من إهلاكِ الكَافِرينَ، ويُهْلِك الكَافِرينَ ولو كَانوا في أحضانِ أهلِ الحقّ؛ لأنّ اللهَ أنجَى لُوطًا، وأهلكَ امرأتَه، وهي في أحضانِهِمْ، وهذا هو السرُّ في قَوْلهِ:{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} [الذاريات: 35 - 36]، فالتعبيرُ القُرآنيُّ أنَّ المُؤمِنينَ نَجَوْا، لكن البيت المُسْلِم ما نَجَا كله، فالمرأةُ الَّتي كَانتْ تَتظاهَرُ بالدِّين وهي مسلمةٌ ظاهرًا؛ ما نَجَتْ، ولهذا قال:{غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، فهذا البيت أهلُه مُسْلِمُونَ، لكن ليسَ كلّهم مُؤمِنينَ، بل فيهم هذه المرأةُ العَجُوز كَانت كافرةً، وليسَ في الآيةِ دليلٌ - كما يقول بعضُ النَّاسِ - على أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ؛ لأنَّ فَرْقًا بينَ هذا وهذا.

الْفَائِدَةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: أنّ القُربَ من الأَنْبِياء والأولياءِ لا يُغْنِي الإِنْسانَ شيئًا، لأنَّ هذه زوجة نبيّ، ومعَ ذلك هَلَكَتْ معَ مَن هلكَ، فكونُ الإِنْسانِ قَريبًا من إِنْسانٍ وليٍّ للهِ لا يفيدُه شيئًا، فأبو لَهَبٍ عمُّ النَّبيّ عليه الصلاة والسلام ومعَ ذلك ما نزلَ

= الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (1/ 250). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس له إسناد معروف وهو باطل. مجموع الفتاوى (1/ 183).

ص: 268

مِنَ القُرآنِ في أحدٍ مُعيَّن منَ الكفَّار سِوَى أبي لَهَبٍ عمّ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام، وما نزلَ القُرآنُ في تَسْمِيَةِ شخصٍ بعينِه منَ المسلمينَ إلَّا في زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ، مَوْلًى منَ الموالي، من أبعد ما يكون عنِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام.

وبهذا يَتَبَيَّن أنَّ قُرب النسَبِ وقرب المصاهرةِ وغيره لا يُغني عنِ الإِنْسان شيئًا.

وتأمَّل ما نزل في سُورَةِ التحريمِ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} [التحريم: 10]؛ لأنَّ عائشةَ وحَفْصَةَ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قد يَغْتَرَّانِ بِقُربهما إلى النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام فيَعْمَلَانِ ما عَمِلاه، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّه لا تَنْفَعُهما صِلَتُهما بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ عُقوبة اللهِ سبحانه وتعالى تَتَنَوَّع حَسَبَ العملِ؛ لأنَّ هنا تُمْطِر مطرًا حتَّى هَدَّمَتْ مَنازِلَهم، وصار عاليها سافلها، ثم خُسِف بها فيما بعدُ، ولذلكَ الآن هي بُحيرة اسمها (بُحيرة لُوط) معروفة، وهي البحر المَيِّتُ؛ وسُمِّيَتِ البحرَ الميِّتَ لأنه غيرُ مُتَّصِل بالبِحار، ويقولون أيضًا: إنَّه لا يعيشُ فيه السمكُ والحوتُ بمثل ما يعيشُ فيه غيرُه، فهو فيه سمكٌ لكنه ليسَ مثلَ غيرِه؛ لأنه ليسَ مُتَّصِلًا بالبحارِ العميقةِ، فلا يكون فيه ذلك الشيْءُ الكثيرُ.

الْفَائِدَةُ الخَّامِسَةَ عَشْرَةَ: استدلَّ بعضُ العُلَماءِ - أخذًا من هذه القصّة - أنَّ اللُّوطِيَّ يُقتَل بأنْ يُرمَى بالحجارةِ حتَّى يموتَ؛ قياسًا على رَمْيِ اللهِ تَعالَى لهؤُلاءِ بالحجارةِ.

وهذه المسألة فيها خلافٌ:

فالقولُ الأوَّل: أنَّ اللُّوطيّ لا يُتعرّض له ولا يُقال له شيْءٌ.

ص: 269

والقول الثَّاني: أنَّه يُعَزَّر بالضربِ والحَبْس، وما أشبهَ ذلك.

والقولُ الثَّالثُ: أنَّه كالزاني: إنْ كَان مُحْصَنًا رُجِمَ، وإنْ كَان غيرَ مُحْصَنٍ جُلِدَ وغُرِّبَ.

والقولُ الرابعُ: أنَّه يُقْتَل بكُلِّ حالٍ، سواء كَان مُحْصَنًا أم غيرَ مُحْصَنٍ، ولكن اختَلفوا في كيفيَّة قَتلِه، فقيل: بالرَّجْم، وقيل: بالسَّيف، وقيل: بالتَّحْرِيق، وقيل: بإلقائه منَ الشاهِق وإتباعه بالحِجارة، وهذا القولُ هو الَّذي اتَّفَقَ عليه الصّحابة أنه يُقْتَل.

وهذا القولُ هو الصَّحِيح المتعيَّن، أنَّه يُقتل بكُلِّ حالٍ؛ فاعلًا كَان أمْ مفعولًا به، إذا كَان بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ هذا ليسَ كالزِّنا، بل أشدّ وأعظم، ولأنه أمرٌ لا يُمْكِن التحرُّزُ منه، بخلافِ الزِّنا، فالزنا يمكن التحرُّز منه، لكن هذا لا يُمْكِن؛ فإِنَّه لو أنَّ خَبيثًا أمسكَ بِيَدِ أمردَ لا أحدَ يقولُ: ما الأمردُ هذا؟ ولماذا تُمْسِك يدَه؟ وما أشبهَ ذلك، فهو أمرٌ لا يُتَحَرَّز منه، فيأتي في نوادي الرِّجال وغيرها.

وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ رحمه الله أنَّ الصَّحَابَة أجمعوا على قَتْلِه

(1)

.

أمّا مَن قال: إنَّه لا يُتَعَرَّض له، فحُجَّتُه أنَّ هذا ممَّا تَنْفِرُ عنه الطِّباع، وما تنفر عنه الطباعُ يُكتَفَى بالرَّدْع الطبيعيّ، كما أنَّ شاربَ البَوْلِ لا يُتعرّض له، وشارب الخَمْر يُجْلَد؛ لأنَّ الخمرَ تَدْعُو النَّفسُ إليه، وهذا لا تَدعو النفوس إليه.

ولكن هذا قولٌ باطلٌ مِن وجوهٍ:

أوَّلًا: فإن قولَهم: "إنَّها لا تدعو النفوسُ إليه" هذا صَحِيحٌ لكن النفوس

(1)

مجموع الفتاوى: (28/ 334).

ص: 270

السَّليمة بلا شَكّ هي التي لا تَدعو إليه، وتَسْتَهْجِنه وتَسْتَقْبِحه، لكن النفوس الخَبيثة تَهواه أكثر مِنَ النِّساء، فيَهْجُرُونَ نِساءَهم في فُرُشِهِنَّ، ويَذْهَبُونَ إلى فِعْل هذه الفاحشةِ!

ثانيًا: قولهم: "إنَّ البولَ لا يُعَزَّر على شُربه، ويُكتفى برادعٍ طبيعيّ"، هذا باطلٌ أيضًا، بل يجبُ أنْ يُعَزَّرَ على فِعله، ومَن رأيناهُ يَشرب بولًا يجبُ أن نُعَزِّرَهُ؛ لأنَّه فعَلَ محرَّمًا، والتعزيرُ واجبٌ لكلِّ مَعْصِيَةٍ لا حدَّ فيها ولا كَفَّارة، فالصَّوابُ أنَّه يُقْتَل في كُلِّ حالٍ. واللهُ المستعانُ.

فإن قيلَ: كيف أجازَ الصَّحابة تَحْرِيقَه، وقد وردَ النَّهيُ عنِ التعذيبِ بالنارِ في قولِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ"

(1)

؟

قلنا: كَأنَّهم رَأَوُا ذلك لِعِظَم هذا الفِعل، وأنّ المقصودَ بتعذيبِ النارِ في الأمورِ الَّتي دونَ هذا، وإلَّا فقد وقعَ ذلك من أبي بكرٍ رضي الله عنه

(2)

، وعليّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، ومن هشام بن عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ، ثلاثة مِنَ الخُلَفَاء كلّهم اتَّفَقُوا عليه.

والراجِحُ أنَّ حَدَّه القتلُ في كُلِّ حالٍ، يَعْنِي: لو يَتَلَوَّط مَن له سبعَ عشْرةَ سنةً بِمَن له ستَّ عشْرةَ سنةً، قُتِلَا جميعًا، وإن كَانا غيرَ مُحْصَنَيْنِ، أو كانا مُحْصَنَيْنِ.

وقد وردَ في مواطنَ أُخْرَى منَ القُرآنِ الكريمِ أنَّ لُوطًا عليه السلام قالَ لقومِه: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الحجر: 71]، يَعْنِي: تَزَوَّجُوهُنَّ.

وبعضُ المُفَسِّرين قالُوا: {بَنَاتِي} يَعْنِي: بنات الأُمَّة؛ لأنَّ الرَّسُولَ أبٌ لِقَوْمِه،

(1)

أخرجه أبو داود: كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنار، رقم (2675).

(2)

ذم اللواط للآجري (ص: 58).

ص: 271

فيكنّ له بِمَنْزِلَة بناتِه. والَّذي دعاهم إلى هذا أنَّهم قالُوا: إن بناتِه مسلمات مُؤْمِنات، وهؤُلاءِ كفَّار، والكافرُ لا يتزوَّج بالمؤمنةِ.

فيُقال: الجواب عن هذا: إمَّا أنَّ شَريعتهم تُبيح ذلك، أو أنَّ مَعْنَى:{هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} يَعْنِي: فأَسْلِمُوا وتَزَوَّجُوهُنَّ.

وهذا في الحَقِيقَةِ كَأنَّه يقول: أنا أُحَافِظ على ضيوفي أكثر ممَّا أحافظ على أيّ شيْءٍ آخرَ، يَعْنِي: فإنّي أَحْمِيهم حتى إني أَتَنَازَلُ عن بناتي وتتزوجوهنّ؛ من أجل المحافظةِ على هؤُلاءِ المسلمينَ.

* * *

ص: 272