الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (44)
* * *
* قالَ اللهُ عز وجل: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44].
* * *
يقول: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ} أعوذُ باللهِ {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} . {حِبَالَهُمْ} يعني: الَّتِي يَسْحَرُون النَّاس بها، {وَعِصِيَّهُمْ} الَّتِي يسحرون النَّاس بِهَا، وهم يُلْقُون هَذِهِ الحبالَ وهذه العِصِيّ فتكون فِي أَعْيُن النَّاسِ ثَعابينَ وحيَّاتٍ، وأيضًا تَظْهَر بِمَظْهَر الكثرة وتملأ الواديَ، وهي حقيقةً ليستْ ثعابينَ وحيَّاتٍ، إذن السِّحرُ هُوَ حقيقة، وليس خيالًا.
والحِبال: جمعُ حبلٍ، والعِصِيّ: جمعُ عَصًا، وتلك الحبال والعِصِيّ يُلْقُونها لِيُوهِمُوا النَّاسَ بِسِحْرِهِم أَنَّهَا حيَّات وثعابِين، حَتَّى مُوسَى عليه الصلاة والسلام خاف وأوجسَ من هَذَا خِيفةً لَمّا رأى هَذِهِ الحيَّات والثعابين تُقبِل إليه، ولكن الله قال له فِي تلك الساعة:{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} [طه: 68 - 69]، وقالوا لَمّا أَلْقَوْها:{بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} والباء للسببيَّة، وعِزَّة فِرْعَوْن: غَلَبَتُه وقَهْرُه، وفي تقديمهم هنا للعزةِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُم لا يَعْتَزُّون بغيرِه، وأنَّهم لا يَرَوْنَ أنَّهم يَنْتَصِرون بِسِوَى عِزته.
والسِّحر حقيقةٌ، لكن باعتبارِ ما سُحِر بِهِ خيالٌ، حقيقةٌ لِأَنَّهُ أثّر فِي الرؤيةِ،
وأثّر بدلًا مِن أن يَرَى الْإِنْسَان هَذِهِ الحبالَ حِبَالًا وعِصِيًّا صار يراها ثعابينَ وحيَّاتٍ.
إذن فهذه حقيقةٌ، لكن بالنِّسبةِ لمِن يراهُ فليسَ مُتَغَيِّرًا عن حقيقتِه، فالحبالُ حبالٌ، والعِصِيّ عِصِيّ، ولو رآها مَن لم يَصِلْ إليه السِّحرُ لرآها حقيقةً: حِبَالًا وعِصِيًّا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل يُقْتُلُ العائنُ؟
فالجَواب: لا، الصَّحيحُ أَنَّهُ لا يقتلُ إلَّا إذا تَعَمَّدَ القتلَ، إذا قَالَ: أنا أقتلُ فلانًا.
فإذا أكّد يُحْبَس، وَهُوَ يجب حبسه عَلَى كل حالٍ، مثلما قال أهل العلم، ولكن الغريب أن هَذَا مشهورٌ فِي الزمنِ السابقِ بينَ النَّاسِ، والوُلاة أقوياءُ والأمراءُ أَقوى مركزًا من اليومِ، حَتَّى أمراء البُلدان، والقضاةُ موْجودونَ وكَلامُ الفقهاءِ أيضًا الحنابلة، فالمذهب أَنَّهُ يجب أن يُحْبَس هَؤُلَاءِ، ولكن مع ذلك ما فِي عُمُرنا سمِعنا أَنَّهُم حُبِسوا، وإلَّا لو حُبسوا لقلَّ الشرُّ.
وأمَّا إذا كَانَ ما قَصَدَ قَتْلَه ولكن ماتَ، فهذا خطأٌ، يَرْمُونَه بالدِّيَة، عَلَى أن بعض العلماء يقولون: لا يُقتل حَتَّى وإنْ كَانَ تعمَّد قتلَه؛ لِأَنَّ هَذَا السلاح سلاح خَفِيّ باطنٌ، وبعضهم قَالَ: يقتل بمثله بإيجاد واحد يحسده قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] لكن نخاف أن يُشَجِّع هَذَا الَّذينَ يصيبون الناس بالعين.
فإن قال قائل: فبِمَ يعالَج الْإِنْسَان إذا أُصيب بعينٍ؟
فالجَواب: بالقِراءَة، ويعالج بالحِسّ معالجةً حِسِّيَّة، فيُؤتَى بالعائنِ ويتوضأ، ويُؤخذ ما يتناثر منه، ويسقى عَلَى هذا، ويُرشّ بِهِ رأسُه من فوق عَلَى جهةِ ظَهره،
وبإذن الله يَبْرَأُ. وعند النَّاسِ شيْء لَيْسَ معروفًا فِي السنّةِ لكنَّه مُجَرَّب، أَنَّهُ يأخذ من ثِيابه التي تحمل من عرقه إن كانت طاقية أو غُترة أو (فنيلة) أو سروالًا، ويغسل، ويُؤخذ غُسالته ويشربه المصابُ، ويَنْتَفِعُ.
والعَيْنُ لا تأتي إلَّا عَلَى غَفْلَةٍ، وأكثر ما تأتي أيضًا مَن يخافُ منها.
إذن فالعلاج أَنَّهُ يتوضأ ويرش عَلَى بدنه؛ عَلَى الأعضاءِ زِيَادَةً عَلَى الوضوء.
ويَزْعُمُونَ أن الْإِنْسَانَ العائِنَ إذا صُلِّيَ عليه صلاةَ الجنازةِ أَنَّهُ يكفِّر، ولكن هَذَا لَيْسَ بصحيح.
والعَيْن مَنْشَؤُها الحسدُ، ولهذا قيل فِي قوله تعالى:{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5]: العائن إذا عان.
الله يرحمه شيخنا، كَانَ يدرسنا باللَّيلِ بينَ العشاءينِ، ومرَّت الطيورُ هَذِهِ الَّتِي تَصِيح باللَّيل، وأظنُّها يسمونها البطّ، ورفعت رأسي، فقال هو: إن صَيدَ العلمِ أفضلُ - أو خيرٌ - من صيدِ الطيورِ! وَهُوَ صحيحٌ ما فيه شكّ، وأنا أَجزِم جَزمًا أن الْإِنْسَان الَّذِي يَلْتَفِت يقينًا (بيروح)، وَهُوَ ما يَلْتَفِت إلا مُؤْتَمِرًا بأمرِ قلبِه، لا يمكن أنْ يلتفتَ إلا بهذا.
وقولهم: {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} أكَّدوها بـ (إنّ) واللامِ؛ لأنَّهم يَعْتَقِدُون تلكَ الساعةَ أَنَّهُ لا أحدَ أقوَى مِن فِرْعَوْنَ، وأنَّهم بِعِزَّتِهِ سَيَغْلِبُون لا مَحَالةَ، ولهذا أكَّدوها بقولهم:{إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} ، وأتَوْا بالجُملةِ الإسْميَّة إشارةً إِلَى أن هَذِهِ الغَلَبَة ستدومُ وتستمِرُّ؛ لِأَنَّ الجُملةَ الإسْميَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثبوتِ والإستقرارِ والدوامِ.
وفي قولهم: {إِنَّا لَنَحْنُ} إذا أَعْرَبْنَا (نحن) ضميرَ فصلٍ ففيه ما يُستفادُ من