الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات (214 - 216)
* * *
* قال اللهُ عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 214 - 216].
* * *
قال المُفسِّر رحمه الله: [{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ، وَقَدْ أَنْذَرَهُمْ جِهَارًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
(1)
وَمُسْلِمٌ
(2)
، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ] أَلِنْ جَانِبَكَ {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} المُوَحِّدِينَ، {فَإِنْ عَصَوْكَ} عَشِيرَتُكَ {فَقُلْ} لَهُمْ:{إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} مِنْ عِبَادَة غَيْرِ اللهِ].
قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وهم جماعاتٌ من بني المطَّلِب، قال المُفسِّر رحمه الله:[وقد أَنْذَرَهُمْ جِهارًا، رواه البخاريُّ ومسلمٌ]، وهذا في أوّل الدعوة، أُمِر أنْ يُنْذِرَ عَشيرته الأقربينَ؛ لأنَّهم أحقُّ النَّاسِ بِبِرِّهِ، ولأنَّهم بِمُقْتَضَى القَرابة، لا بِمُقتضى الواقعِ، أقربُ النَّاسِ إلى الإيمانِ به، ولأنَّهم أيضًا بمقتضى القرابةِ هم أشدُّ النَّاسِ غَيْرَةً عليه، ولأنَّهم أيضًا بصِلة القرابةِ هم أعظمُ النَّاسِ حقًّا عليه.
فلذلك الإِنْسان مسؤولٌ عن أهلِهِ أكثرَ مما هو مسؤولٌ عنِ الأجانبِ، ومسؤولٌ عنِ القُرْبَى أكثر مما هو مسؤولٌ عمَّن هو ممَّن ليس بينه وبينه قرابةٌ.
(1)
كتاب تفسير القرآن، باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، رقم (4771).
(2)
كتاب الإيمان، باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، رقم (206).
وقَوْلهُ: {الْأَقرَبِينَ} اسمُ تفضيلٍ، فيَقْتَضِي أنه ما دام أنَّ الحُكْم مُعَلَّق بالأقرب، أنه كلَّما كَان أقربَ كَان أَولى وأحقَّ.
وقول المُفَسِّر: [هم بنو هاشم وبنو المطَّلِب]، هذا ليس بصَحِيحٍ؛ إذْ لَيسوا كلّهم منَ الأقربِ، على أنَّ مِنهم من هو من الأقربِ بلا شَكّ، ومنهم مَن أجابَ ومنهم مَن لم يُجِبْ، وقدِ امتنعَ عنِ الإجابةِ عمُّه أبو لَهَبٍ، وهو من أقربِ النَّاسِ إليه؛ لأن "عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ"
(1)
، وامتنعَ عن الإجابةِ عمُّه أبو طالبٍ أيضًا، وهو صِنو أبيه، لكنَّ عمَّه أبا طالِبٍ وَالاهُ وناصَرَهُ، وعمه أبو لَهَبٍ عاداه وخَذَلَهُ، والعياذ بالله. وقد صار أمامَ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام ثلاثةُ أقسامٍ:
1 -
قِسْمٌ آمَنَ به.
2 -
وقسم نصَره ولم يؤمنْ به.
3 -
وقسم لم يؤمنْ به ولم يَنْصُرْه.
وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنَّهم لو نَاصَرُوه كلُّهم وآمنوا به، لقِيل: هذا رجلٌ يريدُ المُلْك والسِّيادة، ولهذا تَبِعَهُ أقاربُه، وهم متَّفِقون على هذه الخطَّة، ولكن من حِكمة الله أن الله تَعالى قدّمهم هذا التقديمَ.
وفي هذا دليلٌ على أَنَّه يجب على الإِنْسانِ أنْ يُرْشِدَ وَيعِظَ الأقربَ منه فالأقرب، وهو مسئولٌ سُؤالًا مباشِرًا بالنِّسبةِ إلى أهلِهِ.
قَوْلهُ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} قال المُفسِّر رحمه الله: [ألِنْ جَانِبَكَ، {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ} الموحِّدين]، والإنذارُ لِلْعَشيرة، وخَفْضُ الجَناحِ للمؤمنِ، سواء كَان
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، رقم (983).
من عشيرتِهِ أو ليسَ من عشيرتِهِ.
ففي هذا دليلٌ على أَنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ ألَّا يَتَعَاظَم على أحدٍ، لكن بالأخصّ للمؤمنِ، وأن يُلِينَ له جانبًا، لكن غير المؤمن لا يُلِين له جانبًا.
فإن قيل: كيف نقولُ: لا يُلِين للكافرِ جانبًا، بينما يقول الله تعالى:{فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّيِّنًا} [طه: 44]؟
قلنا: الآيةُ يُرادُ بها جانِبُ الدَّعوة.
وقَوْلُهُ: {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} في هذا دليلٌ على أنَّ تَحقيقَ الإيمانِ إنَّما يكونُ في اتِّباع الرَّسُول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لَمَّا قال: {وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ} ، فهو إذَا أنذرَ إمَّا أنْ يُتَّبَعَ وَإِمَّا ألّا يُتَّبَعَ.
قَوْلهُ: {فَإِنْ عَصَوْكَ} قال المُفَسِّر: [عَشِيرَتُكَ]، والأصحُّ هم أو غَيرُهم، قال:[{فَقُلْ} لهم: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} مِن عِبادَة غيرِ اللهِ]، ولم يقلْ:"بريء منكم"؛ لأنه لو قال: "مِنكم" لكَان هذا أشدَّ صدمةً، ولاحتملَ أن تكون هذه براءةً شخصيَّةً، وأيضًا يَحْصُل منهم النفورُ عن العملِ، لكنه لما قال:{إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} عَرَفُوا أن السَّبَبَ في البراءة العملُ، ولربما يكون ذلك سببًا لِئَنْ يَرْتَدِعُوا عنه، ولأجلِ أنْ يَنالوا الوَلاءَ دُون البَرَاء.
* * *