الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ
(الْأُجَرَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُشْتَرَكٌ وَخَاصٌّ، فَالْأَوَّلُ مَنْ يَعْمَلُ لَا لِوَاحِدٍ) كَالْخَيَّاطِ وَنَحْوِهِ (أَوْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا غَيْرَ مُؤَقَّتٍ) كَأَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِيَاطَةِ فِي بَيْتِهِ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِمُدَّةٍ كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لِغَيْرِهِ (أَوْ مُوَقِّتًا بِلَا تَخْصِيصٍ) كَأَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْعَى غَنَمَهُ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ كَانَ مُشْتَرَكًا، إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَلَا تَرْعَى غَنَمَ غَيْرِي وَسَيَتَّضِحُ.
وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: اسْتَأْجَرَ حَائِكًا لِيَنْسِجَ ثَوْبًا ثُمَّ آجَرَ الْحَائِكَ نَفْسَهُ مِنْ آخَرَ لِلنَّسْجِ صَحَّ كِلَا الْعَقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لَا الْمَنْفَعَةُ (وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرَكُ الْأَجْرَ حَتَّى يَعْمَلَ كَالْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ) كَفَتَّالٍ وَحَمَّالٍ وَدَلَّالٍ وَمَلَّاحٍ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ
ــ
[رد المحتار]
إلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ اهـ وَهَذِهِ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ صَحِيحِهَا وَفَاسِدِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهَا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى ضَمَانِ الْأَجِيرِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ ذَلِكَ بَلْ إثْبَاتَ الضَّمَانِ فَقَطْ لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ عِنْوَانُ الْبَابِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عِنْدَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْخَاصِّ طُورِيٌّ.
مَبْحَثٌ لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
(قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالسُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ تَقْدِيمِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْخَاصِّ دَوْرِيٌّ اهـ يَعْنِي لَوْ قَدَّمَ الْخَاصَّ لَتَوَجَّهَ السُّؤَالُ عَنْ سَبَبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِتَقْدِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَجْهًا؛ أَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَاصِّ مَعَ كَثْرَةِ مَبَاحِثِهِ، وَأَمَّا الْخَاصُّ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ مِنْ الْمُرَكَّبِ، لَكِنَّ تَقْدِيمَ الْمُشْتَرَكِ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ وَذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَكِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ بِمَا ذُكِرَ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ اخْتِيَارِ تَقْدِيمِ الْمُشْتَرَكِ كَمَا لَا يَخْفَى وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ سَعْدِيَّةٌ (قَوْلُهُ مَنْ يَعْمَلُ لَا لِوَاحِدٍ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِوَاحِدٍ عَمِلَ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا لِغَيْرِ وَاحِدٍ، بَلْ إذَا عَمِلَ لِوَاحِدٍ أَيْضًا فَهُوَ مُشْتَرَكٌ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) أَتَى بِهِ وَإِنْ أَغْنَتْ عَنْهُ الْكَافُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا اسْتِقْصَائِيَّةٌ فَافْهَمْ.
قَالَ الطُّورِيُّ: وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ الْمُشْتَرَكُ الْحَمَّالُ وَالْمَلَّاحُ وَالْحَائِكُ وَالْخَيَّاطُ وَالنَّدَّافُ وَالصَّبَّاغُ وَالْقَصَّارُ وَالرَّاعِي وَالْحَجَّامُ وَالْبَزَّاغُ وَالْبَنَّاءُ وَالْحَفَّارُ اهـ. (قَوْلُهُ وَسَيَتَّضِحُ) أَيْ فِي بَحْثِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ، لَكِنَّهُ هُنَاكَ أَحَالَ تَحْقِيقَهُ عَلَى الدُّرَرِ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -
(قَوْلُهُ وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى إلَخْ) أَرَادَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَحُكْمُهُمَا أَيْ الْمُشْتَرَكُ وَالْخَاصُّ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْعَمَلَ مِنْ أَشْخَاصٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ هُوَ الْعَمَلُ أَوْ أَثَرُهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَقَّةً لِوَاحِدٍ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَ مُشْتَرَكًا وَالْخَاصُّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي الْمُدَّةِ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالْأَجْرُ مُقَابَلٌ بِالْمَنَافِعِ وَلِهَذَا يَبْقَى الْأَجْرُ مُسْتَحَقًّا وَإِنْ نُقِضَ الْعَمَلُ اهـ.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ: يَعْنِي وَإِنْ نَقَضَ عَمَلَ الْأَجِيرِ رَجُلٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ النَّقْضُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا سَيَأْتِي
1 -
(قَوْلُهُ حَتَّى يَعْمَلَ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا، فَمَا لَمْ يُسَلِّمْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يُسَلِّمُ لَهُ الْعِوَضَ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ أَوْ أَثَرُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَمَلِ زَيْلَعِيٌّ وَالْمُرَادُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أُمُورٍ خَارِجِيَّةٍ؛ كَمَا إذَا عَجَّلَ لَهُ الْأَجْرَ أَوْ شَرَطَ
مُجْتَبَى (وَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْأَمَانَةِ بَاطِلٌ كَالْمُودَعِ (وَبِهِ يُفْتَى) كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَبِهِ جَزَمَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ.
ــ
[رد المحتار]
تَعْجِيلَهُ كَمَا فِي السَّعْدِيَّةِ، وَقَدَّمْنَاهُ أَوَائِلَ كِتَابِ الْإِجَارَةِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْأَجْرَ إذَا فَرَغَ وَسَلَّمَهُ فَهَلَكَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ يَسْقُطُ الْأَجْرُ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ، وَمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَحَمَّالٍ لَهُ الْأَجْرُ كَمَا فَرَغَ وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ. (قَوْلُهُ مُجْتَبَى) عِبَارَتُهُ: شَارَطَ قَصَّارًا عَلَى أَنْ يُقَصِّرَ لَهُ ثَوْبًا مَرْوِيًّا بِدِرْهَمٍ وَرَضِيَ بِهِ فَلَمَّا رَأَى الثَّوْبَ الْقَصَّارُ قَالَ: لَا أَرْضَى فَلَهُ ذَلِكَ وَكَذَا الْخَيَّاطُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَحَلِّ وَمَا لَا فَلَا، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ لِيَكِيلَ لَهُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ أَوْ يُحْجِمَ عَبْدَهُ فَلَمَّا رَأَى مَحَلَّ الْعَمَلِ امْتَنَعَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى عَمَلٍ فِي مَحَلٍّ هُوَ عِنْدَهُ جَائِزٌ وَمَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَلَا كَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ اهـ مِنَحٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قُبَيْلَ الْخَامِسِ
1 -
(قَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْهَلَاكَ إمَّا بِفِعْلِ الْأَجِيرِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إمَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ لَا. وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يُمْكِنَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَوْ لَا، فَفِي الْأَوَّلِ بِقِسْمَيْهِ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا. وَفِي ثَانِي الثَّانِي لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا وَفِي أَوَّلِهِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَ الْإِمَامِ مُطْلَقًا وَيَضْمَنُ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا. وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ مُصْلِحًا لَا يَضْمَنُ وَإِنْ غَيْرَ مُصْلِحٍ ضَمِنَ، وَإِنْ مَسْتُورًا فَالصُّلْحُ اهـ ح وَالْمُرَادُ بِالْإِطْلَاقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمُصْلِحُ وَغَيْرُهُ.
مَطْلَبٌ يُفْتَى بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ وَفِي الْبَدَائِعِ: لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ مَا هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَقَالَا يَضْمَنُ إلَّا مِنْ حَرْقٍ غَالِبٍ أَوْ لُصُوصٍ مُكَابِرِينَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ اهـ. قَالَ فِي الْخَيْرِيَّةِ: فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ كُلُّهَا مُصَحَّحَةٌ مُفْتًى بِهَا، وَمَا أَحْسَنَ التَّفْصِيلِ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَوْلُهُمَا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَبِهِ يُفْتَى احْتِشَامًا لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ: وَبِقَوْلِهِمَا يُفْتَى لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَبِهِ يَحْصُلُ صِيَانَةُ أَمْوَالِهِمْ اهـ.؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ رُبَّمَا يَدَّعِي أَنَّهُ سُرِقَ أَوْ ضَاعَ مِنْ يَدِهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ وَالتَّتِمَّةِ: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا فِي الْخَيْرِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَلِكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: وَفِي الْمُحِيطِ: الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً فَلَوْ فَاسِدَةً لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ حِينَئِذٍ تَكُونُ أَمَانَةً لِكَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ مَضْمُونَةً بِأَجْرِ الْمِثْلِ اهـ. قُلْتُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ الْهَالِكُ مُحْدَثًا فِيهِ الْعَمَلُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ لِلْحَدَّادِيِّ أَوْ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مَا يُحْدِثُ فِيهِ الْعَمَلُ، لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مُصْحَفًا يَعْمَلُ فِيهِ وَدَفَعَ الْغِلَافَ مَعَهُ أَوْ سِكِّينًا لِيَصْقُلَهُ وَدَفَعَ الْجَفْنَ مَعَهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الْمُصْحَفَ وَالْغِلَافَ وَالسَّيْفَ وَالْجَفْنَ؛ لِأَنَّ الْمُصْحَفَ وَالسَّيْفَ لَا يَسْتَغْنِيَانِ عَنْ الْغِلَافِ وَالْجَفْنِ، فَإِنْ أَعْطَاهُ مُصْحَفًا يَعْمَلُ لَهُ غِلَافًا أَوْ سِكِّينًا يَعْمَلُ لَهُ نِصَابًا فَضَاعَ الْمُصْحَفُ أَوْ السِّكِّينُ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِمَا بَلْ فِي غَيْرِهِمَا اهـ (قَوْلُهُ وَبِهِ جَزَمَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ) كَالْوُقَايَةِ وَالْمُلْتَقَى وَالْغُرَرِ وَالْإِصْلَاحِ، فَكُلُّهُمْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَإِنْ شَرَطَهُ.
وَأَمَّا الْقُدُورِيُّ وَالْهِدَايَةُ وَالْكَنْزُ وَالْمَجْمَعُ فَأَطْلَقُوا عَدَمَ الضَّمَانِ فَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ. (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ ضَمَانَهُ ضَمِنَ
وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ إنَّ الْأَجِيرَ مُصْلِحًا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ بِخِلَافِهِ يَضْمَنُ، وَإِنْ مَسْتُورَ الْحَالِ يُؤْمَرُ بِالصُّلْحِ عِمَادِيَّةٌ.
قُلْتُ: وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ؟ حُرِّرَ فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ نَعَمْ كَمَنْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّيَّةِ تَبْقَى الْإِجَارَةُ بِالْجَبْرِ
(وَ) يَضْمَنُ (مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ وَزَلِقِ الْحَمَّالِ وَغَرَقِ السَّفِينَةِ) مِنْ مَدِّهِ جَاوَزَ الْمُعْتَادَ أَمْ لَا بِخِلَافِ الْحَجَّامِ
ــ
[رد المحتار]
إجْمَاعًا ح. وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ، وَعَزَاهُ ابْنُ مَلِكٍ لِلْجَامِعِ (قَوْلُهُ وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ) أَيْ عَمَلًا بِالْقَوْلَيْنِ وَمَعْنَاهُ عَمِلَ فِي كُلِّ نِصْفٍ بِقَوْلٍ حَيْثُ حَطَّ النِّصْفَ وَأَوْجَبَ النِّصْفَ بَزَّازِيَّةٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى. قَالَ الزَّاهِدِيُّ: عَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَشَايِخَنَا بِخُوَارِزْمَ وَأَقَرَّهُ الْقُهُسْتَانِيُّ اهـ. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ والأوزجندي وَأَئِمَّةُ فَرْغَانَةَ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ إنْ الْأَجِيرُ مُصْلِحًا إلَخْ) عَزَاهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إلَى فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصُّلْحِ. (قَوْلُهُ حُرِّرَ فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ نَعَمْ) حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصِحُّ الصُّلْحُ جَبْرًا.
قُلْتُ: الْإِجَارَةُ عَقْدٌ يَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ بَقَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً أَوْ سَفِينَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً وَانْقَضَتْ مُدَّتُهَا فِي وَسْطِ الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ فَإِنَّهَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ بِالْجَبْرِ وَلَا يَجْرِي الْجَبْرُ فِي ابْتِدَائِهَا، وَهَذِهِ الْحَالَةُ حَالَةُ الْبَقَاءِ فَيَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مَذْكُورَانِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِالْحَرْفِ مَعَ زِيَادَةٍ فِي الْجَوَابِ، ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْبَزَّازِيَّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَبَعْضُهُمْ أَفْتَوْا بِالصُّلْحِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا: وَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ فِي الْعَوْنِ رُبَّمَا لَا يَقْبَلَانِ: أَيْ الْأَجِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ الصُّلْحَ فَاخْتَرْتُ قَوْلَ الْإِمَامِ، لِمَا قُلْنَا إنَّ الصُّلْحَ مَجَازٌ عَنْ الْحَطِّ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَأَئِمَّةُ سَمَرْقَنْدَ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الصُّلْحِ بِلَا جَبْرٍ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ فِي الْجَبْرِ وَعَدَمِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ حَطَّ النِّصْفَ وَأَوْجَبَ النِّصْفَ فَإِنَّ الْإِيجَابَ جَبْرِيٌّ وَالصُّلْحَ فِيهِ مَجَازٌ عَنْ الْحَطِّ كَمَا عَلِمْتَ، وَهَذَا قَوْلُ الْأُوزْجَنْدِيِّ وَأَئِمَّةُ خُوَارِزْمَ وَفَرْغَانَةَ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَئِمَّةِ سَمَرْقَنْدَ، فَمَا فِي الْمِنَحِ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ الْإِمَامَ ظَهِيرَ الدِّينِ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ مَهْجُورٌ، إلَّا أَنْ يَنْقُلَ الرُّجُوعَ عَنْ كُلِّ مَنْ قَالَ بِهِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ تَبْقَى الْإِجَارَةُ بِالْجَبْرِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكَافُ ط، وَبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَيَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْفَى بِالْمَنْفَعَةِ بَلْ بِالْمَضَرَّةِ. بَدَائِعُ، وَعَمَلُ أَجِيرِهِ مُضَافٌ إلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الْأَجِيرُ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرُ وَحْدٍ لَهُ مَا لَمْ يَتَعَدَّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ آخَرَ الْبَابِ. (قَوْلُهُ مِنْ دَقِّهِ) أَيْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَجِيرِهِ، فَلَوْ اسْتَعَانَ بِرَبِّ الثَّوْبِ فَتَخَرَّقَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ دَقٍّ فَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ يَنْبَغِي عَدَمُ الضَّمَانِ لِلشَّكِّ، وَعَنْ الثَّانِي يَضْمَنُ نِصْفَ النُّقْصَانِ كَمَا لَوْ تَمَسَّكَ بِهِ لِاسْتِيفَاءِ الْأَجْرِ فَجَذَبَهُ صَاحِبُهُ فَتَخَرَّقَ حَمَوِيٌّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مُلَخَّصًا.
قَالَ فِي التَّبْيِينِ: ثُمَّ صَاحِبُ الثَّوْبِ إنْ شَاءَ ضَمِنَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَجْرَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَهُ مَعْمُولًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ ط مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَزَلَقِ الْحَمَّالِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُرَادُ الْحَمَّالُ عَلَى ظَهْرِهِ مَثَلًا، أَمَّا بِالْجِيمِ فَعَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ جَمَلُ الْجَمَّالِ. قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى: أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ زَحْمَةِ النَّاسِ، فَلَوْ مِنْهَا لَمْ يَضْمَنْ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. قَالَ: وَكَذَا يَضْمَنُ لَوْ سَاقَ الْمُكَارِي دَابَّتَهُ فَعَثَرَتْ فَسَقَطَتْ الْحُمُولَةُ اهـ وَكَذَا يَضْمَنُ بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ الَّذِي يَشُدُّ بِهِ الْمُكَارِي كَمَا فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى، وَلَوْ كَانَ الْحَبْلُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ فَانْقَطَعَ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي التتارخانية: وَفِي الْبَدَائِعِ: وَكَذَا يَضْمَنُ الرَّاعِ الْمُشْتَرَكُ إذَا سَاقَ الدَّوَابَّ عَلَى السُّرْعَةِ فَازْدَحَمَتْ عَلَى الْقَنْطَرَةِ أَوْ الشَّطِّ فَدَفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا فَسَقَطَتْ فِي الْمَاءِ أَوْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ بِسَوْقِهِ أَوْ ضَرْبِهِ وَلَوْ مُعْتَادًا. (قَوْلُهُ وَغَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ) قَيَّدَ بِالْمَدِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ غَرِقَتْ مِنْ رِيحٍ أَوْ مَوْجٍ أَوْ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهَا أَوْ صَدْمِ جَبَلٍ فَهَلَكَ مَا فِيهَا لَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ رحمه الله.
قُلْتُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ مَا سَارَتْ السَّفِينَةُ قَبْلَ الْغَرَقِ بِحَاسِبِهِ وَفُرُوعُ الْمَذْهَبِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ اهـ
وَنَحْوِهِ كَمَا يَأْتِي عِمَادِيَّةٌ.
وَالْفَرْقُ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ عَلَى خِلَافِ مَا بَحَثَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فَتَأَمَّلْ، لَكِنْ قَوَّى الْقُهُسْتَانِيُّ قَوْلَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فَتَنَبَّهْ.
وَفِي الْمُنْيَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمُعْتَادَ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ غَيْرُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ. وَفِيهَا حَمَلَ رَبُّ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَرَكِبَهَا فَسَاقَهَا الْمُكَارِي
ــ
[رد المحتار]
سَرِيُّ الدِّينِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَمْ يُوجَدْ تَسْلِيمٌ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لِلْمُشْتَرَكِ إلَّا بِهِ فَتَأَمَّلْ ط. (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) كَالْبَزَّاغِ وَالْفَصَّادِ. (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا) حَاصِلُهُ أَنَّ بِقُوَّةِ الثَّوْبِ وَرِقَّتِهِ يُعْلَمُ مَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ الدَّقِّ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْقَصْدِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى قُوَّةِ الطَّبْعِ وَضَعْفِهِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ الْجَرْحِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالسَّلَامَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ اهـ ح. (قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ مَا بَحَثَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ) حَيْثُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ عَمَلًا جَاوَزَ فِيهِ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَجَّامِ اهـ ح (قَوْلُهُ لَكِنْ قَوَّى الْقُهُسْتَانِيُّ) حَيْثُ قَالَ بَلْ يَضْمَنُ بِعَمَلِهِ مَا هَلَكَ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ كَالدَّقِّ الْمُخْرِقِ لِلثَّوْبِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَادٍ بِالضَّرُورَةِ وَلِذَا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الْعَمَلَ بِهِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ بَطَلَ تَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا فِي الْكَافِي أَنَّ قُوَّةَ الثَّوْبِ وَرِقَّتِهِ مَثَلًا تُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ التَّقْيِيدُ بِالْمُصْلِحِ اهـ ح.
أَقُولُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُتْلِفٍ يَكُونُ غَيْرَ مُعْتَادٍ فَلَا يَصِحُّ تَقْيِيدُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ بِقَوْلِهِ عَمَلًا غَيْرَ مُعْتَادٍ وَيَبْقَى مُخَالِفًا لِمَا فِي الْكَافِي الْمُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتْلِفَ قَدْ يَكُونُ مُعْتَادًا. هَذَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَأَنَّ الْكُلَّ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُتْلِفَ لِلثَّوْبِ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ نَحْوُ الْحَجَّامِ ضَمَانُهُ مُقَيَّدًا بِغَيْرِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْمُعْتَادِ أَرَادُوا التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ نَحْوَ الْقَصَّارِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهَذَا الْقَيْدِ لِيُفِيدُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فِي نَحْوِ الثَّوْبِ لَا يَظْهَرُ لَنَا إلَّا بِالْإِتْلَافِ، فَحَيْثُ كَانَ مُتْلِفًا عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَيَضْمَنُ لِتَقْصِيرِهِ فَإِنَّ الْمَاهِرَ فِي صَنْعَتِهِ يُدْرِكُ الْمُتْلِفَ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَجَّامِ فَإِنَّ لِعَمَلِهِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا فَإِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْهُ لَا يَضْمَنُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ بِمَهَارَتِهِ فَأُنِيطَ الضَّمَانُ عَلَى مُجَاوَزَتِهِ الْمَحَلَّ الْمَخْصُوصَ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ مُتْلِفٍ فِي عَمَلٍ نَحْوُ الْقَصَّارِ خَارِجٌ عَنْ الْمُعْتَادِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ بِالِاجْتِهَادِ بِالنَّظَرِ فِي آلَةِ الدَّقِّ وَمَحَلِّهِ وَإِرْسَالِ الْمِدَقَّةِ عَلَى الْمَحَلِّ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَمِلُهُ مَعَ الْحَذَاقَةِ فِي الْعَمَلِ، وَعِنْدَ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ لَا يَحْصُلُ الْفَسَادُ فَلَمَّا حَصَلَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُقَصِّرٌ وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَيْسَ بِعُذْرٍ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي التَّعْبِيرِ مُسَامَحَةٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَتَنَبَّهْ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى الضَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ ضِمْنًا.
مَطْلَبٌ ضَمَانُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ وَحَاصِلُ مَا فِي الطُّورِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ ضَمَانَ الْمُشْتَرَكِ مَا تَلِفَ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ فِي قُدْرَتِهِ رَفْعُ ذَلِكَ فَلَوْ غَرِقَتْ بِمَوْجٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ صَدْمَةِ جَبَلٍ لَا يَضْمَنُ وَأَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْعَمَلِ مُسْلَمًا إلَيْهِ بِالتَّخْلِيَةِ، فَلَوْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ لَا يَضْمَنُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُضَمْنَ بِالْعَقْدِ فَلَا يُضْمَنُ الْآدَمِيُّ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمُعْتَادَ) وَلَمْ يَتَعَمَّدَ الْفَسَادَ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَكَانَ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَفَادَهُ الْمَكِّيُّ ط
1 -
(قَوْلُهُ وَرَكِبَهَا إلَخْ) وَكَذَا إذَا كَانَ هُوَ وَالْمُكَارِي رَاكِبَيْنِ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ سَائِقَيْنِ وَقَائِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَتَاعَ فِي أَيْدِيهِمَا فَلَمْ يَنْفَرِدْ الْأَجِيرُ بِالْيَدِ. وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا سُرِقَ مِنْ رَأْسِ الْحَمَّالِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ يَمْشِي مَعَهُ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخِلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
فَعَثَرَتْ وَفَسَدَ الْمَتَاعُ لَا يَضْمَنُ إجْمَاعًا وَقَدَّمْنَا.
قُلْتُ عَنْ الْأَشْبَاهِ مُعَزِّيًا لِلزَّيْلَعِيِّ: إنَّ الْوَدِيعَةَ بِأَجْرٍ مَضْمُونَةٌ فَلْيُحْفَظْ (وَلَا يَضْمَنُ بِهِ بَنِي آدَمَ مُطْلَقًا مِمَّنْ غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ أَوْ سَقَطَ عَنْ الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ بِسُوقِهِ أَوْ وُقُودِهِ) ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَضْمَنُ بِالْعَقْدِ بَلْ بِالْجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ لِإِذْنِهِ فِيهِ (وَإِنْ انْكَسَرَ دَنٌّ فِي الطَّرِيقِ) إنْ شَاءَ الْمَالِكُ (ضَمَّنَ الْحَمَّالَ قِيمَتَهُ فِي مَكَانِ حَمْلِهِ وَلَا أَجْرَ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَأَجْرُهُ بِحِسَابِهِ) وَهَذَا لَوْ انْكَسَرَ بِصُنْعِهِ وَإِلَّا بِأَنْ زَاحَمَهُ النَّاسُ فَانْكَسَرَ فَلَا ضَمَانَ خِلَافًا لَهُمَا.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ وَبِزَاغِ) أَيْ بَيْطَارٍ (وَفِصَادٍ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ، فَإِنْ جَاوَزَ) الْمُعْتَادَ (ضَمِنَ الزِّيَادَةَ كُلَّهَا إذَا لَمْ يَهْلَكْ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (وَإِنْ هَلَكَ ضَمِنَ نِصْفَ دِيَةِ النَّفْسِ) لِتَلَفِهَا بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَتَنَصَّفُ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
ــ
[رد المحتار]
الْمَتَاعِ، وَقَالُوا: إذَا كَانَ الْمَتَاعُ فِي سَفِينَتَيْنِ وَصَاحِبُهُ فِي إحْدَاهُمَا وَهُمَا مَقْرُونَتَانِ أَوْ لَا إلَّا أَنْ سَيَّرَهُمَا وَحَبَسَهُمَا جَمِيعًا لَا يَضْمَنُ الْمَلَّاحُ، وَكَذَا الْقِطَارُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُمُولَةٌ وَرَبُّهَا عَلَى بَعِيرٍ أَنَّ الْمَتَاعَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ الْحَافِظُ لَهُ بَدَائِعُ، وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي قَرِيبًا. (قَوْلُهُ وَقَدَّمْنَا) أَيْ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ أَرَادَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْمُودِعَ بِأَجْرٍ يُخَالِفُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَضْمَنُ إلَخْ كَمَا فَعَلَ الزَّيْلَعِيُّ. وَذَكَرَ الْفَرْقَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ الْعَمَلُ وَالْحِفْظُ وَاجِبٌ تَبَعًا بِخِلَافِ الْمُودِعِ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مَقْصُودٌ بِبَدَلٍ.
أَقُولُ: وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ بَاطِلٌ بِهِ يُفْتَى اهـ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: دَفَعَ إلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ وَاسْتَأْجَرَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ إذَا تَلِفَ لَا أَثَرَ لَهُ فِيمَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْحَمَّامِيَّ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الْأَجْرِ لِلْحِفْظِ وَالثِّيَابِيُّ كَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ اهـ. (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَقِيلَ عَدَمُ الضَّمَانِ إذَا كَانَ كَبِيرًا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَيَرْكَبُ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَتَاعِ ط عَنْ الْمَكِّيِّ (قَوْلُهُ بَلْ بِالْجِنَايَةِ) وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَضَمَانُ الْعُقُودِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ ابْنُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ لِإِذْنِهِ فِيهِ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَصِيلًا أَوْ وَلِيًّا لِعَبْدٍ أَوْ صَغِيرٍ. (قَوْلُهُ وَإِنْ انْكَسَرَ دَنٌّ إلَخْ) فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى: حَمَلَ مَتَاعًا وَصَاحِبُهُ مَعَهُ فَعَثَرَ وَسَقَطَ الْمَتَاعُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ عِثَارَهُ جِنَايَةُ يَدِهِ: اسْتَأْجَرَ حُمُولَةً بِعَيْنِهَا وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ فَسَاقَ الْمُكَارِي فَعَثَرَتْ الدَّابَّةُ ضَمِنَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ أَفْسَدَهُ بِيَدِهِ اهـ وَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَلَعَلَّهُ اخْتِلَافُ رِوَايَةٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا سَاقَهَا بِعُنْفٍ تَأَمَّلْ: ثُمَّ رَأَيْتُ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ فَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ رَاكِبًا عَلَيْهَا فَعَثَرَتْ مِنْ سَوْقِ الْأَجِيرِ لَا يَضْمَنُ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ يَسِيرُ خَلْفَهَا مَعَ الْأَجِيرِ فَيَضْمَنُ وَتَمَامُهُ فِيهَا (قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ) قَيَّدَ بِهِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنْ حَمَلَهُ إلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ ثُمَّ أَنْزَلَهُ الْحَمَّالُ مِنْ رَأْسِهِ وَصَاحِبُ الزِّقِّ فَوَقَعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا ضَمِنَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يَضْمَنُ. (قَوْلُهُ بِصُنْعِهِ) يَشْمَلُ مَا لَوْ زَلِقَتْ رِجْلُهُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ غَيْرِهِ فَسَقَطَ وَفَسَدَ حَمْلُهُ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ فَلَا ضَمَانَ) ؛ لِأَنَّ الْمَتَاعَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ فِي مَوْضِعِ الْكَسْرِ بِلَا خِيَارٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ زَحَمَهُ النَّاسُ حَتَّى فَسَدَ لَمْ يَضْمَنْ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَعْنَى الْحَرْقِ الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ الْحَمَّالُ هُوَ الَّذِي زَاحَمَ النَّاسَ ضَمِنَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ اهـ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ أَيْ بَيْطَارٍ) فَهُوَ خَاصٌّ بِالْبَهَائِمِ. (قَوْلُهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ) أَيْ وَكَانَ بِالْإِذْنِ. قَالَ فِي الْكَافِي: عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ نَاطِقَةٌ بِعَدَمِ التَّجَاوُزِ وَسَاكِتَةٌ عَنْ الْإِذْنِ، وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاطِقَةٌ بِالْإِذْنِ