الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني عشر حكم العقل بأمر على أمر
حكم العقل بأمر على أمر: إما غير جازم والاحتمالات إما مستوية فهو الشك، أو بعضها راجح والراجح هو الظن والمرجوح وهم، والجازم إما غير مطابق وهو الجهل المركب، أو مطابق وهو إما لغير موجب وهو التقليد أو لموجب وهو إما عقل وده فإن
استغنى عن الكسب فهو البديهي وإلا فهو النظري، أو حس وحده وهو المسحسوسات الخمس أو مركب منهما وهو المتواترات والتجريبات والحسيات والوجدانيات أشبه بالمحسوسات، فتندرج معها في الحكم.
الشك اسم لاحتمالين فأكثر مستوية، فسماه مركب ومسمى الظن والوهم بسيط، لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للاحتمال المرجوح، والجهل المركب سمي بذلك لتركبه من جهلين؛ فإنه يجهل ويجهل أنه يجهل كأرباب البدع والأهواء، فإنهم يجهلون الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لهم أنتم عالمون أو جاهلون؟ قالوا عالمون، فقد جهلوا جهلهم، فاجتمع لهم جهلان فيه فسمي جهلاً مركباً. وقد جمع المتنبي ثلاث جهالات في بيت حيث قال:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله
…
ويجهل علمي أنه بي جاهل
وكذلك كل من اعتقد في رجل أنه صالح وهو طالح، أو طالح وهو صالح وكل من اعتقد شيئاً على خلاف ما هو عليه، والجهل المركب يقابله الجهل البسيط، وهو أن يجهل ويعلم أنه يجهل، كما إذا قيل له أنت تعلم عدد شعر رأسك أو تجهله؟ يقول أجهله، فإذا قيل له فأنت تعلم أنك جاهل بذلك؟ يقول نعم. وهذه العبارة لا تجمع الجهل المركب كله؛ فقد يدخل الجهل المركب في التصورات، فإن من تصور الحقائق على خلاف ما هي عليه فهو جاهل جهلاً مركباً، كمن يتصور الإنسان أنه الحيوان
فقط، وإذا طابق الحكم بغير موجب فهو تقليد؛ كما يعتقد عوام المسلمين قواعد عقائدهم عن أئمتهم، فإذا سئلوا عن أدلة تلك القواعد لا يعلمون أدلتها.
فالتقليد هو أخذ القول من قائله من غير مستند وقد يكون مطابقاً كما تقدم، وغير مطابق كتقلد عوام الكفار وأهل الضلال لرؤسائهم وأحبارهم.
والعقلي المستغني عن الكسب كقولنا الواحد نصف الاثنين، فإن تصور المحكوم به والمحكوم عليه كاف في الجزم بإسناد أحدهما إلى الآخر، فهذا بديهي من التصديقات والبديهي من التصورات هو الغني عن الحدود والاكتساب بها، كأحوال النفس من جوعها وعطشها وألمها ولذاتها وغير ذلك، فإن هذه الحقائق ضرورية للبشر ولا يحتاج في معرفتها لتعلم ولا كسب بحد، بخلاف تصور معنى الحكم الشرعي والحقائق الخفية، فيحتاج فيها للحدود والرسوم الضابطة لها، وكذلك ما احتاج من التصديقات للكسب بالأدلة والبراهين فهو كسبي نحو حدوث العالم وكون الواحد عشر سدس الستين، وجميع المطالب المحتاجة للفكر، والعلوم الحسية هي العلوم المتفادة عن الحواس الخمس، وهي كلها في الرأس،
فأربعة خاصة به، وواحد يتعداه إلى غيره وهو اللمس، والمختصة السمع والبصر والذوق والشم.
فائدة: قال بعض اللغوين قولهم محسوسات لحن فإن الفعل المأخوذ من الحواس رباعي تقول أحس زيد بكذا، قال الله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر. وأما حس الثلاثي فله ثلاثة معان أخر، تقول العرب حسه إذا قتله، وحسه إذا مسحه، ومنه حس الفرس، وحس إذا ألقى عليه الحجارة المحماة لينضج، فهذه الثلاثة يقول للمفعول فيها محسوس، وأما الحواس فمحس مثل مكرم ومعطى، وجميع الأفعال الرباعية فيكون جمعها محسات بضم الميم لا محسوسات، غير أن أكثر اللغويين يتوسعون في هذا الباب، ووقعت هذه العبارة لجمع كثير من الفضلاء كابي علي وغيره، وكأنهم نحوا بها نحو معلومات لاشتراك الجمع في الإدراك.
فائدة: قال بعض الفضلاء: هذا معنى قول العرب ضربت أخماسي في أسداسي، أي فكرت بحواسي الخمس في جهات الست لأن الجمع ست: فوق وأسفل وقدام
وخلف ويمنة ويسرة، ولقد أحس الحريري وأوجز حيث جمعها في بيت من الشعر في الملحمة حيث قال:
ثم الجهات الست فوق وورا
…
ويمنة وعكسه بلا مرا
فأخذ كل جهة وترك ضدها ليتنبه السامع له، وبقي معه بقية في البيت لا يحتاجها فخشاها بقوله بلا مرا، وقيل ليس من هذا بل من إظماء الإبل، والأخماس والأسداس ترجع إلى أيام ورودها للماء لخمس أو سدس، فإذا وقعت المغالطة من الراعي ضرب الخمس في السدس وأخرها عن شربها (1) . ووجه تركب المستند في المتواترات من الحس والعقل أنه لا بد من سماع أخبار جماعة عن الأمر المتواتر فهذا حظ السمع، ثم إن قال العقل هؤلاء يستحيل تواطؤهم عن الكذب حصل العلم فهذا حظ العقل، وإن لم يقل ذلك لم يحصل العلم، وكذلك التجريبات وتسمى المجربات أيضاً نحو كون الليمون حامضاً والصبر مراً والتمر حلواً ونحو ذلك، فإن أول مرة يباشر الحس ذلك النوع يجوز
العقل أن يكون ذلك الفرد من ذلك النوع أصابه عارض أوجب له ذلك، كما توجد المرارة في بعض أفراد الفقوس والخيار والنوع في نفسه ليس كذلك، فإن كثرت تكرار ذلك على الحس والعقل قال العقل عند حد من الكثرة في التكرار: كلي ليمونة حامضة وكل تمرة حلوة، فهذه المقدمة هي نصيب العقل لا بد منها، وعندما يحصل العلم، وكذلك الحدسيات كنقد الفضة ونضج الفاكهة فإن البصر يدرك أول مرة الدرهم الرديء فلا يعرفه، فيقال له إنه رديء فيتأمله ويتكرر ذلك عليه كثيراً حتى يحصل عند العقل قرائن لا يمنك التعبير عنها، فيقول لأجلها كل ما كان كذا فهو درهم رديء.
فهذه المقدمة هي تصيب العقل، وعندها يحصل العلم، واشتركت المتواترات والحدسيات والمجريات في أن أول مرة ربما حصل الشك وعند التكرار الظن، وبعد ذلك قد
(1) وأصل ذلك أن شيخاً كان في إبله ومعه أولاده رجالاً يرعونها قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم ارعوا إبلكم ربعاً فرعوا ربعاً نحو طريق أهلهم. فقالوا لو رعيناها خمساً فزادوا يوماً قبل أهلهم. فقالوا لو رعيناها سدساً؛ ففطن الشيخ لما يريدون فقال ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ما همتكم رعيها إنما همتكم أهلكم، وأنشأ يقول:
…
وذلك ضرب أخماس أراه
…
لأسداس عسى أن لا تكونا
يحصل العلم وقد لا يحصل، وأنها تحتاج للحس والعقل، غير أن الفرق بينها أن المتواترات تختص بالأخبار والحدسيات تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، والمجربات لا تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، فإذا قال لك أحد أن معي مسك هي هو عطر أم لا؟ قلت هو عطر، أو معي ليمونة هل هي حامضة أم لا؟ قلت هي حامضة، أو معي حنظلة هل هي مرة أم لا؟ قلت مرة، من غير احتياجك إلى نظر في ذلك الفرد، أما لو قال لك معي درهم هل هو جيد أم لا؟ قلت حتى أنظر غليه. أو معي رمانة هل هي نضيجة أم لا؟ قلت حتى أنظر إليها. أو عندي رجل هل هو شجاع أو جبان؟ قلت حتى أنظر إليه. فهذا هو الفرق بينها.
سؤال: يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب وليس كذلك، بل هو عقلي، فإن الحس إذا شاهد الصنعة قال لها صانع، فقد اجتمع الحس والعقل، ولو فقد أحدهما لم يحصل العلم.
جوابه: إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية، والفرق بينه وبين المجربات والحدسيات من وجوه: الأول إن هذا عقلي وتلك عادية، وثانيها هذا يكفي فيه مطلق المشاهدة، وتلك لا بد فيها من التكرار، وثالثها إن هذا يكون في مادة الوجوب وتلك في مادة الإمكان. وإنما كانت الوجدانيات أشبه بالحسيات لأن الحس لا يدرك إلا جزئياً فلا يسمع كل صوت ولا يمكن أن يذوق كل طعم ولا يلمس كل لبونة أو حرارة، بل فرداً خاصاً من ذلك النوع، فمدركات الحس أبداً جزئية، والعقل هو المدرك للأمور الكلية فهو الذي يقول كل مسك عطر وكل ليمونة حامضة؛ فمدركات العقول كليات ومدركات الحواس جزئيات، والوجدانيات أمور جزئية فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوع ولا كل عطش، بل فرد من ذلك، فهي جزئية وليست حسية لأن من فقد حواسه كلها وجد ألمه، وليست عقلية لأنها
جزئية، فلذلك ألحقها العلماء بالحسيات دون العقليات، وهي قبيل قائم بذاته غيرهما.
فائدة: اختلف العلماء هل الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك أو كالطاقات؟ فقيل كالحجاب، والحواس تدرك أولاً ويحصل لها العلم ثم تؤدي تلك العلوم الجزئية