الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس في حكمه بعد التخصيص
لنا وللشافعية والحنفية في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجازاً قولان، واختار الإمام وأبو الحسين التفصيل بين تخصيصه بقرينة مستقلة عقلية أو سمعية، فيكون مجازاً، وبين تخصصه بالمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، فيكون حقيقة.
الحق أنه مجاز لأنه وضع للعموم واستعمل في الخصوص، فقد استعمل في غير موضوعه، واللفظ المستعمل في غير موضوعه مجاز إجماعاً.
حجة كونه حقيقة أن لفظ المشركين إذا أريد به الحربيون فقط، والحربيون مشركون قطعاً، فيكون اللفظ مستعملاً في موضوعه فيكون حقيقة.
جوابه: أن الحربيين مشركون، غير أن صيغة العموم لم توضع لمفهوم مشركين، بل وضعت للكلية التي هي كلّ فرد فرد، وبحيث لا يبقى فرد، وهذه الكليّة لم يستعمل اللفظ فيها بل في غيرها فيكون مجازاً.
حجة التفريق أن القرينة المتصلة لا تستقل بنفسها، فإن الاستثناء والشرط والصفة لفظ لا يستقل. وقاعدة العرب أن اللفظ المستقل إذا تعقبه ما لا يستقل بنفسه صيره مع اللفظ المستقل كلفظة واحدة، ولا يثبتون للأول حكماً إلاّ به فيكون المجموع حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، حتى قال القاضي وجماعة إن الثمانية لها عبارتان (1) ثمانية، وعشرة إلاّ اثنين، وتقول الحنفية الاستثناء تكلُّم بالباقي بعد الثُّنيا ومرادهم ما ذكرناه، وأما التخصيص المنفصل كنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النسوان والصبيان بعد الأمر بقتل المشركين، ونهيه عليه الصلاة والسلام
(1) في الأصل: لها امتياران.
عن بيع الغرر، بعد قوله تعالى:«وأحل الله البيع» (1) ، فهذه لأجل استقلاله يستحيل جعله مع الأصل كلاماً واحداً، فيتعين أن اللفظ الأوّل استعمل في غير موضوعه فيكون مجازاً.
وجوابه: أن جعل غير المستقل مع الأصل كلاماً واحداً غير صحيح، فإن (إلاّ) للإخراج إجماعاً واشتقاقاً من الثَّنْي وهو فرع وجود شيء يرجع ويثنى عليه ومتى جعل الجميع كلاماً واحداً بطل هذا كله، بل الحق أن كلام أخرج منه كلام. نعم معنى الكلام الأوّل لا يستقر حتى بتعقبه السكوت، وعدم استقرار حكم الأوّل لا يصيره جزء كلام، ثم إن هذا إذا سلم يتأتى في المخصص اللفظي المتصل وهو لا يتأتى في المخصص العقلي؛ فإن العقلي مستقل.
وهو حجة عند الجميع إلاّ عيسى بن أبان وأبا ثور، وخصص الكرخي التمسك به إذا خصص بالمتصل، وقال الإمام فخر الدين إن خصص تخصيصاً إجمالياً نحو قوله هذا العام مخصوص فليس بحجة، وما أظنه يخالف في هذا التفصيل.
لنا أنه وضع للاستغراق ولم يستعمل فيه فيكون مجازاً ومقتضياً لثبوت الحكم لكل أفراده، وليس البعض شرطاً في البعض، وإلا لزم الدور، فيبقى حجة في الباقي بعد التخصيص.
كونه حجة هو الصحيح، وقد قيل ما من عام إلاّ وقد خص إلاّ قوله تعالى:«والله بكل شيء عليم» وروى ذلك عن ابن عباس، وحينئذ لا يبقى حجة في جميع عمومات الكتاب والسنة، وذلك تعطيل للاستدلال.
حجة عيسى بن أبان بأن حقيقة اللفظ هي الاستغراق وهو غير مراد، وإذا خرجت الحقيقة عن الإرادة لم يتعين مجاز يحمل اللفظ عليه، إذ ليس البعض أولى من البعض، فيتعين الإجمال، فسقط الاستدلال.
(1) 173 آل عمران.
جوابه: هذا إنّما يصح إذا كان المجاز أجنبياً عن الحقيقة كالأسد إذا لم تكن الحقيقة فيه مراده، وليس بعض الشجعان، أولى من بعض فيتعين الإجمال، أما المجاز في العام المخصوص فمتعين لأنه ليس أجنبياً بل محرر التجوز ما بقي بعد التخصيص فلا إجمال.
وأما مستند الكرخي في التفصيل، فهو بناء منه على أن المخصص المتصل يصير مع الأصل حقيقة فيما بقي، والحقيقة حجة والمخصص المنفصل لا يمكن جعله حقيقة مع الأصل، فيتعين المجاز والإجمال.
وجوابه ما تقدم.
وأما تفصيل الإمام فخر الدين فليس تفصيلاً في التحقيق بل راجع إلى القول بأنه حجة، فإن الله تعالى إذا قال:«اقتلوا المشركين» ثم قال حرمت عليكم طائفة معينة لا أعينها لكم، فلا شك أنا نتوقف عن القتل قطعاً حتى نعلم الواجب قتله من المحرم قتله، وهذا لا يتصور فيه الخلاف، بل هذا تفريع على أنه بعد التخصيص حجة إلاّ أن يكون التخصيص إجمالياً.
وقولي ليس البعض شرطاً في البعض هذه حجة الإمام في المحصول، وبسطها أن ثبوت الحكم في البعض الباقي بعد التخصيص إما أن يتوقف على ثبوته في البعض المخرج أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف كان حجة فيما بقي، فإن عدم ما لا يتوقف عليه لا يضر، وإن كان ثبوت الحكم في هذا البعض متوقفاً على ثبوته في ذلك البعض فإما أن يكون ثبوته في ذلك البعض أيضاً متوقفاً على ثبوته في هذا البعض أو لا، فإن حصل التوقف من الطرفين لزم الدور، وإن حصل من أحد الطرفين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال.
فيتعين أن الحق في هذا التقسيم أن ثبوت الحكم في هذا البعض الباقي غير متوقف على ثبوته في ذلك البعض، وحينئذ يكون حجة، وهو المطلوب. وهذه الحجة ضعيفة بسبب أننا نختار التوقف من الطرفين.
قوله: يلزم الدور.
قلنا: لا نسلم وذلك أن التوقف قسمان: توقف معي وتوقف سبقي، والدور في الثاني دون الأوّل، فإن الإنسان إذا قال لغيره لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج معي. وقال الآخر له: وأنا لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت معي، خرجا معاً وصدقا معاً فيما
التزماه، ولا دور ولا محال، أما إذا قال لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت قبلي، وقال الآخر وأنا لا أخرج حتى تخرج أنت قبلي، فإنهما إذا صدقا في ذلك يستحيل خروج واحد منهما للزوم الدور في توقف خروج كلّ واحد منهما على خروج الآخر توقفاً سبقياً، فعلمنا أن الدور إنّما يلزم من التوقف السبقي دون التوقف المعي، والتوقف في العموم بين بعضيه على وجه المعية دون السبقية، فلا دور.
فالحق حينئذ أن نقول اللفظ اقتضى ثبوت الحكم في جميع الأفراد على وجه واحد ونسبة واحدة، والأصل عدم الشرطية فلا يضر خروج البعض عن الإرادة ويكون اللفظ حجة الباقي، فهذه طريقة حسنة وسالمة عن المنوع.
والقياس على الصورة المخصوصة إذا علمت جائز عند القاضي إسماعيل منا، وجماعة من الفقهاء.
إذا خرجت صورة من العموم بخصص كما خرج بيع البر متفاضلاً من قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (1) فهل يجوز قياس الأرز عليها بجامع القوت أو الطعم؟ خلاف.
حجة المنع أن الصورة المخصوصة على خلاف قاعدة العموم، فلو قسنا عليها أفضى ذلك إلى تكثير مخالفة الأصل وكثرة التخصيص، وهو غير جائز.
حجة الجواز أن قواعد الشرائع مراعاة الحكم والمصالح، فإذا استثنى الشارع
(1) 275 البقرة.