الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني في الترجيح
والأكثرون اتفقوا على التمسك به وأنكره بعضهم وقال يلزم التخيير أو التوقف.
حجة الجواز: قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالسواد الأعظم» وهو يقتضي تغليب الظاهر الراجح، وقوله عليه الصلاة والسلام:«نحن نحكم بالظاهر» وقياساً على البناء على الظاهر في الفتيا والشهادة وقيم المتلفات وغيرها، فإن الظاهر الصدق في ذلك والكذب مرجوح، وقد اعتبر الراجح إجماعاً، فكذلك ههنا.
حجة المنع: أن الدليلين إذا تعارضا ورجح أحدهما ففي كل واحد منهما مقدار هو معارض بمثلهن فسقط المثلان، ويبقى مجرد الرجحان، ومجرد الرجحان ليس بدليل، وما ليس بدليل لا يجوز الاعتماد عليه فلا يعتمد على الرجحان، بل ينبغي تخريج هذه الصورة على صورة تساوي الأمارتين والحكم هناك التخيير على المشهور والتوقف على الشاذ، فكذلك يجري ههنا لقولان.
والجواب: أن القول بالترجيح ليس حكماً بمجرد الرجحان بأن بالدليل الراجح ولا نسلم أن الحصة المتساوية في جهة الرجحان تسقط بمقابلها إذا عضدها الرجحان وإنما نسلم
السقوط مع المساواة، وهذا كما يقضي بأعدل البينتين ليس معناه أنا نقضي بمزيد العدالة دون أصلها، بل بأصل العدالة مع الرجحان، فيقضي بالبينة الراجحة لا برجحانها مع قطع النظر عنها وكذلك ههنا.
ويمتنع الترجيح في العقليات لتعذر التفاوت بين القطعيين ومذهبنا ومذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة، خلاف القوم.
لأن كثرة الأدلة توجب مزيد الظن بالمدلول فيكون من باب القضاء بالراجح كما تقدم بيانه.
حجة المنع: القياس على المنع من الترجيح بالعدد في البينات فإن المشهور المنع منه بخلاف الترجيح بمزيد العدالة.
والجواب: الفرق بأن الترجيح بكثرة العدد يمنع سد باب الخصومات ومقصود
صاحب الشرع سده بأن يقول الخصم أنا آتي بعدد أكثر من عدده فيتحيل ويأتي به، فيقول لآخر أنا أفعل كذلك فلا تنفصل الخصومة، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة ليس في قدرة الخصم أن يصير بينه أعدل من بينة خصمه، وكذلك الأدلة لا تقبل أن يصير مرجوحها راجحاً ولا قليلها كثيراً فإن الأدلة قد استقرت من جهة صاحب الشرع فتتعذر الزيادة فيها، فالترجيح بكثرة الأدلة كالترجيح بالعدالة لا كالترجيح بالعدد، فظهر الجواب والفرق.
وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، وهما إن كانا عامين معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر المتقدم، وإن كان مجهولاً سقطا، وإن علمت المقارنة خير بينهما وإن كانا مظنونين فإن علم المتأخر نسخ المتقدم والأرجح إلى الترجيح، وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً والمتأخر المعلوم نسخ أو المظنون لم ينسخ، وإن جهل الحال تعين المعلوم، وإن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، وإن كان أحدهما بخلاف العكس، وإن كان أحدهما عاماً من وجه كما في قوله تعالى:«وأن تجمعوا بين الأختين» (1) مع قوله تعالى: «أو ما ملكت أيمانكم» (2) وجب الترجيح إن كانا مظنونين.
إنما يرجح العمل بأحدهما من وجه لأن كل واحد منهما يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الوجه الذي ترك، ولا يجوز إطلاقه بدون جميع ما دل عليه، فإن ذلك هدر بالكلية؛ فكان الأول أولى كقوله عليه الصلاة والسلام:«لا تستقبلوا القبلة ولا تتستدبروها ببول أو غائط» وروى ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في بيته الحديثين المشهورين، فحملنا الأول على الأفضية والثاني على الأبنية وإذا كانا عامين لا يمكن
حملهما على حالين تعين نسخ المتأخر للمتقدم كانا معلومين أو مظنونين، لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً أو أقوى، ويسقطان مع الجهل لاحتمال النسخ، فكل واحد منهما دائر بين أن يكون ناسخاً حجة أو منسوخاً ليس بحجة، والأصل عدم الحكم وبراءة الذمة، فيجب التوقف حتى يتعين موجب الشغل، وإذا علمت المقارنة خير بينهما لأن
(1) 23 النساء.
(2)
3 النساء.