الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخامسة الشروط اللغوية أسباب لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصالة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات.
إذا قلت إن دخلت الدار فأنت حر، يلزم من دخول الدار الحرية ومن عدم دخولها عدم الحرية، وهذا هو شأن السبب، أن يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كما تقدم تحديده، وأما الحياة فلا يلزم من وجودها معرفة مذهب مالك، ويلزم من عدم الحياة عدم معرفته، وهذا هو حقيقة الشرط كما تقدم تحديده، ويلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة حيث كانت شرطاً في صورة القدرة عليها، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية، أو يصليها بدون شرط أو ركن، وقولي في بعض الحيوانات احتراز عما يحكى عن الحياة أنها تمكث تحت التراب في الشتاء بغير غذاء وقيل تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ.
الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة
الرخصة جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعاً، والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي، ثم الرخصة قد تنتهي للوجوب كأكل المضطر الميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر، وقد يباح سببها كالسفر، وقد لا يباح كالغصة بشرب الخمر.
الرخصة مشتقة من الترخص، والرخص هو اللين، فهي من حيث الجملة من السهولة المسامحة واللين.
وفسرها الإمام فخر الدين في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع، وذلك
مشكل؛ لأنه يلزم منه أن تكون الصلوات الخمس رخصة والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة، لأن ذلك جميعه يجوز الإقدام عليه، وفيه مانعان؛ أحدهما ظواهر النصوص المانعة من
التزامه، وهو قوله تعالى «وما جعل الله عليكم في الدين من حرج» (1) ، وقوله تعالى «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (2) ، وقوله عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار» ، وجميع ذلك يمنع أن تجب هذه الأمور علينا لأنه حرج وعسر وضرر، غير أن ما فيها من المصالح العاجلة والمثوبات الآجلة هو المعارض الذي لأجله خولفت ظواهر هذه النصوص. وثانيهما صورة الإنسان مكرمة معظمة لقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم» (3) ، وقوله تعالى «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» (4) ، والمكرم المعظم يناسب أن لا تهلك بنيته بالجهاد ولا يلزم المشاق والمضار، ولذلك قلت أنا في حدي: مع اشتهار المانع اشرعي، وأريد باشتهار المانع نفور الطبع الجيد السليم عند سماع قولنا أكل فلان الميتة، أو أفطر في رمضان، أو شرب الخمر للغصة، ونحو ذلك، وعلى هذا تخرج هذه النقوض عن حد الرخصة؛ فإنه لا ينفر أحد من قولنا أقيم الحد على الإنسان، ولا صلى الإنسان، ونحو ذلك، ولا يستعظم كيف اجتمع ذلك مع وصف الإنسانية كما يستعظم اجتماع الأكل مع الميتة والإفطار مع رمضان، ومع هذا الاحتراز لا يسلم الحد عن الفساد.
فإن في الشريعة رخصاً لم ألهم لها حالة ذكرى لهذا الحد وهي الإجازة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والسلم رخصة لما فيه من الغرر بالنسبة إلى المرئي، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة فيهما، والصيد رخصة لأكل الحيوان مع اشتماله على دمائه ويكتفى فيه بمجرد جرحه وخدشه، ومع ذلك فلا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور، فلا يكون حدي جامعاً.
(1) 78 الحج.
(2)
185 البقرة.
(3)
70 الإسراء.
(4)
4 التين.
ثم استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلَّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد ولو في الكفر فإن فيه تعظيم أهله وعصابته لمن شايعهم وعداوة أهل الحق له وطلب دمه وماله. وكذلك تقول في الإيمان، وإذا كان هذا في أعظم الأشياء مصلحة وأعظمها مفسدة فما ظنك بغيرهما، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر «قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» (1) ، وعلى هذا ما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي، لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح، فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة، فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح المعارض له، وحينئذ تندرج جميع الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور لمعارضته لما تقدم.
والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول وهنا أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع، أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عسر فيه إنما الصعوبة فيه الحد على ذلك الوجه، وقولي وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر، أريد أنه لا يباح لأحد أن
يغص نفسه حتى يشرب الخمر ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقا.
وقال في المحصول: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع.
فيرد عليه أن أكل الطيبات ولبس الثياب من العزائم لأنه يجوز الإقدام عليها، وليس فيها مانع على زعمه في المانع، ولا يمكن أن تكون من العزائم؛ فإن العزائم مأخوذة من العزم وهو الطلب المؤكد فيه، ولا طلب في هذه الأمور فلذلك زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع الشرعي، فقيد الطلب ليخرج أكل الطيبات ونحوها، وعدم اشتهار المانع احتراز من الرخصة إذا طلبت كأكل المضطر الميتة وقصدت بأصل الطلب (2) ولم أعين الوجوب لأن المالكية قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها عزائم، فقالوا عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب.
(1) 219 البقرة.
(2)
الأولى أن يكون: وقصدت أصل الطلب بحذف الباء.