المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث في أحكامه - شرح تنقيح الفصول

[القرافي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول في الاصطلاحات

- ‌الفصل الأول في الحد

- ‌الفصل الثاني في تفسير أصول الفقه

- ‌الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل

- ‌الفصل الرابع في الدلالة وأقسامها

- ‌الفصل الخامس الفرق بين الكلي والجزئي

- ‌الفصل السادس في أسماء الألفاظ

- ‌الفصل السابع الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما

- ‌الفصل الثامن في التخصيص

- ‌الفصل التاسع في لحن الخطاب وفحواه ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه

- ‌الفصل العاشر في الحصر

- ‌الفصل الحادي عشر خمس حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم وهي الأمر والنهي والدعاء والشروط وجزاؤه

- ‌الفصل الثاني عشر حكم العقل بأمر على أمر

- ‌الفصل الثالث عشر في الحكم وأقسامه

- ‌الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادة

- ‌الفصل الخاس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام

- ‌الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة

- ‌الفصل السابع عشر في الحسن والقبح

- ‌الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق

- ‌الفصل التاسع عشر في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها

- ‌الفصل العشرون في المعلومات

- ‌الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه

- ‌الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ

- ‌الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول

- ‌الفصل الأول في مسماه ما هو

- ‌الفصل الثاني ورود الأمر بعض الحظر

- ‌الفصل الثالث في عوارضه

- ‌الفصل الرابع جواز تكليف ما لا يطاق

- ‌الفصل الخامس الأمر بالمركب أمر بأجزائه

- ‌الفصل السادس في متعلقه

- ‌الفصل السابع في وسيلته

- ‌الفصل الثامن في خطاب الكفار

- ‌الباب الخامس في النواهي وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول في مسماه

- ‌الفصل الثاني في أقسامه

- ‌الفصل الثالث في لازمه

- ‌الباب السادس في العمومات

- ‌الفصل الأول في أدوات العموم

- ‌الفصل الثاني في مدلوله

- ‌الفصل الثالث في مخصصاته

- ‌الفصل الرابع فيما ليس من مخصصاته

- ‌الفصل الخامس فيما يجوز التخصيص إليه

- ‌الفصل السادس في حكمه بعد التخصيص

- ‌الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء

- ‌الباب السابع في أقل الجمع

- ‌الباب الثامن في الاستثناء

- ‌الفصل الأول في حده

- ‌الفصل الثاني في أقسامه

- ‌الفصل الثالث في أحكامه

- ‌الباب التاسع في الشروط

- ‌الفصل الأول في أدواته

- ‌الفصل الثاني في حقيقته

- ‌الفصل الثالث في حكمه

- ‌الباب العاشر في المطلق والمقيد

- ‌الباب الحادي عشر في دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة

- ‌الباب الثاني عشر في المجمل والمبين

- ‌الفصل الأول في معنى ألفاظه

- ‌الفصل الثاني فيما ليس مجملاً

- ‌الفصل الثالث في أقسامه

- ‌الفصل الرابع في حكمه

- ‌الفصل الخامس في ورقته

- ‌الفصل السادس في المبين

- ‌الباب الثالث عشر في فعله عليه الصلاة والسلام

- ‌الفصل الأول في دلالة فعله عليه الصلاة والسلام

- ‌الفصل الثاني في اتباعه عليه الصلاة والسلام

- ‌الفصل الثالث في تأسيه عليه الصلاة والسلام

- ‌الباب الرابع عشر في النسخ

- ‌الفصل الأول في حقيقته

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ

- ‌الفصل الرابع فيما يتوهم أنه ناسخ

- ‌الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ

- ‌الباب الخامس عشر في الإجماع

- ‌الفصل الأول في حقيقته

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث في مستنده

- ‌الفصل الرابع في المجمعين

- ‌الفصل الخامس في المجمع عليه

- ‌الباب السادس عشر في الخبر

- ‌الفصل الأول في حقيقته

- ‌الفصل الثاني في التواتر

- ‌الفصل الثالث في الطرق المحصلة للعلم غير التواتر وهي سبعة

- ‌الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر وهو خمسة

- ‌الفصل الخامس في خبر الواحد

- ‌الفصل السادس في مستند الراوي

- ‌الفصل السابع في عدده

- ‌الفصل الثامن فيما اختلف فيه من الشروط

- ‌الفصل التاسع في كيفية الرواية

- ‌الفصل العاشر في مسائل شتى

- ‌الباب السابع عشر في القياس

- ‌الفصل الأول في حقيقته

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث في الدال على العلة

- ‌الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة

- ‌الفصل الخامس في تعدد العلل

- ‌الفصل السادس في أنواعها

- ‌الفصل السابع فيما يدخل القياس

- ‌الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح

- ‌الفصل الأول هل يجوز تساوي الأمارتين

- ‌الفصل الثاني في الترجيح

- ‌الفصل الثالث في ترجيحات الأخبار

- ‌الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة

- ‌الفصل الخامس في ترجيح طرق العلة

- ‌الباب التاسع عشر في الاجتهاد

- ‌الفصل الأول في النظر

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد

- ‌الفصل الرابع في زمانه

- ‌الفصل الخامس في شرائطه

- ‌الفصل السادس في التصويب

- ‌الفصل السابع في نقض الاجتهاد

- ‌الفصل الثامن في الاستفتاء

- ‌الفصل التاسع فيمن يتعين عليه الاستفتاء

- ‌الباب العشرون في جمع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين

- ‌الفصل الأول في الأدلة

- ‌الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان

الفصل: ‌الفصل الثالث في أحكامه

طائفة من الملائكة، والموتتان للجسد. قال المفسرون: الإنسان قبل أن يصير منِيًّا كان متصلاً بجسد أبيه، فهو حينئذ أجزاء حية، وإذا انفصل منيا مات، ثم ينفخ فيه الروح وهو جنين، ثم يموت عند أجله، فهاتان موتتان للجسد والموتة الواحدة للروح، فحصل الجمع بين الآيتين.

‌الفصل الثالث في أحكامه

اختار الإمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي عبد الوهاب، وفيه خلاف، وذكر القاضي أن قول القائل له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً من هذا الباب، فإنه جائز على المجاز، وإنه يرجع إلى المعنى بطريق القيمة قال خلافاً لمن قال إنه مقدر بلكن، ولمن قال أنه كالمتصل.

منشأ الخلاف في هذه المسألة أن العرب هل وضعت (إلاّ) لتركبها مع جنس ما قبلها، أو تركيبها مع الجنس وغيره؛ فيكون الخلاف في أنه مجاز يرجع إلى هذا؛ فإن قلنا بالقول الأوّل تعين أن يكون المنقطع مجازاً في التركيب، ويتوقف كون المتصل حقيقة لغوية، على أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهذه مسألة خلاف.

واختار الإمام أن المجاز المركب عقلي، ومعناه ليس حقيقة لغوية، فلم تضع المركبات، وأما له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً، فمعناه إلاّ قيمة ثوب، فهو استثناء من لازم المنطوق، لأن من لازم المائة دينار قيمة ثوب.

واختلفت عبارات الأصوليين في هذا الموضع، فمنهم من يقول عبر بالثوب عن قيمة من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجازاً، ومنهم من يقول

ص: 241

نَمَّ مضاف محذوف تقديره إلاّ قيمة ثوب؛ فيكون لفظ الثوب على هذا مستعملاً في موضوعه حقيقة والمعنى واحد.

وأما قوله خلافاً لمن قال إنه مقدر بلكن، فقد وافقه الإمام على هذه العبارة، وهي باطلة، بسبب أن الاستثناء المنقطع عند الناس أجمعين مقدر بلكن، ومعنى هذا التقدير أن (إلاّ) في هذا المقام تشبه (لكن) من جهة أن (لكن) يكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها (وإلا) كذلكن فأطلق على لفظ (إلاّ)(لكن) لهذه المشابهة، هذا تقدير البصريين. وقدرها الكوفيون بسوى، لأن سوى أيضاً فيها معنى المغايرة فيما بعدها لما قبلها، ورجَّح البصريون تقديرهم بأن لكن حرف، وسوى اسم، وتقدير الحرف بالحرف أولى من تقديره بالاسم. فإن قلت معنى المخالفة حاصل في (إلاّ) في الاستثناء المتصل كما هي حاصلة في المنقطع فينبغي أن تقدر في الموطنين بلكن. قلت: ليس كذلك، بل المنقطع ما بعد إلاّ لم يتناوله ما قبلها، وكذلك (لكن) لا يكون ما بعدها دل عليه ما قبلها، فهذه خصوصية المنقطع، وهي في لكن، وليست في المتصل.

وأما قوله وخلافاً لمن قال إنه كالمتصل، يريد خلافاً لمن قال إنه حقيقة لا مجاز وإلا لم يقل أحد: إنه إذا كان من غير الجنس يكون من الجنس، فإن ذلك خلاف الفرض وخلاف الواقع.

ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة، خلافاً لابن عباس رضي الله عنهما، قال الإمام إن صح النقل عنه يحمل على ما إذا نوى عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك.

قولنا: عادة: احتراز من انقطاع بسعال أو عطاس، أو يعطف الجمل بعضها على بعض ثم يستثنى بعد ذلك، فإن ذلك لا يقدح في الاتصال؛ لأنه متصل عادة.

وقولنا: خلافاً لابن عباس. اعلم أن الاستثناء مشتق من الثَّنْي، ووجه مشابهته به أن الذي يثني الثوب ينقص في رأي العين مساحته، والمستثنى ينقص كلامه بسبب الاستثناء عما كان عليه قبل الاستثناء، فهذا وجه الشبه، ومقتضاه أن إطلاق

ص: 242

لفظ الاستثناء على هذه الصيغة مجاز، وأن الثنْي حقيقة في الأجسام، فاستعماله في المعاني ينبغي أن يكون مجازاً، ويقال ثنيا وثنوا واستثناء، وهذه الألفاظ تطلق على معنيين بطريق الاشتراك أو المجاز في أحدهما، والحقيقة في الآخر؛ فإخراج بعض من كلّ بلفظ (إلاّ) ونحوها يسمى استثناء أيضاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف» أي قال إن شاء الله تعالى، وهذا تعليق، وكذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثُّنيا. قال العلماء معناه بيع وشرط، مع أن صاحب المحكم في اللغة وغيره نقل أن الاستثناء والثنيا والثنو بمعنى واحد، فاحتمل أن تكون هذه الألفاظ مشتركة بين المعنيين، واحتمل أن تكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر هو محل نظر، وعلى التقديرين المعنيان مختلفان وليس معنى واحداً.

والذي أحفظه عن ابن عباس رضي الله عنهما إنّما هو في التعليق على مشيئة الله، وأن مستنده في ذلك قوله تعالى:«ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلاّ أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت» (1) أي إذا نسيت أن تستثني عند القول فاستثن بعد ذلك، ولم يحدد تعالى لذلك غاية، فروى عنه جواز النطق بالمشيئة استثناءً أبدا، وروى عنه أيضاً سنة، وهذا كله في غير إلاّ وأخواتها، فحكاية الخلاف عنه في إلاّ وأخواتها لم أتحققه. والمروي عنه ما ذكرته لك؛ فأخشى أن يكون النقل اغتر بلفظ الاستثناء، وأنه وجد ابن عباس يخالف في الاستثناء وهذا استثناء فنقل الخلاف إليه، وليس هو فيه اغتراراً باللفظن مع أن المعاني مختلفة، فهذا ينبغي أن يُتأمل.

وبالجملة فتجري على العادة من غير تفصيل، فتقول حجة الانفصال أمور: أحدها قوله تعالى: «غير أولي الضرر» (2) فإنَّها نزلت بعد قوله تعالى: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون» (3) فشكا ابن أم مكتوم ذلك لرسول الله - صلى

(1) 23-24 الكهف.

(2)

95 النساء.

(3)

95 النساء.

ص: 243

الله عليه وسلم -، لعجزه عن الجهاد بسبب كونه أعمى؛ فنزل قوله تعالى:«غير أولي الضرر» وهذا استثناء وقد تأخر عن أصل الكلام، والآية المتقدمة أيضاً وهي قوله تعالى:«واذكر ربك إذا نسيت» حجة المنع أنه يقبح قول القائل لغيره بع ثوبي ثم يقول بعد غد إلاّ من زيد، وإذا كان قبيحاً عُرفاً قَبُح لغة، لأن الأصل عدم النقل والتغيير وقياساً على الشرط والغاية والصفة، فإنه لا يجوز تأخيرها، والجامع كون كلّ واحد منهما فضلة في الكلام غير مستقلة.

واختار القاضي عبد الوهاب والإمام جواز استثناء الأكثر، وقال القاضي أبو بكر

يجب أن يكون أقل، وقيل يجوز المساوي دون الأكثر لقوله تعالى:«إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتبعك من الغاوين» (1) ومعلوم أنه أكثر.

في هذه المسألة خمسة مذاهب: يجوز الأكثر، لا يجوز إلاّ المساوي، لا يجوز إلاّ الأقل، لا يجوز إلاّ الكسر، ويمتنع عقد تام فلا يجوز عشرة إلاّ واحداً بل إلاّ نصف واحد، أو كسراً من كسوره، أما الواحد التام فلا، وكذلك لا يجوز مائة إلاّ عشرة، ولا ألف إلاّ مائة، لأن نسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة والمائة إلى الألف؛ فإن الجميع عقد صحيح، بل يستثنى بعض العشرة من المائة، وبعض المائة من الألف فقط.

قال أرباب هذا المذهب: ولم يقع في الكتاب والسنة إلاّ مذهبنا، قال الله تعالى:«ألف سنة إلاّ خمسين عاماً» (2) وخمسين من الألف بعض عقد، وقال عليه الصلاة والسلام «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً» فاستثنى من المائة واحداً وهو بعض عقد المائة، فإن عقدها عشرة، حكى هذا المذهب سيف الدين الآمدي والمازري في شرح البرهان والزيدي في شرح الجزولية، فهذه أربعة مذاهب.

وحكى ابن طلحة الأندلسي في كتاب المدخل له في الفقه: إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلاّ ثلاثاً، في لزوم الثلاث له قولان، نعدم اللزوم يقتضي جواز استثناء

(1) 43 الحجر.

(2)

14 العنكبوت.

ص: 244

الكل من الكل، مع أنه قد حكى في منعه الإجماع فهذه خمسة مذاهب.

قال الزيدي وغيره أن قصر الاستثناء على الأقل (1) هو مذهب أكثر النحاة والفقهاء والقاضي أبي بكر ومالك وغيره من الفقهاء، وهو مذهب البصريين.

حجة جواز الأكثر ما تقدم من الآية، وأن القائل إذا قال له عندي عشرة إلاّ تسعة لا يلزمه إلاّ واحداً اتفاقاً، ولأنه إخراج بعض من كلّ فيجوز كغيره.

والجواب عن الآية: أن المحذور في استثناء الأكثر المتكلم به يعد عابثاً وخارجاً عن نمط العقلاء في نطقه بشيء لا يعتقد أكثره، بخلاف الشيء اليسير ربما نُسي لقلته فيذكره في أثناء كلامه أو آخره، وإذا قال القائل إن عبيدي لا تقدر عليهم إلاّ من وافقك، فوافقه أكثرهم أو كلهم لا يعد المتكلم عابثاً لكون البعض المخرج لم يتعين، وإنما يوجب العبث تعين الخارج من الكلام عند النطق. والآية الخارج منها غير متعين عند النطق، فإن قلت الله تعالى يعلم ذلك، فهو متعين عنده وهو المتكلم بهذه الآية. قلت: القرآن عربي كما وصفه الله تعالى بذلك، فكل ما كان حسناً في لغة العرب حَسَن في القرآن، وما امتنع

امتنع فيه، ولا تأخذ نصوص الربوبية في ذلك، بل اللغة العربية فقط، ولو تكلم بهذه الآية عربي لعدَّ غير عابث، فكذلك إذا وردت في القرآن.

وعن الثاني: أنه ممنوع.

وقال الحنابلة في الخرقى وغيره من كتبهم: إنه تلزمه العشرة لعدم صحة استثنائه.

وعن الثالث الفرق أن الحاجة تدعو لليسير دون الكثير.

وقد ظهر بهذه الكلام مستند الأقوال، فإن الدال على جواز الأكثر دال على المساوي والأقل. والأجوبة يؤخذ منها مستند المذهب الآخر.

(1) في الأصل: على الأوّل.

ص: 245

فائدة: إذا قلنا يمتنع استثناء الكل من الكل فقد وقعت في المذاهب أمور على خلافه.

أحدها: نَقْلُ ابن طلحة المتقدم.

وثانيها: نقل صاحب الجواهر وغيره إذا قال أنت طالق ثلاثاً إلاّ ثلاثاً إلاّ اثنتين أو إلاّ واحدة قولين في لزوم الثلاث له، بناء على أنه استثنى ثلاثاً من ثلاث فيكون استثناؤه باطلاً، أو يقال استثناء يعقبه استثناء آخر يصره أقل من الثلاث وهو قوله إلاّ اثنتين، فبقي من الثلاث المخرجة واحدة فيلزمه اثنتان، لأن الثلاث الأولى كانت مثبتة، والثلاثة الباقية المستثناة منفية، والاستثناء الثاني وهو الاثنتان مثبت لأنه من نفى فتبقى واحدة منفية فقط، فيلزمه اثنتان.

وثالثها: نقل أصحابنا إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلاّ واحدة أنه تلزمه اثنتان لاستثنائه الثالثة، مع أن الثالثة قد نطق بها بلفظ يخصها، فقد استثنى جملة ما نطق به فيها، ومع ذلك نفعه، وعللوا ذلك بأن خصوص الوحدات لا يتعلق بها غرض، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلاّ واحدة، وهذا بخلاف ما إذا قال: قام زيد وعمرو وخالد إلاّ زيداً، فإنه استثنى جملة ما نطق به فيها، وشأنه أن يتعلق به غرض بخصوصه، ويلزم الأصحاب على هذه المسألة أن يقولوا إذا قال له عندي درهم ودرهم ودرهم إلاّ درهماً، أنه يلزمه درهمان فقط، فإن خصوص الدراهم غير مقصودة لاسيما والنقدان لا يتعينان عندنا، وكذلك الدنانير.

ورابعها: قال ابن أبي زيد في النوادر: إذا قال أنت طالق واحدة إلاّ واحدة لزمه واحدة إلاّ أن يعيد الاستثناء على الواحدة فيلزمه اثنتان، وتقريره أن الواحدة صفة والموصوف طالق وصفته الواحدةن فإذا رفع صفة الواحدة فقد رفع بعض ما نطق به، وإذا رفع الواحدة تعينت الكثرة، لأنه لا واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنتان فتلزمه اثنتان، لأن الأصل براءة الذمة من الزائد.

وقد ذكرت في هذه المسألة ستة أحوال لكل حالة حكم يخصها مستوعباً ذلك في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وهو كتاب يسره الله تعالى: مجلداً كبيراً، نحو

ص: 246

الجلاب، كله في الاستثناء، فيه أحد وخمسون باباً، ونحو أربعمائة مسألة، فهذه المسألة في ظاهرها تقتضي أنها على خلاف هذه القاعدة، وفي الحقيقة لم يجر فيها استثناء الكل من الكل، لما تقدم أنه إنّما استثنى الصفة وهو بعض ما نطق به.

والاستثناء من الإثبات نفي اتفاقاً، ومن النفي إثبات خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إثبات نقيض المحكوم به بعد إلاّ.

لنا أنه المتبادر عرفاً فيكون لغة، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، واعلم أن الكل اتفقوا على إثبات نقيض ما قبل الاستثناء لما بعده، ولكنهم اختلفوا، فنحن نثبت نقيض المحكوم به، والحنفية يثبتون نقيض الحكم، فيصير ما بعد الاستثناء غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات.

إذا قلنا قام القوم إلاّ زيداً، فقد اتفقوا على أن إلاّ مخرجة وزيداً مخرَج وما قبل إلاّ مخرج منه، غير أنه قد تقدم قبل إلاّ (القيام) والحكم به. والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر، فما خرج من العدم دخل في الوجود وما خرج ن الوجود دخل في العدم.

واختلفوا في أن زيداً هل هو مخرج من القيام وهو مذهبنا، أو من الحكم به وهو مذهبهم. فعندما لما خرج من القيام دخل في عدم القيام فهو غير قائم، وعندهم خرج من الحكم فدخل في عدم الحكم فهو غير محكوم عليه.

لنا أنه لو كان الاستثناء من النفي ليس إثباتاً لم تفد كلمة الشهادة الإسلام، لأنه لا يلزم أن يكون الله تعالى محكوماً له باستحقاق العبادة؛ لأنه حينئذ مستثنى من الحكم فهو غير محكوم عليه بشيء. ولأنه لو قال عند الحاكم ليس له عندي إلاّ مائة درهم، لم يفهم الحاكم إلاّ أنه اعترف بالمائة، وعلى رأيهم لا يكون اعترافاً بشيء، بل حكم على غير المائة بالنفي والمائة مسكوت عنها.

احتجوا بأن الألفاظ اللغوية إنّما تفيد الأحكام الذهنيّة، وتفيد الأحكام

ص: 247

الذهنيّة الأمور الخارجية، لأن الأصل مطابقتها لها. فإذا قال القائل قام القوم، فهمنا أنه حكم بذلك، ثم يستدل بظاهر حاله على أنه صادق في مقاله؛ فيعتقد أن القوم قاموا في الخارج، فإذا كان اللفظ إنّما يفيد المعاني الخارجية بواسطة إفادته للمعاني الذهنيّة، فهي حينئذ إنّما تستفاد

بوسط، وإفادة اللفظ للحكم بغير وسط، فصرف الاستثناء لما هو مستغن عن الوسط أولى من صرفه للأمور الخارجية المحتاجة للوسط، فإذا صرفناه للحكم أفاد رفع ذلك الحكم، وإن صرفناه للقيام في الخارج أفاد عدم القيام في الخارج، والأول أولى لاستغنائه، وهو المطلوب؛ فيكون الاستثناء من النفي ليس بإثبات وهو المطلوب.

وجوابه: أن هذا ترجيح لخلاف المتبادر إلى الأفهام من اللغات، والمبادرة أولى، ولربما احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام:«لا صلاة إلاّ بطهور» و «لا نكاح إلاّ بولي» ونحو ذلك من النصوص، وقالوا لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لزم ثبوت صحة الصلاة عند الطهور، وصحة النكاح عند وجود الولي، وهو خلاف الإجماع، ولأن تخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، وهذه حجة قويّة في ظاهر الحال (1) .

فائدة: قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقهن لأن الاستثناء يقع من الأحكام نحو قام القوم إلاّ زيداً، ومن الموانع نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلاّ بالحيض، ومن الشروط نحو لا صلاة إلاّ بطهور، فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء، فإنه لا يلزم من القضاء بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضى بالوجود لأجل وجود الشرط، لما تقدم أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فقول العلماء الاستثناء من النفي إثبات يختص بما عدا الشروط، لأنه لم يقل أحد من العلماء أنه يلزم من وجود الشروط وجود المشروط، وبهذه القاعدة يحصل الجواب عن شبهة الحنفية، فإن النصوص التي ألزمونا إياها كلها من باب الشروط، وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا.

فائدة: قلت لفضلاء الحنفية كيف تقولون في الاستثناء المفرغ نحو ما قام إلاّ

(1) والرد عليهم تراه في الفائدة الآتية.

ص: 248

زيد هل هو محكوم عليه بالقيام لضرورة تفرغ العامل له، أو تقولون هو مخرج من الحكم كما تقدم؟ قالوا الكل سواء عندنا، والقيام إنّما نجزم به، وغيره من الأحكام إنّما هو بقرائن الأحوال الدالة على ثبوت ذلك الحكم لذلك المستثنى لا باللفظ لغة، ولذلك قلنا إن كلمة الشهادة تفيد التوحيد بالقرائن الدالة من ظاهر كلّ متلفظ بها، أنه إنّما يقصد التوحيد دون التعطيل.

وإذا تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها عند مالك والشافعي وعند أصحابهما - رحمة الله عليهم - وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة رحمه الله ومشترك بين الأمرين عن الشريف المرتضى (1) ، ومنهم من فصل فقال إن تنوعت الجملتان بأن تكون إحداهما

خبراً والأخرى أمراً عاد إلى الأخير فقط، وإن لم تتنوع الجملتان ولا كان حكم أحدهما في الأخرى، ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى فكذلك أيضاً، وإلا عاد إلى الكل، واختاره الإمام، وتوقف القاضي أبو بكر منا في الجميع.

مثال إحداهما خبراً والأخرى أمراً قولك قام الزيدون وأكرم العمرين إلاّ الطوال.

ومثال عدم التنوع وحكم إحداهما في الأخرى قام الزيدون والعمرون إلاّ الطوال؛ فإن العمرين ناب مناب الفعل في حقهم العطف، فقد يستغنى بحكم الأولى عن حكم الثانية، فصارت الثانية متعلقة بالأولى من حيث الجملة، وصارت الجملتان كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما.

ومثال إضمار الاسم دون الحكم قوله قام الزيدون وخرجوا إلاّ الطوال فإن الضمير الذي هو الواو عائد على الظاهر المتقدم، فقد صارت الثانية مفتقرة للأولى في

(1) هو الشريف المرتضى علي بن الحسين ولد سنة 966م وتوفي سنة 1044، أديب متكلم ولد ومات ببغداد وتولى نقابة الطالبيين 1015 وكان إمامياً معتزلياً متبحراً في الكلام والفقه والحديث والأدب واللغة وألف فيها كتباً مثل الشافي والانتصار وأشهر كتبه أماليه المسماة «درر القلائد وغرر الفوائد» وله ديوان كبير من الشعر.

ص: 249

اسمها لأجل أنه مضمر يحتاج للتفسير فصارتا كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما.

حجتنا من وجوه: أحدها: أن الشرط إذا تعقب جملاً عاد إلى الكل فكذاا لاستثناء بجامع أن كلّ واحد منهما لا يستقل بنفسه، ولأن كلّ واحد منهما مخرج في المعنى، فإن عدم الشرط يخرج ما حصل العدم فيه من المشروط، ولقائل أن يقول على هذا: إن الشروط اللغوية أسباب والسبب مظنة الحكمة والمصلحة فناسب التعميم، والاستثناء إنّما هو لإخراج غير المراد عن المراد، ولعل بقاءه لا يقدح في المراد فهو فضلة مستغنى عنها لعدم الحكمة فيها، فظهر الفرق، ومع الفرق يمتنع الإلحاق.

سلمنا عدم الفارق لكنه قياس في اللغات وهو ممنوع عند كثير من المحققين.

وثانيها: أن حرف العطف يصيِّر المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة فيعود الاستثناء عليهما كالجملة الواحدة.

ولقائل أن يقول: إن كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه لفظه يدل عليه مطابقة ويمتنع استثناؤه بجملته، فلو قلت قام الزيدون والعمرون إلاّ العمرين لم يجز؛ فظهر الفرق.

وثالثها: أن المتكلم قد يكون محتاجاً لذكر الاستثناء من كلّ جملة، فإن ذكره عقيب كلّ واحد تكرر وكان عبثاً: فيتعين أن يذكره عقيب الكل دفعاً للحاجة وركاكة القول.

حجة أبي حنيفة من وجوه: أحدها أن الاستثناء على خلاف الأصل لأنه كالإنكار بعد الإقرار دعت الضرورة لاعتباره في جملة لئلا يصير لغواً فيبقى فيما عداها على مقتضى الأصل، ولك من قال باختصاصه بجملة قال هي الأخيرة ترجيحاً (1) للقرب على البعد.

(1) في الأصل وترجيحاً بأثبات واو عاطفة، غير أنه لم يظهر معطوف عليه فحذفناها.

ص: 250

ولقائل أن يقول إنّما يكون إقراراً أن لو لم يتصل به كلام لا يستقل بنفسه، وعادة العرب أنها معه تمنع اعتبار ما تقدم عليه إلاّ به، وكذلك الشرط والغاية والصفة، وقد تقدم تقريرهن فما تقدم إقرار حينئذ.

وثاينها: أن العرب اعتبرت القرب فيما يعود عليه فهما كذلك.

بيان الأوّل اتفاق البصريين فيما إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان؛ أن القريب يقدم نحو أكرمت وأكرمني زيد، وكذلك أكرم زيد عمراً وأكرمته، يتعين عود الضمير على عمرو، وإذا قلت أكرمت سلمى سعدى أن الفاعل سلمى لقربها لعدم ظهور الإعراب المرجح (1) وكذلك أعطى زيد عمراً بكراً، قالوا الأقرب للفعل الفاعل الآخذ لبكر وهو مفعول في اللفظ، فهذه أربعة أوجه دالة على اعتبار القرب.

بيان الثاني عملاً بالمناسبة التي ظهر اعتبارها.

وثالثها: أن الاستثناء لو عاد على جميع الجمل فإما أن يضمر عقيب كلّ جملة استثناء أو لا. الأوّل يلزم كثرة الإضمار وهو خلاف الأصل. والثاني يقتضي اجتماع عوامل كثيرة على معمول واحد. وسيبويه يمنعه.

ولقائل أن يقول على هذا الوجه: إن سيبويه يرى أن العامل في الاستثناء انتصابه عن تمام الكلام كالتمييز، ولا يعمل الفعل السابق، وفيه مذاهب ومباحث مذكورة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء.

حجة الشريف على الاشتراك وجوه: أحدها أنه إذا قال أكرمت جيراني وكسوت غلماني قائماً وفي الدار ويوم الجمعة، لم يفهم عود الحال والظرفين على الأوّل والثانية ولا يختص بإحداهما عيناً.

وجوابه: منع ذلك بل يختص بالأخيرة.

وثانيها: حسن الاستفهام في الاستثناء عقيب الجمل وهو دليل الاشتراك.

وجوابه: أن الاستفهام أعم من الاشتراك بل قد يكون لرفع المجاز أو لإبعاده أو لاهتمام المتكلم بالكلام، وقد تقدم تقريره.

(1) أما مثال ظهور المرجح: أكل الكمثرى عيسى فعيسى هنا هو الفاعل.

ص: 251

وثالثها: أنه ورد في كتاب الله تعالى بالمعنيين، والأصل في الكلام الحقيقة فيلزم الاشتراك.

وجوابه: كما أن الأصل في الكلام الحقيقة فالأصل عدم الاشتراك.

فائدة: مثال عود ضمير في كتاب الله على الكل قوله تعالى: «كيف يهد الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم» (1) ، هذا في آل عمران، وفي المائدة قوله تعالى:«حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما ذكيتم» (2) فقيل منقطع، لأن ما ذكيتم من غير المذكورات وقيل متصل يعود على الميتة (3) وما بعدها أي ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات.

مثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: «فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك» (4) قرئ بالنصب استثناء من الجملة الأولى، وبالرفع استثناء من الثانية لأنها منفية، وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت فهلكت، قاله المفسرون. وقوله تعالى:«إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مي إلاّ من اغترف غرفة بيده» (5) فهذا يتعين عوده على الجملة الأولى دون الثانية، لأن مناسبة المعنى تقتضيه، ومما يمكن أن يكون من هذا الباب وألا يكون منه قوله تعالى: «والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما،

(1) 86-89 آل عمران.

(2)

3 المائدة.

(3)

في نسخة على النطيحة بدلاً من الميتة.

(4)

81 هود.

(5)

249 البقرة.

ص: 252

يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً» (1) فهذا الاستثناء عائد على من، وهو جملة واحدة، فمن هذا الوجه يمكن أن لا يكون من هذا الباب، ومن جهة أن هذا من عوده على الجمل الثلاث المتقدمة يكون الاستثناء في المعنى عائداً على الجمل الثلاث.

فائدة: قول العلماء في هذه المسألة: إن الاستثناء مشترك بين عوده على الكل أو الأخيرة، هو من الاشتراك الواقع في التركيب دون الإفراد؛ أي وضعت العرب (إلاّ) لتركبها عائدة على الكل وتركبها عائدة على الأخيرة، فهو من فروع أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهي مسألة قولين واختار الإمام المنع.

فائدة: اختلفت عبارات العلماء في هذه المسألة، فقال فخر الدين: الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة ولم يذكر العطف. وقال الشيخ سيف الدين: الجمل المعطوفة بالواو.

واعلم أن حروف العطف عشرة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وهي يتأتى فيها خلاف العلماء لأنها تجمع بين الشيئين معاً في الحكم، ويمكن الاستثناء منهما أو أحدهما.

وأما: بل، ولا، ولكن، فهي لأحد الشيئين بعينه نحو قام القوم لا النساء، وبل النساء، وما قام القوم لكن النساء، فالقائم أحد الفريقين دون الآخر بعينه، فأمكن أن يقال لا يمكن عود الاستثناء عليهما لأنهما لم يندرجا في الحكم، والعود عليهما يقتضي تقدم الحكم عليهما، ويمكن أن يقال إنهما معاص محكوم عليهما: إحداهما بالنفي والأخرى بالإثبات، فالمنفي ما بعد (لا) وما قبل لكن وبل، غير أن هذه الحالة إن صححنا عود الاستثناء عليهما يلزم أن يرفع باعتبار النفي وينصب باعتبار الإيجاب، واجتماع الرفع والنصب معاً محال، إلاّ أن يصرف أحدهما للفظ والآخر للمعنى. وبالجملة فهو موضع تردد.

وثلاثة لأحد الشيئين لا بعينه وهي: أو، وأم، وإما، نحو قام القوم أو النساء وإما القوم وإما النساء، أو هل قام القوم أم النساء، فهنا المحكوم عليه واحد

(1) 68- 70 البقرة.

ص: 253

قطعاً، ولم يتعرض بالنفي للآخر ولا بالثبوت، فلا يتأتى الاحتمال الذي في القسم الثاني، بل يتعين ألا تندرج هذه الجمل المعطوفة بهذه الثلاث في صورة النزاع والأولى تندرج قطعاً، والثانية فيها احتمال.

فعلى هذا تنتقد عبارة سيف الدين بأن نقول له: ما جمعت عبارتك المسألة، ونقول للإمام فخر الدين: اندرج في عبارتك ما لا يصلح أن يكون من المسألة، فعبارة سيف الدين غير جامعة وعبارة الإمام غير مانعة، ثم يرد على سيف الدين الجمل إذا ذكرت من غير عطف نحو أكرم بني تميم اخلع على مضر ونحو ذلك، فإنَّها لا تندرج في عبارته مع صحة الاستثناء فيها، وتندرج في عبارة الإمام.

وإذا عطف استثناء على استثناء، فإن كان الثاني بحرف عطف أو هو أكثر من الاستثناء الأوّل أو مساو له إلى أصل الكلام، لاستحالة العطف في الاستثناء واستحالة إخراج الأكثر والمساوي، وإلا عاد إلى الاستثناء الأوّل ترجيحاً للقرب، ونفياً للغو الكلام.

مثال حرف العطف فه عشرة إلاّ ثلاثة وإلا اثنين، مثال الأكثر له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ أربعة، مثال المساوي له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ ثلاثة، مثال الأقل له عشرة إلاّ ثالثة إلاّ اثنين.

ونقل الزيدي في هذا القسم الأخير خلافاً فقيل يعود على الاستثناء الأوّل، وقيل يعود على أصل الكلام.

وهذه المسألة مبنية على خمس قواعد: الأولى أن العرب لا تجمع بين إلاّ وحرف العطف لأن إلاّ تقتضي الإخراج وحرف العطف يقتضي الضم وهما متناقضان.

القاعدة الثانية: أن استثناء الأكثر والمساوي باطل.

القاعدة الثالثة: أن القرب يوجب الرجحان.

القاعدة الرابعة: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي.

القاعدة الخامسة: إذا دار الكلام بين الإلغاء والإعمال فالإعمال أولى.

ص: 254

إذا ظهرت هذه القواعد فنقول إذا قال له عشرة إلاّ ثلاثة وإلا اثنين يتعين عوده على عوده على أصل الكلام، ويمتنع عوده على الثلاثة لئلا يجتمع الاستثناء والعطف وهي القاعدة الأولى.

وإذا قلنا له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ أربعة أو إلاّ ثلاثة، يتعين عوده على أصل الكلام، لأن استثناء المساوي والأكثر باطل للقاعدة الثانية.

وإذا قلنا له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ اثنين فالاستثناء الثاني إما أن يعود عليهما أو لا يعود عليهما، أو يعود على أصل الكلام، أو على الاستثناء، والكل باطل إلاّ الأخير؛ أما العود عليهما فلأنه يؤدي إلى لغو الكلام فلا يصح للقاعدة الخامسة.

وكذلك لا عليهما بيانه أنه لما قال له عشرة إلاّ ثلاثة فقد اعترف بسبعة، فقوله بعد ذلك إلاّ اثنين باعتبار عوده على أصل الكلام يخرج من السبعة اثنين، وباعتبار عوده على الثلاثة يرد اثنين، لأن الثلاثة منفية وأصل الكلام مثبت، وهي القاعدة الرابعة.

فتجبر المنفي بالثابت فيصير الاعتراف بسبعة، وهو الذي كان قبل الاستثناء الثاني فصار لغواً، ولا يمكن عوده على أصل الكلام وحده؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح البعيد على القريب، وهي القاعدة الثالثة.

فيتعين عوده على الاستثناء لا على أصل الكلام وهو المطلوب.

حجة من قال بعوده على أصل الكلام أن أصل الاستثناء أن يكون عائداً في ما صدر به الكلام، فعوده على الاستثناء خلاف الأصل، ولأن أصل الكلام قابل للتنقيح والتخليص والبيان فيرد الاستثناء عليه. أما الاستثناء فقد تعين لأنه غير مراد لإخراجه مِمّا كان ظاهره الإرادة؛ فلو استثنى منه كان ناقصاً لكلامه مرتين: ادعى أولاً أن الكل ثبوت، ثم ادعى أن هذا انفي، فقد نقض الثبوت فيه، قال استثنى منه أيضاً يكون قد نقض النفي

فيه فيكون قد نقضه مرتين، بخلاف العود على أصل الكلام يكون فيه فرد نقض، وهو إبطال الثبوت فقط.

ص: 255

فائدة: قال السيرافي في شرح سيبويه: إذا قلت له عشرة إلى تسعة إلاّ ثمانية إلاّ سبعة، إلاّ ستة، إلاّ خمسة إلاّ أربعة إلاّ ثلاثة إلاّ اثنين، إلاّ واحداً يكون الاعتراف قد وقع بخمسة بناءً على عود الاستثناء الأخير على الاستثناء الأوّل والثالث على الثاني وهلم جرا، وأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فيتحصل من الجميع خمسة، واختيار السيرافي والجمهور عود الاستثناء الثاني على الاستثناء الأوّل دون أصل الكلام إذا لم يكن مساوياً، ولا معه حرف العطف على ما تقدم (1) .

فائدتان: الأولى قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله أو ما لولاه لظن دخوله أو ما لولاه لجاز دخوله أو ما لولاه لقطع بعدم دخوله، فهذه أربعة أقسام: فالأول استثناء من النصوص نحو له عندي عشرة إلاّ اثنين والثاني الاستثناء من الظواهر نحو: اقتلوا المشركين إلاّ زيداً، والثالث الاستثناء من المحال والأزمان والأحوال نحو أكرم رجلاً إلاّ زيداً وعمراً، وصل إلاّ عند الزوال «ولتأتنني إلاّ أن يحاط بكم» (2) والرابع الاستثناء المنقطع نحو رأيت القوم إلاّ حماراً.

يقطع بالاندراج في النصوص لتعذر المجاز فيها، وإن لفظها لا يستعمل إلاّ في مسماها، ويظن في الظواهر بسبب جواز المجاز فيها، ويجوز من غير علم ولا ظن في المحال ونحوها، لأن اللفظ لا يشعر بخصوصها فانتفى العلم والظن، ويقطع بعدم الاندراج في المنقطع لعدم صلاحية اللفظ له فإن لفظ القوم لا يندرج فيه الحمار قطعاً.

الثانية: إطلاق العلماء أن الاستثناء من النفي يجب أن يكون مخصوصاً فإن الاستثناء يرد على الأسباب والشروط والموانع والأحكام والأمور العامة

(1) هذا الموضوع في الأصل مضطرب جداً وقد قمت بمراجعته على جميع أصول هذا الكتاب المطبوعة والمخطوطة، ومراجع النحو وكتب الأصول المشابهة، حتى ظهر لك بهذه الصورة.

(2)

66 يوسف.

ص: 256

التي لم ينطق بها، فالأول نحو لا عقوبة إلاّ بجناية والثاني نحو لا صلاة إلاّ بطهور، والثالث لا تسقط الصلاة عن المرأة إلاّ بالحيض، والرابع نحو قام القوم إلاّ زيداً، والخامس نحو قوله تعالى:«لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (1) ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده فيكون مطرداً فيما عدا الشرط.

هذه الفائدة تقدم التنبيه عليها في الاستثناء من النفي إثبات، وأذيلها هنا بأن الاستثناء

يقع في عشرة أمور: منها أمران ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها وقع الاستثناء منها، أما اللذان ينطق بهما فهما الأحكام والصفات؛ فالأحكام نحو قام القوم إلاّ زيداً ونحوه من الأفعال والصفات نحو قول الشاعر:

قاتل ابن البتول إلاّ علياً

يريد الحسين بن فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، والبتول معناه المنقطعة قيل عن النظير والتشبيه، وقيل عن الأزواج وهو مراد الشاعر؛ أي انقطعت عن الأزواج كلها إلاّ عن علي رضي الله عنه، فالاستثناء من صفتها لا منها، ومنه قوله تعالى:«وما نحن بميتين إلاّ موتتنا الأولى» (2) استثنوا من صفتهم الموتة الأولى لا من ذواتهم.

والاستثناء من الصفة يقع على ثلاثة أقسام: أحدها عن متعلقها نحو قول الشاعر المتقدم، فإن الأزواج متعلق بالتبتل. وثانيها من بعض أنواعها نحو الآية فإن الموتة الأولى أحد أنواع الموت، وثالثها يستثنى بجملتها لا يترك منها شيء كما تقدم في تقرير قولنا أنت طالق إلاّ واحدة إلاّ واحدة في الاستثناء المستغرق، وما يجوز أن يستثنى تقدم التقرير هنالك وأنه رفع الواحدة في الاستثناء المستغرق، فلزمه طلقتان، ومنه قولك مررت بالمتحرك إلاّ المتحرك، فيكون مررت بالساكن لأنك ذكرت أولاً جسماً متحركاً فهما أمران استثنيت أحدهما وهو الحركة فيتعين السكون: لأن كلّ ضدين لا ثالث لهما إذا رفعت أحدهما تعين الآخر للوقوع.

(1) 66 يوسف.

(2)

59 الصافات.

ص: 257

والاستثناء من الصفات هو باب غريب في الاستثناء، وقد بسطته هو وغيره في كتاب (الاستغناء في أحكام الاستثناء) الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء.

وأما الثمانية التي لا ينطبق بها ويقع الاستثناء منها: الأسباب والشروط والموانع وقد تقدم تمثيلها. الرابع المحال نحو أكرم رجلاً إلاّ زيداً وعمراً وبكراً؛ فإن كلّ شخص هو محل لأعمه. وخامسها الأحوال نحو «لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (1) أي لتأتنني به في جميع الأحوال إلاّ في حالة الإحاطة بكم، فإن أعذركم. وسادسها الأزمان نحو صل إلاّ عند الزوال. وسابها الأمكنة نحو صل إلى عند المزبلة والمجزرة ونحو ذلك. وثامنها مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصيات نحو قوله تعالى:«إن هي إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباءكم» (2) أي لا حقيقة للأصنام البتة إلاّ أنها لفظ مجرد؛ فاستثنى اللفظ من مطلق الوجود على سبيل المبالغة في النفي، أي لم يثبت لها وجود البتة إلاّ وجود اللفظ، ولا شيء وراءه. فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بما يذكر بعد الاستثناء وهو فرد منها، فيستدل بذلك الفرد على جنسه وأن جنسه هو الكائن بعد

الاستثناء (3) وحينئذ ينبغي أن يعلم أن الاستثناء في هذه الأمور التي لم تذكر كلها استثناء متصل، لأنه من الجنس وحكم بالنقيض بعد (إلاّ) وهذان القيدان وافيان بحقيقة المتصل، وكثير من النحاة يعتقد أنه استثناء منقطع لأنه يلاحظ الفعل المتقدم قبل الاستثناء ويجد ما بعده من غير جنسه، فيقضي بانقطاعه؛ لاعتقاده أن ما بعد إلاّ مستثنى من المنطوق، وليس كما ظن، بل الاستثناء واقع من غير مذكور وهو متصل باعتبارها، وهذه الأمور مبسوطة في الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء. ولكل واحد منها باب يخصه بمثله من الكتاب العزيز هنالك فمن أرادها فليطالعه؛ فإنَّها فوائد غريبة وقواعد جليلة، وهي كلها من فضل الله تعالى، له المنة في جميع الأحوال، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

(1) 66 يوسف.

(2)

33 النجم.

(3)

لعلها: قبل الاستثناء.

ص: 258