الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس في العمومات
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول في أدوات العموم
وهي نحو عشرين صيغة، قال الإمام:«وهي إما أن تكون موضوعة للعموم بذاتها نحو كلّ، أو بلفظ يضاف إليها كالنفي ولام التعريف والإضافة وفيه نظر» .
قد تقدم في الباب الأوّل حد صيغة العموم والكلام عليها تحريراً وإشكالاً وجواباً، وأما تقسيم الإمام فخر الدين إياها إلى ما يفيد العموم بنفسه نحو كلّ، وجميع، ومن، وما وإلى ما لا يفيد العموم إلاّ بلفظ يضاف إليها نحو النفي، كقولنا لا رجل في الدار، فإنه لولا النفي لم يبق إلاّ مطلق النكرة، وهي لا تفيد العموم بنفسها، أو لام التعريف نحو «اقتلوا المشركين» (1) ، فإنه لولا لام التعريف لم يبق إلاّ الجمع المنكر، وهو لا يفيد العموم، أو الإضافة نحو عبيدي أحرار، فلولا الإضافة لم يحصل العموم، ولم يعمم العتق، بل كان يلزمه عتق ثلاثة أعبد فقط، هذا معنى كلامه.
ومعنى قولي فيه نظر أن: من، وما، أيضاً لا يفيدان العموم إلاّ بإضافة آخر يضاف إليهما، وهي الصلة في الخبرية، نحو رأت من في الدار، أو لفظ هو شرط نحو من دخل داري فله درهم، أو لفظ مستفهم عنه نحو من عندك، فلو نطقنا: ممن
(1) 5 التوبة.
وما، وحدهما لم يحصل عموم، بل قد يكون كلّ واحد منهما نكرة موصوفة أو غير ذلك، وكذلك: كلّ، وجميع، لا بد من إضافة كلّ واحد منهما للفظ آخر حتى يحصل العموم فيه، نحو كلّ رجل إنسان، أو جميع العالم ممكن فتخصيصه المحتاج للفظ آخر بتلك الثلاثة لا يتجه.
فمنها: كلّ، وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام جمعاً مفرداً، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، قال القاضي عبد الوهاب، واسم الجنس إذا أضيف والنكرة في سياق النفي، فهذه عندنا للعموم، واختلف في الفعل في سياق النفي كقولك والله لا آكل، فعند الشافعي للعموم في المواكيل، فله تخصيصه بنيته في بعضها، وهذا هو الظاهر من مذهبنا. وقال أبو حنيفة لا يصح لأن
الفعل يدل على المصدر وهو لا واحد ولا كثير، فلا تعميم ولا تخصيص، واتفق الإمامان على قوله: لا أكلت أكلاً إنه عام يصح تخصيصه؛ وعلى عدم تخصيص الأوّل ببعض الأزمنة أو البقاع، لنا أنه إن كان عاماً صح التخصيص وإلا فمطلق يصح تقييده ببعض خاله، وهو المطلوب.
أما كلّ وجميع فيعمان فيما أضيفا إليه، وأما من وما، فاشترط الإمامان فخر الدين وجماعة معه أن يكونا في الشرط والاستفهام، واحترزوا بهذا الشرط عنهما إذا كانا نكرتين نحو مررت بما معجب لك، أو بمن معجب لك، فتخفض معجباً على الصفة، وفي هذه الحالة من، وما، ليستا للعموم، فخرجتا بقولهم إذا كانتا في الشرط والاستفهام، فنفعهم هذا التقييد في إخراج هذا. وهو ليس للعموم، وأضرهم هذا التقييد في إخراج: ما، ومن الخبريتين وهما للعموم، نحو قوله تعالى:«إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (1) » ، وقوله تعالى:«كلّ من عليها فان» فإن هذين للعموم ولا شرط فيهما، ولا استفهام، فخرج من الحد فيكون غير جامع فلا بد من
(1) 98 الأنبياء.
عبارة تخرج النكرة وتدخل الخبرية، بأن يقول إذا كانتا شرط أو استفهام ما، أو موصولاً، وحينئذ يصير الحد جامعاً.
والمعرف باللام جمعاً ومفرداً فيه إشكال، من جهة أن لام التعريف تعم أفراد ما دخلت عليه، فإن دخلت على الدرهم عمت أفراده، أو الفرس عمت أفراده، فكذلك ينبغي إذا دخلت على الجمع تعم أفراد الجموع وحينئذ يتعذر الاستدلال به حالة النفي أو النهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده، فإذا قال الله تعالى:«لا تقتلوا الصيد (1) » يجوز أن تقتل واحداً فإنا إنّما نهينا عن أفراد الجموع، والواحد ليس بجمع، وكذلك إذا قلنا لم أر إخوتك، يجوز أن تصدق وقد رأينا منهم واحداً وهو خلاف المعهود من صيغة العموم، وإنما يقتضي ثبوت حكمها لكل فرد من أفرادها أمراً ونهياً وثبوتاً ونفياً، ولا يختلف الحال في شيء من الوارد، وحينئذ لأجل هذا الإشكال يتعين أن يعتقد أن لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل حقيقة الجمعية ويصير الجمع كالمفرد، وأن الحكم ثابت لكل فرد من الأفراد، كانت الصيغة مفرداً أو جمعاً، وأي: تعم فيما أضيفت إليه نحو أي رجل جاءني أكرمته، ومتى، وأين، وحيث للعموم، والمعلق عليها مطلق.
وبهذا نجيب عمن يقول إذا كانت هذه للعموم، فينبغي إذا قال متى دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مراراً ينبغي أن يلزمه ثلاث تطليقات عملاً بالعموم، وليس كذلك، فلا
يكن للعموم، وكذلك أين وجدتك فأنت طالق، أو حيث وجدتك فأنت طالق، لأنا نقول المعلق عليه عام وهو: متى، وأين، وحيث، والمعلق مطلق، وهو مطلق الطلاق، فهو التزام مطلق الطلاق في جميع الأزمنة أو البقاع، فإذا لزمه طلقة واحدة فقط وقع ما التزمه من مطلق الطلاق فلا تلزمه طلقة أخرى، بل تنحل اليمين، كما لو قال أنت طالق في جميع الأيام طلقة؛ فالظرف عام والمظروف مطلق، كذلك هنا المعلق عليه عام والمعلق مطلق، فاندفع الإشكال. واسم الجنس إذا أضيف، قال صاحب الروضة: سواء كان مفرداً أو تثنية أو
(1) في المخطوطة: لا تقتلوا الصبيان.
جمعاً، وأما الإمام فخر الدين فلم يذكر في المحصلو سوى الجمع، كقوله عبيدي أحرار، ومثال المفرد قوله عليه الصلاة والسلام «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (1) فحصل العموم في جميع أفراد الماء والميتة، فالمضاف مفرد، وكذلك قوله عليه السلام «إلاّ بحقها» (2) ، يعم جميع حقوق الشهادة، مع أنه مفرد مضاف، والتثنية كقول الأعرابي المفسد لصومه لرسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين لابتيها أحوج مني (3) » واللابة الحجارة السود، فعم ذلك جميع الحجارة السود.
تنبيه: اسم الجنس قسمان، منه ما يصدق على القليل والكثير نحو ماء ومال وذهب وفضة، ومنه ما لا يصدق إلاّ على الواحد نحو: درهم ودينار ورجل وعبد، فلا يصدق على جماعة الدراهم أنها درهم، ولا الدنانير أنها دينار، ولا الرجال أنهم رجل، ولا العبيد أنهم عبد. فهذا الذي لا يصدق على الكثير ينبغي أن لا يعم بخلاف عبيدي أحرار ونسائي طوالق، فكان ينبغي أن يفصل بين القسمين في اسم الجنس إذا أضيف ويدعى العموم في أحدهما دون الآخر، لكني لم أره منقولاً، والاستعمالات العربية والعرفية تقتضيه.
وكذلك فرق الغزالي بين المفرد الذي فيه هاء التأنيث يمتاز بها عن الجنس نحو برة وبين ما ليس كذلك، فجعل لام التعريف تعم في الثاني دون الأوّل، فتعم في البر دون البرة، وفي التمر دون التمرة، وهو تفصيل حسن، وهو يعضد هذا الموضع أيضاً في اسم الجنس إذا أضيف.
وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين يقولون النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل.
(1) في شأن البحر.
(2)
في شأن قتل الرقبة.
(3)
حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطعام ستين مسكيناً ولما لم يستطع حاول عليه السلام أن يكفر عنه فقال الأعرابي ما قال، انظر القصة بتمامها في كتب الحديث.
قال سيبويه
رحمه الله وابن السيد البطليوسي (1) في شرح الجمل: إذا قلت لا رجل في الدار بالرفع لا تعم بل هو نفي للرجل بوصف الوحدة، فتقول العرب لا رجل في الدار بل اثنان، فهذه نكرة في سياق النفي وهي لا تعم إجماعاً، وكذلك سلب الحكم على العموم حيث وقع، كقولك ما كلّ عدد زوج؛ فإن هذا ليس حكماً بالسلب على كلّ فرد من أفراد العدد، وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل، بل مقصودك إبطال قول من قال كلّ عدد زوج، فقلت له أنت ليس كلّ عدد زوجاً، أي ليست الكليّة صادقة بل بعضها ليس كذلك، فهو سلب الحكم على العموم لا حكم بالسلب على العموم، فتأمل الفرق بينهما. فهذان نوعان من النكرة في سياق النفي ليسا للعموم.
ونص الجرجاني في أول شرح الإيضاح على أن الحرف قد يكون زائداً من حيث العمل دون المعنى، كقولك ما جاءني من رجل، فإن (من) هنا تفيد العموم، ولو قلت ما جاءني رجل لم يحصل العموم وهذه نكرة في سياق النفي، وكذلك قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى:«ما لكم من إله غيره» (2) لو قال ما لكم إله غيره بحذف (من) لم يحصل العموم، وكذلك قوله تعالى:«ما يأتيهم من آية من آيات ربهم» (3) ، ولو قال ما يأتيهم آية بحذف (من) لم يحصل العموم، وهذا يقتضي أن هذه الصيغ الخاصة كلها إذا كانت في سياق النفي لا تفيد العموم؛ وإنما تفيده النكرات العامة، نحو أحد وشيء؛ فإذا قلت ما جاءني أحد حصل العموم، وكذلك نقله النحاة، وإذا قلت ما جاءني من أحد كانت (من) مؤكدة للعموم لا منشئة له. هذا نقل النحاة والمفسرين.
ونقل صاحب إصلاح المنطق وغيره أن اللفظ الذي يستعمل في النفي فقط وهو الذي في قولنا ما بها أحد ولا وابر، ولا صافر، ولا عريب، ولا كتيع،
(1) بفتح الطاء وسكون اللام وفتح الباء.
(2)
59 الأعراف.
(3)
4 الأنعام.
ولا دبِّي من دبيب، ولا دبيح، ولا نافخ ضَرَمة، ولا ديّار، ولا طُورىَ، ولا دورىَ، ولا تُؤمُرِي، ولا لاعِي، ولا أرِم، ولا داع، ولا مجيب، ولا مُعْرِب، ولا أنيس، ولا ناخِر، ولا نامج، ولا ثاغٍن ولا راغ، ولا دُعْوىَ، ولا شُفْر، ولا صوات. وزاد الكراع في كتاب المنتخب طَوىَ أي ما بها أحد يطوى ولا بها طُوئي، ولا زابن، ولا تأمور، ولا عين، ولا عائن، وما لي منه بد.
فهذه الألفاظ وضعت للعموم في النفي، وذلك نحو ثلاثين صيغة، وما عداها يقتضي ظاهر النقول أنه لا يفيد العموم إلاّ بوساطة (من) .
فائدة: أحد الذي يستعمل في النفي غير أحد الذي استعمل في الثبوت، نحو «قل هو الله أحد» (1) فالذي يستعمل في الثبوت بمعنى: واحد ومتوحد، وأحد في
النفي معناه إنسان، وكأنه قال ما فيها إنسان، وبرأى صاحب وبر، وصافر من الصفير وهو الصوت الخاص، وعريب إما من الإعراب الذي هو البيان ومنه الثيب تعرب عن نفسها؛ أي ما فيها مبين، أو ما فيها من ينسب إلى يعرب بن قحطان، وكتيع من التكتع وهو التجمع، تقول تكتع الجلد إذا ألقى (2) في النار فاجتمع، ومنه أكتعون أبصعون ودبى من دبيب، ودبيح معناه متلون، والضرمة النار، وديرا من الدار منسوب إليها كحطاب والطورى من الطور وهو الجبل أي ليس فيها صاحب نار ولا دار ولا جبل، ودورى من الدور جمع دار، وتؤمري من التأموري وهو دم القلب ولاعى القرو قال الجوهري لاحس عسك من قدح والأرم الساكن ويطلق على ليالي الدارس، والداعي والمجيب من الدعاء والإجابة، ومعرب مثل عريب، والناخر من النخير، والنابح الكلب، والثغاء صوت الغنم، والرغاء صوت الإبل، والدعوى من الدعوة وهي وليمة الطعام، والشفر من الشفير وهي الحافة، والطوى من الطي أي ما هناك أحد يطوى، وزابن من الزبن، وأريم من الأرم، والتأمور من
(1) 1 الإخلاص.
(2)
في الأصول أبقى، والأصح ما أثبتناه.
القلب، وعائن وعين من العين، والبد الانفكاك أي مالي منه انفكاك.
إذا تقرر هذا فأقول النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في أحد قسمين؛ مسموع وقياس، أما المسموع فهي هذه الألفاظ، وأما القياس فهي النكرة المبينة، وما عدا ذلك فلا عموم فيه، فهذا هو تلخيص ذلك الإطلاق فيما وصلت إليه قدرتي.
تنبيه: النكرة في سياق النفي تعم سواء دخل النفي عليها نحو لا رجل في الدار، أو دخل على ما هو متعلق بها نحو ما جاءني من أحد، وهل يعم ذلك متعلقات الفعل المنفي؟ الذي يظهر لي أنه إنّما يعم في الفاعل والمفعول إذا كانا متعلق الفعل، أما ما زاد على ذلك نحو قولنا ليس في الدار أحد أو لم يأتني اليوم أحد، فإن ذلك ليس نفياً للطرفين المذكورين، وكذلك ما جاءني أحد ضاحكاً وإلا ضاحكاً ليس نفياً للأحوال، وضاحك مثبت مستثنى من أ؛ وال مثبتة، ونصبه على أنه مستثنى من إيجاب، فتأمل هذا الموضع أيضاً فهو غريب عزيز، ويحرر إلى أي غاية ينتهي عموم النفي وأين يقف.
فائدة: الفعل في سياق النفي وقع في كلام العلماء على ثلاثة أقسام منهم من يقول الفعل في سياق النفي يعم ولا يزيد على هذه العبارة، فتتناول هذه الدعوى الفعل القاصر نحو: قام وقعد، فإذا قلنا لا تقوم يعم النفي أفراد المصادر، والفعل المتعدي نحو أكل وأعطى، ومنهم من يقول - وهو الغزالي وغيره - الفعل المتعدي إذا كانت له مفاعيل إلاّ يعم مفاعيله، فعلى هذه الدعوى لا يتناول الفعل القاصر. والأول قول القاضي عبد الوهاب
وجماعة معه، ومنهم وهو الإمام فخر الدين وجماعة معه من لا يزيد على قوله لا أكل، وهذا المثال يحتمل القولين الأولين، لأنه متعد له مفاعيل، وهو فعل في سياق النفي، والذي يظهر لي أنهما مسألتان متباينتان، الفعل في سياق النفي يعم نحو قوله تعالى:«لا يموت فيها ولا يحيى» (1) أي لا موت له ولا حياة، والفعل المتعدي إذا كانت له مفاعيل لا تعم مفاعيله، وهذا القائل الثالث راجع إلى الثاني.
(1) 74 طه.
وأما قول أبي حنيفة إن المصدر لا يدخل في مفهومه الكثرة فلا يتحقق العموم فلا يتحقق التخصص فلا يخلصه، لأنا نقول لا أكل، يدل على نفي المصدر مطابقة وعلى المفعول التزاماً، لأنه من لوازم الفعل أن له مفعولاً، فهذا اللازم إن كان عاماً دخله التخصيص، وإن لم يكن عاماً، بل إن اللفظ يقتضي أن له مفعولاً ما وهو الصحيح؛ فيدخله التقييد، لأن المطلقات تقيد، وإنما كان لا يحنث لأنه لو قال والله لأكلت رجلاً ونوى تقييده يزيد لم يحنث بغيره، فالمقصود من عدم الحنث حاصل على تقديري التخصيص والتقييد، ومقصود أبي حنيفة فائت على التقديرين من عدم الحنث.
غير أن هنا قاعدة للحنفية أخبرني بها فضلاؤهم وهي أن النية إنّما تؤثر عندهم تخصيصاً أو تقييداً فيما دل اللفظ عليه مطابقة، أما التزاماً فلا، فلذلك ألغينا النية في هذه الصورة تخصيصاً وتقييداً، وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين قوله لا كلمت رجلاً، يصح تقييده، وبين لا أكلت؛ لأن دلالة رجل على زيد بالمطابقة، بمعنى أن مسمى رجل صادق عليه، وفي المواكيل دلالة الالتزام فقط، ثم إن هذه القاعدة لم أر لهم عليها دليلاً بل دعوى مجردة، ويدل على بطلانها قوله عليه الصلاة والسلام «وإنما لكل امرئ ما نوى» وهذا قد نوى شيئاً فيكون له والأصل عدم المانع عن النية حتى يذكروا دليلاً عليه.
وأما استدلال أصحابنا عليهم بالمصدر إذا نطق به نحو: لا أكلت أكلاً بإلزام ظاهر؛ لأن النحاة اتفقوا على أن ذكر المصدر بعد الأفعال إنّما هو تأكيد للفعل والتأكيد للفعل لا ينشئ حكماً، بل ما هو ثابت قبله، فإذا صح اعتبار النية معه وجب اعتبارها قبله. فهذه كلام حق.
وأم إلزامهم لنا عدم جواز التخصيص بالزمان والمكان وقياسهم المفعول به على المفعول فيه، فنحن لا نساعدهم ولا الشافعية على الحكم في الظرفين، بل إذا قال: والله لا أكلت، ونوى يوماً معيناً أو مكاناً معيناً لم يحنث بغيره، فيلزمهم ما ألزمناهم ولا يلزمنا ما ألزمونا. والفعل في سياق النفي مطلقاً يعم،
فمدرك الخلاف فيه أن الفعل إذا نفى فقد نفى مصدره فيصير لا يقوم بمنزلة لا قيام ولا قيام يعم، فلا يقوم يعم، والقول الآخر مبني
على أن هذا القياس في اللغة ولنا منعه، أو يلاحظ صحة الاستثناء في التعميم.
فائدة: اختلف العلماء في هذا الفعل الخاص اختلافاً خاصاً، وهو قوله تعالى:«لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة» (1) ، فقيل يقتضي نفي الاستواء مطلقاً في كلّ شيء حتى في نفي القصاص بين المسلم والذمي إذا قتله المسلم، وقيل لا يفيد نفي الاستواء إلاّ من بعض الوجوه فلا يفيد نفي القصاص.
ومنشأ الخلاف أن قولنا استوى في سياق الثبوت هل هو موضوع في اللغة للاستواء من كلّ الوجوه، ولا يلزم من نفي المجموع إلاّ نفي جزء منه فيبقى بقية الوجوه لم يتعرض لها بالنفي، فلا يلزم النفي من جميع الوجوه، أو هو موضوع لمطلق الاستواء ولو من وجه، فيكون أمراً كلياً لا كلاً ومجموعاً، ويلزم من نفي الأمر الكليّ نفي جميع أفراده فينتفي القصاص؟ والذي يظهر لي أنها موضوعة للاستواء فيما وقع السياق لأجله لا لمطلق الاستواء في الفقه خاصة، وكذلك فيا لنفي، فإذا قال الله تعالى:«لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون» (2) ، دل على نفي الاستواء في الفوز، وأن أصحاب النار هلكى، ولا يتعدى النفي هذا الوجه فلا يقتضي نفي القصاص.
وقال الشافعي رضي الله عنه ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقال، نحو قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان حين أسلم على عشر نسوة:«أمسك أربعاً وفارق سائرهن» من غير كشف عن تقدم عقودهن أو تأخرها أو اتحادها أو تعددها.
روي عن الشافعي رضي الله عنه أيضاً أن حكايات الأحوال إذا تطرق إليها
(1) 20 الحشر.
(2)
20 الحشر.
الاحتمال كساها الإجمال، وسقط بها الاستدلال، فجعلها مجملة لا يستدل بها مع الاحتمال، وفي القول الأوّل جعلها عامة ليستدل بها، فذكرت هذا لبعض العلماء الأعيان، فقال يحمل ذلك على أنه قولان له اختلفا كما يختلف أقول العلماء في المسائل بالنفي والإثبات.
والذي يظهر لي أن ذلك ليس باختلاف، بل هنا تحرير، وهو أن معنى قولا لعلماء حكاية الحال أو واقعة العين إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال أنه الاحتمال المساوي أو المتقارب، وأما الاحتمال المرجوح فلا يمكن أن يكون مسقطاً للاستدلال؛ فإنه لا يكاد يوجد نص لاحتمال فيه ولا واقعة لاحتمال فيها، ولكن تلك الاحتمالات مرجوحة، والعمدة على الظواهر، بل المقصود الاحتمال المساوي، لأن به يحصل الإجمال والظاهر لا إجمال فيه.
وإذا تقرر هذا فأقول: الاحتمال المساوي إما أن يكون في دليل الحكم أو في محل الحكم، فإن كان دليل الحكم حصل الإجمال في الدليل فيسقط به الاستدلال كقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم:«لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» فهذا حكم في رجل بعينه يحتمل أن يكون ذلك خاصاً به فيجوز أن يمس غيره الطيب ويحتمل أن يعمه ويعم غيره من المحرمين كما قاله الشافعي. وليس في اللفظ تعرض لغيره بل يحمل التعميم وعدمه على الاستواء فيسقط به الاستدلال على تعميم الحكم في المحرمين؛ لأنه إجمال في الدليل، وتارة يكون الاحتمال المساوي في محل الحكم والدليل لا إجمال فيه كقصة غيلان، فإن قوله عليه الصلاة والسلام «أمسك أربعاً» ظاهر في الإذن في الأربع غير معينات، والإجمال إنّما هو في عقود النسوة التي هي محل الحكم، فيصبح الاستدلال على التعميم، فله أن يختار، تقدمت العقود أو تأخرت، اجتمعت أو تفرقت.
فأبو حنيفة يقول إذا تقدمت العقود على أربع وعقد بعد ذلك على غيرهن حرم عليه الاختيار من غير تلك الأربع لوقوعهن بعدهن، ونكاح الخامسة وما بعدها لا يقر، وإنما الحديث محمول على ما إذا عقد عليهن عقداً واحداً فلا يتعين الباطل من الصحيح، فيختار.
ونحن نقول أنكحة الكفار كلها باطلة وإنما الإسلام يصححها وإذا كانت باطلة فلا يتقرر أربع دون من عداهن لكون من عداهن يبطل عقده (1) ، والحديث لم يفصل، مع أنها تأسيس قاعدة وابتداء حكم، وشأن الشرع في مثل هذا رفع البيان إلى أقصى غاياته، فلولا أن الأحوال كلها يعمها هذا الاختيار، وإلا لما أطلق صاحب الشرع القول فيها، وكما لو قال صاحب الشرع أعتقوا رقبة في الكفارة ولم يفصل، استدللنا بذلك على عتق الطويلة والقصيرة والبيضاء والسوداء من جهة عدم التفصيل، لا لأن اللفظ عام، بل هو مطلق، غير أن عدم التفصيل يقوم مقام التعميم، فهذا تلخيص هذا الموضع عندي، وأن القولين من الشافعي رضي الله عنه محمولان على حالتين: فإحداهما في دليل الحكم، والأخرى في محل الحكم، وقد تقدم مبسوطاً ممثلاً فتأمله، فهو موضع حسن.
وخطاب المشافهة لا يتناول من يحدث بعد إلاّ بدليل لأن الخطاب موضوع في اللغة للمشافهة.
لا تقول العرب أكرمتكم أو أمرتكم أو نهيتكم أو قوموا، إلاّ لمن هو موجود، فعلى هذا قوله تعالى:«عليكم أنفسكم» (2) ، «واجتنبوا كثيراً من الظن» (3) ، ونحوه هو مختص بالموجودين وقت نزول هذا الخطاب، وتناوله لأهل القرون بعدهم ليس
من جهة اللغة، بل ذلك إما لأنه معلوم ن الدين بالضرورة، وأن الشريعة عامة على الخلائق إلى يوم القيامة، أو بالإجماع للعلماء، طريقتان في ذلك، وكلاهما حق.
وقول الصحابي رضي الله عنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر أو قضى بالشفعة أو حكم بالشاهد واليمين، قال الإمام رحمه الله تعالى لا عموم له لأن الحجة في المحكى لا في الحكاية، وكذلك قوله كان يفعل كذا، وقيل يفيده عرفاً.
(1) في المخطوطة: فلا يتقرر أربع يكون من عداهن يبطل عقدهن.
(2)
105 المائدة.
(3)
12 الحجرات.
هذا الموضع مشكل، لأن العلماء اختلفوا في رواية الحديث بالمعنى، فإن منعناه امتنع هذا الفصل؛ لأن قول الراوي نهي ليس لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن قلنا بجوازه فمن شرطه أن لا يزيد اللفظ الثاني على الأوّل في معناه ولا في جلائه وخفائه، فإذا روى العدل المعنى بصيغة العموم في قوله الغرر، تعين أن يكون اللفظ المحكى عموماً، وإلا كان ذلك قدحاً في عدالته حيث روى بصيغة العموم ما ليس عاماً، والمقرر أنه عدل مقبول القول، هذا خلف، فلا يتجه قولنا الحجة في المحكى لا في الحكاية، بل فيهما؛ لأجل قاعدة الرواية بالمعنى.
نعم قول الراوي قضى بالشفعة له معنيان: أحدهما قضى بمعنى نفذ الحكم بين الخصوم كما يفعله القضاة، فهذا يستحيل فيه العموم في اشلفعة، فإن جميع الشفعات إلى يوم القيامة يستحيل الحكم بها بين خصومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثانيهما حكم بمعنى ألزم من باب الفتيا وتقرير قواعد الشريعة كقوله تعالى:«وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا» ، أي أمركم بهذا وقدره فهذا يتصور فيه العموم، فإن تعلق الأمر بما لا يتناهى من العمومات ممكن، وكذلك القول في قوله حكم بالشاهد واليمين يحتمل التصرف بالقضاء، والتصرف بالتبليغ والفتيا، غير أن (حكم) أبلغ في الظهور في القضاء دون الفتيا من لفظ (قضى) ، ومتى تعارضت الاحتمالات سقط الاستدلال، غير أنه يحسن من الراوي أن يطلق لفظ العموم إذا كان المراد التصرف بالقضاء بناءً منه على أن المراد بلام التعريف حقيقة الجنس لا استغراق الجنس؛ اعتماداً على قرينة تعذر الحكم بجميع أفراد العموم وأما إن كان المراد الفتيا والتبليغ فيتعين أن المحكى عام مثل لفظ الحكاية وإلا لزم القدح في عدالة الراوي. وأما (كان) فأصلها أن تكون في اللغة كسائر الأفعال لا تدل إلاّ على مطلق وقوع الفعل في الزمان الماضي، وهو أعم من كونه تكرر بعد ذلك أو لم يتكرر، انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع.
هذا هو مدلولها لغة، غير أن العادة جارية بأن القائل إذا قال كان فلان يتهجد بالليل لا يحسن ذلك منه إلاّ وقد كان ذلك متكرراً منه في الزمن الماضي، وأما
قوله تعالى: «وكان الله غفوراً رحيماً» (1) ، «وكان الله بكل شيءٍ عليماً» (2) فدلت قرينة
أن الله تعالى موصوف بذلك دائماً، على أن المراد الحالة المستمرة الماضي والحال والمستقبل، بخلاف قولنا كنا نفعل كذا، أو كان زيد يفعل كذا، إنّما يتناول التكرار في الزمن الماضي خاصة، وهذه كلها قرينة زائدة على اللغة، واللفظة من حيث اللغة لا تفيد العموم، وهو وجه من يقول إنها لا تفيد العموم، والقائل الآخر يقول يفيده عرفاً، ويريد بالعموم التكرر على الوجه المتقدم وهو غير العموم، فيكون إطلاقه العموم عليه مجازاً.
ووقع في (كان) بحث آخر للفضلاء أرباب المعقول، وهي أنها فعل يصدق على الوجود الواجب الذي يستحيل عليه العدم، كوجود الله تعالى، فمنعه جمع كثير وقالوا لا يصح على وجود الله تعالى (كان) فإنه يشعر بالتقضي والعدم؛ والصحيح جوازه، لأنه ليس فيها إلاّ أن الوجود قارن الزمان والماضي، أما إنه انعدم بعد ذلك فلا، فنقول كان الله ولا شيء معه، ولا محذور في ذلك فتأمل ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب: إن (سائر) ليست للعموم، فإن معناها باقي الشيء لا جملته، وقال صاحب الصحاح وغيره من الأدباء إنها بمعنى جملة الشيء، وهو مأخوذة من سور المدينة المحيط، لا من السور الذي هو البقية، فعلى هذا يكون للعموم، وعلى الأوّل الجمهور والاستعمال.
الصحيح أن أصلها الهمزة من السور الذي هو البقية، وتسهل الهمزة فيقال سور بغير همز، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «فارق سائرهن» أي باقيهن.
وقال ابن دريد:
حاشى لما أسأره فيّ الحجا
…
والحلم أن أتبع روَّاد الخَنا
أي أبقاه في الحجا، والحجا العقل، وعلى هذا لا يكون للعموم بل بقية الشيء، وذلك صادق على أقل أجزائه.
(1) 99 النساء.
(2)
40 الأحزاب.
وقال الجبائي الجمع المنكر للعموم خلافاً للجمع في حلمهم له على أقل الجمع.
حجة الجمهور أنه نكرة في سياق الإثبات فلا يعم حتى يدخل عليه أداة العموم وهي لام التعريف والإضافة وحصول الاتفاق، ولو قال عند الحاكم له عندي دراهم لم يلزمه أكثر من ثلاثة، ولو حلف ليتصدقن بدراهم بَرَّ بثلاثة، وكذلك الوصية والنذر.
وحجة الجبائي أن حمله على العموم حمل اللفظ على جميع حقائقه فهو أولى.
جوابه: أن حقيقته واحدة وهي القدر المشترك بين الجموع، وأما أفراد الجموع فهو محل حقيقته، لا أنها حقائقه، فقوله جميع حقائقه كلام باطل.
والعطف على العام لا يقتضي العموم نحو قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» ثم قال تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن» (1) فهذا
الضمير لا يلزم أن يكون عاماً في جملة ما تقدم. لأن العطف مقتضاه التشريك في الحكم الذي سيق الكلام لأجله فقط.
الضمير خاص بالرجعيات، لأن وصف الأحقية للأزواج إنّما هو فيهن، وإذا كان ضمير العام خاصاً هل يتعين أن يكون المراد بالعموم الأوّل ما أريد بالضمير فقط، لأن القاعدة استواء الظاهر والمضمر في المعنى، أو يحمل الظاهر على عمومه؛ لأن صيغته صيغة عموم والضمير على الخصوص، لانعقاد الإجماع على استواء الزوج والأجنبي في البائن، هذا هو الصحيح، لأن الأصل عدم التخصيص، فلا يكون الظاهر خاصاً، ولا المضمر عاماً.
وقال الغزالي المفهوم لا عموم له. قال الإمام: إن عنى أنه لا يسمى عاماً لفظياً فقريب، وإن عنى أنه لا يفيد عموم انتقاء الحكم فدليل كون المفهوم حجة ينفيه.
الظاهر من حال الغزالي في هذه المسألة أنه إنّما خالف في التسمية، وأن لفظ
(1) 228 البقرة.
العموم موضوع في الاصطلاح لما كان الشمول فيه من جهة اللفظ نطقاً لا من جهة المفهوم، وأما عموم النفي في المسكوت فهو قائل به، لأنه من القائلين بأن المفهوم حجة.
وخالف القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ، وقال بالوقف مع الواقفية، وقال أكثر الواقفية إن الصيغ مشتركة بين العموم والخصوص، وقيل يحمل على أقل الجمع، وخالف أبو هاشم مع الواقفية في الجمع المعرف باللام، وخالف الإمام فخر الدين مع الواقفية في المفرد المعرف باللام، لنا أن العموم هو المتبارد، فيكون مسمى اللفظ عموماً كسائر الألفاظ لصحة الاستثناء في كلّ فرد، وما صح استثناؤه وجب اندراجه.
سبب توقف القاضي في الجميع وجدانه أكثر صيغ العموم مستعملة في الخصوص، حتى قيل ما من عام إلاّ وقد خص إلاّ قوله تعالى:«والله بكل شيء عليم» فلما تعارضت الأدلة عنده من جهة أن الأصل عدم التخصيص وعدم المجاز وعدم الاشتراك، حصل له التوقف. وقال في مستند التوقف لو علم مسمى هذه الصيغ لعلم إما بالعقل وهو باطل لعدم استقلال العقل بدرك اللغات، أو بالنقل وهو إما متواتر وهو باطل وإلا لعلمه الكل لأن التواتر مفيد للعلم، أو آحاد وهو باطل؛ لأن الآحاد لا تفيد إلاّ الظن، والمسألة علمية، وهذا المستند طرده في الأوامر والعمومات وجميع الألفاظ التي حصل له فيها التوقف.
وجوابه: أنه علم بالاستقراء التام من اللغات على سبيل القطع والتواتر، ولا يلزم علم الكل به لعدم اشتراكهم في هذا الاستقراء التام، أو يعلم ذلك بدليل مركب من النقل
والعقل، وهذا المدرك لم يذكره في تقسيمه فقسمته غير حاصرة فلا تفيد، ومثاله أن ينقل إلينا أن الاستثناء يدخل على صيغة العموم، وأن الاستثناء عبارة عما لولاه لوجب اندراجه، فيستنبط العقل من هاتين المقدمتين النقليتين بوساطة: أن ما من نوع إلاّ يصح استثناؤه وما استثني فيجب اندراجه، فيحصل أن الصيغة للعموم، وحجة
الاشتراك أن اللفظ مستعمل فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولحسن الاستفهام عند قول القائل أكرمت كلّ من في الدار، فيقال له هل أكرمت زيداً معهم؟ والاستفهام طلب الفهم، وطلب الفهم مع حصوله عبث.
والجواب عن الأوّل: أن الأصل أيضاً عدم الاشتراك فيكون اللفظ مجازاً في الخصوص، والمجاز أولى من الاشتراك لما تقدم. وعن الثاني: أن الاستفهام يحسن لإبعاد المجاز، بل يحسن حيث ينتفي المجاز بالكلية كما في أسماء الأعداد، فإذا قيل لك بعث لك السلطان بعشرة آلاف دينار، تقول بعشرة آلاف دينار؟! استعظاماً لذلك، لاحتمال أن يكون المتكلم حصل له سهو في كلامه، ولفظ العشرة لا يحتمل المجاز البتة، فصيغة العموم أولى بصحة الاستفهام، وأما حمله على أقل الجمع فللجزم بعدم العموم (1) فصار الجمع المعرف عند هذا القائل كالجمع المنكر، والمنكر يحمل على أقل الجمع فكذلك هذا.
وأما الجمع المعرف باللام فتخيل أبو هاشم: أن اللام قد تكون لبيان حقيقة الجنس كقول السيد لعبده امض إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم، فإن مراده ليس العموم إجماعاً، بل الإتيان بهاتين الحقيقتين، وقد تكون للعهد كقوله تعالى:«كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول» (2) ، أي المعهود ذكره الآن، وإذا صلحت للاستغراق وغيره لم يتعين الاستغراق، وهذا بعينه مدرك الإمام فخر الدين غير أنه يفرق بين الجمع والمفرد لو كان للعموم لصح نعته بالجمع، فتقول جاءني الفقيه الفضلاء ولا يؤكد بالجمع نحو جاءني الفقيه كلهم، وليس كذلك، فدل على أنه ليس للعموم.
وجوابه: أن العرب اشترطت في النعت والتأكيد مع المساواة في المعنى المناسبة اللفظية فلا ينعتون المفرد إلاّ بالمفرد، ولا التثنية إلاّ بالتثنية، ولا الجمع إلاّ بالجمع،
(1) لعل صحة العبارة: فلعدم الجزم بالعموم.
(2)
16 المزمل.
فالمفرد وإن كان للعموم والجمع للعموم، غير أن المناسبة اللفظية فاتت، فلذلك امتنع نعت المفرد بالجمع، ويدل على أن هذه الصيغة التي ادعينا فيها العموم للعموم أمور أربعة حسن الجري على موجب العموم، فإذا قال من دخل داري فأعطه درهماً، يحسن من العبد إعطاء
كلّ داخل. وثانيها: العتب على ترك بعض الداخلين. والثالث: الثواب إذا فعل الجميع، والعقاب إذا ترك البعض. والرابع حسن الاستثناء، فهذه مطردة في جميع صور النزاع.
تنبيه: النكرة في سياق النفي يستثنى منها صورتان: إحداهما لا رجل في الدار بالرفع فإن المنقول عن العلماء أنها لا نعم، وهي تبطل على الحنفية ما ادعوه من أن النكرة إنّما عمت لضرورة ففي المشترك، وعند غيرهم عمت لأنها موضوعة لغة لإثبات السلب لكل واحد من أفرادها، وثانيهما سلب الحكم عن العمومات نحو ليس كلّ بيع حلالاً فإنه نكرة في سياق النفي ولا يعم لأنه سلب للحكم عن العموم، لا حكم بالسلب على العموم.
تقدم التنبيه على هاتين الصورتين عند ذكر النكرة في النفي.
وقالت الحنفية بالعموم بطريق الالتزام، لأنه يلزم من نفي الأمر الكليّ نفي أفراده وجزئياته.
ونحن نقول النفي حصل في الأنواع والأفراد مطابقة، وأن العرب وضعت النكرة في سياق النفي للقضاء بالحكم على كلّ فرد فرد حتى لا يبقى فرد، لا لأنها لقول القائل: هل من رجل في الدار؟ فكان الأصل أن يقال لا من رجل في الدار، مع إثبات (من) غير أن العرب حذفتها تخفيفاً وأبقت معناها وهو سبب البناء لأجل تضمن الكلام معنى المبني وهو (من) وإذا تقرر أن لفظة من هي في أصل الكلام، وهو سبب البناء (ومن) لا تدخل إلاّ للتبعيض هنا، والتبعيض لا يتأتى في ذلك الأمر الكليّ، بل في الإفراد، فيكون النافي إنّما نفي الإفراد وهو المطلوب.