الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع فيما يدخل القياس
وهو ثمانية أنواع: الأول اتفق أكثر المتكلمين على جوازه في العقليات ويسمونه إلحاق الغائب بالشاهد.
جعلوا الجامع في إلحاق الغائب بالشاهد أربعة: الجمع بالحقيقة كقولنا حقيقة العالم من قام به العلم والله تعالى عالم فيقوم به العلم. والجمع بالدليل كقولنا الإتقان في الشاهد دليل العلم، والله تعالى متقن لأفعاله فيكون عالماً. والجمع بالشرط كقولنا العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله تعالى عالم فيكون حياً، والجمع بالعلة كقولنا العلم في الشاهد علة للعالمية والله تعالى له علم فيكون عالماً. وكثير من مباحث أصول الدين مبني على قياس الشاهد على الغائب.
حجة المنع أن صورة المقيس إذا كانت بعينها صورة المقيس عليه فهما واحد ولا قياس حينئذ، وإن تغايرا فلكل واحد منهما تعين، فلعل تعين الأصل شرط ولأجل ذلك صح ثبوت الحكم للأصل، وتعين الفرع مانعاً ولا يثبت الحكم ومع الاحتمال لا يتعين، والمطلوب بهذا القياس التعين.
والجواب: أن العقل قد يقطع بسقوط الخصوصيات عن الاعتبار، كما تقول: إن اللون الذي قام بزيد مفتقر للجوهر، وكذلك الجماد والنبات، وإن خصوصية الحيوان والجماد والنبات لا مدخل له في افتقار اللون للمحل لا شرطاً ولا منعاً ولا موجباً، بل ذلك لذات اللون من حيث هو لون، وكذلك علم زيد إنما هو مشروط بالحياة لأنه علم لا بخصوص محل، ونحن إنما نقيس فيما هذا شأنه فاندفع الاحتمال وحصل القطع باستواء الموضعين في العلم.
الثاني: اختار الإمام وجماعة جواز القياس في اللغات، وقال ابن جني هو قول أكثر الأدباء خلافاً للحنفية وجماعة من الفقهاء.
قال سيف الدين الآمدي: لا يجوز القياس في اللغات، وقال بعضهم: جميع
اللغات اليوم ثابتة بالقياس؛ لأن العرب إنما وضعت أسماء الأجناس للأعيان التي شاهدوها، فإذا هلكت تلك الأعيان وجاءت أعيان أخرى فإنما يطلق عليها الاسم بالقياس، فلفظ الفَرَس وغيره من الحيوانات اليوم إنما يطلق بالقياس وهذا غلطن فإن العرب إنما وضعت لما تصورته بعقولها لا لما شاهدته بأبصارها والمتصور في العقل موجود في الأشخاص الماضية والحاضرة على حد واحد، فمفهوم الفرس المعقول هو الموضوع له، ويصير معنى ذلك أن
الواضع قال كل ما ينطبق عليه هذه الصورة الذهنية هو المسمى بالفرس عندي، وكذلك بقية أسماء الأجناس. ولم يوضع لما في الخارج من المشاهد بالبصر إلا أعلام الأشخاص دون أعلام الأجناس، فهذا ذكره الشيخ أبو إسحق في اللمع، وعلته ما ترى إنما القياس في اللغة مثل كون العرب وضعت السرقة لأخذا لمال على صورة مخصوصة، حتى فرقت بين الغاصب والمحارب والجاحد والخائن والمختلس والسارق، فحينئذ السرقة موضوعة لشيء مخصوص، فهل يسمى النباش للقبور سارقاً لأجل مشابهته للسارق أو يسمى اللائط زانياً لمشابهته للزاني؟ هذا موضع الخلاف.
حجة المنع: أنه لو صح القياس لبطل المجاز خصوصاً المستعار، فإن المشابهة هي علاقته، فحينئذ إن أرادوا بالقياس أنه يصير حقيقة بطل هذا المجاز كله وقد أجمعنا على ثبوته، وإن أرادوا جواز الإطلاق على سبيل المجاز فهو متفق عليه فعلم بأن القول بالقياس لا سبيل إليه، ولأن الأبلق يقال للفرس لاجتماع السواد والبياض فيهن ولا يقال ذلك لغيره من الحيوانات، فلو كان القياس سائغاً لساغ ذلك، لكن أهل اللغة منعوه، وكذلك القارورة تقال للزجاجة لأجل ما يستقر فيها، ولا يقال ذلك للنهر ولا لغيره وإن استقرت فيه المائعات.
حجة الجواز: أن الفاعل يرفع في زماننا والمفعول ينصب وغير ذلك من المعمولات وذلك في أسماء لم يسمعها العرب من الأعلام وغيرها، فلا يمكن أن يقال ذلك بالوضع لأن العرب لم تسمع هذه الأسماء، والوضع، فرع التصور، فيتعين أن يكون القياس.
والجواب: أن ذلك بالوضع، والعرب لما وضعت الفاعل ورفعته لم تضعه لشيء بعينه بل للحقيقة الكلية، وتلك الحقيقة الكلية هو كونه مسند إليه للفعل وما في معنى الفعل من اسم الفاعل ونحوه، وذلك موجود في جميع هذه الصور، فلا جرم صح الإطلاق، وكان عربياً حقيقة لا مجازاً ولا قياساً.
الثالث: المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب كقياس اللواط على الزنا في وجوب الحد، لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس إنه موجب للعبادة كغروبها.
حجة الجواز: أن السببية حكم شرعي فجاز القياس فيها كسائر الأحكام، ولأن السبب إنما يكون سبباً لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سبباً تكثيراً لتلك الحكمة.
حجة المنع: أن الحكمة غير منضبطة لا، ها مقادير من الحاجات، وإنما المنضبطة الأوصاف، ولذلك إنما ترتب الحكم على سببه وجدت حكمة أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة
وإن لم يتلف المال بأن وُجد مع السارق، ونحد الزاني وإن لم يختلط نسب بل تحيض ولا يظهر حبل، فعلمنا أن الحكمة إنما هي مرعية في الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا فإنما نجمع بالحكمة وهي غير منضبطة، والجمع بغير المنضبط لا يجوز.
الرابع: اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي، قال الإمام والحق أنه يدخله قياس الاستدلال بعدم خواص الشيء على عدمه دون قياس العلة، وهذا بخلاف قياس الإعدام فإنه حكم شرعي.
العدم الأصلي كعدم صلاة سادسة، وعدم وجوب صوم شهر غير رمضان، ونحوه.
حجة الجواز: أنه يمكن أن يقال إنما لم يجب الفعل الفلاني لأنه فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا الفعل مشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب أن لا يجب.
حجة المنع: أن العدم الأصلي ثابت مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته بالغير، ولا يمكن إثباته بالقياس.
حجة الإمام أن العلة إنما تكون في المعاني الموجودة، والعدم نفي محض فلا يتصور فيه العلل.
وجوابه: ما تقدم أن العدم قد يعلل بدرء المفسدة، كما تقول إنما لم يبح الله تعالى الزنا ونحوه لما فيه من المفاسد، وأما الإعدام فهو رفع الحكم بعد ثبوته، ولا شك أن رفع الثابت يحتاج إلى رافع، بخلاف تحقق ما هو محقق فإنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فظهر الفرق بين العدم والإعدام.
الخامس قال الجبائي (1) والكرخي لا يجوز إثبات أصولا لعبادات بالقياس.
حجة المنع: أن الدليل ينفي العمل بالظن، خالفناه في إثبات فرع العبادات بالقياس فيبقى على مقتضى الدليل في أصولها. والفرق أن أصل العبادة أمر مهم في الدين، فيكون بالتنصيص من جهة صاحب الشرع لاهتمامه به. والفرع بعد ذلك ينبه عليه أصله فيكفي فيه القياس.
حجة الجواز: أن الشريعة غذا وجد فيها أصل عبادة لنوع من المصالح، ووجد ذلك النوع من المصالح في فعل آخر وجب أن يكون مأموراً به عبادة، قياساً على ذلك النوع
الثابت بالنص تكثيراً للمصلحة، والأدلة الدالة على القياس لم تفرق بين مصلحة ومصلحة، وما ذكرتموه من الفرق معارض بأن مصلحة أصل العبادة إما أعظم من مصلحة الفرع أو مثلها، لأن الأصل لا يكون أضعف من فرعه، وعلى كل تقدير وجب القول بالقياس تحصيلاً لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى، أو المصلحة المساوية، لأن حكم أحد المثلين حكم الآخر.
السادس: يجوز عند ابن القصار والباجي والشافعي جربان القياس في المقدرات والحدود والكفارات خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه لأنها أحكام شرعية.
حجة المنع: أن المقدرات كنصب الزكوات والحدود كجلد الزاني مائة والكفارات كصيام ثلاثة أيام لا يعقل معنى هذه الحدود دون ما هو أقل منها كتسعة عشر ديناراً في الزكاة، وتسعة وتسعين سوطاً أو يمين أو أحد وستين في كفارة الطهارة مثلاً، وما لا يعقل معناه يتعذر القياس فيه.
والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم فحيث تعذر ذلك وكان تعبداً فإنا لا نقيس، فلا يرد علينا مواطن التعبد.
السابع: يجوز القياس عند الشافعي على الرخص، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه.
حكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص،
(1) أبو علي محمد بن عبد الوهاب 849-915 ولد بخوزستان وانتقل إلى البصرة أخذ عن الشحام تلميذ العلاف. من أشهر تلاميذه ابنه أبو هاشم والأشعري. وهو رئيس معتزلة البصرة. أنكر الصفات توكيداً لوحدة الله تعالى.
وخرجوا على القولين فروعاً في المذهب، منها ليس خف على خف وغير ذلك.
حجة المنع: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.
حجة الجواز: أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة وجب أن يخالف الدليل بها أيضاً عملاً برجحانها، فنحن حينئذ كثرنا من موافقة الدليل لا مخالفته.
الثامن: لا يدخل القياس فيما طريقه الحلقة والعادة كالحيض، وفيما لا يتعلق به عمل كفتح مكة عنوة، ونحوه.
لا يمكن أن نقول فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها وجب أن تكون الأخرى كذلك قياساً عليها فإن هذه الأمور تتبع الطباع والأمزجة والعوائد في الأقاليم. فرب إقليم يغلب عليه معنى لا يغلب على غيره من الأقاليم، وأما فتح مكة عنوة فإن أريد به أنه وجب أن يكون الواقع العنوة في دمشق كما وقعت في بلد علم أنه عنوة فهذا صحيح، فإن العنوة
تتبع أسبابها، ولا يمكن إثبات عنوة ولا صلح بالقياس، وإن أريد أن العنوة ليس فيها حكم شرعي فليس كذلك، بل لنا أن نثبت العنوة أحكاماً شرعية بالقياس كالحبس في الأراضي وغيرها من الإجارات والشفعات وصحة القسمة والإرث وغير ذلك، فقد قال مالك إن أرض العنوة يمتنع فيها جميع ذلك، وقال الشافعي يجوز فيها جميع ذلك، فهذا تعلق به أحكام شرعية أمكن التمسك في بعضها بالقياس إذا وجد جامع يقتضيه، غير أن الإمام فخر الدين أطلق القول في ذلك، والحق في التفصيل.