الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراهم فأعطاه له شيئاً بعد شيء لا يعتق، لأنه لم يعطه عشرة وإنما أعطاه بعضها في كلّ زمان، وهذا يجيء على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد فيعتق؛ أعطاه الدراهم جملة أو متفرقة، وهذا هو الذي عليه الفتيا في مذهب مالك، مع أن في هذا الأصل قولين في المذهب عندنا وعند غيرنا.
وأما إذا كان الشرط عدم هذه الأمور فعدم الجميع يمكن التحقق (1) بخلاف الوجود، فإذا مضى زمان لم ينو فيه أو لم يقرأ سورة البقرة، فإنَّها مثل الحول لا يقع إلاّ متدرجاً، أو لم يعطه الدراهم عتق لوجود الشرط، هذا هو كلام الإمام في المحصول، وهو الذي نقلته هنا. والفقه والمذهب يقتضي أنه إذا قال له إن لم يدر الحول عليه وأنت في هذا المنزل أو إن لم تقرأ سورة البقرة فأنت حر، لا يكفي مُضي زمان فرز فيه عدم الحول أو عدم قراءة سورة البقرة، بل ينبغي أن يعتبر مضي زمن يسع قراءة سورة البقرة فلو مضى أحد عشر شهراً، أو أحد عشر شهراً مثلاً وبعض الشهر الثاني عشر، هذا كله لا يعتق فيه العبد، ولا يعتق إلاّ إذا مضى عليه حول، لأن هذا هو مقصد الناس في أيمانهم، نعم إن قال إن مضى زمان فرز فيه عدم أحد هذه الأمور؛ فيكفي مطلق العدم ويعتق بمضي الزمن الفرد، ولكن هذا بالنية أو مصرح كما تقدم، وأما تلك الألفاظ المتقدمة فلا يلزم ذلك.
الفصل الثالث في حكمه
إذا رتب مشروط على شرطين لا يحصل إلاّ عند حصولهما إن كانا على الجمع، وإن كانا على البدل حصل عند أحدهما وإلى المعلق تعينه لأن الأصل (2) أن الشرط مشترك بينهما.
(1) في نسخة مخطوطة: فعدم الجميع على التحقيق.
(2)
في المخطوطة: لأن الحاصل أن الشرط.
مثاله: قوله إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت حر، فهذا علق عليهما معاً، فلا يحصل إلاّ عند حصولهما. ومثال البدل: إن دخلت الدار أو كلمت زيداً فأنت حر، فالشرط أحدهما لا بعينه.
قال الإمام في المحصول: وللمعلق تعينه وهو مشكل، فإن اللفظ إذا أطلق هدراً من غير قصد لزم العتق عند أيهما كان، وليس له بعد ذلك أن يعين أحدهما للشرطية ويبطل
الآخر، وإن كان عند الإطلاق نوى أحدهما معيناً (1) فذلك الذي نوى هو الشرط، والذي نوى إلغاءه ليس بشرط، ولا يكفي في إلغائه القصد إلى شريطة الآخر مع الغفلة عنه؛ لأن هذه نية مؤكدة لا ملغية، فيبقى اللفظ صريحاً في الشرطية في المشترك بينهما، والمشترك موجود في كلّ واحد منهما فيعتق بأيهما كان، والنية في أحدهما فقط زائدة خصوصاً على عموم لا مبطلة للعموم في الآخر، فتأمل ذلك، وقد تقدم من ذلك نبذة كثيرة في تخصيص العموم فطالعه هناك. وإن أراد الإمام للمعلق تعينه أي تعيين أحدهما عند التلفظ بالشرطية وتعيين الآخر للإلغاء صح، وإلا لم يصح كلامه لما تقدم.
وإذا دخل الشرط على جمل رجع إليها عند إمام الحرمين وإلى ما يليه عند بعض الأدباء، واختار الإمام فخر الدين التوقف، واتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، وعلى حسن التقييد به وإن كان الخارج به أكثر من الباقي، ويجوز تقديمه في اللفظ وتأخيره، واختار الإمام تقديمه، خلافاً للقراء جمعاً بين التقدم والطبعي والوضعي.
حجة العود على جميع الجمل ما تقدم من الوجوه الثلاثة المقتضية عود الاستثناء على جميع الجمل بطريق الأولى، لأن التعاليق اللغوية أسباب مقتضية للحكم والمصالح، فعودها على الجميع تكثير للمصلحة، بخلاف الاستثناء إنّما هو إخراج لما ليس بمراد عن المراد فأمره أسهل.
حجة عدم العود واختصاصه بما يليه: أنه فضلة في الكلام ومبطل له: فيختص بما يليه، تقليلاً لمخالفة الأصل في رفع ما تقرر بغير شرط.
(1) في الأصول: نوى أحدهما معيناً.
حجة التوقف تعارض المدارك.
وأما اتفاقهم على وجوب اتصاله بالكلام فلأنه فضلة لا يستقل بنفسه فلا يعود لما تقدم في الاستثناء بطريق الأولى، لما تقدم أن الشرط متضمن للمصالح والمصالح تناسب الاهتمام بها فلا تؤخر.
وأما حسن التقييد به ولو أخرج أكثر الكلام بل قد يبطله كله، فإنه إذا قال أكرم بني تميم إن أطاعوا الله، فقد لا يطيع منهم أحد فيبطل جميع الكلام الذي كان يثبت لولا هذا الشرط، فإنهم مستحقون الإكرام لولا هذا الشرط، وكذلك قد لا يطيع أكثرهم، فيخرج من الكلام أكثره، ولا يقبح ذلك، ولا يجري فيه الخلاف الذي في الاستثناء.
والفرق من وجهين: أحدهما أن الموجب لقبح إخراج الكل أو الأكثر بالاستثناء أن
المتكلم به يعد عابثاً في كونه أقدم على النطق بما يعتقد خلافه، وأنه يعود فيبطله بلفظ آخر، ولا يعد عابثاً في الشرط بسبب أن الخارج بالشرط غير متعين حال التلفظ، وإنما ذلك تسفر العاقبة عنه. وثانيهما: أن احتمال إخراج الشرط للأكثر معارض بأنه قد لا يخرج شيئاً ويطيعون كلهم، فيبقى الكلام بجملته لا يبطل منه شيء، فلما تعارضا سقطا، وصار الكلام كأنه لم يدخله تقييد.
وأما التقديم فهو في النطق لا غير، والفراء يلاحظ أنه فضله في الكلام، والفضلة شأنها التأخير كالصفة والغاية والنعت والمفعول والتأكيد وغيره، يلاحظ أنه سبب والسبب شأنه التقديم، فهو متقدم في المعنى، فيكون متقدماً في اللفظ، وهو معنى قوله: هو متقدم في الطبع فيقدم في الوضع، وقد غلط بعض الجهال وقال إن العلماء قد جوزوا تقدم المشروط على شرطه، وإن وجود المشروط حالة عدم شرطه فيه خلاف، وإذا سئل أين ذلك؟ يشير إلى تلك المسألة، وهو غلط، ما قال أحد بأن المشروط لا يتوقف على شرطه، بل الخلاف في التقدم في النطق حالة التعليق فقط، هل يقول أنت حر إذا دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فأنت حر، أما وقوع الحرية قبل الدخول من جهة أنها معلقة فلم يقل به أحد.