الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحُدُودَ مَوَانِعٌ قَبْلَ الْفِعْلِ زَوَاجِرٌ بَعْدَهُ أَيْ الْعِلْمُ بِشَرْعِيَّتِهَا يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِيقَاعُهُ بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَى كَافَّةِ النَّاسِ فَكَانَ حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ وَصِيَانَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْفَسَادِ فَفِي حَدِّ الزِّنَا صِيَانَةُ الْأَنْسَابِ وَفِي حَدِّ السَّرِقَةِ صِيَانَةُ الْأَمْوَالِ وَفِي حَدِّ الشُّرْبِ صِيَانَةُ الْعُقُولِ وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ صِيَانَةُ الْأَعْرَاضِ فَالْحُدُودُ أَرْبَعَةٌ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَجَعَلَ الْخَامِسَ حَدَّ السُّكْرِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَدَّ السُّكْرِ هُوَ حَدُّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رحمهم الله فِي أَنَّ الطَّهِرَةَ مِنْ الذَّنْبِ مِنْ أَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى ذَلِكَ وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ إثْمُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَنَا عَمَلًا بِآيَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة: 34] فَإِنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ يَعُودُ إلَى التَّقْتِيلِ أَوْ التَّصْلِيبِ أَوْ النَّفْيِ فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَيْهِمْ وَأَسْقَطَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ إلَيْهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا أَنَّ «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا تَابَ فِي الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ضَرْبَهُ أَوْ رَجْمَهُ يَكُونُ مَعَهُ تَوْبَةٌ مِنْهُ لِذَوْقِهِ سَبَبَ فِعْلِهِ فَتَقَيَّدَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَقَيُّدُ الظَّنِّيِّ مَعَ مُعَارَضَةِ الْقَطْعِيِّ لَهُ مُتَعَيِّنٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ عَائِدًا إلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ الذَّنْبَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى عَذَابِ الدُّنْيَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَبْقَى حَدُّ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقِصَاصِ إنْ قَتَلُوا وَالْقَطْعِ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ فَصَحَّ الْعَفْوُ عَنْهُمْ بِخِلَافِهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَصِحَّ عَفْوُ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِينَ وَاسْتَدَلَّ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا مِنْ الذَّنْبِ بِأَنَّهُ يُقَامُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا مُطَهِّرَ لَهُ اتِّفَاقًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَيُقَامُ عَلَى كُرْهٍ مِمَّنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِشَيْءٍ لِجَوَازِ التَّكْفِيرِ بِمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْمَكَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَاصِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ التَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِنَابَةُ ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِمَامِ ثُبُوتُهُ وَجَبَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ إقَامَتِهِ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ أَتَى بِفَاحِشَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَنَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُعْلِمُ الْقَاضِيَ بِفَاحِشَتِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالزِّنَا وَطْءٌ فِي قُبُلٍ خَالٍ عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ) بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَاللُّغَوِيِّ، فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ وَخَرَجَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَخَرَجَ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَمَنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةُ مِلْكٍ وَدَخَلَ وَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ، فَإِنَّهُ زِنًا شَرْعِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ وَطْءُ الرَّجُلِ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ فِعْلَهَا لَيْسَ وَطْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْكِينٌ مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الدُّنْيَا وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ أَمَّا لَوْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَتَابَ بَعْدَمَا أُخِذَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي وَبِهَذَا ظَهَرَ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ لِاتِّحَادِ جِنْسِهَا فَيَرْتَفِعُ الْكُلُّ بِالتَّوْبَةِ وَرَجَعَ إلَى مَا يَلِيه فِي آيَةِ الْقَذْفِ لِمُغَايِرَتِهَا لِمَا قَبْلَهَا فَكَانَتْ فَاصِلَةً اهـ.
وَيُرِيدُ بِارْتِفَاعِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعَ لِمَا قَدْ عَلِمْته مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ أَوْ أَخَذَ الْمَالَ وَتَابَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَوَاءٌ تَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ أَوْ بَعْدَهُ اهـ.
قُلْتُ: وَفِي حَمْلِهِ الْكُلَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَلَا شُبْهَةَ فِي سُقُوطِهِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ أَوْ أَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ وَالضَّمَانُ لِكَوْنِهِ حَقَّ عَبْدٍ حَتَّى لَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَالْقَطْعُ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ) صَوَابُهُ وَالضَّمَانُ بَدَلٌ قَوْلُهُ وَالْقَطْعُ وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةُ لَوْ قَتَلَ فَتَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ لَا حَدَّ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَا تُقَامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ أَوْ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ أَوْ يَعْفُوَ وَيَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
[بَاب حَدّ الزِّنَا]
(قَوْلُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ وَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ
وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ كَمَا تَوَهَّمَهُ الزَّيْلَعِيُّ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْتَقَضَ التَّعْرِيفُ طَرْدًا وَعَكْسًا أَمَّا انْتِقَاضُهُ طَرْدًا، فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي الْمَجْنُونِ، وَالْمُكْرَهِ وَفِي وَطْءِ الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَالْمَيِّتَةِ، وَالْبَهِيمَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ زِنًا شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا انْتِقَاضُهُ عَكْسًا فَبِزِنَا الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الْحَدَّ انْتَفَى وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَحْدُودُ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ فَالزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ هُوَ وَطْءُ مُكَلَّفٍ طَائِعٍ مُشْتَهَاةً حَالًا أَوْ مَاضِيًا فِي الْقُبُلِ بِلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ تَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَمْكِينِهَا لِيَصْدُقَ عَلَى مَا لَوْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا فَقَعَدَتْ عَلَى ذَكَرِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ، فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ الْمَوْجُودُ مِنْهُ سِوَى التَّمْكِينِ.
وَالْوَطْءُ هُوَ إدْخَالُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ الذَّكَرِ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ وَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ تَعْرِيفَ الزَّيْلَعِيِّ الزِّنَا الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ بِأَنَّهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ فِي قُبُلِ الْمُشْتَهَاةِ عَارٍ عَنْ مِلْكِهِ وَشُبْهَتُهُ عَنْ طَوْعٍ لَيْسَ بِتَامٍّ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ أَتَمُّ كَمَا لَا يَخْفَى وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِهِ الْعِلْمَ بِالتَّحْرِيمِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَأَصْلُهُ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِالْيَمَنِ فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الزِّنَا فَاجْلِدُوهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَعَلِّمُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ الشُّيُوعُ، وَالِاسْتِفَاضَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أُقِيمَ مَقَامَ الْعِلْمِ وَلَكِنْ لَا أَقَلَّ مِنْ إيرَاثِ شُبْهَةٍ لِعَدَمِ التَّبْلِيغِ اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْكَوْنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ كَمَا هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَالْمِلَلِ فَالْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَزَنَى وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ حَلَالٌ يُحَدُّ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ دَخَلَهُ فَكَيْفَ يُقَالُ إذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ أَصْلِيٌّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الزِّنَا إِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْحَدِّ وَلَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمَعْنَى إنَّ شَرْطَ الْحَدِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِلْمُهُ بِالْحُرْمَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَانَ قَلِيلَ الْجَدْوَى أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحُدَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ثَبَتَ زِنَاهُ عِنْدَهُ عُرِفَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
الْمَرْأَةُ تُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى زَانِيَةً فِي قَوْله تَعَالَى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] عُلِمَ أَنَّهَا تُسَمَّى زَانِيَةً حَقِيقَةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا لَا تُسَمَّى وَاطِئَةً أَنَّهَا زَانِيَةٌ مَجَازًا فَلِذَا زَادَ فِي التَّعْرِيفِ تَمْكِينَهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِعْلُهَا فِي الْمُعَرَّفِ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْكِينُهَا زِنًا حَقِيقَةً لَمَا اُحْتِيجَ إلَى إدْخَالِهِ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ أَيْضًا إمَارَةُ كَوْنِهَا زَانِيَةً حَقِيقَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاطِئَةً كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يُسَمَّى زَانِيًا حَقِيقَةً بِالتَّمْكِينِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْوَطْءُ حَقِيقَةً وَبِهِ سَقَطَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ فَافْهَمْ اهـ.
يَقُولُ الْفَقِيرُ أَحْمَدُ جَامِعُ هَذِهِ الْحَوَاشِي هَذِهِ الْمَقُولَةُ لَمْ أَرَهَا بِخَطِّ شَيْخِنَا عَلَى هَامِشِ الْبَحْرِ هُنَا وَإِنَّمَا أَفَادَهَا فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ فَلْيُحْفَظْ فَرَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَمَرِّ الْأَزْمَانِ عَلَى تَحْقِيقِهِ الْفَرِيدِ فِي كُلِّ مَكَان (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ نَقْضَ الطَّرْدِ إنَّمَا يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَلَا نُسَلِّمُهُ بَلْ هُوَ لِلزِّنَا الشَّرْعِيِّ وَلَا يَرِدُ زِنَا الْمَرْأَةِ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَمْكِينَهُ يَرِدُ عَلَى الْعَكْسِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْعِيُّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَطْءِ كَوْنُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِ مُشْتَهَاةٍ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَتِلْكَ الشُّرُوطُ الْمَزِيدَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ ثُمَّ رَأَيْت الرَّازِيَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا كَوْنُ الزَّانِي مُكَلَّفًا طَائِعًا وَكَوْنُ الزَّانِيَةِ مُشْتَهَاةً فَشَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَوْ عَرَّفَهُ بِمَا قَالَ لَكَانَ أَتَمَّ أَيْ أَوْفَى بِالشُّرُوطِ نَعَمْ بَقِيَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الشَّرْطُ أَوْمَأَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَمَكَانُهُ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ فِي الْبَابِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ قَالَ أَيْ إنْ عَلِمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ وَطْأَهُ هَذِهِ لَيْسَ زِنًا مُحَرَّمًا فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ قَوْلِهِ شَرْطُ وُجُوبِ الْحَدِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ وَإِنَّمَا يَنْفِيه مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا التَّعَقُّبَ فِي الرَّمْزِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ والشرنبلالية وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِمَا مَرَّ عَنْ عُمَرَ كَيْفَ وَالْبَابُ تُدْرَأُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَلَعَلَّ مَسْأَلَةَ الْحَرْبِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعِلْمَ تَأَمَّلْ قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ فِي تَحْرِيرِهِ الْأُصُولِيِّ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ فَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ مُشْكِلٌ وَقَالَ شَارِحُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُحِيطِ مَا نَصُّهُ غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمَبْسُوطِ عَقِبَ هَذَا الْأَثَرِ فَقَدْ جَعَلَ ظَنَّ الْحِلِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شُبْهَةً لِعَدَمِ اشْتِهَارِ الْأَحْكَامِ اهـ.
يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الظَّنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَكُونُ شُبْهَةً مُعْتَبَرَةً لِاشْتِهَارِ الْأَحْكَامِ فِيهِ وَلَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّاشِئِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ الْمُقِيمُ بِهَا مُدَّةً يَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ إلَيْهَا الْوَاقِعُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي فَوْرِ دُخُولِهِ فَلَا وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَنُقِلَ فِي اشْتِرَاطِ