الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيه فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ، وَالْإِنَابَةُ ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِمَامِ ثُبُوتُهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ اهـ.
وَهُوَ مَقْصُورٌ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ وَيُمَدُّ فِي لُغَةِ نَجْدٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمِلْكِ هُنَا الْأَعَمُّ مِنْ مِلْكِ الْعَيْنِ وَمِنْ مِلْكِ حَقِيقَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَدَخَلَ تَحْتَ شُبْهَةِ الْمِلْكِ حَقُّ الْمِلْكِ وَشُبْهَةُ النِّكَاحِ وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ وَقَدْ فَصَّلَهَا فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ الْعَارِي عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَعَنْ شُبْهَتِهِ وَعَنْ حَقِّ الْمِلْكِ وَعَنْ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ وَعَنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ جَمِيعًا اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ إذَا زَنَا فِي حَالِ إفَاقَتِهِ أُخِذَ بِالْحَدِّ، وَإِنْ قَالَ زَنَيْت فِي حَالِ جُنُونِي لَا يُحَدُّ كَالْبَالِغِ إذَا قَالَ زَنَيْت فِي حَالِ الصِّبَا.
قَوْلُهُ (: وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِالزِّنَا لَا بِالْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ) أَيْ يَثْبُتُ الزِّنَا عِنْدَ الْحَاكِم ظَاهِرًا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يَشْهَدُونَ بِلَفْظِ الزِّنَا لَا بِلَفْظِ الْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] وَقَالَ تَعَالَى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4]«وَقَالَ عليه السلام لِلَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك» وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ تَحْقِيقَ مَعْنَى السَّتْرِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ عليه السلام «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَالْإِشَاعَةُ ضِدُّهُ فَعَلَى هَذَا فَالشَّهَادَةُ بِالزِّنَا خِلَافُ الْأَوْلَى الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ النَّدْبِ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ وَكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فِي جَانِبِ التَّرْكِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْ بِالزِّنَا وَلَمْ يَتَهَتَّكْ بِهِ أَمَّا إذَا وَصَلَ الْحَالُ إلَى إشَاعَتِهِ، وَالتَّهَتُّكِ بِهِ بَلْ بَعْضُهُمْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِهِ فَيَجِبُ كَوْنُ الشَّهَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ إخْلَاءُ الْأَرْضِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِش، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْغَافِلِينَ وَبِالزَّجْرِ لَهُمْ، فَإِذَا أَظْهَرَ حَالَ الشَّرَهِ فِي الزِّنَا مَثَلًا، وَالشُّرْبِ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِ فَإِخْلَاءُ الْأَرْضِ حِينَئِذٍ بِالْحُدُودِ وَعَلَى هَذَا ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَةِ الْغَيْبَةِ فِيهِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْهَا وَيَحِلُّ مِنْهُ مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذُّكُورَةِ فِي الشُّهُودِ لِإِدْخَالِ التَّاءِ فِي الْعَدَدِ فِي الْمَنْصُوصِ وَأَطْلَقَهُمْ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ أَحَدَهُمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ هُوَ يَقُولُ هُوَ مُتَّهَمٌ وَنَحْنُ نَقُولُ التُّهْمَةُ مَا تُوجِبُ جَرَّ نَفْعٍ، وَالزَّوْجُ مُدْخِلٌ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لُحُوقَ الْعَارِ وَخُلُوَّ الْفِرَاشِ خُصُوصًا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ قَذَفَهَا فَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَهَا وَشَهِدَ بِالزِّنَا وَمَعَهُ ثَلَاثَةٌ حُدَّ الثَّلَاثَةُ لِلْقَذْفِ وَعَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لَمْ تُقْبَلْ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ يَسْعَى فِي دَفْعِ اللِّعَانِ عَنْ نَفْسِهِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الشُّهُودِ إنَّ فُلَانًا قَدْ زَنَى أَوْ قَالَ لَهُ زَنَيْت ثُمَّ جَاءَ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمَا ذُكِرَ فِي الزَّوْجِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْمَرْأَةِ أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا بِالزِّنَا بِابْنِ زَوْجِهَا مُطَاوَعَةً لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُرِيدُ إسْقَاطَ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِسْقَاطَ النَّفَقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ وَلَا يُحَدُّ الزَّوْجُ اهـ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِقَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه لَوْ جَاءُوا مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ فُرَادَى لَجَلَدْتُهُمْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَوْ جَاءُوا فُرَادَى وَقَعَدُوا مَقْعَدَ الشُّهُودِ وَقَامَ إلَى الْقَاضِي وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حُدُّوا جَمِيعًا اهـ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ لَفْظَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى فِعْلِ الْحَرَامِ لَا لَفْظُ الْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظِ الزِّنَا فَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا لَا يَثْبُتُ بِهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِالزِّنَا إلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ زَنَى وَآخَرَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا تُحَدُّ الشُّهُودُ أَيْضًا.
وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا وَشَهِدَ الرَّابِعُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا فَعَلَى الثَّلَاثَةِ الْحَدُّ اهـ.؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ
ــ
[منحة الخالق]
الْعِلْمِ بِحُرْمَةِ الزِّنَا إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ اهـ.
وَهُوَ مُفِيدٌ أَنَّ جَهْلَهُ يَكُونُ عُذْرًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ فَمَتَى يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ عُذْرًا، وَأَمَّا نَفْيُ كَوْنِهِ عُذْرًا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ لِمَعْرِفَةِ هَذَا الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَمَحَلُّ نَظَرٍ وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْعُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُشْكِلُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) تَمَامُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ هَكَذَا إلَّا وُجُوبَهُ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّانِي أَنْ يَحُدَّ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يُقِرَّ بِالزِّنَا بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْحِلَّ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا فِي الْبَابِ التَّالِي.
[مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظِ الزِّنَا) هَذَا فِي غَيْرِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ أَمَّا فِيهِمَا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ قِيَامِهِمَا مَقَامَ الزِّنَا كَمَا لَا يَخْفَى
عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُعْتَبَرُ فَبَقِيَ كَلَامُ الثَّلَاثَةِ قَذْفًا.
قَوْلُهُ (فَسَأَلَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ مَاهِيَّتِه وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ، وَالْمَزْنِيَّةِ) أَيْ سَأَلَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ عَنْ مَاهِيَّتِه أَيْ ذَاتِهِ وَهُوَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ عَنَوْا غَيْرَ الْفِعْلِ فِي الْفَرْجِ كَمَا قَالَ عليه السلام «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ» الْحَدِيثَ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ كُلَّ وَطْءٍ حَرَامٍ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَالْكَيْفِيَّةُ هِيَ الطَّوَاعِيَةُ، وَالْكَرَاهِيَةُ وَعَنْ الْمَكَانِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَنْ الزَّمَانِ لِجَوَازِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَلِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى فِي زَمَنِ صِبَاهُ وَعَنْ الْمَزْنِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ أَمَةَ مُكَاتِبِهِ فَلْيَسْتَقْصِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ احْتِيَالًا لِدَرْءِ الْحَدِّ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقِيَاسُهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى زِنَا امْرَأَةٍ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الزَّانِي بِهَا مَنْ هُوَ، فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ وَزِيَادَةً وَهُوَ جَوَازُ كَوْنِهِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا بِأَنْ مَكَّنَتْ أَحَدَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِمَامِ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهُمْ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّهُمَا زَنَيَا فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَالُوا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا وَلَمْ يَثْبُتْ قَذْفُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَا يَنْفِي كَوْنَ مَا ذَكَرُوهُ زِنًا لِيَظْهَرَ قَذْفُهُمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ وَلَوْ بَيَّنَ ثَلَاثَةٌ وَلَمْ يَزِدْ وَاحِدٌ عَلَى الزِّنَا لَا يُحَدُّ وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الرَّابِعَ لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ فَسُئِلَ عَنْ صِفَتِهِ وَلَمْ يَصِفْهُ أَنَّهُ يُحَدُّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ لِلْقَاضِي فِي مَجْلِسٍ غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ الثَّلَاثَةُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِلَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا لَا يُحَدُّ قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَا يُحَدُّ، وَإِنْ قَالَ لَيْسَتْ بِامْرَأَتِي، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَارِفٌ بِحَالِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا ثُمَّ قَالُوا بِفُلَانَةَ لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ وَلَا الشُّهُودُ اهـ.
قَوْلُهُ (: فَإِنْ بَيَّنُوهُ وَقَالُوا رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَعُدِلُوا سِرًّا وَجَهْرًا حُكِمَ بِهِ) لِظُهُورِ الْحَقِّ وَوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى الْقَاضِي، وَالْمُكْحُلَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَالْحَاءِ وَقَوْلُهُمْ وَطِئَهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رَاجِعٌ إلَى بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَإِلَّا السُّؤَالُ عَنْ مَاهِيَّتِه كَافٍ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ مَوْقُوفٌ عَلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ هُنَا بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ اتِّفَاقًا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ مُسْلِمٌ لَيْسَ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ عَنْ الْإِمَامِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ التَّعْدِيلِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَاصِلُ التَّعْدِيلِ سِرًّا أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي وَرَقَةً فِيهَا أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ مَحَلَّتِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ كُلٌّ مِنْهُمْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَيَكْتُبَ تَحْتَ اسْمِهِ هُوَ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ وَحَاصِلُ التَّعْدِيلِ عَلَانِيَةً أَنْ يَجْمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الْمُزَكِّي، وَالشَّاهِدِ فَيَقُولُ هَذَا هُوَ الَّذِي زَكَّيْته وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ عَدَالَةَ الشُّهُودِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُغْنِيه عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْحَاصِلِ لَهُ مِنْ تَعْدِيلِ الْمُزَكِّي وَلَوْلَا مَا ثَبَتَ مِنْ إهْدَارِ الشَّرْعِ عِلْمَهُ بِالزِّنَا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ بِالسَّمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَكَانَ يَحُدُّهُ بِعِلْمِهِ لَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ هُنَاكَ وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا قَالُوا وَيَحْبِسُهُ هُنَا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ كَيْ لَا يَهْرُبَ وَلَا وَجْهَ لِأَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِيمَا يَنْبَنِي عَلَى الدَّرْءِ وَلَيْسَ حَبْسُهُ لِلِاحْتِيَاطِ بَلْ لِلتُّهْمَةِ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ لَا يُحْبَسُ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ أَقْصَى عُقُوبَةٍ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ فِيهَا عُقُوبَةٌ أُخْرَى أَغْلَظُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ (وَبِإِقْرَارِهِ أَرْبَعًا فِي مَجَالِسِهِ الْأَرْبَعَةِ كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِالْبَيِّنَةِ أَيْ يَثْبُتُ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ وَقُدِّمَ الثُّبُوتُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِهَا أَقْوَى حَتَّى لَا يَنْدَفِعَ الْحَدُّ بِالْفِرَارِ وَلَا بِالتَّقَادُمِ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَنْدَفِعَ الْحَدُّ بِالْفِرَارِ وَلَا بِالتَّقَادُمِ) هَكَذَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ فِي عِلَّةِ سُؤَالِهِمْ عَنْ الزَّمَانِ لِجَوَازِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَلِمَا يَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا وَيَأْتِي مَتْنًا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ رَأَيْت الرَّمْلِيَّ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا كَمَا هُنَا فَقَالَ الْمُقَرَّرُ إنَّ التَّقَادُمَ يَمْنَعُهَا دُونَ الْفِرَارِ وَكَمَا يَمْنَعُ التَّقَادُمُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَا يَمْنَعُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَتَأَمَّلْ
مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْإِقْرَارُ قَاصِرٌ وَلِلْإِقْرَارِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فَلَوْ أَقَرَّ الْأَخْرَسُ بِالزِّنَا بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ لَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الصَّرَاحَةِ وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَخْرَسِ لَا تُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَدَّعِي شُبْهَةً كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى مَجْنُونٍ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ إفَاقَتِهِ بِخِلَافِ الْأَعْمَى، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْخَصِيُّ، وَالْعِنِّينُ وَعَلَى هَذَا فَيُزَادُ فِي تَعْرِيفِ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ بَعْدَ قَوْلِهِ مُكَلَّفٌ نَاطِقٌ لَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْأَخْرَسَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لَا بِإِقْرَارِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ. الثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ كَذِبُهُ فِي إقْرَارِهِ فَلَوْ أَقَرَّ فَظَهَرَ مَجْبُوبًا أَوْ أَقَرَّتْ فَظَهَرَتْ رَتْقَاءَ وَذَلِكَ بِأَنْ تُخْبِرَ النِّسَاءُ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ قَبْلَ الْحَدِّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إخْبَارَهُنَّ بِالرَّتْقِ يُوجِبُ شُبْهَةً فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَبِالشُّبْهَةِ يَنْدَرِئُ الْحَدُّ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِخَرْسَاءَ أَوْ هِيَ أَقَرَّتْ بِأَخْرَسَ لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ السَّكْرَانُ إذَا سَرَقَ أَوْ زَنَى فِي حَالِ سُكْرِهِ يُحَدُّ وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا أَوْ بِالسَّرِقَةِ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَالْإِقْرَارَ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ فَاعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي حَالِ سُكْرِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ لَا غَيْرُ اهـ.
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ الْآخَرُ، فَإِنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزِّنَا بِفُلَانَةَ فَكَذَّبَتْهُ دُرِئَ الْحَدُّ عَنْ الرَّجُلِ سَوَاءٌ قَالَتْ إنَّهُ تَزَوَّجَنِي أَوْ لَا أَعْرِفُهُ أَصْلًا وَيُقْضَى بِالْمَهْرِ عَلَيْهِ إنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ.
وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَا بِفُلَانٍ وَكَذَّبَهَا الرَّجُلُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا أَيْضًا عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَصْلُهُ أَنَّ الْحَدَّ مَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ أَصْلًا أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَيْهَا لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ أَصْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ انْعَقَدَ فِعْلُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَكِنْ بَطَلَ الْحَدُّ عَنْهُ لِمَعْنًى عَارِضٍ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا اهـ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ بُلُوغَ الْمُقِرِّ وَعَقْلَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شُرِطَا لِكُلِّ تَكْلِيفٍ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ فَصَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِالزِّنَا أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا وَكَذَا الْقَطْعُ، وَالْقِصَاصُ وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ وَحُجَّةِ الْإِقْرَارِ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَا أُعْتِقَ زَنَيْت وَأَنَا عَبْدٌ لَزِمَهُ حَدُّ الْعَبِيدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ أَرْبَعًا «لِحَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ عليه السلام أَخَّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَمَّ إقْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ» فَلِهَذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ؛ لِأَنَّ لِاتِّحَادِهِ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فَعِنْدَهُ يَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ لِمَجْلِسِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِهِ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفَسَّرَ مُحَمَّدٌ الْمَجَالِسَ الْمُتَفَرِّقَةَ أَنْ يَذْهَبَ الْمُقِرُّ بِحَيْثُ يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِ الْقَاضِي وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَزْجُرَهُ عَنْ الْإِقْرَارِ وَيُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهِيَةَ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْمُرَ بِإِبْعَادِهِ عَنْ مَجْلِسِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام فَعَلَ كَذَلِكَ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَقَرَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنَّهُ يُحَدُّ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارِ إلَى أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ فَلِذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَالذَّخِيرَةِ أَرْبَعَةٌ فَسَقَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَأَقَرَّ هُوَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يُحَدُّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُحَدُّ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يُحَدُّ اهـ.
قَوْلُهُ (وَسَأَلَهُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ بَيَّنَهُ حُدَّ) أَيْ سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُقِرَّ عَنْ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِخَرْسَاءَ أَوْ هِيَ أَقَرَّتْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِغَائِبَةٍ حُدَّ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ انْتِظَارَ حُضُورِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَذْكُرَ مُسْقِطًا عَنْهُ وَعَنْهَا وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ قَالَ شَيْخُنَا تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ قَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْبَابِ الْآتِي بِالْفَرْقِ حَيْثُ قَالَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِغَائِبَةٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَيْثُ يُحَدُّ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يُنْكِرَ الْغَائِبُ الزِّنَا أَوْ يَدَّعِيَ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ الزِّنَا أَوْ ادَّعَى النِّكَاحَ يَكُونُ شُبْهَةً وَاحْتِمَالُ ذَلِكَ يَكُونُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ فَالشُّبْهَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ اهـ.
قَالَ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ فَارِقًا لِمَا أَنَّ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إذْ دَعْوَى الْخَرْسَاءِ عَلَى فَرْضِ نُطْقِهَا مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ هُوَ الشُّبْهَةُ وَجَوَازُ أَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ أَبْدَتْهُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاجُ إلَى إبْدَاءِ الْفَرْقِ بَاقِيًا اهـ. بِلَفْظِهِ.
وَذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ الْحَدِّ لِجَوَازِ أَنْ تَحْضُرَ فَتَجْحَدَ فَتَدَّعِيَ حَدَّ الْقَذْفِ أَوْ تَدَّعِيَ نِكَاحًا فَتَطْلُبَ الْمَهْرَ وَفِي حَدِّهِ إبْطَالُ حَقِّهَا وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يُحَدَّ لِحَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ حُدَّ مَعَ غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ لِلدَّلِيلِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَوْ زَنَا بِخَرْسَاءَ لِوُرُودِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ أَصْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ) سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِزِنَا صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِزِنَا الْمُكْرَهِ بِالْمُطَاوَعَةِ وَالْمُسْتَأْمَنِ بِالذِّمِّيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ اهـ.
لَكِنْ احْتَرَزَ هُنَا عَنْ الْأَوَّلِ
وَجَبَ الْحَدُّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ الزَّمَانِ، وَالْمَزْنِيِّ بِهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي صِبَاهُ أَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهَا وَلَيْسَ فَائِدَةُ السُّؤَالِ عَنْ الزَّمَانِ مُنْحَصِرَةً فِي احْتِمَالِ التَّقَادُمِ وَهُوَ مُضِرٌّ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ لَهُ فَائِدَةً أُخْرَى وَهُوَ احْتِمَالُ وُجُودِهِ فِي زَمَانِ الصِّبَا وَلَوْ سُئِلَ عَنْ الْمَزْنِيِّ بِهَا فَقَالَ لَا أَعْرِفُهَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُحَدُّ وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِفُلَانَةَ وَهِيَ غَائِبَةٌ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَذَّبَتْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَشَارَ بِسُؤَالِ الْإِمَامِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ وَلَوْ كَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حَتَّى لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُنْكِرًا فَقَدْ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا تُعْتَبَرُ الشَّهَادَةُ مَعَ الْإِقْرَارِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ (: فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ كَالْإِقْرَارِ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَتَحَقُّقُ الشُّبْهَةِ بِالْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الشَّرْعِ أَطْلَقَ فِي الرُّجُوعِ فَشَمِلَ الرُّجُوعَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا هَرَبَ كَمَا فِي الْحَاوِي وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ فَهَرَبَ فِي حَالِ الرَّجْمِ اُتُّبِعَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يُقْضَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَاوِي، وَإِنْكَارُ الْإِقْرَارِ رُجُوعٌ كَإِنْكَارِ الرِّدَّةِ تَوْبَةٌ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ الْقَاضِي بِرَجْمِهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ يُدْرَأُ عِنْدَ الْحَدِّ اهـ.
وَكَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ شَرْطًا لِلْحَدِّ صَارَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ لِعَدَمِ الْمُكَذِّبِ كَذَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ بَحْثِ الْعَلَّامَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ (وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ بِلَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت أَوْ وَطِئْت بِشُبْهَةٍ) لِحَدِيثِ مَاعِزٍ فِي الْبُخَارِيِّ «لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت» وَقَالَ فِي الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ لَعَلَّك تَزَوَّجْتهَا أَوْ وَطِئْتهَا بِشُبْهَةٍ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُلَقِّنَهُ بِمَا يَكُونُ ذِكْرُهُ دَارِئًا لِيُذَكِّرَهُ كَائِنًا مَا كَانَ كَمَا «قَالَ عليه السلام لِلسَّارِقِ الَّذِي جِيءَ بِهِ إلَيْهِ أَسَرَقْت وَمَا أَخَالُهُ سَرَقَ» أَيْ وَمَا أَظُنُّهُ سَرَقَ تَلْقِينًا لَهُ لِيَرْجِعَ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِلْغَيْرِ وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِلشُّبْهَةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْعَيْنَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ سَقَطَ الْقَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ تَزَوَّجَ الْمَزْنِيَّ بِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ وَقْتَ الْفِعْلِ
قَوْلُهُ (، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رَجَمَهُ فِي فَضَاءٍ حَتَّى يَمُوتَ)«؛ لِأَنَّهُ عليه السلام رَجَمَ مَاعِزًا وَقَدْ كَانَ أُحْصِنَ» وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ» وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَإِنْكَارُ الْخَوَارِجِ الرَّجْمَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَنْكَرُوا حُجِّيَّةَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ بِالدَّلِيلِ بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ، وَإِنْ أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِنْكَارِهِمْ حُجِّيَّةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَعْدَ بُطْلَانِهِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الرَّجْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَاتِرُ الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وُجُودِ حَاتِمٍ، وَالْآحَادِ فِي تَفَاصِيلِ صُوَرِهِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِنَّمَا يُرْجَمُ فِي الْفَضَاءِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ مَاعِزًا رُجِمَ بِالْمُصَلَّى» وَفِي مُسْلِمٍ «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» ، فَإِنَّ الْمُصَلَّى كَانَ بِهِ وَهُوَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ وَفِي الْمُحِيطِ الْمَقْضِيُّ بِرَجْمِهِ إذَا قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَجِبُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَالدِّيَةُ إنْ كَانَ خَطَأً.
قَوْلُهُ (يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِهِ) أَيْ بِالرَّجْمِ يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ وَلَوْ بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَتَجَاسَرُ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ يَسْتَعْظِمُ الْمُبَاشَرَةَ فَيَرْجِعُ فَكَانَ فِي بِدَايَتِهِ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُشْتَرَطُ بِدَايَتُهُمْ اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ قُلْنَا كُلُّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُ الْجَلْدَ فَرُبَّمَا يَقَعُ
ــ
[منحة الخالق]
بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْعَقَدَ إلَخْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا) أَيْ إلَّا فِي سَبْعٍ ذَكَرَهَا فِي الْأَشْبَاهِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ إلَخْ) فِي كَافِي الْحَاكِمِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ فَزُفَّتْ لَهُ أُخْرَى فَوَطِئَهَا قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ رَجُلٌ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ قَالَ حَسَبْتهَا امْرَأَتِي قَالَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَالْأُولَى؛ لِأَنَّ الزِّفَافَ شُبْهَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الَّتِي فَجَرَ بِهَا بِوَلَدٍ لَمْ أُثْبِتْ نَسَبَهُ مِنْهُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُوَ جَازِمٌ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ إلَى الْآنَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ حَسَبْتهَا امْرَأَتِي، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ الْآنَ مُقِرٌّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ، وَإِنَّمَا ظَنَّهَا وَقْتَ الْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا ثُمَّ ادَّعَى
مُهْلِكًا، وَالْإِهْلَاكُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَلَا كَذَلِكَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ قَوْلُهُ (: فَإِنْ أَبَوْا سَقَطَ) أَيْ إنْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ مِنْ الِابْتِدَاءِ سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ وَكَذَا إذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ لَوْ امْتَنَعُوا؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ لَا صَرِيحُهُ وَامْتِنَاعُ الْبَعْضِ أَوْ غَيْبَتُهُ كَالْكُلِّ، وَكَذَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الشُّهُودِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ بِارْتِدَادٍ أَوْ عَمًى أَوْ خَرَسٍ أَوْ فِسْقٍ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَأَمَّا قَطْعُ الْيَدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ امْتَنَعَتْ الْإِقَامَةُ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ قَبْلَهَا رَمَى الْقَاضِي بِحَضْرَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مَقْطُوعِي الْأَيْدِي لَمْ تَسْتَحِقَّ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ، وَإِنْ قُطِعُوا بَعْدَهَا فَقَدْ اسْتَحَقَّتْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ كَوْنَ الِابْتِدَاءِ بِهِمْ شَرْطًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الرَّجْمِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مَرْضَى لَا يَسْتَطِيعُونَ الرَّمْيَ وَقَدْ حَضَرُوا رَمَى الْقَاضِي ثُمَّ رَمَى النَّاسُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُقَامُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الشُّهُودُ، وَإِنْ حَضَرُوا وَلَمْ يَرْجُمُوا رَجَمَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ.
وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّ مَا سِوَى الرَّجْمِ مِنْ الْحُدُودِ لَا يَجِبُ الِابْتِدَاءُ لَا مِنْ الشُّهُودِ وَلَا مِنْ الْإِمَامِ وَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلُهُ (ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَأَرْضَاهُ وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ مَقْتَلَهُ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ مَقْتَلَهُ، فَإِنَّ بِغَيْرِهِ كِفَايَةً كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجُمُهُ وَلَا يَقْصِدُ مَقْتَلَهُ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَرْجُمُهُ أَصْلًا، فَإِنَّهُ قَالَ وَيُكْرَهُ لِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ أَنْ يَلِيَ إقَامَةَ الْحَدِّ، وَالرَّجْمَ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الرَّجْمِ بَعْدَ الشُّهُودِ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ وَقِيَاسُهُ السُّقُوطُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ الشُّهُودُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ يَجِبُ أَنْ يُثَنِّيَ الْإِمَامُ فَلَوْ لَمْ يُثَنِّ الْإِمَامُ يَسْقُطُ الْحَدُّ لِاتِّحَادِ الْمَأْخَذِ فِيهِمَا اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَالْقَاضِي إذَا أَمَرَ النَّاسَ بِرَجْمِ الزَّانِي وَسِعَهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي فَقِيهًا عَدْلًا أَمَّا إذَا كَانَ فَقِيهًا غَيْرَ عَدْلٍ أَوْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ فَقِيهٍ فَلَا يَسْعَهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ حَتَّى يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ لَوْ مُقِرًّا ثُمَّ النَّاسُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْغَامِدِيَّةَ بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ وَكَانَتْ قَدْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا» وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يَبْدَأْ هَلْ يَحِلُّ لِلنَّاسِ الرَّمْيُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ الْإِمَامُ لَا يَحِلُّ لِلْقَوْمِ رَجْمُهُ وَلَوْ أَمَرَهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِفَوَاتِ شَرْطِ الرَّجْمِ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، فَإِنَّ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ عليه السلام لَمْ يَحْضُرْهُ بَلْ رَجَمَهُ النَّاسُ بِأَمْرِهِ عليه السلام وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِابْتِدَاءِ اخْتِيَارًا لِثُبُوتِ دَلَالَةِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ وَأَنْ يَبْتَدِئَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ لِيَنْكَشِفَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ بِأَنْ لَمْ يَتَسَاهَلْ فِي بَعْضِ شُرُوطِ الْقَضَاءِ بِالْحَدِّ، فَإِذَا امْتَنَعَ حِينَئِذٍ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ
ــ
[منحة الخالق]
شُبْهَةً فَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَلَوْ قَالَ هِيَ امْرَأَتِي أَوْ أَمَتِي لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الشُّهُودِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَالَ وَيُكْرَهُ لِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ رَجْمِهِ مُطْلَقًا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحْرَمُ شَاهِدًا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَبِيهِمْ بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْتَدِئُوا بِالرَّجْمِ وَكَذَا الْإِخْوَةُ وَذَوُو الرَّحِمِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَعَمَّدُوا مَقْتَلًا وَكَذَا ذَوُو الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا ابْنُ الْعَمِّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّ رَحِمَهُ لَمْ يَكْمُلْ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الِابْنَ إذَا شَهِدَ عَلَى أَبِيهِ بِالزِّنَا لَمْ يَحْرُمْ الْمِيرَاث بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَجِبُ بِالْمَوْتِ، وَالشَّهَادَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى الزِّنَا وَذَلِكَ غَيْرُ الْمَوْتِ وَكَذَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَقُتِلَ لَمْ يَحْرُمْ الْمِيرَاثُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يُثَنِّ الْإِمَامُ سَقَطَ الْحَدُّ) نَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ أَنَّ حُضُورَهُ غَيْرُ لَازِمٍ ثُمَّ قَالَ: إنَّ مَا فِي الْفَتْحِ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ سُلِّمَ وُجُوبُ حُضُورِهِ كَالشُّهُودِ قَالَ وَفِي الدِّرَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ طَائِفَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْضُرُوا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ وَقَالَ عَطَاءٌ اثْنَانِ وَالزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَشَرَةٌ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ حُضُورَهُمْ لَيْسَ شَرْطًا فَرَمْيُهُمْ كَذَلِكَ فَلَوْ امْتَنَعُوا لَمْ يَسْقُطْ اهـ. مَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِابْتِدَاءِ) أَيْ أَنْ يَأْمُرَ الشُّهُودَ فِي صُورَةِ ثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَقَوْلُهُ: وَأَنْ يَبْتَدِئَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ أَيْ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَبْتَدِئَ هُوَ أَيْ الْقَاضِي فِي صُورَةِ ثُبُوتِهِ بِالْإِقْرَارِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا امْتَنَعَ حِينَئِذٍ ظَهَرَتْ إمَارَةُ الرُّجُوعِ) تَمَامُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ فَامْتَنَعَ الْحَدُّ لِظُهُورِ ثُبُوتِ شُبْهَةِ تَقْصِيرِهِ فِي الْقَضَاءِ وَهِيَ دَارِئَةٌ فَكَانَ الْبَدْأَةُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ لَزِمَ عَنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لَا أَنَّهُ جُعِلَ شَرْطًا بِذَاتِهِ وَهَذَا فِي حَقِّهِ عليه الصلاة والسلام مُنْتَفٍ فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ رَجْمِهِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ اهـ.
وَبِهِ يَتَّضِحُ الْمَرَامُ وَحَاصِلُهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ عليه الصلاة والسلام -