الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَيُقْتَلُونَ حَالَ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ إلَّا الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينِ وَلَا يَجُوزُ لِلْعَادِلِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْلِ مَحْرَمِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً إلَّا إذَا أَرَادَ قَتْلَهُ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَلَوْ بِقَتْلِهِ وَلَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ كَعَقْرِ دَابَّتِهِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَحْرَمَهُ مِنْهُمْ مُبَاشَرَةً إلَّا الْوَالِدَيْنِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ تُسْبَ ذُرِّيَّتُهُمْ وَحَبَسَ أَمْوَالَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه يَوْمَ الْجَمَلِ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ وَلَا يُكْشَفُ سِتْرٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ وَهُوَ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُهُ فِي الْأَسِيرِ مُؤَوَّلٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ وَمَعْنَى لَا يُكْشَفُ لَهُمْ سِتْرٌ لَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ أَطْلَقَ الْمَالَ فَشَمِلَ الْعَبِيدَ فَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنْ كَانَ قَاتَلَ مَعَ مَوْلَاهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ اهـ.
وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ حَبْسُ عَيْنِ الْكُرَاعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَمَّا الْكُرَاعُ فَلَا يُمْسَكُ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْبَسُ ثَمَنُهُ لِمَالِكِهِ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهُ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ الدَّوَابَّ بَدَلَ الْكُرَاعِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِتَتَوَفَّرَ مُؤْنَتُهَا عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ بِهَا حَاجَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ احْتَاجَ قَاتَلَ بِسِلَاحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ) لِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَسَمَ السِّلَاحَ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَتْ قِسْمَتُهُ لِلْحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى وَالْمَعْنَى فِيهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ الْأَدْنَى لِدَفْعِ الْأَعْلَى قَيَّدَ بِالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ يُنْتَفَعُ بِهِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ الْبَاغِي تُبْت وَأَلْقَى السِّلَاحَ كُفَّ عَنْهُ لِأَنَّ تَوْبَةَ الْبَاغِي بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي إفَادَةِ الْعِصْمَةِ وَالْحُرْمَةِ وَلَوْ قَالَ كُفَّ عَنِّي لِأَنْظُرَ فِي أَمْرِي لَعَلِّي أُلْقِي السِّلَاحَ يُكَفُّ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ أَنَا عَلَى دِينِك وَمَعَهُ السِّلَاحُ لَمْ يُكَفَّ عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ بَاغٍ مِثْلَهُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ الْعَدْلِ حِينَ الْقَتْلِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا كَالْقَتْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ وَلِذَا عَبَّرَ بِالشَّيْءِ الْمُنْكَرِ فِي النَّفْيِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنَّهُ عُلِّلَ بِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا يُبَاحُ قَتْلُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ لَمْ يَجِب بِهِ شَيْءٌ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ يَصْنَعُ بِقَتْلَى أَهْلِ الْعَدْلِ مَا يُصْنَعُ بِسَائِرِ الشُّهَدَاءِ لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَأَمَّا قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ وَيُكْرَهُ أَنْ تُؤْخَذَ رُءُوسُهُمْ وَتُبْعَثَ إلَى الْآفَاقِ وَكَذَلِكَ رُءُوسُ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا كَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ اهـ.
وَمَنَعَهُ فِي الْمُحِيطِ فِي رُءُوسِ الْبُغَاةِ وَجَوَّزَهُ فِي رُءُوسِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى مِصْرَ فَقَتَلَ مِصْرِيٌّ مِثْلَهُ فَظَهَرَ عَلَى الْمِصْرِ قُتِلَ بِهِ) يَعْنِي بِشَرْطَيْنِ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ عَمْدًا الثَّانِي أَنْ لَا يَجْرِيَ عَلَى أَهْلِهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَزْعَجُوا مِنْ الْمِصْرِ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَنْقَطِعْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ وَبَعْدَ إجْرَاءِ أَحْكَامِهِمْ تَنْقَطِعُ فَلَا يَجِبُ.
[قَتَلَ عَادِلٌ بَاغِيًا أَوْ قَتَلَهُ بَاغٍ وَقَالَ أَنَا عَلَى حَقٍّ]
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ عَادِلٌ بَاغِيًا أَوْ قَتَلَهُ بَاغٍ وَقَالَ أَنَا عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ وَإِنْ قَالَ أَنَا عَلَى بَاطِلٍ لَا) أَيْ لَا يَرِثُهُ بَيَانٌ لِمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى إذَا قَتَلَ عَادِلٌ بَاغِيًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَلَا تَفْصِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ فَلَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ وَلَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْعَادِلَ لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا تَابُوا أُفْتِيهِمْ أَنْ يَغْرَمُوا وَلَا أُجْبِرُهُمْ وَفِي الْمُحِيطِ الْعَادِلُ لَوْ أَتْلَفَ مَالَ الْبَاغِي يُؤْخَذُ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ مَالَ الْبَاغِي مَعْصُومٌ فِي حَقِّنَا وَأَمْكَنَ إلْزَامُ الضَّمَانِ لَهُ فَكَانَ فِي إيجَابِهِ فَائِدَةٌ وَوَفَّقَ الشَّارِحُ فَحُمِلَ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَهُ حَالَ الْقِتَالِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ إلَّا بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
ــ
[منحة الخالق]
[خَرَجَ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَغَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ]
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَإِذَا حَبَسَهَا كَانَ بَيْعُ الْكُرَاعِ أَوْلَى لِأَنَّ حَبْسَ الثَّمَنِ أَنْظَرُ وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِتَتَوَفَّرَ مُؤْنَتُهَا وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ لَهُ حَبْسَهُ وَإِنْ خَالَفَ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ قَالَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ فِي تَغْرِيمِ الْعَادِلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَمَامُ كَلَامِهِ الْمَنْقُولِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَسَقَطَ الْمُطَالَبَةُ وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ تَقَدَّمَ
كَالْخَيْلِ وَأَمَّا إذَا أَتْلَفُوهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الضَّمَانِ لِعِصْمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ دَخَلَ بَاغٍ بِأَمَانٍ فَقَتَلَهُ عَادِلٌ كَانَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا وَهَذَا لِبَقَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ فِي دَمِهِ الثَّانِيَةُ إذَا قَتَلَ بَاغٍ عَادِلًا فَمَنَعَ أَبُو يُوسُفَ إرْثَهُ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَكَذَا إذَا أَتْلَفَ مَالَهُ ضَمِنَهُ لِعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ وَقَالَا إنْ قَالَ الْبَاغِي كُنْت عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ وَإِنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ يَرِثْهُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ كَمَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَأْوِيلِهِمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الضَّمَانِ مَنُوطٌ بِالْمَنَعَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ فَإِنْ تَجَرَّدَتْ الْمَنَعَةُ عَنْ التَّأْوِيلِ كَقَوْمٍ تَغَلَّبُوا عَلَى بَلْدَةٍ فَقَتَلُوا وَاسْتَهْلَكُوا الْأَمْوَالَ بِلَا تَأْوِيلٍ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ أُخِذُوا بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَلَوْ انْفَرَدَ التَّأْوِيلُ عَنْ الْمَنَعَةِ بِأَنْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَقُتِلُوا وَأُخِذُوا عَنْ تَأْوِيلٍ ضَمِنُوا إذَا تَابُوا أَوْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ أَنَا عَلَى حَقٍّ عَائِدٌ إلَى الْبَاغِي لَا إلَى الْقَاتِلِ الشَّامِلِ لِلْعَادِلِ وَالْبَاغِي وَفِي الْهِدَايَةِ الْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَيَأْثَمُ فِي الْبَدَائِعِ لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَالٍ وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَظُهُورِ الْمَنَعَةِ أَوْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَتَفَرَّقَ الْجَمْعُ يُؤْخَذُ بِهِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رُبَاعِيَّةٌ لِأَنَّ الْجَانِي وَالْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَا عَادِلَيْنِ أَوْ بَاغِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنْ كَانَا بَاغِيَيْنِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ قَتَلَ بَاغٍ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ قَتَلَ عَادِلٌ بَاغِيًا أَوْ قَتَلَهُ بَاغٍ وَإِنْ كَانَا عَادِلَيْنِ فَإِنْ كَانَا فِي مُعَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا قِصَاصَ لِأَنَّ دَارَ الْبَغْيِ كَدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانَا فِي مِصْرٍ فِيهَا الْبُغَاةُ لَكِنْ لَمْ تَجْرِ أَحْكَامُهَا فِيهَا فَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى مِصْرٍ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي صَفِّ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ دِيَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي صَفِّ أَهْلِ الْحَرْبِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ سَكَتَ عَنْ أَحْكَامٍ مِنْهَا حُكْمُ قُضَاتِهِمْ وَفِي الْبَدَائِعِ الْخَوَارِجُ لَوْ وَلَّوْا قَاضِيًا فَإِنْ كَانَ بَاغِيًا وَقَضَى بِقَضَاءٍ ثُمَّ رُفِعَتْ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ لَا يُنْفِذُهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهَا حَقًّا لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا وَلَوْ كَتَبَ الْقَاضِي الْبَاغِي إلَى الْقَاضِي الْعَادِلِ كِتَابًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ نَفَّذَهُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ قَاضِيهِمْ عَادِلًا نَفَّذْنَا قَضَاءَهُ لِصِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَالظَّاهِرُ قَضَاؤُهُ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَمِنْهَا أَنَّ أَمَانَ الْبَاغِي لِأَهْلِ الْحَرْبِ صَحِيحٌ لِإِسْلَامِهِ فَإِنْ غَدَرَ بِهِمْ الْبُغَاةُ فَسُبُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِينَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِالْبُغَاةِ وَالذِّمِّيِّينَ عَلَى الْخَوَارِجِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الْعَدْلِ هُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ) قَيَّدَ بِالسِّلَاحِ لِأَنَّ بَيْعَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ كَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ سِلَاحًا إلَّا بِالصَّنْعَةِ نَظِيرُهُ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ يُكْرَهُ وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَزَامِيرُ وَهُوَ الْقَصْبُ وَالْخَشَبُ وَكَذَا بَيْعُ الْخَمْرِ بَاطِلٌ وَلَا يَبْطُلُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ وَهُوَ الْعِنَبُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ بَيْعَ الْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَيَجُوزُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ لَا يَتَفَرَّغُونَ لِعَمَلِهِ سِلَاحًا لِأَنَّ فَسَادَهُمْ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ اهـ.
وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ مَا قَامَتْ الْمَعْصِيَةُ بِعَيْنِهِ يُكْرَهُ
ــ
[منحة الخالق]
أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا وَفِي الْمَبْسُوطِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أُفْتِيهِمْ بِأَنْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوا مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَلَا أُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ الْإِسْلَامَ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ إلَّا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْمَنْفَعَةِ فَيُفْتُوا بِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلُ بَعْدَ قِيَامِ مَنَعَتِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا بَلْ يَأْثَمُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ اُقْتُصَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا وَكَذَا يَضْمَنُونَ الْمَالَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ يَضْمَنُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّهَا نُفُوسٌ وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ فَتُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا وَلَنَا أَنَّهُ إتْلَافٌ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الضَّمَانِ فِي حَالِ عَدَمِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لَنَا الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ) يُوجَدُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بَعْدَهُ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الْعَدْلِ هُوَ الظَّاهِرُ وَفِي بَعْضِهَا أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُوَ فِي الْفَتْحِ كَذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ بِتَمَامِهَا وَلَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ فَأَلْجَأَهُمْ إلَى دَارِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْبُغَاةَ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الشِّرْكِ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ