الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْجَانِبِ الْآخَرِ ضَرُورَةً كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَوْلُهُ (: وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ) أَيْ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ بِالدَّعْوَةِ وَلَا يَثْبُتُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ زِنًا فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهِ وَهُوَ اشْتِبَاهُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَحَّضْ فِي الْأَوَّلِ لِلشُّبْهَةِ فِي الْمَحَلِّ وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ نَسَبَ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَتِّ يَثْبُتُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وَلِسَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالدَّعْوَةِ وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ فَكَانَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ هُنَا فَقَطْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ إلَّا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهَا شُبْهَةٌ فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ بَاقِي مَحَالِّ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ، فَإِنَّهُ لَا شُبْهَةَ عَقْدٍ فِيهَا فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالدَّعْوَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ مِنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ وَطْءَ امْرَأَةٍ زُفَّتْ وَقَالَتْ النِّسَاءُ هِيَ زَوْجَتُك وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ مُعْتَمِدًا خَبَرَهُنَّ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَحَرَّرَ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ.
[وَطْءِ أَمَةِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ وَامْرَأَةٍ وُجِدَتْ فِي فِرَاشِهِ]
قَوْلُهُ (وَحُدَّ بِوَطْءِ أَمَةِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ، وَإِنْ ظَنَّ حَلَّهُ وَامْرَأَةٍ وُجِدَتْ فِي فِرَاشِهِ) يَعْنِي سَوَاءٌ ظَنَّ الْحِلَّ أَوْ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا انْبِسَاطَ فِي مَالِ الْأَخِ، وَالْعَمِّ وَكَذَا سَائِرُ الْمَحَارِمِ سِوَى الْأَوْلَادِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا اشْتِبَاهَ فِي الْمَرْأَةِ الْمَوْجُودَةِ عَلَى فِرَاشِهِ لِطُولِ الصُّحْبَةِ فَلَمْ يَكُنْ الظَّنُّ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ غَيْرُهَا مِنْ الْمَحَارِمِ الَّتِي فِي بَيْتِهَا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْبَصِيرَ، وَالْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ بِالسُّؤَالِ وَغَيْرِهِ إلَّا إذَا دَعَاهَا فَأَجَابَتْهُ وَقَالَتْ أَنَا زَوْجَتُك أَوْ أَنَا فُلَانَةُ بِاسْمِ زَوْجَتِهِ فَوَاقَعَهَا؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ دَلِيلٌ وَفِي التَّبْيِينِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي الْمَرْقُوقَةِ وَلَوْ أَجَابَتْهُ فَقَطْ يُحَدُّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ السُّقُوطَ وَأَطْلَقَ فِي الْمَرْأَةِ فَشَمِلَ الْمُكْرَهَةَ، وَالطَّائِعَةَ فَيُحَدُّ لَوْ أَكْرَهَهَا دُونَهَا وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ (: لَا بِأَجْنَبِيَّةٍ زُفَّتْ وَقِيلَ هِيَ زَوْجَتُك) أَيْ لَا يُحَدُّ بِ
وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ زُفَّتْ إلَيْهِ وَقَالَ النِّسَاءُ: هِيَ زَوْجَتُك
قَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَلِأَنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ الْإِخْبَارُ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبِين غَيْرِهَا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُنْعَدِمٌ حَقِيقَةً فَبَطَلَ بِهِ إحْصَانُهُ كَوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، فَإِنَّهُ مُسْقِطٌ لِإِحْصَانِهِ حَبِلَتْ أَوْ لَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ إخْبَارَ وَاحِدَةٍ لَهُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ وَقُلْنَ النِّسَاءُ بِالْجَمْعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَالْوَاحِدُ فِيهَا يَكْفِي. اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْبَصِيرَ وَالْأَعْمَى إلَخْ) نَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا هُنَا عَنْ الْمُنْتَقَى وَالْأَصْلِ ثُمَّ قَالَ الْخُلَاصَةُ وَلَوْ أَنَّ أَعْمَى وَجَدَ فِي فِرَاشِهِ أَوْ حُجْرَتِهِ امْرَأَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُعْذَرُ وَقَالَ زُفَرُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ الظَّهِيرِيَّةُ رَجُلٌ وَجَدَ فِي بَيْتِهِ امْرَأَةً فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَغَشِيَهَا وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ نَهَارًا يُحَدُّ الْحَاوِي.
وَعَنْ زُفَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ وَجَدَ فِي حَجْلَتِهِ أَوْ بَيْتِهِ امْرَأَةً فَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي إنْ كَانَ نَهَارًا يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا لَا يُحَدُّ وَعَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا قَالَ أَبُو اللَّيْثِ الْكَبِيرُ وَبِرِوَايَةِ زُفَرَ يُؤْخَذُ اهـ.
قُلْت وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَعْمَى لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِمَا نَذْكُرُهُ فِي الْمَرْقُوقَةِ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِقَافَيْنِ بَعْدَ الرَّاءِ وَالصَّوَابُ الْمَزْفُوفَةُ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ الَّتِي زُفَّتْ إلَيْهِ الْآتِيَةِ تِلْوَ هَذِهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى آخِرِ مَا إذَا دَعَاهَا فَأَجَابَتْهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَحَقُّقِ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ أَصْلًا فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ
[وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ زُفَّتْ إلَيْهِ وَقَالَ النِّسَاءُ هِيَ زَوْجَتُك]
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) أَقُولُ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِخْبَارِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ زِفَافِهَا إلَيْهِ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فِي الْكَافِي تُفِيدُ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَزُفَّتْ إلَيْهِ أُخْرَى فَوَطِئَهَا قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِأَنَّ الزِّفَافَ شُبْهَةٌ وَلِذَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ اهـ.
فَجَعَلَ الشُّبْهَةَ نَفْسَ الزِّفَافِ وَلَعَلَّ هَذَا رِوَايَةٌ أُخْرَى وَعَلَيْهَا مَشَى فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا وَيَكُونُ مَا فِي الْمُتُونِ رِوَايَةٌ غَيْرُهَا وَيَنْبَغِي عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مَا لَمْ تَقُلْ لَهُ النِّسَاءُ هَذِهِ زَوْجَتُك لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَكُونُ غَيْرَهَا وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَفْعَلُهُ الْآنَ فَيَلْزَمُ تَأْثِيمُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهَا غَيْرَهَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ رُبَّمَا لَا يَقَعُ فِي سِنِينَ عَدِيدَةٍ إلَّا نَادِرًا وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ فِي بَيْتِهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُهُ وَأَقَارِبُهُ وَغَيْرُهُنَّ وَزَيَّنُوهَا وَأَفْرَدُوهَا فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهَا غَيْرَهَا أَبْعَدُ مَا يَكُونُ فَوُجُوبُ السُّؤَالِ بَعِيدٌ أَيْضًا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي مُجَرَّدُ زِفَافِهَا عَمَلًا بِهَذَا الظَّاهِرِ بَلْ هُوَ أَقْوَى مِمَّا لَوْ جَاءَتْ بِهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ أَهْلِهَا ثُمَّ أَدْخَلَتْهَا عَلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ هَذِهِ زَوْجَتُك، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ كَذِبُهَا.
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ مَهْرٌ) بِذَلِكَ قَضَى عَلِيٌّ رضي الله عنه وَبِالْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ الْحَدِّ أَوْ الْمَهْرِ وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ فَتَعَيَّنَ الْمَهْرُ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ مِمَّا ذَكَرْنَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ الِابْنِ وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ وَادَّعَى نَسَبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي وَطْءِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ذَكَرَهَا فِي الزِّيَادَاتِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ بِوَطْءِ جَارِيَةِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَجِبُ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِهِ وَلَوْ قِيلَ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ فَمُسْتَقِيمٌ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِي تَزْوِيجِ الْمَوْلَى عَبْدَهُ بِجَارِيَتِهِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَلَا يَرِدُ مَا لَوْ زَنَى صَبِيٌّ بِامْرَأَةٍ بَالِغَةٍ مُطَاوَعَةً قَالُوا لَا حَدَّ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا حَيْثُ مَكَّنَتْهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ لَكِنَّهُ سَقَطَ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَخْلُ وَطْءٌ عَنْهُمَا وَفِي الْمُجْتَبَى مُرَاهِقٌ تَزَوَّجَ بَالِغَةً بِغَيْرِ إذْنِ أَبِيهِ وَوَطِئَهَا وَرَدَّ الْأَبُ النِّكَاحَ فَلَا مَهْرَ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ لَهَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَضَى عَلِيٌّ رضي الله عنه خِلَافًا لِعُمَرَ رضي الله عنه حَيْثُ جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَأَنَّهُ جَعَلَهُ حَقَّ الشَّرْعِ لِمَا أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لَهُ وَهَذَا كَالْعِوَضِ عَنْهُ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ كَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ عِوَضًا عَنْ الْحَدِّ لَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ سَاقِطٌ عَنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ثُبُوتَ النَّسَبِ فِيهَا وَقَالُوا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ بِالدَّعْوَةِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ كَانَتْ شُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَشُبْهَتُهُ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا شُبْهَةُ دَلِيلٍ، فَإِنَّ قَوْلَ النِّسَاءِ هِيَ زَوْجَتُك دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُبِيحٌ لِلْوَطْءِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِذَا حَلَّ وَطْءُ الْأَمَةِ إذَا جَاءَتْ إلَى رَجُلٍ وَقَالَتْ مَوْلَايَ أَرْسَلَنِي إلَيْك هَدِيَّةً، فَإِذَا كَانَ دَلِيلًا غَيْرَ صَحِيحٍ فِي الْوَاقِع أَوْجَبَ الشُّبْهَةَ الَّتِي يَثْبُتُ مَعَهَا النَّسَبُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَبِمُحَرَّمٍ نَكْحُهَا) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ امْرَأَةِ مَحْرَمٍ لَهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَيَلْغُو كَمَا إذَا أُضِيفَ إلَى الذُّكُورِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِهِ وَحُكْمُهُ فِي الْحِلِّ وَهِيَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ صَادَفَ مَحَلَّهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يَقْبَلُ مَقْصُودَهُ، وَالْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ قَابِلَةٌ لِلتَّوَالُدِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّهُ تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ حَقِيقَةِ الْحِلِّ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ لَا نَفْسَ الثَّابِتِ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ هَلْ يُوجِبُ شُبْهَةً أَمْ لَا وَمَدَارُهُ أَنَّهُ هَلْ وَرَدَ عَلَى مَا هُوَ مَحَلُّهُ أَوْ لَا فَعِنْدَ الْإِمَامِ وَرَدَ عَلَى مَا هُوَ مَحَلُّهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ لَيْسَتْ بِقَبُولِ الْحِلِّ بَلْ بِقَبُولِ الْمَقَاصِدِ مِنْ الْعَقْدِ وَهُوَ ثَابِتٌ وَلِذَا صَحَّ مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهَا وَعِنْدَهُمَا لَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ مَا يَقْبَلُ حُكْمَهُ وَحُكْمُهُ الْحِلُّ وَهَذِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ فَكَانَ الثَّابِتُ صُورَةَ الْعَقْدِ لِانْعِقَادِهِ وَبِتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ يَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَارَدُوا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ فَحَيْثُ نَفَوْا مَحَلِّيَّتَهَا أَرَادُوا بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ هَذَا الْعَاقِدِ أَيْ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِعَقْدِ هَذَا الْعَاقِدِ وَلِهَذَا عَلَّلُوهُ بِعَدَمِ حِلِّهَا وَلَا شَكَّ فِي حِلِّهَا لِغَيْرِهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ لَا مَحَلِّيَّتِهَا لِلْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْإِمَامُ حَيْثُ أَثْبَتَ مَحَلِّيَّتَهَا أَرَادَ مَحَلِّيَّتَهَا لِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى خُصُوصِ عَاقِدٍ.
وَلِذَا عَلَّلَ بِقَبُولِهَا مَقَاصِدَهُ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ النَّهْيَ عَنْ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ مَجَازٌ عَنْ النَّفْيِ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ وَلَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ مَحَلَّ النِّكَاحِ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا نَفْيَ الْمَحَلِّيَّةِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ الْخَاصِّ وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا أَثْبَتَ مَحَلِّيَّتَهَا لِلنِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى خُصُوصِ نَاكِحٍ لَكِنْ قَدْ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ بِقَوْلِهِمَا قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ وَنَحْنُ نَأْخُذُ بِهِ أَيْضًا وَفِي الْخُلَاصَةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَوَجْهُ تَرْجِيحِهِ أَنَّ تَحَقُّقَ الشُّبْهَةِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: حَيْثُ جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْ الْوَاطِئِ وَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ) أَقُولُ: ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ مَا نَصُّهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ وَأَطْلَقُوا أَنَّ فِيهَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ شُبْهَةَ مَحَلٍّ اقْتَضَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلِمْتهَا حَرَامًا عَلَيَّ لِعِلْمِي بِكَذِبِ النِّسَاءِ لَا يُحَدُّ وَيُحَدُّ قَاذِفُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ شُبْهَةُ اشْتِبَاهِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَوْنِ الْإِخْبَارِ يُطْلِقُ الْجِمَاعَ شَرْعًا لَيْسَ هُوَ الدَّلِيلَ الْمُعْتَبَرَ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ هُوَ مَا مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ نَحْوُ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَالْمِلْكُ الْقَائِمُ لَلشَّرِيك لَا مَا يُطْلِقُ شَرْعًا مُجَرَّدَ الْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ أَعْنِي عَدَمَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلْإِجْمَاعِ فِيهِ وَبِهَذِهِ وَالْمُعْتَدَّةِ ظَهَرَ عَدَمُ انْضِبَاطِ مَا مَهَّدُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الشُّبْهَتَيْنِ اهـ.
وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُؤَلِّفُ أَوَّلًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ كَلَامَ الْفَتْحِ هَذَا وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ.