الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
كتاب الإِيمان
لما كان باب "كيف كان بدء الوحي" كالمقدمة في أول الجامع، لم يذكره بالكتاب، بل ذكره بالباب، ثم شرع يذكر الكتب على طريقة أبواب الفقه، وقدم كتاب "الإِيمان" لأنه ملاك الأمر كله، إذ الباقي مبنيٌّ عليه، مشروطٌ به، وبه النجاة في الدارَين، ثم أعقبه بكتاب "العلم" لأن مدار الكتب التي تأتي بعده كلها عليه، وبه تعلم، وتميز، وتفصل، وإنما آخره عن "الإِيمان" لأن الإِيمان أول واجب على المكلف، ولأنه أفضل الأمور وأشرفها على الإِطلاق، وكيف لا وهو مبدأ كل خير علمًا وعملًا، ومنشأ كل كمال دِقًّا وجِلًّا، وقدم باب "الوحي" عليه لأن باب الوحي كالمقدمة في أول الجامع، ومن شأنها أن تكون إمام المقصود، ولأن الإِيمان وجميع ما يتعلق به يتوقف عليه، وشأن الموقوف عليه التقديم، أو لأن الوحي أول خير نزل من السماء لهذه الأمة، ثم ذكر بعد ذلك كتاب "الصلاة" لأنها تالية الإِيمان، وثانيته في الكتاب والسنة، ثم أعقبها بـ "الزكاة" لأنها ثالثة الإِيمان، وثانية الصلاة فيهما ثم أعقبها "بالحج" لأن العبادة إما بدنية محضة، أو مالية محضة، أو مركبة منهما، فرتبها على هذا الترتيب، والمفرد مقدم على المركب طبعًا، فقدمه أيضا وضعًا ليوافق الوضعُ الطبعَ، ثم أعقب الحج بـ "الصوم" لكونه مذكورًا في الحديث المشهور مع الأربعة المذكورة، وفي وضع الفقهاء الصوم مقدم على الحج نظرًا إلى كثرة دورانه بالنسبة إلى الحج، وفي بعض النسخ يوجد كتاب "الصوم" مقدمًا على كتاب "الحج" كأوضاع الفقهاء.
واختلفت الروايات في تقديم البسملة على كتاب أو تأخيرها، ولكل وجه، والأول ظاهر، ووجه الثاني وعليه أكثر الروايات أن جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، والأحاديث المذكورة بعد البسملة كالآية مستفتحة بالبسملة.
و"كتاب" خبر مبتدأ محذوف أي: هذا كتاب الإِيمان، ويجوز نصبه
على هاك كتاب الإِيمان، أو خذ، وكتاب في الأصل مصدر، يقال: كَتَب يَكتُب كتابةً وكتبًا، ويجوز أن يكون بمعنى المكتوب كالحساب بمعنى المحسوب، ومادة كتب في جميع تصرفاتها دالة على الجمع والضم، ومنها الكَتِيبة وهي الجيش لاجتماعِ الفرسان فيها، وكتبتُ القربة: إذا خَرَزْتها، وكتبتُ البغلة: إذا جمعت بين شَفْريها بحلقةٍ أو سير، قال الشاعر:
لا تأمَنَنَّ فَزَاريًا خَلَوْتَ بهِ
…
عَلَى قُلُوصكَ واكْتُبها بِأسْيارِ
وكتّبتُ الناقة تكتيبًا: إذا صررتها، واستعملوا الكتابَ فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة، وبالنسبة إلى المعاني المرادة منه مجاز.
و"الإِيمان" بكسر الهمزة، وهو لغةً: التصديق، وشرعًا: تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام في كل ما عُلِمَ مجيئُه به بالضرورة، تصديقًا جازمًا مطلقًا، وهو مشتق من الأمن، كأنَّ حقيقة آمن به: أمِنَه التكذيبَ والمخالفة، يتعدى باللام، كما في قوله تعالى:{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي: مصدق لنا، ويتعدى بالباء كما في قوله عليه الصلاة والسلام:"الإِيمان أن تُؤمِنَ بالله" الحديث وحقيقة التصديق: الإِذعان لحكم المخبر، وقَبُوله، وجعله صادقًا، فليس حقيقته أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقَبُول، بل هو إذعان وقَبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم، وإلا لم يكن تصديقًا، لأن بعض الكفّار كانوا عالمين برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] وفِرْعَون كان عالمًا برسالة موسى عليه السلام، لقوله تعالى إخبارًا عن مخاطبته عليه السلام له:{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الإسراء: 102] ومع هذا العلم والتصديق، لم يكونوا مؤمنين، وقولهم في الحد: بالضرورة، التقييدُ به لإِخراج ما لا يُعْلَمُ بالضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء به، كالاجتهاديّات، كالتصديق بأنّ الله تعالى