الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - باب أي الإِسلام أفضل
؟
باب بالتنوين وفيه ما في الذي قبله، والترجمة من لفظ الحديث.
الحديث الرابع
11 -
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقِّرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:«مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» .
قوله: "قال: قالوا يا رسول الله" وعن مسلم: "قلنا" وعند ابن مَنْدة "قلت" فتعين أن السائل أبو موسى، ولا تَخَالُف بين الروايات، لأنه في الأخيرة صرح، وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل، وفي رواية البُخاري أبْهَمَ، وإياهم أراد.
قوله: "أي الإِسلام أفضل؟ " شرط أي أن تدخل على متعدد، وهو هنا محذوفٌ تقديره: أي ذوي الإِسلام أفضل، ويؤيده رواية مسلم: أي المسلمين أفضل، ومعمول أفضل محذوف، أي: من غيره، وتقديره "ذوي" أولى من تقدير "أي خصال الإِسلام"، لأن التقدير الأول يحصُلُ الجوابُ فيه بعين ما سُئِلَ عنه، والتقدير الثاني يحصُلُ الجواب فيه بصاحب الخَصْلة لا بالخَصْلة، فيحتاج إلى تأويل، وباقي الحديث مرّ الكلام عليه في الذي قبله.
رجاله خمسة:
الأول: سَعيد بن يَحْيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية أبو عثمان الأُمَوِيّ البغْدادي.
قال علي بن المَدِيني: هو أثبت من أبيه. وقال يعقوب بن سفيان: هما
ثَبْتان الأب والابن. وقال النَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال صالح بن محمَّد: صدوق إلا أنه كان يَغْلَطُ وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: ربما أخطأ.
روى عن: أبيه، وعمه محمَّد، وعيسى بن يُونس، ووَكيع، وابن المُبارك، وعبد الله بن إدْريس، وجماعة.
وروى عنه: الجماعة سوى ابن ماجة، وروى النسائي في "مسند مالك" عن محمَّد بن عيسى بن شَيْبة عنه أيضا، وروى عنه أبو حاتم وأبو زُرعة وأبو يَعْلى المَوْصِلىّ، وأبو بَكر البَزّار، والمحَامِلِيّ، وهو آخر من حَدَّث عنه، وغيرهم.
مات للنصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومئتين.
وسعيد بن يَحْيى في الستة سواه ثلاثة: أبو عُثمان الواسِطِيّ، وأبو يحيى اللَّخْميّ الكوفي المعروف بسَعْدان، وأبو سفيان الحِمْيَريّ الحذّاء الواسِطِيّ، وأما سعيد فكثير.
والأُمَويّ مرَّ الكلام عليه في شُعيب بن أبي حَمْزة.
وأما البَغْداديّ فهو نسبة إلى بغداد المدينة المشهورة، وأول من اختطها أبو جعفر المنصور سنة أربعين ومئة، وتسمى مدينة السلام ودار السلام، وأنشد الخَفَاجِيّ:
وفي بَغْدَادَ سَادَاتٌ كِرَامٌ
…
ولَكنْ بالسَّلَامِ بِلَا طَعَامِ
فمَا زَادُوا الصَّديقَ عَلَى سَلَامٍ
…
لِذلِكَ سُمِّيَتْ دَاَرَ السَّلَامِ
ويُقال الذي بغداد: بغداذ بمُهملتين، ومعجمتين، وتقديم كل منهما، فهذه أربع لغات، واختار بعضهم بَغْدان بالنون، وبَغْذان، وبَغْدين، وبَغدام بالميم في آخره وهو اسم عجمي عربته العرب، قيل: بغ اسم صنم، وداد بستان، فتأويلها: بستان صنم. وقيل: تفسير بستان رجل، فبغ رجل، وداد بستان. وقيل: بغ اسم صنم لبعض الفُرس كان يعبده،
وداد رجل، وكان الأصْمَعِيُّ ينهى عن ذلك، ويقول: مدينة السلام.
وتَبَغْدَدَ الرجل: انتسب إليها، أو تشبه بأهلها على قياس وتَمَضَّر وتَقَيَّسَ وتَنَزَّر وتَعَرَّبَ.
الثاني: أبوه يحيى بن سعيد إلخ .. ما مر، أبو أيوب الأُموي الكُوفي الحافظ، نزل بغداد، لقبه: جمل.
قال الأثْرم عن أحمد: ما كنت أظن عنده الحديث الكثير، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ له قَدْر وعلم، يقال له: عبد الله، ولم يُبَين أمر يحيى، كأن يقول: كان يصدق، وليس بصاحب حديث. وقال المَرْوَذِيّ عن أحمد لم تكن له حركة في الحديث. وقال أبو داوود عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب. وقال أبو داوود: ليس به بأس، ثقة. وقال يزيد ابن الهَيْثم عن ابن مَعين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدُّورِيُّ وغيره عن ابن مَعين: ثقة. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". أورده العُقَيْليّ في "الضعفاء" واستنكر له عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله: لا يَزَالُ المَسْرُوقُ مُتَغَيِّظًا حتّى يكونَ أعْظمَ إثْمًا من السَّارِقِ. وقال ابن سَعْد: كان ثقة، قليل الحديث.
روى عن: أبيه، ويحيى بن سَعيد، وسعيد بن سعيد الأنْصاريّ، وهِشام بن عُروة، والأعْمش، ومِسْعَر، وأبي بُرْدة، وعثمان بن حَكيم، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه سعيد، وأحمد، وإسحاق، والحكم بن هِشام الثَّقفيّ وهو من أقرانه، وحُميد بن الرَّبيع، وآخرون.
مات سنة أربع وتسعين ومئة في النصف من شوال، وبلغ ثمانين سنة. ومر في ترجمة يحيى بن سعيد الأنْصاري أول حديث عدد مَنْ في الرواة من يحيى بن سعيد، وفي الستة أربعة مرّ ذكرهم هناك.
الثالث: بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشْعَريّ أبو بُردة.
قال ابن مَعين والعِجْليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه. وقال عَمرو بن علي: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يُحَدِّثان عن سفيان عنه بشيء قط. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وقال ابن عَدِيّ: روى عنه الأئمة، ولم يرو عنه أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عندي مستقيمة، وهو صدوق وأنْكَرُ ما روى حديث:"إذا أراد الله بأمة خيرًا قَبَضَ نبيها قبلَها". قال: وهذا طريق حسن، رواته ثِقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون به بأس، وقد قال النَّسائي في "الضعفاء" ليس بذلك القوي. وقال أحمد بن حَنْبل: يروي مناكير، وطلحة بن يَحْيى أحب إلي منه. وقال التِّرمِذيّ في "جامعه": وبُريد كوفي ثقة في الحديث، روى عنه شُعبة، وقال الآجُرِّيّ عن أبي داود: ثقة. وقال ابن حِبّان في "الثقات" يخطىء. وقال ابن عَدِيّ: سمعت ابن حَمّاد يَقُول: بريد بن عبد الله ليس بذلك القوي، أظنه ذكره البخاري.
قال ابن حَجَر احتج به الأئمة كلهم، وأحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة.
روى عن: جده، والحسن البَصْريّ، وعطاء، وأبي أيّوب صاحب أنس.
وروى عنه السفيانان، وحَفْص بن غياث، وأبو معاوية، ويحيى بن سعيد الأُمَويّ، وابن إدريس، وابن المُبارك، وأبو أسامة، وغيرهم.
مات سنة أربع وأربعين ومئة.
وللنَّسائي في "مسند علي" بريد بن أخْرَم روى عن عَليّ مُتَكلَّمٌ فيه، وفي الستة بُرَيْد بن أبي مَريم مالك بن رَبيعة السَّلُولِيّ البَصريّ، ويشتبه بُريد بالتصغير بِبَريد بفتح الباء جد عَلِيّ بن هاشِم وحديثه في "مسلم" قال العراقي:
جَدُّ عَلي بن هاشِمٍ بَرِيدُ
…
وابْنُ حَفيدِ الأشعَرِي بُرَيْدُ
الرابع: أبو بُردة بن أبي موسى الأشْعريّ الفقيه، اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته.
قال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العِجْلِيّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق. وقال مُرّة: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
ولي قضاء الكوفة بعد القاضي شُرَيح، وله مكارم ومآثر مشهورة، وكان أبو موسى تزوج في عمله على البَصرة طنية بنت دمون، وكان أبوها رجلًا من أهل الطائف، فولدت له أبا بُردة، فاسترضع له في بني فقيم في أهل الفرق وسماه أبو موسى عامرًا، فلما شبَّ كساه أبو شيخ بن الفرق بُرْدَتَين وغدا به على أبيه، فكَنَاه أبا بُردة، فذهب اسمه، وكان ولده بلال قاضيًا على البَصرة، وهم الذين يقال في حقهم: ثلاثة قضاة في نسق، فإن أبا موسى قضى لعمر رضي الله عنهما بالبصرة، ثم قضى بالكوفة في زمن عثمان رضي الله عنه. وبلال المذكور هو ممدوح ذي الرُّمة، وله فيه غُزَرُ المدائح، وفيه يقول مخاطبًا لناقته:
إذا ابنُ أبي مُوسى بِلَالٌ بَلَغْتِهِ
…
فَقَامَ بِفَاسٍ بَيْنَ وَصْلَيكِ جَازِرُ
وفيه يقول:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنتَجِعُون غَيْثًا
…
فقُلْتُ لِصَيدَحَ انْتجِعِيِ بِلَالا
صيدح اسم ناقته، وكان بلال أحد نواب خالد بن عبد الله القَسْري، فلما عُزِل وولي موضعه يوسف بن عُمر الثَّقفي على العِراقين حاسب خالدًا ونوابه وعذبهم، فمات خالد من عذابه وبلال، وجَلَس أبو بُردة يومًا يفتخر بأبيه، ويذكر فضائله وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في مجلس عام وفيه الفَرَزْدَق الشاعر، فلما أطال القول في ذلك أراد الفَرَزدق أن يَغُضَّ منه، فقال: لو لم يكن لأبي موسى مَنْقَبَة إلا أنه حَجَم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفاه، فامتعض أبو بُردة من ذلك، ثم قال: صدقت، ولكنه ما حجم أحدًا قبله
ولا بعده، فقال الفرزدق: كان أبو موسى والله أفضل من أن يُجَرِّبَ الحِجَامة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسَكَت أبو بُردة على غَيْظ.
وحُكِيَ أن أبا صفْوان خالد بن صفوان التَّمِيميّ الشاعر المشهور بالبلاغة، كان يدخل على بلال بن أبي بُردة المذكور، فيحدثه فَيَلْحن في كلامه، فلما كَثُر ذلك على بلال، قال له: يا خالد، تحدثني أحاديث الخلفاء، وتلْحَن لَحْن السقاءات يعني النساء اللواتي يسقين الماء للناس، فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد، ويتعلم الإِعراب، فكُفَّ بَصَرُه، فكان إذا مَرَّ به موكب بلال يقول: من هذا؟ فيقال: الأمير، فيقول خالد:
سَحَابةُ صَيفٍ عَنْ قَلِيلٍ تَقْشَعُ
فقيل ذلك لبلال، فقال: والله لا تَقْشَع حتى يصيبَك منها شُؤبوب، وأمر به، فضُرب مئتي سوط، وكان خالد كثير الهَفَوات لا يتأمل ما يقول ولا يفكر فيه وهو من ذرية عَمْرو بن الأهْتَم التَّمِيميّ الصحابي رضي الله عنه.
روى أبو بردة عن أبيه، وعلي، وحُذيفة، وعبد الله بن سَلَام، والأغَرَّ المُزَنِي، والمُغيرة، وعائشة، ومُحمد بن سَلَمة، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعن عُروة بن الزُّبير وهو من أقرانه.
وروى عنه: أولاده سعيد وبلال، وحفيده أبو بُردة، والشَّعبيّ وهو من أقرانه، وعاصم بن كُلَيب، وجامع بن شَدّاد، وثابت البُناني، وأبو إسحاق الشَّيْباني، وحميد بن هِلال، وآخرون.
مات سنة أربع ومئة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقال ابن سعْد: مات هو والشَّعْبيّ سنة ثلاث ومئة في جُمُعَةٍ واحدة رحمهما الله تعالى.
وأبو بُردة في الستة سواه ثلاثة، حفيده المار قريبًا، وابن نِيَار البَلَويّ
الصحابي، والثالث عمر بن يزيد الكوفي روى عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، وأبو بُرْدة في الصحابة سبعة.
الخامس: عبد الله بن قَيْس بن سليم بن حَضّار -بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة- وقيل بكسر الحاء وتخفيف الضاد بن حَرْب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشْعر أبو موسى الأشْعَريّ مشهور باسمه وكنيته معا، والأشْعَر هذا المراد به الأشعر ابن أُدَد بن زيد بن كَهْلان، وقيل: المراد به الأشْعَر بن سبأ أخو حِمْير بن سبأ، وأمه ظبية بنت وهَبْ من عُكّ، أسلمت وماتت بالمدينة.
وكان هو سكن الرَّمْلة وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رَجَع إلى بلاد قومه، ولم يُهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فأقام في أرض قومه حتى قدم مع وفد من الأشْعَرِيِّين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى أرض الحبشة، فوافَقوا خروج جَعْفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان سفينة الأشْعَرِيّين وسفينة جَعْفر وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم في حين فتح خَيْبر، وقد قيل: إن الأشعريين لما رمتهم الريح إلى النَّجاشيّ أقاموا بها مدة، ثم خَرَجوا في حين خروج جَعْفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة.
ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالِيف اليمن زَبِيد وعَدَن وأعمالهما إلى الساحل، وولاه عمر البصرة في حين عَزَل المغيرة عنها فلم يَزَل عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعَزَلهُ عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، فنزل أبو موسى حينئذٍ بالكوفة، وسكن بها، فلما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولَّوْا أبا موسى، وكتبوا إلى عُثمان يسألونه أن يوليه عليهم، فأقره عثمان على الكوفة إلى أن مات، فعزله علي بن أبي طالِب رضي الله عنه عنها، فلم يزل واجدًا منها على علي حتى جاء منه ما قال حذيفة: قال ابن عبد البَرِّ: رُوِي فيه لحُذيفة كلام كَرهت ذكره، وغلب أهل
اليمن عليًّا في إرساله في التحكيم، ثم كان من أَمره يوم التحكيم ما كان، وهو الذي افتتح في زمن عمر الأهْواز ثم أصْبهان.
وأخرج الطَّبَريّ من طريق عبد الله بن بُريدة أنه وصف أبا موسى، فقال: كان خفيفَ الجسم، قصيرًا ثَطًّا، أي: خفيف شعر اللحية والحاجبين، ويقال لثقيل البطن أيضًا.
وأخرج البَغَويّ عن أنس كان لأبي موسى سَراويل يَلْبَسُها بالليل مخافة أن ينكشِف، وقال مجاهد عن الشَّعبيّ: كتب عمر في وصيته: لا يُقَرُّ لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين، كان حسن الصوت بالقرآن، ففي الصحيح مرفوعًا لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.
وقال أبو عثمان النَّهديّ: ما سمعت صوت صَنْجٍ بالفتح ولا بَرْبطٍ كجعفر، أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، والصَّنج والبَرْبَط آلتان من آلات اللهو، وكان عُمر إذا رآه قال له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، وفي رواية شَوِّقْنا إلى ربنا، فيقرأُ عنده. وكان أبو موسى هو الذي فَقَّه أهل البصرة وأقْرَأهم.
وقال الشَّعْبيّ: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم، خلاف قول مسروق، وتقدم الكلام عليهم في ترجمة عبد الله بن مسعود، وقال ابن المَدِينيّ: قضاة الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى وزَيْد بن ثابت.
وأخرج البخاري من طريق أبي التَّيّاح، عن الحسن، قال: ما أتاها -يعني البصرة- راكب خيرٌ لأهلها منه، قدم المدينة في اليمن لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتوح الشام، ووفاة أبي عُبيدة بالأُرْدُنّ، وخُطبة عُمر بالجابية، وقدم على معاوية بدمشق.
له ثلاث مئة وستون حديثًا اتفقا على خمسين منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الأربعة، ومعاذ، وابن مسعود، وأُبيّ
ابن كعب، وعمار.
وروى عنه أولاده موسى، وإبراهيم، وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله، وروى عنه من الصحابة أنس، وأبو سعيد، وطارق بن شِهاب، وخلق من التابعين منهم زيد بن وَهْب، وسعيد بن المُسَيِّب، وأبو عُثمان النَّهْديّ، وزِرّ بن حُبَيش، وغير ذلك.
مات بمكة أو بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين سنة.
وأبو موسى في الصحابة سواه ثلاثة الأنْصاريّ، والحَكَمِيّ، والغَافِقيّ مالك بن عُبادة، وقيل: ابن عبد الله، وأبو موسى في الستة أحد عشر بالأشْعريّ هذا إسرائيل، والحَذّاءان، والعَنَزِيّ، ومالك بن الحارث، وعمرو بن عُبيد، والهِلاليّ، وعَليّ بن رَباح اللَّخمي، والذي روى عن ابن أبي مريم عن أبي هُريرة في السلام، وشيخ يماني.
والأشْعَريّ في نسبه نسبة إلى جده المار في نسبه، واسمه نَبْت بن أدد على الصحيح، أبو قبيلة: من اليمن، لُقِّب بذلك لأن أمه ولدته وعليه شعر، وإليه ينسب مسجد الأشاعرة بمدينة زَبِيد، ومنهم أبو الحَسن الأشعَرِيّ المتكلم صاحب التصانيف، وقد نسبَ إلى طريقته خلق من الفُضَلاء، ويُجمعُ الأشْعريّ بتخفيف ياء النسبة، كما يقال: قوم يمانون، فيقال: جاءتك الأشعرون بحذف ياء النسب.
لطائف إسناده: منها أن رجال سنده كلهم كُوفيون، وفيه التحديث والعنعنة فقط، وفيه راويان متَّفِقان في الكُنية أحدهما أبو بُرْدة بُريد، والآخر أبو بُردة عامر أو الحارث كما مر، وهو شيخ الأول، وجده، وقد مرّ في الحديث الثاني من بدء الوحي رواية الآباء عن الأبناء والعكس.
أخرج هذا الحديث من هذا الوجه مسلم بلفظه، وأخرجه أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، وأخرجه في الإِيمان، والنَّسائي فيه أيضًا، والتِّرْمِذيّ في الزهد.