الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصحابي في أُمَّتي كَالمِلْحِ في الطَّعامِ، لا يَصْلُحُ الطَّعامُ إلا بِالمِلْحِ".
قال الحسن: فقد ذَهبَ مِلْحُنا، فكيف نصلُحُ؟!
وروى الترمذي عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أحَدٍ من أصحابي يموتُ بأرضٍ إلا بُعِثَ قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة" انتهى. هذا بعضٌ قليلٌ مما قيل في فضل الصحابة جملة.
وأما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الداخل فيهم العشرة المبشرون بالجنة، فلا يحصي النَّزْرَ من مناقبهم إلا الدَّفاتِرُ الضخامُ، كما هو مسطورٌ فيها عن الجَهَابِذَةِ الأعلام.
الترتيبُ في فضلِ الصَّحابةِ
.
واعلم أن أفضل الصحابة على الإطلاق عند أهل السنة إجماعًا أبو بكر، ثم عمر رضي الله تعالى عنهما، والمشهور عند أهل السنة تقديم عثمان عن علي رضي الله تعالى عنهما، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سُفيان الثَّورِيُّ، ويقال: إِنه رجع عنه، وقال ابن خُزَيْمَةَ وطائفة قبله وبعده، وقيل: لا يَفْضُلُ أحدهما على الآخر، قاله مالك في "المدونة"، وتبعه جماعة منهم يَحيى القطان، وقال ابن مَعِين: من قال: أبو بكر وعُمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضيلته فهو صاحب سنة، ولا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضيلته فهو مذموم قاله في "فتح الباري".
قلت: قوله إن سفيان الثوري قيل: إنه رجع عن تقديم علي على عثمان هذا هو المتعين إن كان الثوري هو القائل بذلك ليوافق ما مر مما أخرجه الخطيب بسند صحيح أنه قال:
"من قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى باثني عشر ألفًا، مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض". والأظهر عندي أن يكون القائل بذلك سفيان بن عُيَيْنة، لما ذكر عنه ابن عَدِيّ أنه كان فيه شيء من التشيع، والثوري لم يقل أحد
عنه ذلك، وما قاله ابن معين في حق عثمان وعلي قال به قبله مَعْمر في حق الشيخين، فقد نقل عبد الرزاق عن معْمر أنه قال لو أن رجلًا قال: عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته، وكذلك لو قال: علي أفضل عندي من أبي بكر وعمر لم أعنفه، إذا عرف فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله، قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لِوَكيع فأعجبه واشتهاه.
وحجة الجمهور في تقديم عثمان على علي: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم. وفي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع: كنا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم.
رواه البخاري أيضًا. وقوله: لا نَعْدِلُ بأبي بكرٍ أَحدًا، أي: لا نجعل له مثلًا.
ولأبي داود من طريق سالم، عن ابن عمر، كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حىٌّ:"أفضلُ أمةِ النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان" زاد الطَّبَرانيُّ في رواية: "فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا يُنْكِرُهُ".
وروى خَيْثَمَةُ بن سليمان في "فضائل الصحابة" من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر:"كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس". فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره.
وقد ادَّعى ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، خلاف قول أهل السنة: إن عليًّا أفضل الناس بعد الثلاثة، وتعقب بأنه يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله على الدوام، وبأن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر، فيخرج حديثه عن أن يكون غلطًا، وابن عمر قد اعترف بتقديم علي على غيره، فالمقطوع به عند أهل السنة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر، واختلفوا فيمن بعدهما، والجمهور على تقديم عثمان كما مر.
ونقل البَيْهَقِيُّ في "الاعتقاد" بسنده إلى أبي ثور، عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
وقال الإِمام أبو مَنْصور البَغْدادي: أصحابُنا مجمعون، على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، والمسألة اجتهادية، ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، قاله في "المواهب".
قلت: كون المسألة اجتهادية يأباه ما مر من الأحاديث عن ابن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام يسمع ذلك ولا ينكره، ومعلومٌ أن سكوته عليه الصلاة والسلام من سنته، اللهم إلا أن يكون الاجتهاد تعضيدًا للأحاديث لكونها خبر آحاد قابلة للتعضيد.
والعشرة المبشرون بالجنة: هم الخلفاء الأربعة، وطَلْحة، والزُّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عَوْف، وأبو عبيدة عامر بن الجَرّاح.
وحديث تبشيرهم جميعًا بالجنة رواه الترمذي عن سعيد بن زَيْد. وروى البخاري عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ تبشير أبي بكر وعمر وعثمان بها يوم بئر أَرِيس، حين كان بوابًا على النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل. وجمع ابن حجر العَسْقَلاني شيخ الإِسلام العشرة المبشرين بالجنة في بيت واحد، فقال:
لَقَدْ بَشَّرَ الهَادِي منَ الصَّحْبِ زُمْرَةٌ
…
بجَنّاتِ عَدنٍ كلُّهُمْ فَضلُهُ اشْتهَرْ
سَعيدٌ زُبَيرُ سَعدُ طَلحةُ عَامِرٌ
…
أبو بَكْر عُثْمانُ ابنُ عَوْفٍ عَلي عُمَرْ
قال في "فتح الباري": وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استُشْهد في حياته صلى الله عليه وسلم وعين بعضهم منهم جعفر بن أبي طالب، ومنهم من ذهب إلى العباس، وهو قول مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السنة، بل ولا من أهل الإيمان، ومنهم من قال: أفضلهم مطلقًا عمر، متمسكًا
بالحديث الصحيح الذي في المنام، إذ فيه في حق أبي بكر "وَفي نَزْعِهِ ضَعْفٌ" وهو تمسك واه.
قال في "المواهب": فإن قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، ولكن محبته لبعضهم تكون أكثر هل يكون آثمًا به أم لا؟
فأجاب شيخ الإِسلام الوَليُّ ابن العراقي: إن المحبة قد تكون لأمر دُنيويٍّ، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له كثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل، ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم، إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان فلا تناقض في ذلك، ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عُمَرَ، ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من محبة أبي بكر، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلي، لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي، أو غير ذلك من المعاني، فلا امتناع فيه.
وقد روى الطَّبَريُّ في "الرياض"، وعزاه للمَنْلا في سيرته، عن أنس مرفوعًا:"إن الله افْتَرَضَ عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما افترض الصلاةَ والزكاةَ والصومَ والحجَّ، فمن أنكر فضلَهم فلا تقبل منه الصلاةُ ولا الزكاةُ ولا الصومُ ولا الحجُّ".
وأخرج الحافظ السِّلَفِيُّ في مشيخته من حديث أنس مرفوعًا: "حُبُّ أبي بكر واجب على أمتي".
وأخرج الأنْصاريُّ عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا بكر ليت أني لقيت إخواني" فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن إخوانك، قال: "لا،