المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رجوعه إلى بخارى - كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري - جـ ١

[محمد الخضر الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌تنبيه:

- ‌ كوثر المعاني الدراري، في خبايا صحيح البخاري

- ‌مقدمة في حقيقة الصحابة والتابعين عليهم رضوان الله تعالى

- ‌طبقات الصحابة

- ‌ما قيل في عدَّة الصحابة رضي الله تعالى عنهم

- ‌بعض ما قيل في فَضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين

- ‌بعض الأحاديث الواردة في فضلهم رضي الله عنهم

- ‌ومما هو وارد في فضلهم من الأحاديث:

- ‌الترتيبُ في فضلِ الصَّحابةِ

- ‌في فضل أحد من المتأخرين على أحد من الصحابة

- ‌ما قيل في محبة الصحابة

- ‌ما قيل فيمن سَبَّ الصحابةَ

- ‌الِإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة

- ‌ فروعً

- ‌فيما تُعْرَفُ به الصُّحبة

- ‌في عدالة الصحابة

- ‌في المكثرين رواية وفتوى

- ‌فِيْمَنْ يقالُ لَهُمُ: العبادلة

- ‌فيمن لهم أتباع في الفقه

- ‌فيمن انتهى إليهم العلمُ من الصَّحابةِ

- ‌في عدد الصحابة وطِباقِهم

- ‌في ترتيبهم في الفضل

- ‌في أول من أسلم من الصحابة

- ‌في آخرهم موتًا

- ‌حقيقة التابعين وطبقاتهم

- ‌أفضل التابعين

- ‌الفقهاء السبعة

- ‌المُخَضْرَمونَ

- ‌فائدتان

- ‌نبذة من السيرة النبوية

- ‌ما يُقال فيمن يقال له: قرشي وعلى اشتقاق التسمية

- ‌موت والده عبد الله

- ‌مدة الحمل به ومحل ولادته صلى الله عليه وسلم

- ‌عام ولادته صلى الله عليه وسلم

- ‌الشهر الذي وُلِدَ فيه

- ‌في أي يوم من الشهر ولد

- ‌اليوم الذي ولد فيه

- ‌على أنه ولد ليلًا

- ‌فضل ليلة المولد على ليلة القدر

- ‌إرضاعه صلي الله تعالى عليه وسلم

- ‌رد حليمة له إلى أمه صلى الله عليه وسلم

- ‌موت أمه آمنة صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌موت جده عبد المطلب

- ‌قصة بحيرى الراهب

- ‌قصة نسطورا الراهب

- ‌وقت البعثة

- ‌مخرجه إلى المدينة

- ‌مكثه بمكة بعد البعثة

- ‌قدومه المدينة

- ‌قيامه بالمدينة

- ‌عدد غزواته وسراياه صلى الله عليه وسلم

- ‌سِنه عليه الصلاة والسلام

- ‌أزواجه عليه الصلاة والسلام

- ‌أولاده عليه الصلاة والسلام

- ‌أسماؤه عليه الصلاة والسلام

- ‌معنى محمَّد

- ‌معنى أحمد

- ‌خاتَم النُّبُوّة

- ‌تنبيه:

- ‌ تعريف البخاري

- ‌زهده وحسن سيرته

- ‌ثناء أشياخه عليه

- ‌ثناء أقرانه وطائفة من أتباعه عليه:

- ‌عجيب حفظه

- ‌فضائِلُ الجامعِ الصحيح

- ‌ما وقع له مع محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ

- ‌رجوعه إلى بخارى

- ‌مبادئ علم الحديث

- ‌سند المؤلف المتصل بالبخاري

- ‌ كتاب بدء الوحي

- ‌باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌الحديث الأول

- ‌تنبيه:

- ‌وأما رجاله فستة:

- ‌أنواع الرواية:

- ‌الألفاظ التي يؤدي بها السماع من لفظ الشيخ

- ‌أقسام التدليس

- ‌أولها: تدليس الإِسناد:

- ‌والثاني من الأقسام: تدليس الشيخ

- ‌الثالث: تدليس التسوية المعبر عنه عند القدماء بالتجويد

- ‌رواية الأقران

- ‌إبدال الرسول بالنبي وعكسه:

- ‌الغريب

- ‌العزيز

- ‌المشهور

- ‌ المتواتر

- ‌ الفرد

- ‌الحديث الثاني

- ‌وأما رجاله فستة:

- ‌الحديث الثالث

- ‌وأما رجاله فستة

- ‌الحديث الرابع

- ‌رجالُهُ ثلاثةٌ:

- ‌تنبيه:

- ‌الحديث الخامس

- ‌وأما رجاله فخمسة:

- ‌الحديث السادس

- ‌رجاله ثمانية:

- ‌الحَديث السابع

- ‌الرجال أربعة:

- ‌ كتاب الإِيمان

- ‌1 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "بني الإِسلام على خمس

- ‌2 - باب دعاؤكم إيمانكم

- ‌الحديث الأول

- ‌رجاله أربعة:

- ‌3 - باب أمور الإِيمان

- ‌الحديث الثاني

- ‌رجاله ستة:

- ‌4 - باب المُسلم مَنْ سَلم المسلمون من لِسانِهِ ويده

- ‌الحديث الثالث

- ‌رجاله ستة:

- ‌ورجال التعليقين خمسة:

- ‌5 - باب أي الإِسلام أفضل

- ‌الحديث الرابع

- ‌رجاله خمسة:

- ‌6 - باب إطعام الطعام من الإسلام

- ‌الحديث الخامس

- ‌رجاله خمسة:

- ‌7 - باب من الإِيمان أن يُحبَّ لأخيه ما يُحبَّ لنفسهِ

- ‌الحديث السادس

- ‌ورجال الطريقين ستة:

- ‌8 - باب حُبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم من الإِيمان

- ‌الحديث السابع

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث الثامن

- ‌رجال الإِسناديْن سبعة:

- ‌9 - باب حلاوة الإِيمان

- ‌الحديث التاسع

- ‌رجاله خمسة:

- ‌10 - باب علامة الإِيمان حب الأنصار

- ‌الحديث العاشر

- ‌رجاله أربعة:

- ‌11 - باب

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌12 - باب من الدّين الفِرار مِنَ الفتن

الفصل: ‌رجوعه إلى بخارى

مسلم رداءه فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، فبعث إلى الذُّهْلِيُّ جميع ما كتبه عنه على ظهر جمال. قال ابن حَجَر: أنصف مسلم، فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا.

ولما قام مُسلم وأحمد بن سَلَمة من مجلس محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ بسبب البُخاري، قال الذُّهْلِيّ: لا يساكنني هذا الرجل في البلد، فخشي البخاري، وسافر، قال أحمد بن سَلَمة: دخلت على البخاري فقلت له: يا أبا عبد الله: إن هذا رجل مقبولٌ في خُراسان لا سيما في هذه المدينة، وقد لَجَّ في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال:{وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]. ثم قال: اللهم إنك تعلم أَني لم أرد المقام بنيسابور أَشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وإنما أبت نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غدًا لتخلصوا من حديثه لأجلي.

‌رجوعه إلى بخارى

فخرج إلى بخارى، ولما رجع لها نصبت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدنانير والدراهم، فبقي مدة ثم وقع بينه وبين أمير بخارى خالد بن أحمد الذُّهْلِيّ ما وقع، فأمر بخروجه، وذلك أن الأمير بعث إليه أن احمل إليَّ "الجامع" و"التاريخ" لأسمع منك، فقال البخاري لرسوله: قل له: إني لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضر في مسجدي، أو في داري، فإن لم يُعْجِبْك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، فإني لا أكتم العلم، فكان هذا سبب الوَحْشة بينهما؛ فاستعان عليه الأمير بحُرَيْث بن أبي وَرْقاء وغيره من أهل بُخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، فدعا عليهم، فقال: اللهم أرِهِم ما قصدوني به في أنفسهم،

ص: 105

وأولادهم، وأهاليهم. أما خالد فلم يأت عليه إلا أَقَلُّ من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن يُنادى عليه، فنودِيَ عليه، وهو على أتان، وأشْخصَ على إكافٍ، ثم صار عاقبة أمره إلى العَزل والحبس، وأما حُرَيَثْ فابتُلى في أهله، فرأى فيها ما يَجِلُّ عن الوصف، وأما فلان فإنه ابتُلي في أولاده، فأراه الله فيهم البلايا.

قال عبد القُدوس بن عبد الجبار: فخرج البخاري إلى خَرْتَنْك -بفتح الخاء والتاء بينهما راء ساكنة، وبعد التاء نون ساكنة- قرية من قرى سَمَرْقَنْد، وكان له فيها أقرباء، فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي، وقد فَرَغَ من صلاة الليل، يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تَمَّ الشهر حتى قبضه الله تعالى، قال غالب بن جِبْريل الذي نزل عنده البخاري بخَرْتَنْك: إنه أقام أيامًا فمرض حتى وُجِّهَ إليه رسول من أهل سَمَرْقَنْد يلتمِسون فيه الخروج إليهم، فأجاب وتَهيَّأَ للركوب، ولبس خُفَّيْهِ وتَعَمَّمَ، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني، فقد ضَعُفْت؛ فأرسلناه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقبض، فسال منه عرقٌ كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عِمامة ففعلنا، فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه، ووضعناه في قبره، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، ودامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه حتى جعلنا عليه خشبًا مُشبكًا، قال عبد الواحد بن آدم الطَّوَاوِيْسِيُّ: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت له: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمَّد بن إسماعيل، قال: فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت فيها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومئتين، وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، تغمده الله برحمته. ومن روى عنه البخاري يَجِلُّ عن العد، ويكفي

ص: 106

ما في "صحيحه" لمن نظره، وكذلك من روى عن البخاري، فقد ذكر الفِرَبْري أن "الجامع الصحيح" سمعه منه تسعون ألفًا، وقد روى عنه من أشياخه خلق، ومن أقرانه خلق، وتصانيفه عدد كثير، نحو عشرين مصنفًا، كلها مفيد جدًا، انتفع به المسلمون في أقطار الأرض، وهذا القدر كاف من ترجمته، منبه على ما لم يُذكر منها، وهو كرشفة من البحر.

ولما كانت لـ"البخاري" شروح كثيرة، لا بد من الإحالة عليها، والعزو إليها، أردت أن أذكر جملة من شروحه، وها أنا أذكر منها ما ذكره القَسْطَلّاني في أوائل "شرحه".

شرحه الإِمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخَطّابي بشرح لطيف، فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة، واعتنى الإِمام محمَّد التَّيْمِيّ بشرح ما لم يذكره الخطابي مع التنبيه على أوهامه.

وشرحه المهلب بن أبي صُفرة، وهو ممن اختصر "الصحيح". وممن شرحه أبو الزِّناد سراج، واختصر "شرح المهلب" تلميذه أبو عبد الله محمَّد ابن خَلَف بن المُرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممن نقل عنه ابن رشيد.

وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن علي بن خَلَف المالكِيّ الهِندي المشهور بابن بَطّال، وغالبه في فقه الإِمام مالك من غير تَعَرُّض لموضوع الكتاب غالبًا.

وشرحه أبو جعفر أحمد بن سعيد الداوودي، وهو ممن ينقل عنه ابن التِّين -بفوقية بعدها تحتانية ثم نون- السَّفَاقُسي.

وشرحه الزين بن المنير في نحو عشر مجلدات.

وشرحه أبو الأَصْبَعْ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي، وكذا الإِمام قُطب الدين عبد الكريم الحَلَبِيّ الحَنَفِيّ، وكذا الإِمام مُغْلُطاوي التركي، قال صاحب الكَواكب: وشرحه بِتَتْميم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح

ص: 107

التعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه، وتوضيح معانيه على أمان واختصره الجلال التباني.

وشرحه العلامة شمس الدين محمَّد بن يوسف بن علي بن محمَّد بن سعيد الكِرْماني، فشرحه بشرح مفيد، جامع لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسماه "الكواكب الدراري" لكن قال الحافظ ابن حَجَر في "الدرر الكامنة": وهو شرح مفيد، على أوهام فيه في النقل، لأنه لم يأخذه إلا من الصحف.

وكذا شرحه ولده التّقِيّ يحيى، مستمدًا من شرح أبيه، وشرحه ابن المُلقِّن، وأضاف إليه من "شرح الزَّرْكَشيّ" وغيره من الكتب وما سنح له من حواشي الدِّمْياطي "وفتح الباري""والبدر العِتابي" وسماه "مجمع البحرين، وجواهر الجدين" وهو في ثمانية أجزاء كبار، وكذا شرحه العلامة السراج بن المُلَقِّن، وكذا شرحه العلامة شمس الدين البرْماوِي في أربعة أجزاء، أخذه من شرح الكِرماني وغيره، كما قال في أوله. ومن أصوله أيضًا مقدمة "فتح الباري" وسماه "اللامع الصبيح"، ولم يُبيَّضْ إلا بعد موته، وكذا شرحه الشيخ برهان الدين الحلبي، وسماه "التلقيح لفهم قارئى الصحيح"، وهو بخطه في مجلدين، وبخط غيره في أربعة، وفيه فوائد حسنة، وقد التقط منه الحافظ ابن حَجَر، حيث كان جَلَبَ ما ظن أنه ليس عنده، لكونه لم يكن عنده إلا كراريس يسيرة من "الفتح"، وشرحه أيضًا شيخ الإِسلام الحافظ أبو الفضل ابن حَجَر، وسماه "فتح الباري" وهو في عشرة أجزاء، ومقدمته في جزء، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد الحديثية، والنكات الأدبية، والمهمات الفقهية تغني عن وصفه، لا سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربما يتبين من بعضها ترجيحُ أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضع ما يتعلق بقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه، قال الشيخ زَكَرِيا الأنصاري: وكثيرًا ما كان رحمه الله تعالى يقول: أود لو تتبعت الحوالَات

ص: 108

التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المحال به مذكورًا، أو ذكر في مكان آخر غير المحال عليه ليقع إصلاحه فما فعل ذلك، وكذلك ربما يقع لترجيح أحد الأوجه في الِإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع، ثم يرجح في موضع آخر غيره إلى غير ذلك مما لا طَعْن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئة على طريق الِإملاء، ثم صار يكتب بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكُرّاس، ثم يكتب جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يوم من الأسبوع، وذلك بقراءة العلامة ابن خَضِر، فصار السِّفْرُ لا يكمل منه شيء إلا وقد قوبل وحرر، إلى أن انتهى.

قلت: لعل هذا الصنيع الواقع في التأليف هو السبب في تغيير الِإحالات المذكورة. وكان انتهاؤه في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته إلا قبيل وفاة المؤلف بيسير، ولما تم عمل مصنفه وليمة بالمكان المسمى بالتاج والسبع وجوه، وكانت في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقرىء المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمة كالقاياتي، والونائي، والسعد الدُّرِّي، ولم يتخلف عنها من وجوه المسلمين إلا النادر، وكان المصروف على تلك الوليمة نحو خمس مئة دينار، أكمل الله تعالى بمنه وكرمه شرحنا، وأقدرنا على وليمة مثلها أو أزيد، وكملت مقدمته وهي في مجلد فخم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة.

وقد اختصر "فتح الباري" الشيخ أبو الفتح محمَّد بن الشيخ وفي الدين ابن الحسين المَرَاغِيّ.

وشرحه العلامة بدر الدين العَيْنِيّ الحنفي في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه "عمدة القارىء"، وشرع في تأليفه في أواخر رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئة، وفرغ في آخر الثلث الأول من ليلة السبت خامس

ص: 109

جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وثمان مئة واستمد فيه من "فتح الباري".

كان فيما قيل يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مؤلفه له، وتعقبه في مواضع مطولة بما تعمد الحافظ ابن حجر في "الفتح" تركه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب، واللغات، والإعراب، والمعاني، والبيان، واستنباط الفوائد من الحديث، والأسئلة والأجوبة، وغير ذلك.

قلت: جميع ما ذكر لم يترك منه في "الفتح" إلا ما يستغنى عنه، ومن تابع العَيْنيِّ وجده فيما يذكر من الأحاديث كالتخريج على "الفتح"، وقد حكي أن بعض الفضلاء ذكر لابن حَجَر ترجيح "شرح العيني" بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين، وكنت وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا النهج، ولذا لم يتكلم العيني بعد تلك القطعة بشيء من ذلك، قلت: يظهر هذا بديهة لمطالعه بعد الأجزاء الأول، وبالجملة هو شرح حافل كامل، ولكن "فتح الباري" فتح الباري.

وكذا شرح مواضع من البخاري الشيخ بدر الدين الزَّرْكَشِيّ في "التنقيح"، وللحافظ ابن حجر نكت عليه لم تكمل، وكذا شرحه العلامة بدر الدين الدَّمامِيني، وسماه "مصابيح الجامع"، وشرحه الحافظ الجلال السُّيوطِيّ في تعليق لطيف قريب من "تنقيح" الزركشي، سماه "التوشيح على الجامع الصحيح"، وكذا شرح شيخ الإِسلام أبو زكرياء يحيى النَّوَوي قطعة من أوله، إلى آخر كتاب الإيمان، قلت: قد طبعت وطالعتها، وكذا شرح الحافظ ابن كثير قطعة من أوله، والزين ابن رجب الدمشقي، والعلامة السراج البُلْقِيني، والبدر الزَّرْكَشِي في غير "التنقيح" مطولًا، وشرحه المَجْد الشِّيرازِيّ اللغوي مؤلف "القاموس"، سماه "منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح البخاري"، كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلدًا، قال التقي الفاسِيّ:

ص: 110

لكنه قد ملأه بغرائب المنقولات، لا سِيّما لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل من "فتوحاته" الكثير ما كان سببًا لشين شرحه عند الطاعِنين فيه، وقال الحافظ ابن حجر: إنه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلفه قد أكلتها الأرضة بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيء منها. ويقال: إن الِإمام أبا الفضل النُّوَيْرِيّ، خطيب مكة، شرح مواضع منه، وكذا العلامة محمَّد بن أحمد ابن مرزوق شارح بردة البُوصِيْرِيّ، وسماه "المتجر الربيح والمسعى الرجيح في شرح الجامع الصحيح"، وشرح العارف القدوة، عبد الله بن أبي جمْرة، ما اختصر منه وسماه "بهجة النفوس"، وشرحه البُرهان النُّعْماني إلى أثناء الصلاة، ولم يف بما التزمه، وشرحه شيخ الإِسلام، أبو يحيى زكريا الأنصاري السنيكي، وشرحه الشمس الكُوراني مؤدب السلطان المظفر أبي الفتح محمَّد بن عثمان، فاتح القُسْطَنْطِينِيّة، سماه "الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري"، وهو في مجلدين، وللعلامة شيخ الإِسلام جلال الدين البُلْقيني "بيان ما فيه من الايهام"، وهو في مجلد، وشرحه أبو البقاء الأحمدي، وأظنه لم يكمل، وشرحه فقيه مذهب الشافعية الجلال البَكْرِي، ولم يكمل، وكتب الشيخ شمس الدين الدَّلْجي قطعة لطيفة من شرحه، ولابن عبد البَرّ "الأجوبة على المسائل المُستغربة من البخاري"؛ سأله عنها المهلب بن أبي صفرة، وكذا لأبي محمَّد بن حَزْم عدة أجوبة عليه، ولابن المنير حواش على ابن بَطّال، وله أيضًا كلام على التراجم، سماه "المتواري"، وكذلك لأبي عبد الله بن رشيد "ترجمان التراجم"، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حَمامة المَغراوي السلجماسي "حل أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، وهي مئة ترجمة.

ولشيخ الإِسلام الحافظ ابن حَجَر "انتقاض الاعتراض" يجيب فيه عما اعترضه العيني عليه في شرحه، لكنه لم يُجِبْ عن أكثرها، ولعله كان يكتب الاعتراضات ويُبَيِّضُ لها، يجيب عنها، فاخترمته المنية، وله أيضًا

ص: 111

"الاستنصار على الطاعن المختار"، وهو صورة فتيا عما وقع في خطبة شرح البخاري للعلامة العيني، وله أيضًا أحوال الرِّجال المذكورين في البخاري زيادة على ما في "تهذيب الكمال"، وسماه "الإِعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام"، وله أيضًا "تغليق التعليق"، ذكر فيه تعاليق أحاديث الجامع المرفوعة، وآثاره الموقوفة، والمتابعات، ومن وصلها بإسناده إلى الموضع المعلق، وهو كتاب حافل عظيم في بابه، لم يسبقه إليه أحد فيما عُلِمَ، وقد نظمه العلامة اللغوي المَجْد صاحب "القاموس"، ولخصه في مقدمة "الفتح"، فحذف الأسانيد، ذاكرًا من خرجه موصولًا، وكذا شرح البخاري العلامة المتفنن الأوحد الزَّيْنِيُّ عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسي الشافعي شرحًا رتبه على ترتيب عجيب، وأسلوب غريب، فوضعه كما قال في ديباجته على منوال مصنف ابن الأثير، وبناه على مثال جامعه المنير، وجرده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كل حديث حرفًا أو حروفًا يُعْلم بها من وافق البخاري على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة جاعلًا إثر كل كتاب جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب موازيًا لشرحها، ليكون أسرع في الكشف، وأقرب إلى التناول، وقَرَّظَه شيخ الإِسلام البرهان بن أبي شريف، والزين عبد البر ابن الشِّحْنة، والعلامة الرَّضيّ الغزي.

ومن أجود شروحه وأقربها تناولًا، وأحلاها مذاقًا وأحسنها اختصارًا مع كثرة الفائدة، "إرشاد الساري" شرح العلامة أحمد بن محمَّد بن أبي بكر ابن عبد الملك بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن علي القَسْطَلّاني القاهِري الشافعي، ولد في اثنتين وعشرين ذي القعدة، سنة إحدى وخمسين وثمان مئة بمصر، وتوفي يوم الخميس مُسْتَهَل المحرم افتتاح سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وكان يوم موته يوم دخول السلطان سليم مصر، وتعذر الخروجُ به في ذلك اليوم إلى الصحراء.

ص: 112